الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحكومة المحلية، وكان هذا العمل أول خطوة لتنظيم جمع الضرائب وتوحيدها فى كافة ولايات الدولة، كما كان فى الوقت ذاته خطوة نحو قيام إدارة إسلامية خالصة، ويظهر هذا واضحا تماما فى القرار الخاص بإصدار (سك) عملة ذهبية فحَلَّ الدينار الإسلامى محل العملة البيزنطية المعروفة باسم "ديناريوس" التى كانت تحمل صورة الإمبراطور، وعلى الرغم من روح العداء تجاه الأمويين عامة والحجاج خاصة إلا أنه مما لا مشاحة فيه أن نفوذ الإسلام أصبح قويا فى هذا المجال، ثم أن الأمر الذى كان أكثر وضوحا هو إعادة نسخ مصحف عثمان بالضبط ويرجع الفضل فى ذلك إلى الحجاج وإن كان هذا الأمر قد أثار ثائرة فقهاء الكوفة الذين التزموا بقراءة ابن مسعود.
ومجمل القول إن السنوات الأخيرة من حكم عبد الملك بن مروان كانت على العموم سنوات رخاء وهدوء، ولم يكن يشغل بال الخليفة سوى من يخلفه، لأن مروان كان قد عين للخلافة من عبد الملك ثم أخاه عبد العزيز إلا أن عبد الملك أراد حرمانه من ولاية العهد ليسوقها إلى ولديه الوليد وسليمان، غير أن موت عبد العزيز فى مصر فى جمادى الأولى سنة 86 هـ (مايو 705 م) جَنَّب الدولة الشقاق وذلك قبل خمسة شهور من وفاة عبد الملك (شوال 86 هـ = اكتوبر 705 م) فخلفه الوليد أكبر أبنائه.
المصادر:
كتب الحوليات العامة مثل الطبرى والبلاذرى واليعقوبى والمسعودى وابن الأثير، وكذلك الأغانى للأصفهانى وعيون الأخبار لابن قتيبة.
د. حسن حبشى [هـ. أ. ر. جب H.A.R.Gibb]
عثمان بن عفان
هو الخليفة الثالث (23 - 35 هـ/ 644 - 655 م) وهو من أسرة بنى أمية الشهيرة والثرية بمكة المكرمة، مما جعل لإسلامه أهمية خاصة، وقد أسلم قبل الهجرة بعدة سنوات، وكان عثمان بن عفان تاجرًا ثريا خلوقا، وقد ربط البعض بين إسلامه وزواجه من رقية
بنت الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلّا أن الثابت أن هذا الزواج تم بعد إسلامه، وكان لإسلام عثمان وهو من سراة القوم أثر فى انتشار الدين الإسلامى، فعثمان ليس من العوام، وإنما يمكن وصفه بأنه كان من "الطبقة العليا" فى مجتمعه، وشارك عثمان رضى اللَّه عنه فى الهجرتين: الهجرة إلى الحبشة وبعد عودته لمكة المكرمة، هاجر إلى المدينة المنوّرة لكنه لم يشترك فى غزوة بدر لمكثه إلى جوار زوجته التى كانت تعانى المرض، ومع هذا فقد أسهم له الرسول [صلى الله عليه وسلم] فى الغنائم أسوة بمن حضر المعركة، وبعد وفاة زوجته رقية، زوجه الرسول [صلى الله عليه وسلم] من ابنة أخرى له هى أم كلثوم، على أن تدخل عثمان بن عفان فى الحياة العامة أثناء حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] وأثناء خلافة أبى بكر كان دورا يكاد يكون غير محسوس، ومع هذا فقد اختاره مجلس الشورى الذى أمر به عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه ليكون أحد المرشحين للخلافة. وربما كان ذلك لعرقه الأموى ولصلته القوية بمحمد [صلى الله عليه وسلم] وكان بنو أمية قد استطاعوا -حتى فى حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] أن يستردوا بعضًا مما كان لهم من نفوذ فى الجاهلية، واستمر ذلك حتى فى زمن عمر بن الخطاب الذى كان يتميز بالحنكة والخبرة وقوة الشخصية، مما مكنه من السيطرة على مجريات الأمور وكبح جماح أية تكتلات تسعى للسيطرة، ويرى المستشرق "فلهاوزن" والمستشرق "كيتانى" أن عثمان ابن عفان رضى اللَّه عنه حاول انتهاج السياسة نفسها التى نهجها عمر بن الخطاب لكنه لم يكن فى الواقع يمتلك القدرة السياسية والحنكة التى كانت لسلفه، وقد ألصق خصوم عثمان بن عفان به تهمة إيثاره لأقربائه فى تولى المناصب الكبرى، فقد ولى قريبه عبد اللَّه ابن عامر بن كريز، والوليد بن عقبة -وكان أخًا غير شقيق له- مكان أبى موسى الأشعرى على البصرة، كما ولى سعد بن أبى وقاص على الكوفة، وعندما اضطر لعزل الوليد بن عقبة ولّى مكانه أمويا آخر هو سعيد بن العاص الذى ينسب إليه القول المشهور (سواد العراق بستان قريش) كما ولّى مصر لعبد اللَّه بن سعد بن أبى السرح،
وكان قد ارتد عن الإسلام زمن الرسول [صلى الله عليه وسلم]، ولكنه رجع إلى حضن الإسلام بعد ذلك وحسن إسلامه وعفا الرسول [صلى الله عليه وسلم] عنه، وكان مستشار عثمان رضى اللَّه عنه هو مروان بن الحكم وتنسب الأخبار إليه أنه كان ذا نشاط ضار بالنسبة لعثمان رضى اللَّه عنه، ورغم كل هذا فقد كان هدف عثمان هو تأسيس حكومة مستقرة مترابطة، وكان يرى أن تعيين القريبين منه يحد من محاولات الولاة الاستئثار بالأمور، وكان عمر بن الخطاب يعمل أيضا فى اتجاه السيطرة على الولاة وعدم السماح لهم بالاستئثار بالأمور، وقد استطاع عمر بالفعل تحقيق ذلك وفرض سيطرته حتى على القادة والولاة الذين كانوا ينتمون لعشائر وقبائل أخرى، أما عثمان رضى اللَّه عنه فقد كان يظن أنه يستطيع تحقيق الغرض نفسه بتعيين أقاربه، فانقلب الوضع وأصبح الخليفة نفسه تحت سيطرة هؤلاء الأقارب.
وثمة مسألة أخرى أثرت فى اضطراب الأمور فى عهد عثمان رضى اللَّه عنه، فقد كان بيت المال الذى أرسى فى عهد عمر بن الخطاب، يتطلب دائما فيضا من الغنائم الناتجة من حركة الفتوح، ولم تكن مبالغ الجزية المحصلة من أهل الذمة كافية لسد احتياجات العسكر الجدد، ولم تكن الفتوح فى عهد عثمان رضى اللَّه عنه رغم اتساعها بذات مردود مالى يسد حاجة بيت المال، وقد اتهم عثمان بأنه احتفظ بجانب من الغنائم لعماله وأقاربه وذلك بتوسيعه لمفهوم القطائع إلى حد كبير، وربما كان عثمان يقصد من هذا تكوين أملاك الدولة، بدلًا من تقسيم كل الغنائم على المحاربين ولم يعجب المناهضون لعثمان رضى اللَّه عنه بجمع القرآن الكريم فى (إمام) وهو ما كان يطلق على مصحف عثمان، وقد ناهض بعض القراء من ذوى النفوذ فى هذه الخطة (1)
ويمكن تقسيم فترة حكم عثمان رضى اللَّه عنه إلى فترتين؛ الفترة
(1) مع أنها خطوة عظيمة أكدت وحدة المسلمين ومنعت اختلافهم حول هذا النص المقدس [المترجم]
الأولى من 23 إلى 29 هـ وهى فترة استقرار ورخاء، والفترة الثانية من 30 إلى 35 هـ وسادها الاضطراب، وقد فسرت بعض الروايات هذا تفسيرًا غيبيا إذ أرجعته إلى سقوط خاتم الرسول [صلى الله عليه وسلم] من يد عثمان فى بئر أريس سنة 30 هـ.
وقد بدأت الفتنة ضد عثمان رضى اللَّه عنه فى العراق حيث كانت الأزمة الاقتصادية فيه أوضح منها مما فى سواه، وحيث كانت حركات التمرد والشغب كثيرة. وقد أثرت أقوال أبى ذر رضى اللَّه عنه -الذى نفى إلى الشام مع عدد من أتباعه، ثم بعد ذلك إلى الربضة حيث مات- فى إثارة بعض الاضطرابات وانفجرت اضطرابات أخرى خطيرة فى الكوفة فى الفترة من 32 إلى 33 هـ تزعمها القراء، وفى مصر أحدث محمد بن حذيفة بعض المشاكل لكن عبد اللَّه بن سعد بن أبى السرح سرعان ما تصدى له. ويقال إن عمرو بن العاص كان يشجع الاضطرابات فى مصر سرا، وفى آخر سنة 350 هـ انفجرت الثورة عارمة موحدة بعد أن كانت متفرقة، فتقدم المعارضون إلى المدينة المنورة قادمين من الأمصار، فكان المعارضون القادمون من مصر هم أول من وصل وتحدثوا مع الخليفة بمرارة وعرضوا عليه ما كانوا يعتقدونه مظالم وخروجا عن الإسلام وكان رد الخليفة وديعا كطبيعته ونزل لهم عن كل طلباتهم ووعد بتعديل عماله، فغادر الوفد المصرى راضيا لكن -فجأة- اكتشف الوفد وهو فى طريق عودته للعرائش -حيث أناخوا دوابهم- رسالة أرسلها -سرًا- عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه لواليه على مصر عبد اللَّه بن سعد بن أبى السرح، وكان مضمونها يفيد الأمر بقتل زعماء الثورة بمجرد عودتهم لمصر، فعاد الوفد المصرى غاضبا، ورغم إنكار عثمان لإرسال هذا الخطاب فقد كان هو السبب الرئيسى لمقتله، وقد اختلفت آراء المؤرخين وفقا لاتجاهاتهم فمن قائل إن مروان مستشار عثمان هو الذى دس هذا الخطاب دون علم عثمان، ومن قائل إن عثمان رضى اللَّه عنه شك أن عليا رضى اللَّه عنه هو الذى دس الخطاب، لكن كل ذلك لم يثبت تاريخيا.
د. عبد الرحمن الشيخ [ليفى دى لافيدا Levi Della Vide]