الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 - قضية النبوة
أورد فندر قضية القرآن بعد النبوة على عكس رحمت الله فقد أوردها قبل القرآن. أنكر فندر جميع البشارات الواردة في الكتاب المقدس عن محمد صلى الله عليه وسلم وردها بتفسيرات مغايرة لما أوردها المسلمون، لكن رحمت الله رد المطاعن، وأورد البشارات المتعددة على إثبات النبوة، وأثبتها بوجوه متعددة منطقية.
ثانيا: من خلال كتبهما
يورد رحمت الله الهندي عندما يريد أن يرد قضية ما عند فندر: كقضية قتل المرتد، فينظر إلى عمق المسألة، فإن وجده متشددا في إثبات وجودها رده بالدليل النقلي والعقلي بما ورد في الإسلام وثبت. أما فندر فيرد على رحمت الله بنفس طريقته مثل: موضوع عدم وجود نسخ أصليه بأن عثمان قد أحرق النسخ الأخرى، أو أنه لايوجد سند، لأن هناك حفظة كما في الإسلام - وهذا دون تقديم سند واضح يتم الاعتماد عليه!
أورد رحمت الله مسألة مسألة ورد عليها أما فندر فلم يرد على كل الشبهات أو يفندها على الرغم من إيراد الأقوال بنفسه.
تحدث رحمت الله عن صفات فندر وذكر بأنه كاتب غير مبال بالقول الكذب، والثاني أنه يشخصن الأمور، والثالث أنه يترجم الآيات القرآنية ويفسرها على رأيه ليعترض عليها في زعمه، كما وضح أن الأسلوب الذي اتبعه في الردود لايعني هذا تجاوزا منه، وسوء أدب مع الآخرين إن استعمل مصطلحات غير مألوفة في الردود الإسلامية وإنما هو استعمال لأسلوب النصارى المعتاد عندهم في توجيه النقد لكتبهم، أو تقرير حقائق نهائية، أو الحكم على الأشخاص، وذلك من خلال استعمال القساوسة هذه الاصطلاحات والنعوت عند مخاطبتهم للمسلمين وهم أحق بها من خلال نسبة القس، ويستند رحمت الله كثيرا إلى تفسير هنري واسكات عند النصارى، ويبين إنصاف بعض مفسري الكتاب المقدس - إن لزم الأمر - إنصافا منه وتقديرا واعتراضا بما لهم وما عليهم ويورد أحيانا الدليل بالفارسي مع ترجمته غالبا. أما فندر فيعتمد على تفسير البيضاوي كثيرا، ويخطئ في بعض الآيات القرآنية أو ربما كانت أخطاء مطبعية.
إن رحمت الله دقيق في التوصيف والنقد، ويستشعر القارئ بتعمقه وتبحره في علوم النصارى، لكن فندر يخطئ أحيانا باستدلالات في النواحي اللغوية، وطريقة تفسيره لبعض الآيات غير علمية، وتتبع طريقة " ولا تقربوا الصلاة " إلا أنه قد ذكر أن سورة فاطر تعني سورة الملائكة وربما يدل على ثقافة واسعة في العلوم الإسلامية لا تعني بالضرورة التعمق فيها، كما أنه غير وصف المعنى في الذبيحة من ذبيحة حيوانية إلى ذبيحة النفس، كذلك حرف معنى الختان إلى معنى روحي.
لجأ رحمت الله إلى النقد الذاتي للقضية مثل: نفي ألوهية المسيح بنصوص العهدين، أما فندر فعمد إلى الإثبات من خلال أجزاء من آيات القرآن الكريم موصولة بآيات من العهدين.
عرض رحمت الله مقدمات منطقية رياضية ليثبت صحة كلامة وسلامه حججه، كما يورد بعض تعليقاته الشخصية، أما فندر فأسقط معان محددة - من واقع فهمه - للآيات ثم يقوم بالترجيح ثم الإثبات ولا توجد لديه استدلالات واضحة.
استدل رحمت الله بالحقائق التاريخية، وعن طريق ضرب الأمثال، وبأقوال النصارى، ومؤرخي المسلمين، أما فندر فلا أجد له استدلالات بأقوال النصارى إلا أنه استدل بأقوال بعض علماء المسلمين لكن أحيانا دون عزو محدد.
حدد رحمت الله مفاصل الكتاب الكبرى والموضوعات الجدلية، وقسم مباحث كتابه بشكل مفصل، أما فندر فاستخدم أسلوب التدرج والتتابع والاستنتاج بناء على معان محددة مبنية على اجتهاد شخصي ثم الترجيح والإثبات.
حدد رحمت الله المصادر والمراجع التي اعتمدها في كتابه، وكانت أغلبها منسوبة للبروتستانت؛ لغلبة منصريها في الهند آنذاك، أما فندر فيورد أقوالا غير مثبتة عند المسلمين مثل: توقيع علي بن أبي طالب، ولا يقدم سندا أو أوأية أدلة دامغة على ما يقول وما يثبت إلا أنه حدد القليل من مصادره مثل: عزوه لتفسير البيضاوي وكثيرا ما يلجأ إليه.
عرض رحمت الله نماذج مختلفة للتحريف الذي اتسمت به كتب المنصرين من ميزان الحق، وحل الإشكال، ومفتاح الأسرار، واعترف فندر بأنه على مدار التاريخ سقط المسيحيون في الوثنية على فترات مختلفة، كما اعترف بالتحريف في أكثر من موضع في المناظرة الكبرى.
اعتمد رحمت الله في قضية التثليث على المنهج العرضي النقدي؛ أي عرضها ونقدها في آن واحد، واعتمد البراهين العقلية والنقلية، أما طريقة فندر في الرد فتكون بما ورد في الكتاب المقدس فقط ولا اعتبار لأية زوايا أو احتمالات أخرى.
اعتبر رحمت الله المنطق والتاريخ في حججه؛ فقد أثبت التحريف والنسخ عن طريق ضرب الأمثال من الكتب المقدسة وإيراد الشواهد مثل: الحوادث التي مرت من تدمير ملكهم، وتغيير معتقدهم، وتناقض أخبار الأيام في الأسماء والأعداد، ولم يكن هناك رسم للكتابة فضلا عن صعوبتها في الحجارة، كما أن إنجيل متى مفقود، والموجود هو ترجمة الترجمة باليوناني، بالإضافة إلى الجهل بنسبة الترجمة واسم مترجمها. إلا أن فندر يرد على موضوع النسخ بذكر بعض آيات من القرآن الكريم؛ حيث يستشهد بها على جواز النسخ في القرآن فقط، وأنه لاتوجد آية دالة على نسخ القرآن للكتب السابقة، وأيد قوله ببعض مقولات - ذكرها - لرحمت الله الهندي في كتابه إظهار الحق! . ومن الواضح أن فندر لايفرق بين نسخ الأحكام ونسخ العقائد، وأن العهدين القديم والجديد يكملان بعضهما البعض، وعلى ذلك فالقرآن هو مجرد ناقل.
قسم فندر الوصايا إلى طقسية وأدبية واستنتج أنه كما لايمكن نسخ الوصايا الأدبية مثل: الزنا والسرقة فلايمكن نسخ الإنجيل أو التوراة، وأن المسيحيين لم يلتزموا فقط بالوصايا الطقسية، ويساوي بين الأقانيم الإلهية والصفات الإلهية، ولايفرق بين الحواري والرسول كما لايفرق بين النسخ والقراءات المختلفة، ويرى أن وسائل الحصول على المغفرة في الإسلام سطحية، وخارجية، وغير قابلة للممارسة والتطبيق - في وجود القداسة الإلهية والعدالة - واعتبر هذا
غير كاف للتأثير في القلب، والشعور براحة الضمير؛ حيث نلحظ هنا أن كل ماسبق عبارة عن اجتهادات وتحليلات شخصية، إلا أن الرجل تفوق في مهارة الإلقاء، وجانب الروحانيات، وتهيئة القارئ للحديث عن النصارى وحكايتهم كما حدث في حكاية اليهود.
قوض رحمت الله نصوصهم واستعان بها ضدهم، لكن فندر قد استعار نصوص المسلمين ليشهد لهم، وهذا فارق كبير؛ لأن شهادته لهم لابد أن تؤول لشهادته بالباقي وبالحق.
إن كتاب فندر لا يستهدف الخاصة بل العامة، ولذا نجده حريصا على الاستمرار فيه بالرغم من دفع الشبهات بأقوال كثيرة يصعب على العامة قراءتها وحصرها.
عند المقارنة بين سند "زيد بن ثابت" عند المسلمين وسند "عزرا" في التوراة نجد أنه بينما تشكلت لجنة من المسلمين لجمع المصحف من الحفاظ المتقنين وتقديم شاهدي عدل على كل آية أيام جمع المصحف على يد أبي بكر ثم مرة ثانية على يد عثمان بن عفان، نجد أن عزرا الغير معروف هويته بالتحديد يجمع التوراة بنفسه - بعدما مرت أعوام على هزيمة اليهود على يد بختنصر وتفرقهم وفقد نصوصهم الأصلية- كذلك المقارنة بين جمع "قسطنطين" للإنجيل الحقيقي واعتماده، وجمع "عثمان" للمصحف الحقيقي واعتماده - فارق كبير- فبينما كان قسطنطين وثينا، وأقر الإنجيل المزيف - الذي يخدم مصالحه - على الرغم من أن أغلبية المجلس - المشكل - مقرون بالإنجيل الحقيقي، نجد عثمان قد نسخ القرآن بلجنة مشكلة معتمدة من صحابة الرسول، ثم رد أصل النسخة إلى صاحبه، ونسخ منه للأمصارالمختلفة لاعتماده وحرق المخالف عنه حتى لا تنتشر النسخة المخالفة للأصل.
إن في اتهام فندر الإسلام أنه انتشر بالسيف- لو افترضنا صحة ما يقول - فالسيف مدعاة للتفكر في أصول الديانة وليس مجرد الخوف منه.
ناقش كل باب منفصلا عن الباب الآخر حيث لا يفترض إبطال التثليث في باب النبوة وهكذا؛ فليس ترتيب الكتاب ملزم بإبطال قضاياه واحدة تلو الأخرى كما يعرض القس فندر، كما أن رحمت الله قسم كتابه بناء على أبواب المناظرة، في حين أن فندر حاول أن يقسمها - كذلك - ولكنه يعود أدراجه في الحديث عن قضية سابقة عند مناقشة قضية لاحقة.
تسمية فندر لكتبه بمسميات غريبة لا تدل عليها، مثل: مفتاح الأسرار
…
ولا يوجد مفتاح! ميزان الحق
…
ولا يوجد ميزان! طريق الحياة
…
ولا يوجد سوى التيه! ملاحظات محمدية
…
وفي الحقيقة هي ملاحظات مسيحية! بينما ركز رحمت الله على كل القضايا من خلال كتابه " إظهار الحق " مع قواعد وتنبيهات من خلال كتابه " التنبيهات ".
وفي الختام يجب علينا العمل على (1):
- أخذ الدين من مصادره فقط دون الاعتداد بسلوك معتنقيه سواء أكان سلوكهم طيبا أم غير ذلك، متفقا مع ديانتهم أم مخالف لها.
- عدم الأخذ بتمدين دولة ما دليلا على سلامة الدين الذي تعتنقه أو الحكم بعدم سلامة عقيدة ما لمجرد أن الدولة التي تأخذ بها ليس لها حظ من الرقي، إذ فضلا عن انعدام السببية بين الدين ومستوى الدولة، فإننا سنجد دولا عظمى لكنها لا تأخذ بأي دين من الأديان.
- أن نبتعد عن المناورة التي يلجأ إليها عادة بعض المتناظرين، وأن تتجنب المكابرة التي يتمسك بها ضعاف العقول، فقضية الدين أجل وأعظم من أن تكون مجالا للمحاورة، إنما ينبغي أن تتكاتف كافة الأطراف للبحث عن الحقيقة والوصول إليها، ليهتدي من يهتدي عن بصيرة، ويهلك من هلك عن بينة.
- عدم تأويل النصوص الواضحة الصريحة أو تفسيرها بما يخرجها عن ظاهر النص إلى معنى آخر لا يتفق مع هذا الظاهر. أن يكون الحكم والفيصل فيما نقول للعقل وحده بعيدا عما استقر في الوجدان من اعتناق كل منا عقيدة بدأت معه طفلا لايميز شيئا، واستمرت معه صبيا وصاحبته حتى صار رجلا.
(1) المستشار حسن إمام إسماعيل، حوار مع زميلي المسيحي، ، الكتاب الأول، السعودية، 1992 م، ص 11، ص 12.