الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعبرة التي تؤخذ من هذه الجملة الكريمة، أن من أمره الله- تعالى- بقول أو يفعل، فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله، دخل في زمرة الظالمين، وعرض نفسه لسوء المصير.
وقوله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله- تعالى- والرجز في لغة العرب: هو العذاب سواء أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها.
وفي النص على أن الرجز قد أتاهم من جهة السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن دفعه وأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى أو نحوها، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء. فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم، ولم يقل القرآن «فأنزلنا عليهم» ، بالإضمار، وإنما قال فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بالإظهار، تأكيدا لوصفهم بأقبح النعوت وهو الظلم، وإشعارا بأن ما نزل عليهم كان سبيه بغيهم وظلمهم.
وقد تضمنت الآيتان الكريمتان أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها، وأرشدوا إلى القول الذي يكفر سيئاتهم فخالفوا ما أرشدوا إليه مخالفة لا تقبل التأويل، فكانت نتيجة جحودهم ومخالفتهم لأمر الله حرمانهم من تلك النعمة إلى حين، ومعاقبتهم لظلمهم بالعذاب الأليم، وفي هذا التذكير امتنان عليهم ببذل النعمة، لأن عدم قبولهم لها لا يمنع كونها نعمة، وفيه إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوي على ما ضاع من أسلافهم بسبب مخالفتهم وتمردهم وفيه أيضا تحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أسلافهم من عذاب أليم.
عاشرا: نعمة إغاثتهم بالماء بعد أن اشتد بهم العطش.
ثم ذكرهم- سبحانه- بعد ذلك بنعمة من أجل نعمه عليهم، وهي إغاثتهم في التيه بالماء بعد أن اشتد بهم العطش، فقال تعالى:
[سورة البقرة (2) : آية 60]
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)
الاستسقاء: طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر، وذلك عن طريق الدعاء لله- تعالى- في خشوع واستكانة، وقد سأل موسى ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش، عند ما كانوا في التيه، فعن ابن عباس أنه قال:«كان ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصارت منه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها «1» .
وهذه النعمة كانت نافعة لهم في دنياهم لأنها أزالت عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا، وكانت نافعة لهم في دينهم لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله. وعلى قدرته وعلمه، ومن أقوى البراهين على صدق موسى- عليه السلام في نبوته «2» .
ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش الشديد وهم في صحراء مجدبة، فتوسل إلينا نبيهم موسى- عليه السلام في خشوع وتضرع أن أمدهم بالماء الذي يكفيهم، فأجبناه إلى ما طلب، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر. ففعل، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد الأسباط، وصار لكل سبط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره، وقلنا لهم: تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنيء رزقكم الله إياه من غير تعب ولا مشقة، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فتتحول النعم التي بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين.
وقوله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو موسى- عليه السلام وحده، لتظهر كرامته عند ربه لدى قومه، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله- تعالى- له، حيث أجاب سؤاله، وفجر الماء لهم ببركة دعائه.
واللام في قوله- تعالى- لِقَوْمِهِ للسببية، أى لأجل قومه.
والفاء في قوله- تعالى- فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ، عطفت الجملة بعدها على محذوف، والتقدير: فأجبناه إلى ما طلب، وقلنا اضرب بعصاك الحجر.
وال في الْحَجَرَ لتعريف الجنس أى اضرب أى حجر شئت بدون تعيين، وقيل للعهد، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى- عليه السلام بوحي من الله تعالى. وقد أورد المفسرون في ذلك آثارا حكم المحققون بضعفها ولذلك لم نعتد بها.
والذي نرجحه أنها لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى- عليه السلام وأدعى لإيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد
(1) وقيل كان الاستسقاء في البرية ولكن الآثار التي تدل على أنه كان في التيه أصح وأكثر.
(2)
تفسير ابن كثير ج 1 ص 100.
وضوحه، وأبعد عن التشكيك في إكرام الله لنبيه موسى- عليه السلام إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا: إن تفجير الماء كان لمعنى خاص بالحجر لا لكرامة موسى عند ربه- تعالى-.
والفاء في قوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً كسابقتها للعطف على محذوف تقديره: فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وقد حذفت هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى.
وكانت العيون اثنتي عشرة عينا لأن بنى إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطا، والأسباط في بنى إسرائيل كالقبائل في العرب. وهم ذرية أبناء يعقوب- عليه السلام الاثنى عشر، ففي انفجار الماء من اثنتي عشرة عينا إكمال للنعمة عليهم، حتى لا يقع بينهم تنازع وتشاجر:
وقال- سبحانه-: فَانْفَجَرَتْ. وقال في سورة الأعراف فَانْبَجَسَتْ والانبجاس خروج الماء بقلة. والانفجار خروجه بكثرة، ولا تنافى بينهما في الواقع لأنه انبجس أولا. ثم انفجر ثانيا، وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه.
وقوله تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عينا أى: قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه، فلا يتعداه إلى غيره، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض.
وقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ مقول لقول محذوف تقديره: وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله.
وقد جمع- سبحانه- بين الأكل والشرب- وإن كان الحديث عن الشراب- لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى، وقد قيل هنالك: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان.
وقوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال النعمة في غير ما وضعت له، بعد أن أذن لهم في التمتع بالطيبات، لأن النعمة عند ما تكثر قد تنسى العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة، ويعيث في الأرض فسادا. قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
والمعنى: ولا تسعوا في الأرض مفسدين، وتقابلوا النعم بالعصيان فتسلب عنكم.
قال ابن جرير- رحمه الله: (وأصل العثا شدة الإفساد بل هو أشد الإفساد، يقال منه: