الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبعد أن عرض القرآن هذين النوعين اللذين نجدهما في كل زمان ومكان، وجه نداء إلى المؤمنين دعاهم فيه إلى الاستجابة التامة لخالقهم فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 212]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212)
السِّلْمِ- بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام- بمعنى واحد، ويطلقان على الإسلام وعلى المسالمة. وبعضهم فرق بين اللفظين فجعل «السلّم» بكسر السين- للإسلام، و «السلّم» - بفتحها- للمسالمة، وأنكر المبرد هذه التفرقة.
قال الفخر الرازي: وأصل هذه الكلمة من الانقياد. قال- تعالى-: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ. والإسلام إنما سمى إسلاما لهذا المعنى. وغلب اسم السلّم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى. لأن عند الصلح ينقاد كل واحد إلى صاحبه» «1» .
(1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 626.
وكَافَّةً أى جميعا. وهي في الأصل صفة من كف بمعنى منع، واستعملت بمعنى الجملة والجميع بعلاقة أنها مانعة من التفرق وهي حال من قوله: السِّلْمِ أى: يا أيها المؤمنون ادخلوا في الإسلام والتزموا بكل تعاليمه، ونفذوا جميع أحكامه وآدابه، واعملوا بكل أوامره ونواهيه، ولا تكونوا ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فالمقصود التزام جميع شرائع الإسلام وأحكامه وآدابه.
وبعضهم يرى أن قوله: كَافَّةً حال من فاعل ادخلوا وهو ضمير الجماعة والمعنى عليه:
ادخلوا في الإسلام جميعا، وانقادوا لأحكامه مجتمعين غير متفرقين، لأنه الدين الذي ألف الله به بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.
وسواء أكان لفظ كَافَّةً حالا من السِّلْمِ أو من فاعل ادْخُلُوا فالمقصود من الآية دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع شعب الإسلام وشرائعه مع التزامهم برباط الإخاء الذي ربط الله به بين قلوبهم بسبب اتباعهم لهذا الدين الحنيف.
وإذا كان المراد بكلمة السِّلْمِ المسالمة والمصالحة كان المعنى: يا أيها الذين آمنوا إن إيمانكم يوجب عليكم فيما بينكم أن تكونوا متصالحين غير متعادين، متحابين غير متباغضين، متجمعين غير متفرقين، كما أنه يوجب عليكم بالنسبة لغيركم ممن هو ليس على دينكم أن تسالموه متى سالمكم، وأن تحاربوه متى اعتدى عليكم، فإن دينكم ما جاء للحرب والخصام وإنما جاء للهداية وللسلام العزيز القوى الذي يرد الاعتداء بمثله.
هذا هو المعنى الذي نراه ظاهرا في الآية، وهو ما سار عليه المحققون من المفسرين.
وبعضهم ذكر أن الخطاب في الآية لمؤمنى أهل الكتاب، لما روى عن ابن عباس أنه قال:
نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام فعظموا السبت وكرهوا لحم الإبل وألبانها بعد أن أسلموا، فأنكر عليهم المسلمون، فقالوا، إنا نقوى على هذا وهذا وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنعمل بها فأنزل الله هذه الآية. فالخطاب لمؤمنى أهل الكتاب «1» .
وبعضهم ذكر أن المراد بالآية المنافقون والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا خطوات الشيطان. وهذان القولان ضعفهما ظاهر، إذ لا سند لهما يعتمد عليه، ولا يؤيدهما سياق الآية الكريمة، لأن الآية الكريمة صريحة في دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع تعاليم الإسلام، وإلى الإخاء الجامع ونبذ التفرق والاختلاف والاعتداء.
(1) تفسير الآلوسى ج 2 ص 97.
وقوله: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تحذير لهم مما يصدهم عن الدخول في السلّم.
أى: أدخلوا في السلّم واحذروا أن تتبعوا مدارج الشيطان وطرقه إنه لكم عدو ظاهر العداوة بحيث لا تخفى عداوته على عاقل.
والخطوات. جمع خطوة- بفتح الخاء وضمها- وهي ما بين قدمي من يخطو.
وفي قوله: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إشعار بأن الشيطان كثيرا ما يجر الإنسان إلى الشر خطوة فخطوة ودرجة فدرجة حتى يجعله يألفه ويقتحمه بدون تردد، وبذلك يكون ممن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. والعاقل من الناس هو الذي يبتعد عن كل ما هو من نزغات الشيطان ووساوسه، فإن صغير الذنوب قد يوصل إلى كبيرها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
وقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ جملة تعليلية، مؤكدة للنهى ومبينة لحكمته.
وقوله: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ تفريع على النهى، وترهيب من العقاب الذي سيصيب المتبعين للشيطان.
قال القرطبي: وأصل الزلل في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك.
يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا، أى: دحضت قدمه.
والبينات: جمع بينة، وهي الأدلة والمعجزات، ومجيئها: ظهورها.
والمعنى: فإن تنحيتم عن طريق الحق، وعدلتم عنه إلى الباطل، من بعد أن ظهرت لكم الأدلة المفرقة بين الصواب والخطأ، والتي تدعوكم إلى اتباع طريق الحق، فاعلموا أن الله عَزِيزٌ لا يقهر ولا يعجزه الانتقام ممن زل حَكِيمٌ لا يترك ما تقتضيه الحكمة وإنما يضع الأمور في مواضعها.
وجيء في الشرط بإن، لندرة حصول الزلل من المؤمنين، إذ الشأن فيهم ذلك.
وقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ جواب الشرط.
وقوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ قطع لعذرهم حتى لا يقولوا يوم الحساب إننا زللنا لأننا لا نعرف الحق من الباطل. وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به- كما قال القرطبي-.
وقال الفخر الرازي ما ملخصه: «وقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ نهاية في الوعيد،
لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فإن قيل: أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد؟ قلنا: نعم من حيث أتبعه بقوله: حَكِيمٌ فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة» «1» .
وبعد أن أمر الله المؤمنين بالدخول في السلّم كافة، ونهاهم عن الزلل عن طريقه المستقيم، عقب ذلك بتهديد الذين امتنعوا عن الدخول في السلّم فقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ....
ينظرون: أى ينتظرون. يقال: نظرته وانتظرته بمعنى واحد.
وظلل: جمع ظلة. كظلم جمع ظلمة- وهي ما أظلك من شعاع الشمس وغيره.
والغمام: اسم جنس جمعى لغمامة، وهي السحاب الرقيق الأبيض، سمى بذلك لأنه يغم، أى يستر. ولا يكون الغمام ظلة إلا حيث يكون متراكبا والاستفهام للإنكار والتوبيخ.
والمعنى: ما ينتظر أولئك الذين أبوا الدخول في الإسلام من بعد ما جاءتهم البينات، إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة في ظلل كائنة من الغمام الكثيف العظيم ليحاسبهم على أعمالهم، وتأتيهم ملائكته الذين لا يعلم كثرتهم إلا هو- سبحانه- وإتيان الله- تعالى- إنما هو بالمعنى اللائق به- سبحانه- مع تنزيهه عن مشابهة الحوادث، وتفويض علم كيفيته إليه- تعالى-. وهذا هو رأى علماء السلف.
وقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ معناه على هذا الرأى: أتم- سبحانه- أمر العباد وحسابهم فأثيب الطائع وعوقب العاصي، ولم تعد لدى العصاة فرصة للتوبة أو تدارك ما فاتهم. وقد ارتضى هذا الرأى عدد من المفسرين منهم ابن كثير فقد قال في معنى الآية: يقول الله- تعالى- مهددا للكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ يعنى: يوم القيامة نفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كل عامل بعمله: إن خيرا فخير وإن شرا فشر!! ولهذا قال- تعالى- وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ «2» .
(1) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 231.
(2)
تفسير ابن كثير ج 1 ص 248.
أما علماء الخلف فيؤولون إتيان الله بما يتناسب مع ذاته- سبحانه-، ولذا فسروا إتيانه بأمره أو بأسه في الدنيا.
وقد عبر صاحب الكشاف عن وجهة نظر هؤلاء بقوله: «إتيان الله: إتيان أمره وبأسه كقوله وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
جاءَهُمْ بَأْسُنا ويجوز أن يكون المأتى به محذوفا، بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله- قبل ذلك- «فإن الله عزيز حكيم» . فإن قلت: لم يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأن الغمام مظنته الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث: وَقُضِيَ الْأَمْرُ أى: تم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه» «1» .
وقال الجمل ما ملخصه: وقوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ استئناف مفرغ من مقدر، أى ليس لهم شيء ينتظرونه إلا إتيان العذاب وهذا مبالغة في توبيخهم وقوله: وَالْمَلائِكَةُ بالرفع عطفا على اسم الجلالة أى، وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره- تعالى-، بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة. وقرأ الحسن وأبو جعفر: والملائكة بالجر عطفا على ظلل، أى إلا أن يأتيهم في ظلل وفي الملائكة. وقوله وَقُضِيَ الْأَمْرُ فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفا على يأتيهم داخلا في حيز الانتظار ويكون ذلك من وضع الماضي موضع المستقبل والأصل ويقضى الأمر وإنما جيء به كذلك لأنه محقق كقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ.
والثاني: أن يكون جملة مستأنفة برأسها أخبر الله- تعالى- بأنه قد فرغ من أمرهم فهو من عطف الجمل وليس داخلا في حيز الانتظار» «2» .
ثم ختم- سبحانه- هذه الآية بقوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أى إليه وحده- سبحانه- لا إلى غيره ولا إلى أحد معه تصير الأمور خيرها وشرها وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد قضاء أمره، ونفاذ حكمه، وتمام قدرته.
ثم بين- سبحانه- أن كفر الكافرين ليس سيبه نقصان الدليل على صحة إيمان المؤمنين،
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 253.
(2)
حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 166. [.....]
وإنما سببه الجحود والحسد وإيثار الهوى على الهدى، بدليل أن بنى إسرائيل قد آتاهم الله آيات بينات تهدى إلى الإيمان ومع ذلك كفروا بها. استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم بعد تهديده للكافرين في الآية السابقة فيقول: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ....
قال الفخر الرازي: اعلم أنه ليس المقصود: سل بنى إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عالما بتلك الأحوال بإعلام الله- تعالى- إياه، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله- تعالى-.
أى: سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لا جرم استوجبوا العقاب من الله- تعالى-، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه. والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم
…
» «1» .
وسَلْ فعل أمر من سأل وأصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين قبلها وصارت ساكنة فحذفت. ولما فتحت السين لم يكن هناك حاجة إلى همزة الوصل فحذفت أيضا.
وكَمْ إما خبرية والمسئول عنه محذوف، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لاستحقاقهم التقريع والتوبيخ. كأنه قيل «سل بنى إسرائيل» عن طغيانهم وجحودهم للحق بعد وضوحه فقد آتيناهم آيات كثيرة بينة ومع ذلك أعرض كثير منهم عنها.
وإما استفهامية والجملة في موضع المفعول الثاني لقوله «سل» وقيل: في موضع المصدر، أى: سلهم هذا السؤال. وقيل: في موضع الحال. أى: سلهم قائلا: كم آتيناهم.
والاستفهام للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإقرار- بأنه قد خالف ما تقتضيه الآيات من الإيمان بالله- تعالى-.
فالمراد بهذا السؤال تقريعهم على جحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا معرفة إجابتهم كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد فيقول لمن حضره: سله كم أنعمت عليه؟
ومن الآيات البينات والمعجزات الواضحات التي أظهرها الله- تعالى- لبنى إسرائيل على أيدى أنبيائهم ليؤمنوا بهم: عصا موسى التي ألقاها فإذا هي حية تسعى والتي ألقاها فإذا هي تلقف ما صنعه السحرة، والتي ضرب بها البحر فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق من جرت على يديه هذه الخوارق، ومع ذلك فمنهم من قال لموسى أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ومنهم من كفر وعبد العجل..
(1) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 3.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة الجاحدين لآياته فقال: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
التبديل: جعل شيء بدلا عن آخر، ونعمة الله هنا تتناول آياته الدالة على صدق رسله، كما تتناول ما أسبغه الله على عباده من صحة ومال وعقل وغير ذلك من نعمه الظاهرة والباطنة.
أى: ومن يبدل نعم الله بعد ما وصلت إليه واتضحت له، بأن كفر بها مع أنها تدعو إلى الإيمان، وجحد فضلها مع أنها تستلزم منه الشكر لمسديها من يبدل ذلك التبديل فإن الله سيعاقبه عقابا شديدا.
وقوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ زيادة توبيخ لهم، وأنهم مستحقون لأشد ألوان العذاب، لأنهم قد كفروا بآيات الله وجحدوا نعمه بعد معرفتها والوقوف على تفاصيلها. فهو كقوله- تعالى-: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. فهو تبديل عن معرفة لا عن جهل أو خطأ.
وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ تعليل للجواب أقيم مقامه.
أى: ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة لأنه شديد العقاب فلا يفلت منه أحد. ويحتمل أن يكون هذه الجملة هي الجواب بتقدير الضمير أى شديد العقاب له.
والعقاب هو الجزاء عن جناية وجرم، وهو مأخوذ- كما يقول القرطبي- من العقب، كأن المعاقب يمشى بالمحازاة للجاني في آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب- أى الموضع الذي يركب منه-، فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه بذنبه «1» .
فالآية الكريمة وعيد شديد لكل من يبدل نعم الله، ويترك شكرها.
وبعد أن ذكر القرآن حال من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته، أتبعه بذكر الأسباب التي حملت أولئك الأشقياء على البقاء في كفرهم وجحودهم فقال- تعالى-: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا
…
الآية.
التزيين: جعل الشيء زينا أى، شديد الحسن. والحياة نائب فاعل، زين، ولم تلحق تاء التأنيث بالفعل لأن نائب الفاعل مجازى التأنيث ولوجود الفاصل بين الفعل ونائب الفاعل.
والمعنى، أن الحياة الدنيا قد زينت للكافرين فأحبوها وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار، وصارت متعها وشهواتها كل تفكيرهم، أما الآخرة فلم يفكروا فيها، ولم يهيئوا أنفسهم للقائها.
(1) تفسير القرطبي ج 3 ص 28.
قال القرطبي: والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها» «1» .
وقوله: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا معطوف على جملة زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
…
أو خبر لمبتدأ محذوف أى وهم يسخرون وتكون الواو للحال.
ويسخرون: يضحكون ويهزئون. يقال. سخرت منه وسخرت به وضحكت منه وضحكت به.
أى أن الذين كفروا لا يكتفون بحبهم الشديد لزينة الحياة الدنيا وشهواتها وإنما هم بجانب ذلك يسخرون من المؤمنين لزهد هم في متع الحياة، لأن الكفار يعتقدون أن ما يمضى من حياتهم في غير متعة فهو ضياع منها، وأنهم لن يبعثوا ولن يحاسبوا على ما فعلوه في دنياهم، أما المؤمنون فهم يتطلعون إلى نعيم الآخرة الذي هو أسمى وأبقى من نعيم الدنيا.
وجيء بقوله: زُيِّنَ ماضيا للدلالة على أنه قد وقع وفرغ منه. وجيء بقوله وَيَسْخَرُونَ مضارعا للدلالة على تجدد سخريتهم من المؤمنين وحدوثها بين وقت آخر. قال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ..:
وقد ذكر بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنها نزلت في المنافقين عبد الله بن أبى وحزبه، كانوا يتنعمون في الدنيا أو يسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: أنظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد صلى الله عليه وسلم أنه يغلب بهم. ومنها. أنها نزلت في أبى جهل ورؤساء قريش كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعمار وخباب وابن مسعود وغيرهم بسبب ما كانوا فيه من الفقر والصبر على البلاء. والحق أنه لا مانع من نزولها في شأن كل الكافرين الذين يسخرون من المؤمنين.
وقوله: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ رد منه- سبحانه- على هؤلاء الكفار الذين يسخرون من المؤمنين، والذين يرون أنفسهم أنهم في زينتهم ولذاتهم أفضل من المؤمنين في نزاهتهم وصبرهم على بأساء الحياة وضرائها.
(1) تفسير القرطبي ج 3 ص 29.
أى، والذين اتقوا الله- تعالى- وصانوا أنفسهم عن كل سوء فوق أولئك الكافرين مكانة ومكانا يوم القيامة، لأن تقواهم قد رفعتهم إلى أعلى عليين، أما الذين كفروا فإن كفرهم قد هبط بهم إلى النار وبئس القرار.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال «من الذين آمنوا» ثم قال: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا؟
قلت: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن التقى، وليكون بعثا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك «1» .
وقيدت الفوقية بيوم القيامة للتنصيص على دوامها، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية، ولإدخال السرور والتسلية على قلوب المؤمنين حتى لا يتسرب اليأس إلى قلوبهم بسبب إيذاء الكافرين لهم في الدنيا.
وقوله: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تذييل قصد به تشريف المؤمنين، وبيان عظم ثوابهم.
أى: والله يرزق من يشاء بغير حساب من المرزوق. أو بلا حصر وعد لما يعطيه. أو أنه لا يخاف نفاد ما في خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما يخرج منها. فهو- سبحانه- الذي يعطى ويمنع، وليس عطاؤه في الدنيا دليل رضاه عن المعطى فقد يعطى الكافر وهو غير راض عنه، أما عطاؤه في الآخرة فهو دليل رضاه عمن أعطاه.
قال الأستاذ الإمام: إن الرزق بلا حساب ولا سعى في الدنيا إنما يصح بالنسبة إلى الأفراد، فإنك ترى كثيرا من الأبرار وكثيرا من الفجار أغنياء موسرين متمتعين بسعة الرزق، وكثيرا من الفريقين فقراء معسرين، والمتقى يكون دائما أسعد حالا وأكثر احتمالا، ومحلا لعناية الله به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر لأنه يجد في التقوى مخرجا من كل ضيق
…
وأما الأمم فأمرها على غير هذا، فإن الأمة التي ترونها فقيرة ذليلة لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله وسخطه..
وليس من سنة الله أن يرزق الأمة العزة والثروة وهي لا تعمل، وإنما يعطيها بعملها ويسلبها بزللها..» «2» .
ثم بين- سبحانه- أحوال الناس، وأنهم في حاجة إلى الرسل ليبشروهم وينذروهم ويحكموا بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه فقال- تعالى-:
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 255.
(2)
تفسير المنار ج 2 ص 274 بتلخيص.