الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
122 من الرقيق الأوربى مقارنة بعدة آلاف منذ قرنين سابقين.
وظل شمال أفريقيا مخرجا لحركة تجارة الزنوج حتى الاحتلال الفرنسى. ولقد لعبت مراكش دورا كبيرا فى هذه التجارة وبخاصة فى النصف الثانى من القرن السابع عشر عندما حشد السلطان مولاى اسماعيل جيشا حقيقيا من الزنوج المهجّنين أطلق عليهم اسم عبيد البخارى نسبة (إلى الإمام البخارى) لأنه كان يجعلهم يقسمون يمين الولاء له وأمامهم صحيح البخارى المعروف، واستمر العبيد السود يجلبون إلى مراكش حتى فى القرن العشرين -مع مراعاة السرية- من تمبكتو، وكانت أسواق البيع العلنى تعقد فى سيدى أحمد وسيدى موسى على الحدود الجنوبية؛ كما كانت تعقد فى الرباط، إلّا أن الاستمرار فى هذه التجارة بشكل علنى أصبح مستحيلا.
وفى تونس كان العبيد الذكور السود يأتون تحت إمرة الأغا أو الطواشى (الخصى) الرئيسى للباى بينما كانت النسوة النيجيريات يخضعن لرئيسة منهن، وكانت نسبة موت النيجيريات فى مصر عالية، وكان محمد على فى العصر الحديث يزيد من تعداد جيشه بضم عبيد من السودان إليه.
إلغاء الرق فى العصر الحديث:
يحض الإسلام على تحرير العبيد، ومع هذا فقد اعتبر بعض الكتاب والمؤرخين أن الريادة الحديثة كانت لإلغاء الرق للقوى الأوربية. وليس معنى هذا أن القوى الأوربية كانت دائما ضد الرق فقد احتفظ الأوربيون بالعبيد فى مستعمراتهم، وكان فى روسيا أيضا عبيد، وعندما أدان الفلاسفة الفرنسيون ابتداء من منتسكيو مبدأ العبودية ذاته عملت الجمهورية الفرنسية الأولى على قمع نظام العبودية لفترة قصيرة، ولكن منذ سنة 1806 م فصاعدا تولت بريطانيا القيادة فى حركة حظر تجارة الرقيق ثم حظر الرق أو العبودية ذاتها، ولقد أثبت التاريخ أن بريطانيا قامت بدور رائد فى هذا حتى فى البلاد الإسلامية ذاتها. وقد شهد القرن التاسع عشر منذ
1814 م عدة معاهدات واتفاقات دولية تهدف إلى تحريم التجارة الدولية فى الزنوج وقد حررت بريطانيا العبيد فى مستعمراتها بالقانون الشهير فى 28 أغسطس 1833 م، وفى 1843 م أصدرت قرارا مكملا لإلغاء العبودية فى الهند وألغت فرنسا -تماما- العبودية فى كل أراضيها عبر البحار بما فيها الجزائر بقرار من الجمهورية الثانية فى 27 أبريل 1848 م، وقامت هولندا بالأمر نفسه فى ممتلكاتها فى أندونيسيا سنة 1854 م، وبالمثل قامت روسيا بإصدار قوانين مماثلة لممتلكاتها فى آسيا فى 22 يونيو سنة 1873 م قبل استكمال قهر تركستان. وبالتدريج بدأت الدول الإسلامية المستقلة تحذو حذو هذا المد الأوربى.
ويعود لتونس الفضل فى أنها كانت أول كيان إسلامى يصدر مرسوما عاما لتحرير العبيد السود، ذلك أن الباى أحمد أصدر فى 23 يناير 1846 م (فى العام نفسه الذى بدأ فيه رحلة إلى فرنسا) أوامر بمنح صكوك التحرير لكل عبد يرغب فى ذلك، وقد اعتمد ديباجة هذا المرسوم اثنان من كبار علماء الأحناف والمالكية فى تونس، وفى هذه الديباجة ما يفيد أن الرق مقبول من الناحية الشرعية من حيث المبدأ ولكن لاعتبارات دينية وسياسية يجب إلغاؤه، فمن الناحية الدينية لاحظ العلماء أن أصحاب العبيد لم يعودوا يراعون قواعد المعاملة الطيبة لهم والتى نص عليها الشرع الإسلامى، كما أن الإسلام قد انتشر انتشارا كبيرا مما يلقى بظل اللاشرعية على العبودية، أما من الناحية السياسية فمن المناسب تلافى مخاطر لجوء العبيد لسلطات أجنبية تحميهم.
وقد كان لانضمام تركيا إلى قرارات موْتمر بروكسل سنة 1890 م دور فى قمع تجارة الرقيق التى انخفضت بالفعل بقرار الحظر فى الدول الأفريقية والبحر الأحمر ومع هذا ظلت هذه التجارة تمارس سرا على نحو أو آخر. علاوة على ذلك فقد ضمن القناصل الأجانب من السلطات العثمانية تحرير العبيد الذين استجاروا بهم، وقد ظل
الدستور العثمانى الصادر سنة 1876 م والذى كان يضمن الحرية الشخصية لكل رعايا الدولة معطّلًا إلى أن وضع موضع التنفيذ الفعلى على يد الأتراك الشبان سنة 1908 م.
وكانت مصر من الناحية الاسمية ضمن الأراضى العثمانية، وكانت بالتالى تخضع لأقدم فرمان يمنع الاتجار فى الزنوج. والحقيقة أن مصر كانت فى حاجة لفرمان منع لأن هذه التجارة قد اتسعت فى اللحظة التى وجد المصريون فيها أنفسهم فى قلب السودان فالباشوات المصريون الخاضعون للباب العالى نظموا بعض الحملات ضد تجارة الرقيق فى الجنوب مع أن نتائج هذه الحملات كانت متوسطة القيمة، وعهد الخديوى إسماعيل إلى سير صمويل بيكر بحملة من هذا النوع (1869 م - 1873 م) جاءت نتائجها -بالمثل- مخيبة للآمال، وبعد عام 1874 م كثفت الحرب ضد تجارة الرقيق مع التوسع المصرى بقيادة الكولونيل جوردون وزملائه الأوربيين وفى هذه الفترة كان الخديوى ملزما بشروط اتفاق مع انجلترا فى 4 أغسطس 1877 م حظر رسميا كل التجارة فى الرقيق، وتم افتتاح مكاتب تحرير فى المديريات المختلفة. ومنذ سنة 1895 م كان أى انتهاك لحرية الفرد يعد جريمة فى مصر.
وهاجم الانجليز أحد المصادر الأساسية المصدرة للعبيد ونعنى به شرق أفريقيا وكانت الجهود الدبلوماسية الإنجليزية لمنع تجارة الرقيق فى هذه الأنحاء تتسم بالهدوء والرغبة فى الحصول على موافقة الطرف الآخر.
وبعد الحرب العالمية الأولى أصبح لدى القوى المنتصرة من الرؤى الواضحة ما يمكنها من إقرار السلام وفقا لمعاهدة سانت جرمان فى 10 سبتمبر سنة 1919 م فوضعت فى اعتبارها ما يمكن أن تلقاه من مقاومة من الدول الإسلامية فيما يتعلق بمقاومة الإتجار فى الرقيق، تلك التجارة التى ظلت تمارس بشكل سرى رغم الإلغاء الرسمى لها.