الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بينهم، يريهم- سبحانه- أعمالهم السيئة يوم القيامة فتكون حسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم.
ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان عاقبة أمرهم فقال: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
أى: وما هم بخارجين من تلك النار التي عوقبوا بها بسبب شركهم، بل هم مستقرون فيها استقرارا أبديا، وقد جاءت الجملة اسمية لتأكيد نفى خروجهم من النار، وبيان أنهم مخلدون فيها كما قال- تعالى- في آية أخرى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها.
وهكذا يسوق لنا القرآن ما يدور بين التابعين والمتبوعين يوم القيامة من تنصل وتحسر وتخاصم بتلك الطريقة المؤثرة، حتى لكأنك أمام مشهد مجسم، ترى فيه الصور الشاخصة حاضرة. وذلك لون من ألوان بلاغة القرآن في عرضه للحقائق، حتى تأخذ سبيلها إلى النفوس الكريمة، وتؤتى ثمارها الطيبة في القلوب السليمة.
ثم وجه القرآن نداء عاما إلى البشر أمرهم فيه بأن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات، ونهاهم عن اتباع وساوس الشيطان فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 169]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169)
كُلُوا صيغة أمر واردة في معنى الإباحة.
والحلال ما أذن الله في تناوله من مطعومات أو مشروبات.
قال الرازي: وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد، ومنه حل بالمكان إذا نزل، لأنه حل شد الارتحال للنزول، وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، وحل من إحرامه، لأنه حل عقدة الإحرام.. ثم قال: واعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه- في ذاته- كالميتة والدم ولحم الخنزير، وقد يكون حراما لوصف عارض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله- فحرمته لتعلق حق الغير به- فالحلال هو الخالي عن هذين القيدين» «1» .
(1) تفسير الفخر الرازي- بتصرف وتلخيص ج 5 ص 2.
وَالطَّيِّبُ: هو المستلذ المستطاب الذي تقبل عليه النفوس الطاهرة وتنبسط لتناوله، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر ولا موقع في تهلكة، إذ القذر ينفر منه الطبع السليم، والموقع في تهلكة يمجه العقل القويم.
ومن: في قوله: مِمَّا فِي الْأَرْضِ للتبعيض، لأن بعض ما في الأرض كالحجارة- مثلا- لا يؤكل، ولأنه ليس كل ما يؤكل يجوز أكله فلذلك قال: حَلالًا طَيِّباً
…
وقوله: حَلالًا مفعول به لقوله: «كلوا» أو حال مما في الأرض، أى: كلوه حال كونه حلالا. أو صفة لمصدر محذوف، أى: كلوه أكلا حلالا.
وقوله: طَيِّباً صفة مقررة ومؤكدة لمعنى يستفاد من قوله: حَلالًا وهو طهارة المأكول وخلوه من القذارة، وعدم إيقاعه في ضرر.
قال الآلوسى: «وفائدة وصف الحلال بالطيب تعميم الحكم كما في قوله- تعالى-:
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعم، بخلاف غير الموصوفة» «1» .
والمعنى: يا أيها الناس لقد أباح الله لكم أن تأكلوا من كل ما تحويه الأرض من المطعومات التي أحلت لكم، والتي تستلذها النفوس الكريمة، والقلوب الطاهرة، فتمتعوا بهذه الطيبات في غير سرف أو غرور، واشكروا الله- تعالى- على ما رزقكم من نعم.
ولقد أمر الله عباده في كثير من الآيات أن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات ومن ذلك قوله- تعالى-: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
وفي صحيح مسلّم عن عياض المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومى هذا. يقول الله- تعالى-: كل مال نحلته- أى منحته- عبادي فهو لهم حلال، وإنى خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا..» . وعن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً فقام سعد بن أبى وقاص فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه
(1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 38 طبعة منير الدمشقي.
من السحت والربا فالنار أولى به» «1» .
وليس من الورع ولا الزهد المرضى عنه شرعا ترك بعض المباحاث، فإن الله سوى في المباح بين الفعل والترك، ومن يجعل ترك المباح من الورع، والورع مندوب، فكأنه يقول: إن الترك راجح على الفعل، وهو غير ما حكم الله به.
وكان الحسن البصري- وهو من أجل التابعين- يقوم عوج من يعدون من الزهد المحمود الامتناع عن تناول بعض المباحات كالأطعمة اللذيذة.
يحكى عنه أنه شهد يوما وليمة، فرأى رجلا يرفع يده عند ما قدمت الحلوى فقال له الحسن:
كل يا لكع فلنعمة الله عليك في الماء البارد أعظم من نعمته في هذه الحلوى.
ودخل عليه مرة أحد الزهاد فقال له الحسن: أتحب الخبيص- وهو طعام لذيذ- فقال الزاهد: لا أحبه ولا أحب من يحبه!! فأقبل الحسن على جلسائه وقال لهم: أترونه مجنونا.
والخلاصة: أنه لا ورع في ترك المباح الذي أحله الله من حيث فيه متعة للنفس، فذلك هو التنطع في الدين، وإنما الورع في ترك الإكثار من تناول تلك المباحات، لأن الإكثار منها قد يؤدى إلى الوقوع فيما نهى الله عنه.
هذا، وقد أورد بعض المفسرين آثارا تدل على أن هذه الآية نزلت في يوم معينين.
قال الآلوسى: نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقيل نزلت في قوم من ثقيف وبنى عامر ابن صعصعة وخزاعة وبنى مدلج حيث حرموا التمر والاقط على أنفسهم «2» والذي نراه أن الخطاب في الآية لجميع المكلفين من البشر، وأنها واردة لتفنيد آراء الذين يحرمون على أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع على تحريمها، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم قال- تعالى-: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
الخطوات: جمع خطوة كغرفة وقيل جمع خطوة كقبضة، وهي في الأصل ما بين القدمين عند المشي، وتستعمل على وجه المجاز في الآثار.
أى: كلوا أيها الناس من الطيبات التي أحلها الله لكم. ولا تتبعوا آثار الشيطان وزلاته
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 204 طبعة عيسى الحلبي.
(2)
تفسير الآلوسى ج 2 ص 28.
ووساوسه وطرقه التي يحرم بها الحلال ويحلل الحرام والتي يقذفها في صدور بعض الناس فتجعلهم ينتقلون من الطاعات إلى المعاصي.
وفي الجملة الكريمة استعارة تمثيلية، إذ أن السائر في طريق إذا رأى آثار خطوات السائرين تتبع ذلك المسلك ظنا منه بأن ما سار فيه السائر قبله إلا لأنه موصل للمطلوب، فشبه المقتدى الذي لا دليل معه سوى المقتدى به وهو يظن مسلكه موصلا، بالذي يتبع خطوات السائرين، وشاعت هذه الاستعارة حتى صاروا يقولون هو يتبع خطا فلان بمعنى يقتدى به.
وقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل للنهى عن اتباع الشيطان و «مبين» من أبان بمعنى بان وظهر، وقيل: من أبان بمعنى أظهر، أى: مظهر للعداوة.
والمعنى: «ولا تتبعوا خطواته لأن عداوته ظاهرة لكم بحيث لا تخفى على أى عاقل.
وقوله- تعالى-: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ استئناف لبيان كيفية عداوته، وتفصيل لأنواع شروره ومفاسده.
والسوء في الأصل: مصدر ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه، والمراد به هنا، كل ما يغضب الله- تعالى- من المعاصي، لأنها تسوء صاحبها وتحزنه في الحال أو المآل.
والفحشاء والفاحشة والفحش: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال.
وروى عن ابن عباس أنه فسر السوء بما لا حد فيه، والفحشاء بما فيه حد.
والأمر في الأصل: الطلب بالقول، واستعمل في تزيين الشيطان المعصية، لأن تزيينها في معنى الدعوة إليها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف كان الشيطان آمرا مع قوله لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ؟
قلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتنى نفسي بكذا، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه، ولذلك قال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وقال- تعالى-: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت» «1» .
وقوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ معطوف على ما قبله.
أى: يأمركم الشيطان بالسوء والفحشاء، ويأمركم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 213.
والقول على الله بغير علم من مظاهره أن يقول قائل: لقد أحل الله كذا وحرم كذا بدون دليل شرعي يعتمد عليه.
وقال بعض العلماء: وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض الوقائع أحكاما من طريق الاستنباط، قد يستندون في ذلك إلى دليل يفيد الظن بالحكم، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به، فيكون إفتاؤه من قبيل القول على الله بغير علم، ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظنى أصل انعقد عليه الإجماع وأصبح مقطوعا به، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع في حقه أو حق من يتابعه هو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ في العلم قائلا على الله ما لا يعلم» «2» .
هذا، ومن الآيات الكثيرة التي وردت في القرآن الكريم في التحذير من الشيطان ووساوسه قوله- تعالى-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ.
وقوله- تعالى-: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا.
وقوله- تعالى-: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ.
وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الإكثار من ذكر الله خير معين للإنسان للتغلب على وساوس
(1) من كتاب «أعلام الموقعين» لابن القيم. نقلا عن تفسير القاسمى ج 2 ص 270.
(2)
تفسير القرآن الكريم لفضيلة الإمام محمد الخضر حسين، مجلة لواء الإسلام. السنة الرابعة. العدد السادس. [.....]