الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حضارة جديدة وثرية وأصيلة، وهى ناجمة عن تأثير كثير من الأجناس.
2 - (العصر العباسى الثانى) 334 هـ / 945 م - 656 هـ/ 1258 م
أصبحت الخلافة مجرد مؤسسة اسمية فى تلك الفترة الطويلة بدءا من احتلال البويهيين لبغداد حتى سقوطها على أيدى المغول. . وكانت -أى الخلافة العباسية- تمثل قيادة الإسلام السنى، وتتصرف كسلطة تضفى الشرعية على الحكام المدنيين العديدين الذين يمارسون السيادة الفعلية فى الأقاليم وفى العاصمة. . وكان الخلفاء أنفسهم -باستثناء فترة انتعاش قصيرة قبل النهاية- تحت رحمة هؤلاء الحكام المدنيين، الذين يعينونهم ويخلعونهم متى شاءوا، بل إن واحدا منهم وهو الناصر، لم يترك أية بصمة فى التاريخ. . وإن تعيين ابن رائق أميرا للأمراء، كان واحدا من سلسلة طويلة، وكان دليلا على الاعتراف الرسمى بمنصب الحاكم المدنى.
وفى الربع الثانى من القرن العاشر بسط عدد من الأمراء من بنى بُويه الفرس الشيعة، الذين يسكنون مرتفعات الديلم. حكمهم على معظم غربى فارس وأجبروا الخلفاء على الاعتراف بهم. وفى 334 هـ/ 945 م دخل الأمير البويهى معز الدولة بغداد، وانتزع من الخليفة "المستكفى" لقب أمير الأمراء. واضطر الخلفاء لأكثر من قرن أن يذعنوا لهذه المهانات ورغم تشيع البويهيين إلا أنهم لم يحاولوا أن ينصبوا خليفة علويًا، فالإمام الثانى عشر عند الشيعة "الاثنى عشرية" قد اختفى قبل ذلك بسبعين عاما، ولكنهم أعطوا بيعة ظاهرية للعباسيين -متَّخذين منهم ستارا "رشيدا" لسلطتهم، وأداة لسياستهم فى العالم السنى. ومن هذه الشيعة كان الخطر الحقيقى للعباسيين ففى عام 356 هـ/ 969 م غزا الفاطميون "الاسماعيليون" من تونس مصر، واستطاعوا بسرعة أن يبسطوا سلطانهم حتى سوريا والجزيرة العربية. ولأول مرة تحكم فى الشرق الأوسط أسرة مستقلة قوية، لم تعترف حتى بالسلطة الاسمية
للعباسيين، بل إنها -على العكس- أقامت لنفسها خلافة خاصة، متحدية العباسيين فى زعامة العالم الإسلامى بأسره. وقد وجدت السلطة السياسية والعسكرية للفاطميين تأييدا وعونا من عدد كبير جدا من المتعاطفين فى "الممالك" العباسية، وقامت أيضًا سياسة اقتصادية بارعة تستهدف تحويل تجارة الشرق من الخليج الفارسى إلى البحر الأحمر، وفى الوقت نفسه تعمل على تقوية مصر وإضعاف العراق.
ثم انقسمت الإمبراطورية البويهية إلى عدد من الدول الصغيرة، على حين كانت تنمو فى فارس سلطة جديدة هى السلاجقة. . وفى منتصف القرن الحادى عشر انتهت سطوة البويهيين، واستطاع قائد تركى يدعى البساسيرى أن يحتل بغداد، ويلقى الخطبة باسم الخليفة الفاطمى. وكانت هذه الواقعة البسيطة دليلا على مدى ما بلغته سلطة الفاطميين من علو ورفعة. وفى عام 447 هـ/ 1055 م، دخل طغرل بك السلجوقى بغداد وأعلن نفسه سلطانًا. ويبدو أن السلاطين السلاجقة هم أول من استخدم اللقب رسميا، ونقشوه على عملاتهم. والحق أن السلطنة السلجوقية الكبيرة، التى استمرت قرنا من الزمان، كانت التطور المنطقى لمنصب أمير الأمراء، وقد بقى اللقب منذ ذلك الحين لمن يمسك بالسلطة الدنيوية (الزمنية) المطلقة. وقد أدخل السلاجقة الكثير من التغييرات المهمة. . فقد، كانوا تركًا سنيين، وبمقدمهم استقرت قوة الأتراك التى كانت تنمو بشكل متقطع غير متصل منذ عهد المعتصم. . ولم يعد الأتراك فى الشرق الأوسط -منذ ذلك الحين- جنودا أرقاء أو متحررين، يتم استيرادهم من آسيا الوسطى. . وبدأت عشائر بأكملها من الأتراك الأحرار الرعويين تهاجر تجاه الغرب، وتقوم بدور مهم، وتغير الصورة العرقية للشرق الأوسط. . وقد أدى إحلال الحاكم السنى مكان الشيعى إلى تزايد هيبة -لا سلطة- الخلفاء ولذلك توسع نطاق سلطة الحكومة المركزية، ومن ثم
زادت السيادة الاسمية للخلفاء، على كثير من الأراضى الكثيرة التى كانت مستقلة حتى ذلك الحين. وقد أحدث عهد السلاجقة، الذى أعقب تصدع السلطنة الكبيرة تغييرين على جانب كبير من الأهمية. أحدهما تنظيم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى حدثت فى الفترة السابقة، وبلورة نظام اجتماعى ومالى جديد ذى سمة شبه إقطاعية؛ أما الآخر فهو الحملة ضد التهديد الشيعى على المستوى السياسى والعسكرى، وعلى المستوى الثقافى عن طريق خلق شبكة من المدارس، حتى تكون مراكز لصياغة المذهب السنى والدفاع عنه فى مواجهة أبواق الشيعة -وقد واجه هذان التغييران رد فعل عنيفًا متمثلًا فى حركة الحشاشين وهى حركة ثورية نشيطة، انبثقت من بين أطلال الدعوة الفاطمية، وشكلت تحديا مريرا لحكم السلاجقة والسنيين. . وقد فشل الحشاشون فى النهاية، ولم تعد الشيعة بعد ذلك عاملا سياسيا كبيرا حتى ظهور الصفويين.
وبعد تصدع السلطنة السلجوقية الكبيرة، سقطت العراق تحت سيطرة أسرة محلية من الأمراء السلاجقة، كان آخرهم طغرل الثانى 573 - 590 هـ/ 1177 - 1194 م. وقد أدى انهيار سلطانه، وعدم وجود أى بديل إلى أن يقوم الخليفة العباسى الناصر بمحاولة أخيرة لاستعادة السلطة المفقودة للخلافة. وكانت اللحظة طيبة ومواتية -فالأسرتان الكبيرتان فى الشرق الأوسط كانتا مشغولتين، فالأيوبيون فى مصر وسوريا انشغلوا بالنضال ضد الصليبيين. وانشغل خوارزم شاه فى الشرق بحروبه مع الأسر التركية الأخرى ثم مع المغول. وفى هذا الفراغ للسلطة، حاول الناصر خلق كيان موسع للخلافة، ومع ذلك فإن تحول نشاطاتهم لمواجهة خطر المغول فى الشرق هو الذى أنقذها من الهلاك على أيدى شاهات خوارزم. وكان خلفاء الناصر ضعفاء، وغير أكفاء، وعندما