المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة البقرة (2) : الآيات 228 الى 232] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ١

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الاول]

- ‌مقدّمة

- ‌سورة الفاتحة

- ‌[سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7]

- ‌سورة البقرة

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 6 الى 7]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 8 الى 10]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 11 الى 13]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 14 الى 16]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 20]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 22]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 23 الى 24]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 25]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 27]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 28 الى 29]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 30 الى 33]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 34 الى 39]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 40 الى 43]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 44]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 45 الى 46]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 47]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 48]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 49]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 50]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 51 الى 52]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 53]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 54]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 56]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 57]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 59]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 60]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 61]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 62]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 63 الى 64]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 65 الى 66]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 74]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 79]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 80 الى 82]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 83]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 84 الى 86]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 87 الى 88]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 89 الى 90]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 91 الى 93]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى 96]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 98]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 99 الى 100]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 101 الى 103]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 104]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 105]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 106 الى 108]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 109]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 110]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 111 الى 112]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 113]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 114]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 115]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 116 الى 117]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 118]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 119 الى 121]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 122 الى 123]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 124]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 125 الى 129]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 134]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 135 الى 141]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 142 الى 144]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 145 الى 150]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 151 الى 152]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 153 الى 157]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 158]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 159 الى 162]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 163 الى 164]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 165 الى 167]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 169]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 170]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 171]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 172 الى 173]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 174 الى 176]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 177]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 178 الى 179]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 180 الى 182]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 183 الى 185]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 186]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 187]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 188]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 189]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 190 الى 195]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 196]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 197 الى 203]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 204 الى 207]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 212]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 213]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 214]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 215 الى 218]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 219 الى 220]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 221]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 222 الى 223]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 224 الى 227]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 228 الى 232]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 233]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 234]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 235]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 236 الى 237]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 238 الى 239]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 240 الى 242]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 243 الى 245]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 246 الى 247]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 248 الى 249]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 250 الى 252]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 253]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 254]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 255]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 256]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 257]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 258]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 259 الى 260]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 262]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 263 الى 264]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 265]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 266]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 267 الى 269]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 270 الى 271]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 272 الى 274]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 275 الى 281]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 282]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 283]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 284]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 285 الى 286]

- ‌الفهرس

الفصل: ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 228 الى 232]

[سورة البقرة (2) : الآيات 228 الى 232]

وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَاّ أَنْ يَخافا أَلَاّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232)

ص: 506

وقوله- تعالى-: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ معطوف على ما قبله لشدة المناسبة، وللاتحاد في الحكم وهو التربص الذي سبقت الإشارة إليه في قوله لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.

والتربص: التأنى والتريث والانتظار.

والقروء: جمع قرء- بضم القاف وفتحها-.

قال الطبرسي: وأصله في اللغة يحتمل وجهين:

أحدهما: الاجتماع ومنه القرآن لاجتماع حروفه.. فعلى هذا يقال أقرأت المرأة فهي مقرئ إذا حاضت، وذلك لاجتماع الدم في الرحم.

والوجه الثاني: أن أصل القرء الوقت الجاري في الفعل على عادة، يقال: هذا قارئ الرياح أى وقت هبوبها» «1» .

والمعنى: أن على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء بدون نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت.

والمراد بالمطلقات هنا المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، لأن غيرهن قد بين الله- تعالى- عدتهن في مواضع أخرى.

والمتوفى عنها زوجها بين الله عدتها بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً «2» .

ومن لا يحضن ليأس من الحيض، أو لأنهن لم يرين الحيض فقد بين الله- تعالى- عدتهن بقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ «3» أى: واللائي لم يحضن فعدتهن كذلك ثلاثة أشهر.

وذوات الحمل بين الله- تعالى- عدتهن بقوله: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ «4» .

وغير المدخول بها لا عدة عليها لقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها «5» .

(1) تفسير «مجمع البيان» ج 2 صفحة 226 للطبرسي.

(2)

سورة البقرة الآية 234

(3، 4) سورة الطلاق الآية 4. [.....]

(5)

سورة الأحزاب الآية 49.

ص: 507

وقوله: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى أى «ليتربصن» وإخراج الأمر في صورة الخبر- كما يقول الزمخشري- «تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجودا. ونحوه قولهم في الدعاء: «رحمك الله» أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل توكيد. ولو قيل: «ويتربص المطلقات» لم يكن بتلك الوكادة» «1» .

وفي قوله- تعالى-: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ما فيه من الإبداع في الإشارة والنزاهة في العبارة والسمو في المعنى، وذلك لأن المرأة المطلقة كثيرا ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها، أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة في معالجة النفوس، إنه يقول للمطلقة: إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيبا، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث، إذ لا يليق بالحرة الكريمة أن تتنقل بين الأزواج تنقلا سريعا.. وأيضا فإن نداء الفطرة، وتعاليم الشريعة توجبان عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء، لكي تستبرئ رحمها، حتى إذا كان هناك حمل نسب إلى الأب الشرعي له.

وفي قوله- تعالى-: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجى، فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها- كما يقولون-.

وقد أشار صاحب الكشاف إلى المعنى بقوله: فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس- هنا-؟

قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص» «2» .

وقوله- تعالى-: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول فيه، لأن الكلام على تقدير مضاف، أى مدة ثلاثة قروء. فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في الإعراب.

هذا وللعلماء رأيان شهيران في المراد بقوله- تعالى-: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ.

(1) تفسير الكشاف ج 1 صفحة 271.

(2)

تفسير الكشاف ج 1 صفحة 271.

ص: 508

فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر وعلى وابن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم: أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن.

ومن أدلتهم: ان النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القرء بمعنى الحيض فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي عن فاطمة بنت أبى حبيش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «دعى الصلاة أيام أقرائك» «1» .

ولا شك أن المراد بالقرء في هذا الحديث الحيض، لأنه هو الذي لا تصح معه الصلاة.

أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والزهري وغيرهم فيرون أن المراد بالقروء هنا الأطهار، أى الأوقات التي تكون بين الحيضتين للنساء.

ومعنى الآية عندهم: أن على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار بدون زواج ثم بعد ذلك يتزوجن إذا شئن.

ومن أدلتهم: أن الله- تعالى- يقول: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون في الحيض، فلا يتصور أن يكون الطلاق في العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض. وروى عن عائشة أنها قالت: هل تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار «2» .

قال صاحب المنار قال الأستاذ الإمام: والخطب في الخلاف سهل، لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاث أطهار.. ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة «3» .

ثم قال- تعالى-: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ. أى: ولا يحل للنساء المطلقات أن يكتمن أمانة الله التي خلقها في أرحامهن من ولد لكي ينسبنه إلى غير أبيه، أو من حيض أو طهر لكي تطول العدة، ويمتد الإنفاق من الأزواج عليهن. فإن هذا الكتمان كذب على الله، وخيانة للأمانة التي أودعها الله في أحشائهن وأمرهن بالوفاء بها، سيحاسب الله من يفعل ذلك منهن حسابا شديدا، ويعاقبه عقابا أليما.

وقوله: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تحريض لهن على عدم الكتمان وعلى الاخبار

(1) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 131.

(2)

تفسير الفخر الرازي ج 6 صفحة 94.

(3)

تفسير المنار ج 1 صفحة 271.

ص: 509

الصادق حتى تستقيم الأحكام، وتتقرر الحقوق، وتحذير لهن من الكتمان ومن اتباع الهوى والشيطان أى: أن على المطلقات ألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن جرين على ما يقتضيه الإيمان، إذ الإيمان يبعث على الصدق ويدعو إلى المحافظة على الأمانة، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن ما خلق الله في أرحامهن، كن ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إيمانا حقيقيا، لأن من شأن المؤمنات الكاملات في إيمانهن ألا يفعلن ذلك.

قال الإمام الرازي: أما قوله إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليس المراد أن ذلك النهى- عن الكتمان- مشروط بكونها مؤمنة، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم: إن كنت مؤمنا فلا تظلم. تريد إن كنت مؤمنا فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء.. والآية دالة على أن كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد» «1» .

هذا، وقد قرر الفقهاء أن القول فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء مرجعه إليها، لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها، إلا أنهم مع ذلك قرروا مدة ينتهى قولها عنده، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة. فلو ادعت- أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها.

وللفقهاء كلام طويل في هذه المسألة مبسوط في كتب الفقه فليرجع إليه من شاء ذلك.

ثم قال- تعالى-: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً.

قال القرطبي: البعولة جمع البعل وهو الزوج، سمى بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله- تعالى-: أَتَدْعُونَ بَعْلًا أى ربا، لعلوه في الربوبية.. والبعولة أيضا مصدر البعل. وبعل الرجل بيعل- كمنع يمنع- أى صار بعلا. والمباعلة والبعال: الجماع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق:«إنها أيام أكل وشرب وبعال» «2» .

والمعنى: وأزواج المطلقات طلاقا رجعيا أحق بردهن ومراجعتهن في ذلِكَ أى في وقت التربص قبل انقضاء العدة إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً أى إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار، كما سيأتى في قوله- تعالى-: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا.

قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو

(1) تفسير الفخر الرازي ج 6 صفحة 98.

(2)

تفسير القرطبي ج 3 صفحة 119- بتلخيص.

ص: 510

تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، ولا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على صفة المراجعة، وهذا اجماع من العلماء» «1» .

وفي هذه الجملة الكريمة بيان لبعض الحكم السامية التي أرادها الله- تعالى- من وراء مشروعية العدة. فالله- تعالى- جعل للمطلق فرصة- هي مدة ثلاثة قروء- لكي يراجع نفسه، ويتدبر أمره، لعله خلال هذه المراجعة وذلك التدبر يرى أن الخير في بقاء زوجته معه فيراجعها، رعاية لرابطة المودة والرحمة التي جعلها الله- تعالى- بين الزوجين.

وقوله- تعالى-: إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً شرط المقصود منه حض المطلق على أن ينوى بإرجاعه لمطلقته إصلاح أحوالهما، بإرشادها إلى ما من شأنه أن يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة، أما إذا راجعها على نية الكيد والأذى والمضارة ففي هذه الحالة يكون آثما وسيعاقبه الله على ذلك بما يستحقه.

قال الآلوسى: وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده لا تجوز، للاجتماع على جوازها مطلقا، بل المراد تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفى بانتفائه» «2» .

ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

أى: وللنساء على الرجال مثل ما للرجال على النساء. فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه نحوه بالمعروف.

والمراد بالمماثلة- كما يقول الآلوسى- المماثلة في الوجوب لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال» «3» .

أى أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة، وأنهما متماثلان في أن كل واحد منهما عليه أن يؤدى نحو صاحبه ما يجب عليه بالمعروف أى بما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما في شريعته. فالباء في قوله بِالْمَعْرُوفِ للملابسة.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة حقوق الرجال على النساء، وحقوق النساء على الرجال، ومن ذلك ما أخرجه مسلّم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول صلى الله عليه وسلم قال في

(1) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 120.

(2)

و (3) تفسير الآلوسى ج 2 صفحة 134.

ص: 511

خطبته في حجة الوداع: اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» .

وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لا مرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» وأخرج أبو داود عن معاوية بن حيدة قال: قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟

قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» .

ولقد قام السلف الصالح بأداء هذه الحقوق على أحسن وجه فقد روى عن ابن عباس أنه قال: إنى لأحب أن أتزين لامرأتى كما تتزين لي لأن الله. تعالى- يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ.

أى: أن يحب أن يؤنسها وأن يدخل السرور على قلبها كما أنها هي تحب أن تفعل له ذلك.

ولكن لا يفهم أحد أن المراد بهذا المثلية المساواة من كل الوجوه قال- تعالى-: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والرجال: جمع رجل. يقال: رجل بين الرجلة أى القوة. وهو أرجل الرجلين أى أقواهما. وفرس رجيل أى قوى على المشي. وارتجل الكلام أى قوى عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية، وترجل النهار أى قوى ضياؤه. فأصل كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية بمعنى القوة.

والدرجة في الأصل: ما يرتقى عليه من سلّم ونحوه، والمراد بها هنا المزية والزيادة أى: لهن عليهم مثل الذي لهم عليهن، وللرجال على النساء مزية وزيادة في الحق، بسبب حمايتهم لهن، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ذلك من واجبات.

قال بعض العلماء: وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين- الرجل والمرأة- فلا بد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين. وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه، وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه فجعل له الرياسة، ولذا قال- سبحانه-: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ....

هذه هي الدرجة التي جعلها الإسلام للرجل، وهي درجة تجعل له حقوقا وتجعل عليه

ص: 512

واجبات أكثر، فهي موائمة كل المواءمة لصدر الآية، فإذا كان للرجل فضل درجة فعليه فضل واجب» «1» .

وقوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أى غالب في انتقامه ممن عصاه، حكيم في أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده. فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا عزهما فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاذ لكل ذي حق مهضوم، وعليهما كذلك أن يتمسكا بما كلفهما به، لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة، ويؤيده العقل السليم.

وبعد أن بين- سبحانه- في هذه الآية شرعية الطلاق ومداه إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة رجعية، ووضع المنهاج العادل الذي يجب أن يتبعه الرجال والنساء.. بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان الحد الذي ينتهى عنده ما للرجل من حق المراجعة فقال- تعالى-: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.

قال الإمام ابن كثير: هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام: من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله- تعالى- على ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة فقال: الطلاق مرتان

الآية «2» .

وروى ابن أبى حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا ولا آويك أبدا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك- أى قاربت عدتك أن تنتهي- راجعتك. فأتت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأنزل الله- تعالى-:

الطَّلاقُ مَرَّتانِ- الآية.

والطلاق- كما يقول القرطبي- هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة.

وأل في قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ للعهد الذكرى.

أى: الطلاق الرجعى المشار إليه في قوله- تعالى-: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ مرتان، وأمر المطلق بعد إحدى هاتين الطلقتين يدور بين حالتين إما إمساك بمعروف بمعنى أن يراجعها على نية الإبقاء على العلاقة الزوجية، والمعاملة الحسنة وإما تسريح بإحسان بمعنى أن يتركها حتى تنتهي عدتها، ويطلق سراحها بدون ظلم أو إساءة إليها، كما قال- تعالى-: وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا.

(1) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الإسلام السنة السادسة العدد 3

(2)

تفسير ابن كثير ج 1 ص 271

ص: 513

قال القرطبي: والتسريح: إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرح الماشية أرسلها..»

وعلى هذا التفسير يكون المراد بالطلاق في الآية الطلاق الرجعى وبالمرتين حقيقة التثنية، ويكون وقت الإمساك أو التسريح هو ما بعد الطلقة الأولى أو الثانية بصفة خاصة، وفي كل الأوقات بصفة عامة. وعلى هذا التفسير سار كثير من العلماء.

ويرى بعضهم أن المراد بالطلاق في الآية الطلاق الشرعي، وبالمرتين التكرار لا العدد، وأن المراد من التسريح بالإحسان هو الطلقة الثالثة، أى بعد الطلقتين الأوليين يتروى في الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة الثالثة. وقد ذكر هذا الرأى صاحب الكشاف فقال:

الطَّلاقُ بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أى التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كقوله «ثم ارجع البصر كرتين» أى كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين، ونحو ذلك من التثانى التي يراد بها التكرير كقولهم: لبيك وسعديك.. وقوله: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم إياه.. وروى أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله- تعالى-:

الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين الثالثة، فقال صلى الله عليه وسلم «التسريح بإحسان» «1» .

والفاء في قوله- تعالى-: فَإِمْساكٌ.. للتفريع، وإمساك خبر لمبتدأ محذوف والتقدير:

فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

قال الفخر الرازي: والحكمة في إثبات حق الرجعة: أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدرى أنه هل تشق عليه مفارقته أولا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله- تعالى- الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن يظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت- سبحانه- حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك يكون قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة مرتين وعرف حال قلبه في ذلك الباب. فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعباده» .

هذا، ويرى بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم أن الرجل إذا أوقع الطلاق دفعة واحدة،

(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 273.

ص: 514

بأن قال لزوجته أنت طالق ثلاث مرات، فطلاقه لا يكون إلا طلقة واحدة، لأن اقتران الطلاق بكلمة ثلاثا لا يجعله ثلاث مرات بل هو مرة واحدة كمن يقول: أحلف بالله ثلاثا فهو يمين واحدة.

ويرى الأئمة الأربعة أن طلاق هذا الرجل في مثل هذه الصورة يقع ثلاثا، لأنهم يرون أن الطلاق المقترن بالعدد لفظا أو إشارة يكون ثلاثا أو اثنين على حسب ما اقترن به. ولأن عمر- رضي الله عنه أفتى بذلك. فقد أخرج مسلّم وأبو داود والنسائي والحاكم عن ابن عباس قال:«كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبى بكر، وسنتين من خلافة عمر واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم» فأمضاه.

وهذه المسألة مبسوطة بأدلتها في كتب الفقه وبعض كتب التفسير.

ثم قال- تعالى-: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.

قال الراغب: الخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. ويضاد الخوف الأمن..» .

والجناح: الإثم من جنح بمعنى مال عن القصد- وسمى الآثم به للميل فيه من الحق إلى الباطل-. يقال جنحت السفينة أى مالت إلى أحد جانبيها. والافتداء: تخليص النفس بمال يبذل لتخليصها ودفع الأذى عنها. وأصله من الفدى والفداء بمعنى حفظ الإنسان نفسه عن الشدة بما يبذله من أجل ذلك «1» .

والمعنى: ولا يجوز لكم أيها المطلقون أن تأخذوا من زوجاتكم في مقابلة الطلاق شيئا مما أعطيتموهن من صداق أو من غيره من أموال، لأن هذا الأخذ يكون من باب الظلم الذي نهى الله عنه، وليس من باب العدل الذي أمر الله به.

ثم استثنى- سبحانه- صورة يجوز فيها الأخذ فقال: إِلَّا أَنْ يَخافا. إلخ أى: لا يجوز لكم أن تأخذوا في حالة من الأحوال إلا في حالة أن يخاف الزوجان كلاهما أو أحدهما ألا يقيما حدود الله ففي هذه الحالة يجوز الأخذ وحدود الله هي ما أوجبه- سبحانه للرجل على زوجته.

ولها عليه.

ثم خاطب- سبحانه- الحكام وجماعة المؤمنين المتوسطين للإصلاح بين الزوجين فقال:

(1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني من ص 161، ص 100، ص 374 [.....]

ص: 515

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما أى الزوجان حُدُودَ اللَّهِ التي حدها لهم وأمرهم باتباعها في حياتهم الزوجية «فلا جناح عليهما فيما افتدت به» أى: فلا إثم على الزوج في أخذ ما أعطته له الزوجة من مال مقابل انفصالها عنه، ولا إثم عليها كذلك في هذا الإعطاء، لأنهما ما داما قد وصلا إلى هذه الحالة من التنافر، وما دامت الزوجة قد أصبحت تفضل أن تعطيه من المال ما تفدى به نفسها من البقاء في عصمته، ما داما قد أصبحا كذلك. فوقوع الفراق بينهما أولى وأجدى وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا إن قلت: إنه للأزواج لم يطابقه قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وإن قلت إنه للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟ قلت: يجوز الأمران جميعا: أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره. ويجوز الخطاب كله للائمة والحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون» «1» .

والمراد بقوله: مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ أى من المهور وتخصيصها بالذكر وإن شاركها في الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة وإما للتنبيه على أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما أعطوهن في مقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم فلأن لا يحل لهم أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى.

وقوله: شَيْئاً مفعول به لتأخذوا. التنوين للتقليل أى: لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ولو كان المأخوذ شيئا غاية في القلة، لأن هذا الأخذ يجافي الإحسان الذي أمرتم به. وقريب من هذه الآية في النهى عن الأخذ قوله- تعالى-:

وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً، أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً.

وأن والفعل في قوله إِلَّا أَنْ يَخافا في موضع نصب على الحال أى إلا خائفين.

وقوله: أَلَّا يُقِيما في موضع نصب على المفعول به ليخافا والتقدير إلا أن يخافا ترك حدود الله.

وهذه الآية قد اعتبرها العلماء أصلا في جواز الخلع.

قال ابن كثير: وقد ذكر ابن جرير: أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس، ففي

(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 274.

ص: 516

صحيح البخاري عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجي ثابت بن قيس- ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام- أى أكره عدم الوفاء بحقه لبغضي له-. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته؟ - وهي المهر الذي أمهرها- قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» «1» .

قالوا: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع في الإسلام.

ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

أى: تلك الأحكام العظيمة الحكيمة المتقدمة التي بينتها لكم في شأن الطلاق والرجعة والخلع وغير ذلك حدود الله التي حدها، فلا يجوز لكم أن أن تخالفوها، ومن يتعد هذه الحدود فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه.

وكانت الإشارة للبعيد تِلْكَ لبيان سمو قدر هذه الأحكام، وعظم منزلتها، وجلال ما فيها من مصالح واضحة لأصحاب العقول السليمة.

وسميت هذه الأحكام حدودا للإشارة إلى أنها فواصل بين الحق والباطل، والظلم والعدل والمنفعة والمضرة. إذ الحد هو الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. يقال:

حددت كذا أى جعلت له حدا يميزه. وحد الدار ما تتميز به عن غيرها..

وفي إضافة هذه الحدود إليه- سبحانه- إشعار بأن مخالفتها إنما هي مخالفة له- سبحانه- وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم الخبير الذي أحسن كل شيء خلقه.

والفاء في قوله: فَلا تَعْتَدُوها للتفريع أى: إذا كانت هذه الأحكام حدود الله فلا يصح لكم أن تتجاوزوها لأن تجاوزها يؤدى إلى سوء العقبى.

وعبر في قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ بفاء السببية وباسم الإشارة وبضمير الفصل وبالجملة الاسمية لتأكيد معنى السببية وللإشارة إلى أن الظلم شأن من شئونهم وصفة يتميزون بها عن غيرهم.

وقد جاء- سبحانه- بكل هذه المؤكدات في تلك الجملة الكريمة لكبح جماح غرور الإنسان، وتحذيره من الانقياد لهواه وأوهامه، فكثيرا ما يتوهم بعض الناس أن أحكام الله ليست ملائمة لمقتضى الزمان الذي يعيشون فيه، ويحاولون إخضاع شرع الله- تعالى-

(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 274.

ص: 517

لمصالحهم وشهواتهم، أو يتركون ما شرعه الله بتلك الحجة الواهية الساقطة. وأنت ترى هنا أن القرآن قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها

بينما قال هناك في ختام آية الصوم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها.. «1» وذلك لأن الكلام هنا في شأن الأسرة وما يسودها أحيانا من خلافات، واصطدامات، واضطرابات.. والخشية هنا إنما هي من تعدى هذه الحدود التي حدها الله في أى مرة من مرات هذا الخلاف.. فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة، بينما هناك كان الحديث عن محظورات مشتهاة مستلذة تريدها النفس لترضى شهوتي البطن والفرج، فجاء التحذير من مجرد الاقتراب من هذه الحدود التي حدها الله اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها.

فسبحان من هذا كلامه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.

ثم بين- سبحانه- أحكام الطلاق المكمل للثلاث، بعد بيانه لأحكام الطلاق الرجعى وأحكام الخلع فقال- تعالى-: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.

أى: فإن طلق الرجل زوجته طلقة ثالثة بعد الطلقتين اللتين أباح الله له مراجعتها بعد كل منهما في أثناء العدة، فإنه في هذه الحالة تكون زوجته محرمة عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا شرعيا صحيحا، بأن يدخل بها، ويباشرها مباشرة شرعية كما يباشر الأزواج زوجاتهم.

فالمراد بالنكاح في قوله تعالى حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ الزواج بشخص آخر يدخل بها دخولا صحيحا. ويؤيد هذا المعنى ويؤكده ما جاء في الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري وغيره عن عائشة- رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقى. وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإن ما معه مثل الهدبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟

لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» «2» .

وواضح من ذوق العسيلة أن يدخل بها ويجامعها. وعلى هذا انعقد إجماع الفقهاء. ولم يلتفتوا إلى ما نسبه بعضهم إلى سعيد بن المسيب من أنه أجاز للمرأة أن تعود إلى زوجها الأول بعد عقد زواجها على الثاني دون أن يدخل بها. وحملوا هذا المنسوب إلى سعيد بن المسيب على أنه من شواذ الفتيا التي لا وزن لها لمخالفتها لنص حديث صحيح لعله لم يبلغه.

(1) الآية 187 من هذه السورة.

(2)

صحيح البخاري في كتاب الطلاق الثلاث ج 7 ص 55.

ص: 518

ثم قال- تعالى-: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أى: فإن طلق الزوج الثاني تلك المرأة التي سبق طلاقها من الزوج الأول، فلا إثم عليها وعلى زوجها الأول في أن يرجع كل منهما إلى صاحبه بعقد جديد بعد انقضاء العدة ما داما يغلب على ظنهما أنهما سيقيمان حدود الله، ويؤدى كل واحد منهما ما يجب عليه نحو صاحبه بأمانة وإخلاص.

وقوله: أَنْ يَتَراجَعا في موضع جر بإضمار حرف الجر أى في أن يتراجعا وقوله أَنْ يُقِيما في موضع نصب على أنه سد مسد مفعولي ظن.

قال صاحب الكشاف: ولم يقل: إن علما أنهما يقيمان حدود الله لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. ومن فسر الظن ها هنا بالعلم فقدوهم ولأن الإنسان لا يعلم ما في الغد وإنما يظن ظنا» «1» .

ثم ختم- سبحانه- هذه الآية بقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

أى: وتلك الأحكام المذكورة عن الطلاق وعن غيره مما كلف الله به عباده يبينها ويوضحها بتلك الطرق الحكيمة لقوم يعلمون الحق، ويعملون بمقتضى علمهم.

وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أنه لا يحل للمرأة التي طلقت من زوجها أن تعود إليه بعد الطلقة الثالثة إلا بعد أن تتزوج آخر زواجا صحيحا يدخل بها فيه ويجامعها ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه.

ومن حكم هذا التشريع الحكيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق زوجاتهم، وزجرهم عن التساهل في إيقاع الطلاق، فإن الرجل الشريف الطبع، العزيز النفس إذا علم أن زوجته لن تحل له بعد الطلقة الثالثة إلا إذا افترشها شخص آخر توقف عن إيقاع الطلاق، وتباعد عن التسرع والاندفاع وحاول أن يصلح ما بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التي تتميز بسعة الصدر وضبط النفس.

هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير سبعة أحاديث في النهى عن نكاح المحلل- وهو أن يعقد رجل على امرأة قد طلقت ثلاثا من زوجها بقصد إحلالها لهذا الزوج لا بقصد الزواج الدائم ثم يدخل بها دخولا صوريا وليس شرعيا- ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله» .

(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 276 بتلخيص.

ص: 519

وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم بالتيس المستعار» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له» .

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن نكاح المحلل فقال: لا إلا نكاح رغبة- لا نكاح دلسة أى لا نكاح غش وتدليس- ولا استهزاء بكتاب الله- ثم يذوق عسيلتها..» .

وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه- أى من غير مشورة ورغبة منه- ليحلها لأخيه فهل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة.

كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قال ابن كثير: والمقصود أن الزوج الثاني يكون راغبا في المرأة قاصدا لدوام عشرتها كما هو المشروع من التزويج. واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطأ مباحا فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض.. لم تحل للأول بهذا الوطء والمراد بالعسيلة الجماع لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن العسيلة الجماع» «1» .

وبعد أن بين- سبحانه- في الآية السابقة أن الزوج مخير بين الإمساك والتسريح في مدة العدة، عقب ذلك ببيان أن هذا التخيير من حقه حتى آخر وقت في العدة، وذلك لتذكيره بأن الإمساك أفضل من التسريح، وأن عليه ألا يلجأ إلى الطلاق إلا إذا سدت طرق الإصلاح والمعالجة، وأنه إذا اختار الطلاق فعليه أن يسلك فيه طريق الحق والعدل لا طريق الباطل والجور.

قال- تعالى-: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.

قال الراغب: الأجل: المدة المضروبة للشيء. قال- تعالى- لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى..

- أى مدة معينة- والبلوغ والبلاغ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانا كان أو زمانا أو أمرا من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن المشارفة عليه وإن لم يننه. فمن الانتهاء قوله- تعالى-:

حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.. وأما قوله: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ فللمشارفة فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها وإمساكها» .

والمراد بالأجل هنا عدة المرأة. وببلوغها قرب انتهائها.

والضرار- كما يقول الرازي- هو المضارة. قال- تعالى-: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً

(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 278.

ص: 520

أى اتخذوا المسجد ضررا ليضاروا المؤمنين، ومعناه يرجع إلى إثارة العداوة، وإزالة الألفة، وإيقاع الوحشة، وموجبات النفرة» .

والمعنى: وإذا طلقتم- أيها المؤمنون- نساءكم طلاقا رجعيا، فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أى فشارفت عدتهن على الانتهاء، وقاربت الانقضاء، فعليكم أن تتدبروا مليا في أمركم، فإن رأيتم الأصلح في بقائهن معكم فنفذوا ذلك وأمسكوهن بمعروف. أى بما هو المعروف من شرع الله الحكيم، وبما تقره الأخلاق الحسنة والعقول السليمة. وإن رأيتم أنه لا رغبة لكم في البقاء معهن فسرحوهن بمعروف أى فأمضوا الطلاق، وتفارقوا بالطريقة التي يرضاها الحق- سبحانه- بأن تؤدوا لهن حقوقهن. ولا تذكروهن بسوء بعد انفصالكم عنهن، فهذا شأن الأتقياء الصالحين فقد سئل بعضهم، لم طلقت امرأتك؟ فقال: إن العاقل لا يذكر ما بينه وبين أهله.

قال القرطبي: معنى فَبَلَغْنَ قاربن بإجماع من العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى الانتهاء، لأن المعنى يقتضى ذلك، فهو حقيقة في الثانية، مجاز في الأولى- أى التي معنا-» .

ثم نهى- سبحانه- عن الإمساك الذي يكون معه الضرر فقال. وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا أى لا تراجعوهن إرادة الضرر بهن والإيذاء لهن لتعتدوا عليهن، والجملة الكريمة تأكيد للأمر بالإمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كان يفعله يعضهم من مراجعته لامرأته قبل انتهاء عدتها لا لقصد الإبقاء على الزوجية وإنما القصد إطالة عدة الزوجة، أو لقصد أن تفتدى نفسها منه بالمال: وضِراراً منصوب على الحال في تمسكوهن أو على أنه مفعول لأجله. واللام في قوله: لِتَعْتَدُوا هي لام العاقبة أى لتكون عاقبة أمركم الاعتداء.

وحذف متعلق «لتعتدوا» ليتناول الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله- تعالى-.

وقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وعيد شديد لمن يقدم على ما نهى الله عنه. أى:

ومن يراجع مطلقته بقصد الإضرار بها والاعتداء عليها فقد ظلم نفسه ظلما مؤكدا، لأنه سيعرضها لعقاب الله وسخط الناس.

وجعل ظلمهم لنسائهم ظلما لأنفسهم، لأن عملهم هذا سيؤدي إلى اختلال المعاشرة الزوجية واضطرابها، وشيوع العداوة والبغضاء بين الزوجين وبين أهلهما. ثم كرر- سبحانه- تحذير المخالفين لشريعته، وذكرهم بألوان نعمه عليهم ليستجيبوا لأمره فقال: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ.

آيات الله: أحكامه التي شرعها في شأن الطلاق وغيره.

ص: 521

والهزء- بضمتين- مصدر هزا به إذا سخر ولعب وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول أى:

مهزوءا بها. وقوله هُزُواً مفعول ثان لتتخذوا.

والمراد بالحكمة هنا. السنة النبوية المطهرة.

والموعظة والعظة: النصح والتذكير بالخير. بما يرقق القلوب، ويحذر النفوس مما نهى الله عنه.

أى: ولا تتخذوا- أيها الناس- آيات الله التي شرعها لكم في شأن الطلاق وغيره مهزوءا بها بأن تعرضوا عنها، وتتهاونوا في المحافظة عليها، والتمسك بتعاليمها، ومن مظاهر ذلك أن بعض الناس كان يكثر من التلفظ بالطلاق متوهما أن ذلك لا يضر، أو كان يتخذ المراجعة وسيلة لإيذاء المرأة.

قال القرطبي: وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس: «إنى طلقت امرأتى مائة مرة فماذا ترى على؟ فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا» «1» .

والجملة الكريمة نهى أريد به الأمر بضده، أى جدوا في العمل بأوامر الله وآياته، وارعوها حق رعايتها.

وقوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. إلخ أى تذكروها في هدايتكم إلى الإسلام، وفي مشروعية الزوجية وفي غير ذلك مما لا يحصى من النعم وتدبروا نعم الله عليكم فقابلوها بالشكر، واستعملوها فيما خلقت له، وتذكروا كذلك ما أنزل الله عليكم بواسطة رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب وهو القرآن الذي يهدى للتي هي أقوم، ومن الحكمة وهي السنة النبوية المطهرة، بما جاء فيهما من توجيهات سامية، وآداب عالية.

و «ما» في قوله: وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ موصولة والعائد محذوف أى ما أنزله و «من» في قوله: مِنَ الْكِتابِ بيانية، وجملة يَعِظُكُمْ بِهِ حال من فاعل أنزل أو من مفعوله، والضمير في بِهِ يعود على الكتاب والحكمة بعد تأويلهما بالمذكور. وجعل ضميرهما واحدا لأنهما في مؤداهما وغايتهما شيء واحد، فالسنة ليست نابعة إلا من الكتاب ومنه أخذت قوتها وسلطانها.

وقوله- سبحانه-: في ختام الآية وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تذكير لهم بتقوى الله وخشيته ومراقبته، وتحذير لهم من مخالفة أمره.

(1) تفسير القرطبي ج 3 ص 156.

ص: 522

أى: صونوا أنفسكم عن كل ما يغضب الله- تعالى- فيما يتعلق بأمور الزوجية وفي غيرها مما شرعه لكم، واعلموا أنه- سبحانه- عليم بكل شيء، عليم بما تسرونه وما تعلنونه، وسيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ.

ثم بين- سبحانه- ما ينبغي اتباعه عند حصول الطلاق وإمضائه حتى لا يقع ظلم أو جور فقال- تعالى-: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ.

قال القرطبي: تعضلوهن معناه تحبسوهن، ودجاجة معضل أى: قد احتبس بيضها، وقيل: العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس. يقال: أعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحيل. قال الأزهرى: وأصل العضل من قولهم: عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه. ويقال أعضل الأمر إذا اشتد، وداء عضال أى شديد عسر البرء أعيا الأطباء

» «1» .

والمعنى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن أى: انقضت عدتهن وخلت الموانع من زواجهن، فلا تمنعوهن من الزواج بمن يردن الزواج به، متى حصل التراضي بين الأزواج والزوجات على ما يحسن في الدين، وتقره العقول السليمة، ويجرى به العرف الحسن.

والمراد ببلوغ الآجل هنا بلوغ أقصى العدة، بخلاف البلوغ في الآية التي قبل هذه، فإن المراد به المشارفة والمقاربة كما أشرنا من قبل لأن المعنى يحتم ذلك، والخطاب هنا للأزواج وللأولياء ولكل من له تأثير على المرأة المطلقة، وذلك لأن منع الزوجة من الزواج بعد انقضاء عدتها قد يكون من جانب الزوج السابق، لا سيما إذا كان صاحب جاه وسلطان وسطوة، فإنه يعز عليه أن يتزوج مطلقته أحد بعده فيمنعها من الزواج.

وقد يكون المنع من جانب الأولياء، وقد أورد المفسرون آثارا تشهد لذلك منها- كما يقول الآلوسى- ما أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داود من طرق شتى عن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت فأتانى ابن عم لي فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهوته ثم خطبها مع الخطاب. فقلت له: أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله- تعالى- حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل هذه الآية. ففي نزلت فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه..» «2» .

(1) تفسير القرطبي ج 3 ص 159.

(2)

تفسير الآلوسى ج 1 ص 144.

ص: 523

وعبر- سبحانه- عن الرجال الذين هم محل الرضا من النساء بالأزواج فقال فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ مع أن الزواج لم يتحقق بعد، للإشارة إلى الحقيقة المقررة الثابتة، وهي أن من يقع اختيارها عليه، ولم يكن اقترانها به فيه ما يشينها أو يشين أسرتها، فمن الواجب ألا يمانع أحد في إتمام هذا الزواج، بل على الجميع أن يقروه وينفذوه، لأن شريعة الله والفطرة الإنسانية يقضيان بذلك.

وقوله: أَنْ يَنْكِحْنَ تقديره: من أن ينكحن فهو في محل جر عند الخليل والكسائي وفي محل نصب عند غيرهما، وقوله: إِذا تَراضَوْا ظرف لأن ينكحن أو لقوله:

فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، وقوله: بِالْمَعْرُوفِ متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا، أو هو نعت لمصدر محذوف أى تراضيا كائنا بالمعروف أو هو متعلق بتراضوا. أى تراضوا بما يحسن في الدين والمروءة، وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر المثل ليس من العضل المنهي عنه.

ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

أى: ذلك القول الحكيم، والتوجيه الكريم المشتمل على أفضل الأحكام وأسماها يوعظ به، ويستجيب له من كان منكم عميق الإيمان بالله- تعالى- وبثوابه وبعقابه يوم القيامة. ذلكم الذي شرعه الله لكم- أيها المؤمنون- من ترك عضل النساء والإضرار بهن وغير ذلك من الأحكام أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ أى أعظم بركة ونفعا، وأكثر تطهيرا من دنس الآثام، فإن المرأة إذا عوملت معاملة كريمة، ولم تظلم في رغباتها المشروعة، التزمت في سلوكها العفاف والخلق الشريف، أما إذا شعرت بالظلم والامتهان فإن هذا الشعور قد يدفعها إلى ارتكاب ما نهى الله عنه. والله تعالى يعلم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، وأنتم لا تعلمون ذلك، فامتثلوا ما أمركم به واجتنبوا ما نهاكم عنه تفوزوا وتسعدوا.

والإشارة بقوله: ذلِكَ إلى ما فصل من أحكام وما أمر به من أفعال والخطاب لكل من يصلح للخطاب من المكلفين.

وخصص الوعظ بالمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون به، وترق معه قلوبهم وتخشع له نفوسهم.

وأتى- سبحانه- بضمير الجمع ذلِكُمْ بعد أن قال في صدر الجملة ذلِكَ للإشارة إلى أن حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها في اختيار زوجها واجب على جميع المؤمنين، وأن فائدة ذلك ستعود عليهم جميعا ما دام هذا الاختيار في حدود الآداب التي جاء بها الإسلام.

ص: 524

وقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ رد على كل معترض على تطبيق شريعة الله، أو متهاون في ذلك بدعوى أنها ليست صالحة للظروف التي يعيش ذلك المعترض أو هذا المتهاون فيها، لأن شرع الله فيه النفع الدائم والمصلحة الحقيقية، والنتائج المرضية، لأنه شرع من يعلم كل شيء ولا يجهل شيئا، ويعلم ما هو الأنفع والأصلح للناس في كل زمان ومكان، ولم يشرع لهم- سبحانه- إلا ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، وما دام علم الله- تعالى- هو الكامل، وعلم الإنسان علم قاصر، فعلينا أن نتبع شرع الله في كل شئوننا، ولنقل لأولئك المعترضين أو المتهاونين: سيروا معنا في طريق الحق فذلكم أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

وبعد: فهذه خمس آيات قد تحدثت عن جملة من الأحكام التي تتعلق بالطلاق، وإذا كان الإسلام قد شرع الطلاق عند الضرورة التي تحتمها مصلحة الزوجين، فإنه في الوقت نفسه قد وضع كثيرا من التعاليم التي يؤدى اتباعها إلى الإبقاء على الحياة الزوجية، وعلى قيامها على المودة والرحمة، ومن ذلك:

1-

أنه أرشد أتباعه إلى أفضل السبل لاختيار الزوج، بأن جعل أساس الاختيار الدين والتقوى والخلق القويم، لأنه متى كان كل من الزوجين متحليا بالإيمان والتقوى، استقرت الحياة الزوجية بينهما، وقامت على المودة والرحمة وحسن المعاشرة.

2-

أنه أمر كلا الزوجين بأن يبذل كل واحد منهما قصارى جهده في أداء حق صاحبه، وإدخال السرور على نفسه، فإذا ما نجم خلاف بينهما فعليهما أن يعالجاه بالحكمة والعدل، وأن يجعلا الأناة والصبر رائدهما، فإن الحياة الزوجية بحكم استمرارها وتشابك مطالبها لا تخلو من اختلاف بين الزوجين.

3-

دعا الإسلام إلى إصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة تسير في غير طريق المودة، فقال- تعالى-: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ

كما دعا أولى الأمر أن يتدخلوا للإصلاح بين الزوجين عند نشوب الشقاق بينهما أو عند خوفه فقال- تعالى-: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً.

4-

نهى الإسلام عن إيقاع الطلاق على الزوجة في حال حيضها، أو في حال طهر باشرها فيه، لأن المرأة في هاتين الحالتين قد تكون على هيئة لا تجعل الرجل مشوقا إليها

وأباح له أن يوقع الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، لأن إيقاعه في هذه الحالة يكون دليلا على استحكام النفرة بينهما.

ص: 525

5-

نهى الإسلام عن الطلاق البات بالنسبة للمرأة المدخول بها، وأمر الزوج بأن يجعل طلاقه رجعيا، وأعطاه فرصة طويلة تقرب من ثلاثة أشهر ليراجع خلالها نفسه، فإن وجد الخير في مراجعة زوجته راجعها بقصد الإصلاح واستمرار الحياة الزوجية، وإن وجد الخير في غير ذلك تركها حتى تنقضي عدتها وفارقها بالمعروف عملا بقوله- تعالى-: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.

6-

جعل الإسلام الطلاق بيد الرجل، لأنه هو الذي وقعت عليه معظم أعباء الزواج، وهو الذي سيتحمل ما سيترتب على الطلاق من تكاليف، ولا شك أنه بمقتضى هذه التكاليف وبمقتضى حرصه على استقرار حياته، سيتأنّى ويتروى فلا يوقع الطلاق إلا إذا كان مضطرا إلى ذلك.

كما أن الإسلام أباح للمرأة أن تفتدى نفسها من زوجها، أو ترفع أمرها للقاضي ليفرق بينها وبينه إذا تيقنت من استحالة استمرار الحالة الزوجية بينهما لأى سبب من الأسباب. وفي هذه الحال فللقاضى أن يفرق بينهما إذا رأى أن المصلحة تقتضي ذلك.

7-

أباح الإسلام للرجل الذي طلق امرأته ثلاثا أن يعود إليها من جديد، وذلك بعد طلاقها من رجل آخر يكون قد تزوجها زواجا شرعيا وانقضت عدتها منه، وفي ذلك ما فيه من التأديب لهما، والتهذيب لسلوكهما.

8-

وردت أحاديث متعددة تنهى عن إيقاع الطلاق إلا عند الضرورة وتتوعد المرأة التي تطلب من زوجها أن يطلقها بدون سبب معقول بالعذاب الشديد، ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس- أى من غير عذر شرعي أو سبب قوى- فحرام عليها رائحة الجنة» . وروى أبو داود وغيره عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أبغض الحلال إلى الله الطلاق» «1» .

هذه بعض التشريعات التي وضعها الإسلام لصيانة الحياة الزوجية من التصدع والانهيار، ومنها نرى أن الإسلام وإن كان قد شرع الطلاق، إلا أنه لا يدعو إليه إلا إذا كانت مصلحة الزوجين أو أحدهما تقتضيه وتستلزمه.

وبعد أن بين- سبحانه- حقوق الزوجين في حالتي اجتماعهما واقترافهما، أردف ذلك ببيان حقوق الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا الزواج. فقال تعالى:

(1) الترغيب والترهيب للمنذرى ج 3 ص 83.

ص: 526