الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
نبذة عن التنصير وتاريخ المناظرات
أولا: نبذة عن التنصير
لخطورة التنصير، ودوره في تحويل بعض المسلمين وزعزعة الكثيرين من الإسلام إلى النصرانية، كان لابد من سرد وبيان تاريخه في ذلك.
يعد التنصير أحد الأجنحة التي تتلاقى مع الاستعمار في أهدافه وغاياته وقد تعاون في خدمة الحروب الصليبية (1) والاستعمار الأوروبي للوطن الإسلامي تعاونا كبيرا، كما يعد التنصير الوجه الآخر للاستعمار والبديل الآخر له.
لم تنفك المسيحية تشغل حيزا من اهتمامات المسلمين منذ خرجوا من الحجاز، مهد الإسلام إلى الشام، والعراق وبلاد فارس وغيرها، فلقد اتصل الفاتحون العرب بجاليات نصرانية أهلية عريقة في منطقة الشرقيين الأدنى والأوسط وفي شمال أفريقيا وإسبانيا مدة الحكم الإسلامي للأندلس تعين عليهم التعاون معها والتعايش، وكانت الحرب سجالا مع الامبراطورية البيزنطية إلى أن انتهت بسقوط القسطنطينية، كما كانت الحروب مع القوى الأوروبية في ايطاليا وجنوب فرنسا ثم في فلسطين والشام زمن الحملات الصليبية مظهرا آخر من مظاهر العلاقات بين المسلمين والنصارى، واستمر الصراع في العصور الحديثة بين الخلافة العثمانية والممالك النصرانية، واحتدم مع المد الاستعماري الغربي منذ القرن الماضي وما صحبه من تبشير وقح. وعلى صعيد آخر، كان التجذر التاريخي للإيمان المسيحي على امتداد ستة قرون سابقة للرسالة المحمدية، وادعاء المسيحية الانتساب إلى الوحي النهائي الأكمل، وصبغتها التبشيرية والكونية عوامل هيئتها للتصادم مع الإسلام في توقة إلى استيعاب الأديان التي ظهرت قبله وتجاوزها وجمع شتاته الموحدين على اختلاف أجناسهم وألوانهم تحت راية رسالة خاتم الأنبياء (2).
تطور التنصير مع بدايات الاستعمار حتى بدأ يأخذ شكل مجموعات إلى تنظيمات.
هناك مؤسسة يطلق عليها زويمر للدراسات الإسلامية -وهي تدرب على أعمال التبشير بين المسلمين؛ حيث يدرسون اللغة العربية والتاريخ والحضارة الإسلامية وكذلك العقيدة ويتميزون بالعلم مع التحيز، بالإضافة إلى ندوات تمتد لساعات حول الإسلام، وهناك مركز
(1) الحروب الصليبية: بدأت في ربيع الثاني من عام 491 هـ - مارس من عام 1098 م وانتهت في شعبان من عام 690 هـ - أغسطس من عام 1291 م انظر: الموسوعة العربية السورية، تأسست عام 1991 م (arab-ancy.com)، مجلد (8) - صـ 210.
(2)
عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلامي في الرد على النصارى إلى نهاية القرن الرابع l العاشر، (تونس: الدار التونسية للنشر، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ط 1986 م)، رسالة دكتوراة، ص 14. (بتصرف يسير)
للنشر تابع له يختص بكل أنواع النشرات والدعاية والملازم والأفلام وشرائط الفيديو .. الخ، وتتمثل خطورتهم في أنهم يمثلون الإسلام على أنه يحتوي شظايا من الحقائق تتكامل حقائقها في المسيحية (1).
كذلك يعتمد التنصير - كما قال المنصر الشهير " صموئيل زويمر " على مذاهب الشك واللا أدرية لتشكيك المسلمين في دينهم، إذا لم تنجح حملات التنصير في تحويلهم إلى النصرانية بدلا من الإسلام (2).
وفي العصر الحديث بلغت الأموال المقدرة لحركة التنصير عام 1990 م 164 مليار دولار وفي عام 1992 م بلغت حوالي 180 مليار دولار بحسب بعض الإحصائيات (3)، "كما أن بعض طوائف المسيحية تدعم العودة لفلسطين .... وفي أوساط بعض الفرق الأصولية التي تشعبت عن البروتستانتية، كالسبتيين، والمعمدانيين، وشهود يهوه، ونحوهم، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، تتعاطف وتنادي وتطالب - بصراحة - بلزوم عودة الشعب اليهودي إلى أرض الميعاد (4).
إن من أخطار التبشير على العالم الإسلامي قد امتدت واتسعت آفاقها حتى أن شاتليه أشار إلى بترهيلنغ الذي احتك بمسلمي سواحل أفريقية وإلى اهتمام هولندا بالتبشير في جاوة في أوائل القرن الثامن عشر حتى قسمت إلى مناطق لكل منها كنيسة ومدرسة، وقال إن عدد اللذين تنصروا سنة 1721 م بلغ 100،000 من إجمالي 424،000 (5).
إن التنصير اتسعت دائرته ولم يقتصر على المسلمين فحسب بل امتد ليشمل كافة البشر والأديان المختلفة؛ حيث يرى النصراني نفسه هو الأحق ويدين بالدين الأوحد والأجمع.
(1) انظر مرجع سابق: بربارا براون، نظرة عن قرب في المسيحية، ترجمة المهندس مناف حسين الياسري، ص 88.
(2)
مرجع سابق: د. محمد عمارة، في المسألة القبطية حقوق وأوهام، (القاهرة: مكتبة الشروق، ط 1، 2001 م)، ص 5 (بتصرف يسير).
(3)
مرجع السابق: عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلامي في الرد على النصارى إلى نهاية القرن الرابع l العاشر، ص 14، ص 15.
(4)
((سعد رستم، الفرق والمذاهب الإسلامية منذ ظهور الإسلام حتى اليوم، (دمشق، سوريا: دار الأوائل للنشر والتوزيع، ط 2، 2005 م)، ص 319 (بتصرف يسير).
(5)
انظر: ا. ل شاتليه A.LC Chateliere لخصها ونقلها للعربية: مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب، الغارة على العالم الإسلامي، ([د. م]، [د. د]، ط 1، 1350 هـ).، ص 30 (بتصرف يسير).
في حين يرى الغربيون أن الإسلام بدعة: "في عيون المسيحية، كان الإسلام بدعة، انحرف من جذوره اليهودية حيث يشترك في إنكار ألوهية المسيح"(1).
فلم يقتصر الأمر في السعي إلى تنصير المسلمين فحسب، ولكن وصلت طريقة تعامل النصارى - كذلك - إلى أرباب الديانات الأخرى وتبديدهم للكتب والآثار منها: المصرية القديمة وقصة هيباتي خير دليل؛ فهذا تيوفيل بطريرك الاسكندرية قد انتحل أدنى الأسباب؛ لإثارة ثورة في المدينة، لإتلاف ما بقي من مكتبة البطالسة، بعضه بالإحراق، وبعضه بالتبديد، ولقد قال أوروسيوس أنه رأى أدراج المكتبة خالية من الكتب، بعد أن نال تيوفيل الأمر الامبراطوري من قيصر الرومان بإتلافها بنحو عشرين سنة، وكانت مكتبة الإسكندرية تحتوي على كتب البطالسة والمصريين القدماء على عهد جول قيصر، وكانت قسمين أحدهما مكتبة البروخيوم وتحتوي على 400 ألف مجلد، والأخرى السرابيوم وتضم 200 ألف مجلد (2).
ثم جاء بعد تيوفيل ابن أخته سيريل بطريركا على الإسكندرية، وكان خطيبا مفوها له على الشعب سلطان بفصاحته، وكان في الإسكندرية فتاة تسمى هيباتي الرياضية، تشتغل بالعلوم والفلسفة، وكان يجتمع إليها كثير من أهل النظر في العلوم الرياضية، وكان لا يخلو مجلسها من البحث في الفلسفة في مسائل ثلاث هي:
1 -
من أنا؟
2 -
وإلى أين أذهب؟
3 -
وماذا يمكنني أن أعمل؟
فلم يحتمل سيريل السماع بها وبعلومها - مع أن الفتاة لم تكن مسيحية (لم تكن على دينه) بل كانت على دين آبائها من المصريين القدماء - فأخذ يثير الشعب عليها حتى قعدوا لها وقبضوا عليها في الطريق سائرة إلى دار ندوتهم، وجردوها مكشوفة العورة إلى الكنيسة وقتلوها. ويقول مؤرخ هذه القصة، ولم تسأل الدولة القديس سيريل بطريرك الاسكندرية عما صنع بالفتاة هيباتي، ولم تنظر الحكومة الرومانية فيما وقع عليها (3).
وكان النصارى يبذلون الغالي والنفيس من أجل إقناع الغير بصحة الديانة وما هم عليه؛ حتى يؤمنوا بهم أو يقدروا عليهم؛ فيقتلوهم أحيانا أو يستولوا على ممتلكاتهم أحيانا أخرى.
كذلك كانت هناك كنيسة في بعض بلاد الروم مشهورة، يحجون إليها في أحد أيام السنة، وهناك يشاهدون صمنا بها، إذا قرئ الإنجيل بين يديه وثدييه خرج منهما اللبن، فيشاهده من حضر، ويحدث به من غاب، ويعدها آية بينة، ودلالة على صحة دين المسيحية، وبالبحث بمعرفة أحد ملوكهم تبين له وجود طاقة لطيفة وراء جدران التمثال تصل منها إلى ثديي الصنم أنبوبة من النحاس، فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها لبنا فيخرج من ثديي الصنم،
(1) Avril A.Powell،Muslim and missionaries in pre-Mutiny India،(London: Routledge، E 2، 2003). P 6 - In Christian eyes، Islam was a heresy، which had deviated from the common Judaic root to deny the divinity of Christ.
(2)
انظر: المستشار محمد عزت الطهطاوي، في مقارنة الأديان النصرانية والإسلام، (د. م: مكتبة النور، ط 2، 1986)، ص 159 (بتصرف يسير).
(3)
انظر مرجع سابق: المستشار محمد عزت الطهطاوي، في مقارنة الأديان النصرانية والإسلام، ص 159 (بتصرف يسير).
ويسقط نقطة نقطة على التدريج، فلا يشك من حضر أنها آية ظهرت عند تلاوة الإنجيل، وقد كشف أمر تلك الحيلة أحد رؤساء الدولة النصارى هناك وقتئذ (1).
بل إن الأمر تخطى ذلك حتى وصل الاضطهاد إلى اليهود أنفسهم ففي عام 1095 م تبدلت نوعية الموقف السلبي المسيحي من اليهود في أوروبا، فبدلا من أعمال المضايقة والحرمان والمقاطعة وسواها المتبعة بحقهم، صارت أعمال العنف والقتل والنهب هي المعروفة - وهي المتبعة بحقهم - ففي 3 آيار 1096 م وفيما كانت الجيوش الصليبية الزاحفة إلى فلسطين قد وصلت إلى أسبير في ألمانيا قام الجنود بقتل 11 يهوديا رفضوا التعميد (2).
وفي منيوز قتل الصليبيون ألف وأربعة عشر يهوديا اختبأوا في أحد السراديب، وفي العام نفسه قتلوا مئتي يهودي في كولوني، وفي وورمز هاجم الصليبيون جموعا هاربة من اليهود أبادوهم عن بكرة أبيهم فبلغ من قتل في مذبحة وورمز 1100 يهودي. وحدثت مذبحة مشابهة في متز وأخرى في رتجز برج وثالثة في براغ (3).
وبعدما غدا الدين الإسلامي بإطاره الحضاري والعقائدي والثقافي والاجتماعي مصدر الخطر والتهديد بعدما حل محل الشيوعية الأيديولوجية الرسمية للاتحاد السوفيتي المنهار، وأدمج العالم الإسلامي بعض دوله وجماعاته ضمن اصطلاحات سياسية وعقائدية عدائية، مثل: الحرب على الإرهاب والذي فرضت أمريكا على العالم تبنيه والمشاركة في تفعيله ومورست تحت رايته ضروب من حروب الإبادة والمحاصرة والتدخل السافر، فتم تسخير الآلة الإعلامية الرهيبة، ودور النشر، ومراكز البحوث، ومن يتسمون " خبراء الشرق الأوسط والشئون الإسلامية " بدعم غير محدود من اللوبي اليهودي المتحالف مع الأصولية المسيحية المتطرفة فيظهر المسلمون كمصدر لتهديد السلم العالمي، وكتهديد خاص لأمن الغرب وإسرائيل (4).
من الواضح أن التنصير لا يفرق بين دين وآخر فكل شيء ينظر إليه من جانب التنصير بعين الاستئصال فإما معه أو ضده .. وفي الختام وبعد كل ما سبق عرضه وبعد عودة الحملات الصليبية في ثوب التنصير والتبشير ودور الاستشراق في تمهيد الطريق لكل ذلك أجد أن على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي العمل على التحرر من تلك الهجمة و"التقدم في علم الاستغراب حيث يصبح " في مقابل علم الاستشراق ضرورة ملحة في عصر الثورة المضادة بعد أن عاد الغرب بهجمته الاستعمارية الثانية بعد هجمته الاستعمارية الأولى، إثر حركات التحرر الوطني
…
يهدف هذا العلم إلى إحالة الثورات الحديثة من عثراتها، واستكمال عصر التحرر من الاستعمار، والانتقال من التحرر العسكري إلى التحرر الاقتصادي والسياسي والثقافي، وقبل كل شيء التحرر الحضاري. فطالما أن الغرب قابع في قلب كل منا كمصدر
(1) ((المرجع السابق.
(2)
شريف محمد هاشم، الإسلام والمسيحية في الميزان، (لبنان: مؤسسة الوفاء، د. ت، د. س)، ص 422 - ص 426.
(3)
المرجع السابق، ص 422 - ص 426 (بتصرف يسير).
(4)
انظر: مرجع سابق، عبد الراضي عبد المحسن في سلسلة أبحاث جامعية، دراسات عربية وإسلامية، ص 33.