الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علم الحساب
يقسِّم "الفارابى" فى كتابه "إحصاء العلوم" علوم التعاليم -أى الرياضيات- إلى سبعة فروع كبيرة على رأسها "علم الأعداد" وهو يرى أن هناك علمين للأعداد واحد عملى يبحث فى أعداد المعدودات، والآخر نظرى يبحث فى الأعداد فى صورتها المجردة وفى الخصائص الأساسية للأعداد (كأن تكون زوجية أو مفردة مثلا) والخصائص التى تكتسبها حين يُنسَب أحدها للآخر أو حين يرتبط أحدها بالآخر أو ينفصل عنه.
وفى المؤلفات الرياضية العربية نجد تمييزا آخر بين "علم العدد" و"علم الحساب" وهو تمييز مستمد من نظير يونانى؛ فعلم الحساب يختص بالموضوعات التى تتناول الأبواب 7، 8، 9 من كتاب "العناصر Elements" لإقليدس الذى تُرجم لأول مرة فى عهد الرشيد؛ والتى تناولها كذلك كتاب "مقدمة لعلم الحساب" لنيقوماخوس Nicomachus الجيرازى. وقد نهج المؤلفون العرب المنهج الإغريقى فى اعتبار أن الأعداد غير النسبية Irrational numbers تنتمى للهندسة لا إلى الحساب، وإن كان البعض منهم كعمر الخيام اتخذ خطى مهمة من أجل اعتبار الأعداد غير النسبية أعدادا حقيقية. ومن جهة أخرى فقد كان علم الحساب مختصا بالعمليات الحسابية الأساسية وعمليات استخراج الجذور لكن تمشيا مع المفهوم العام للحساب واختصاصه بتعيين الكميات العددية المجهولة، فإن كتب الحساب تشتمل عادة على أقسام للمسائل الجبرية. وبعض الرسائل التى قد يظن أنها مختصة بالحساب (مثل "تعريف الحساب" لأبى كامل شجاع ابن أسلم) هى فى واقع الأمر مختصة بكليتها بالجبر، وتختلف هذه الرسائل عن الكتب التى تتناول طرق الحساب الهندى فى كون الأعداد تُكتب بها بالكلمات. وبناء على مصطلح "علم حساب النجوم" قد يكون مصطلح
"الحاسب" مقصودا به "الفلكى" أو "المنجم" أو "المختص بعلم الحساب".
ترجم "ثابت بن قُرَّة الحَرّانى" -المتوفى 288 هـ/901 م- كتاب "مقدمة نيقوماخوس" إلى العربية تحت عنوان "كتاب المدخل إلى علم الأعداد" الذى ذاع صيته وأحاط رياضيو الإسلام من خلاله بمعارف الحساب الفيثاغورسى المتمثلة فى علاقة الحساب بالموضوعات الأخرى للرباعية quadrivium (أى الهندسة والفلكُ والموسيقى)، وتصانيف الأعداد (تامة، فوق تامة، ناقصة - متحابة - متسلسلة -. . . إلخ). وتأثير هذا العمل يمكن أن يكون ملموسا فى مؤلفات "إخوان الصفا" الذين كانت رسالتهم الأولى "فى الأعداد" ومع ذلك فالمرء يباغَت بندرة المؤلفات فى علم الأعداد بصفة خاصة، وإن كانت هناك معالجة مطولة نوعا لهذا الموضوع هى "مراسم الانتساب فى علم الحساب" التى كتبها فى دمشق عام 774 هـ/ 1373 م الأندلسى"يعيش بن إبراهيم بن يوسف الأموى"، والتى تشتمل على معالجة للأعداد الهرمية. كما كتب كل من "ثابت بن قُرة" و"كمال الدين الفارسى" رسالة مستقلة فى الأعداد المتحابة.
وأول كتاب فى الحساب الهندى -وهو كتاب "محمد بن موسى الخوارزمى" الموضوع حوالى عام 210 هـ/ 825 م- وصلنا فقط من خلال عدد من نسخه اللاتينية المنحولة عن ترجمة لاتينية يحتمل أنها أُعدَّت فى القرن 12 الميلادى، وتتمثل إحدى هذه النسخ فى مخطوط فريد محفوظ فى كمبردج ومنشور فى روما 1857 م تحت عنوان: Algoritmi de numero in dorum وتتمثل نسخة أخرى فى كتاب آخر منشور فى روما أيضا وفى نفس العام تحت عنوان: Liber algorismi (alghoarismi) de pratica arismetrice، والكتاب السابق يتناول بالشرح نظام القيم العشرية للخانات العددية؛ وإن كانت الأرقام الهندية التسعة مفقودة
من مخطوط كمبردج الذى يستخدم فقط الأرقام الرومانية، والصفر ممثل فيه بدائرة صغيرة تشير إلى الخانة الخالية. والكتاب الأخير يشير إلى الصفر بلفظ Ciffre أو Siffre. وتُجرى العمليات الحسابية الأساسية بوضع الأعداد فوق بعضها البعض ثم تبدأ العملية جهة اليسار، ومحو الأعداد ونقلها كلاهما مستخدمان مما يعنى ضمنا أن العمليات كانت تُجرى على "تخته رَمْل". ومن السمات المميزة للكتاب معالجة "التضعيف" و"التنصيف" باعتبارهما عمليتين مستقلتين، وهى الممارسة التى واصلها الحاسبون العرب طويلا حتى عصر "الكاشى" فى القرن 9 هـ/ 15 م (وإن لم يكن الأمر كذلك فى حالة "الكرخى" و"البنَّاء" حوالى عام 619 هـ/ 1222 م، أو فى حالة "القَلَصادى" المتوفى عام 882 هـ (1477 م أو عام 891 هـ/ 1486 م)، كما واصلها الكثير من المؤلفين الأوروبيين حتى القرن 16 م.
وما زال باقيا من الكتب التمهيدية الأولى للحساب الهندى كتاب "أصول حساب الهند" الذى ألفهُ "أبو الحسن كوشيار بن لَبّان الجيلى" حوالى عام 390 هـ/ 1000 م، ويقع الكتاب فى جزأين يعرض أولهما للأرقام التسعة ولمبدأ القيم العشرية للخانات العددية! حيث تشير دائرة صغيرة (صفر) إلى غياب رقم المرتبة (الخانة) التى يشغلها. ثم يتناول كوشيار الزيادة (الجمع) النقصانى (الطرح) والضرب والقسمة أما "التضعيف" و"التنصيف" فهما معالجان بوصفهما صنفين من الجمع والطرح على التناظر، ويلى ذلك معالجة للجَذْر (الجذر التربيعى)، ثم ينتهى هذا الجزء بفصل قصير عن الموازين. أما الكسور فيعبر عنها الكتاب أساسا فى صورة "قيم ستينية"؛ فالنصف مثلا يعبر عنه بثلاثين جزءا من الواحد الصحيح، وعلى ذلك فالناتج النهائى لتنصيف العدد 5625 يظهر على الصورة 2812، 30 وعلى النحو ذاته يحول باقى القسمة بالضرب (× 60)
إلى التقدير الستينى ثم يقسم على المقسوم عليه. أما الجزء الثانى فهو مخصص بكامله لنظام الحساب الستينى المركب (بما فى ذلك حساب الجذر التربيعى) بمعاونة جداول ضرب الأعداد حتى العدد 60 (وهى مفقودة من النّص الباقى). وفى تلك الجداول يُعَبًر عن الأعداد بنظام حساب الجُمَّلْ التقليدى، وإن كانت العمليات الحسابية ذاتها تقوم على نظام القيم العشرية للخانات العددية مع استخدام الأرقام التسعة والصفر، ويشرح الفصل الأخير كيفية استخراج الكعب (الجذر التكعيبى) فى النظام العشرى. والكتاب يتناول العمليات الحسابية من خلال إجرائها على تَخْت (تختة رمل) وما يشتمل عليه ذلك من محو وإزاحة الأرقام.
لكن وحتى قبل عصر كوشيار أُدْخِلَتْ مُسْتَحدثات فائقة الأهمية، كما يشهد بذلك كتاب "الفصول فى الحساب الهندى" لمؤلفه "أبو الحسن محمد بن إبراهيم الأقليدسى" فى دمشق عام 341 هـ/ 952 - 953 م. وبالإضافة إلى تطبيق نظام الحساب الهندى على حساب العقود القديم وعلى الكسور الستينية، شَرَعَ الأقليدسى فى تعديل طرق تختة الرمل لتلائم استخدام الحبر والورق. ومن ثم ففى نفس القرن نجد "أبو الوفاء البوزجانى" حين وضع كتابه فى الحساب من أجل استخدام موظفى الحكومة "ما يهتدى إليه الكتاب والعمال من صناعة الحساب" يحرص على تخليص نظم الحساب الهندى -التى كان يستخدمها بين الفينة والفينة- من تختة الرمل والمحو. وقد زعم الأقليدسى أنه أول من قدم معالجة مُرْضية للجذر التكعيبى، لكن أهم ما يميز كتابه قيامه بشرح وتطبيق الكسور العَشْرِيَة وهى مستحدث ظل إلى عهد قريب جدا يُنْسَبُ إلى "الكاشى" الذى عاش بعده بخمسة قرون، وإن كانت الفكرة تعاود الظهور بصورة ما فى كتاب "تكملة فى علم الحساب" لمؤلفه "أبو منصور عبد القاهر البغدادى" المتوفى عام
428 هـ/ 1037 م، والذى عبر عن الكسر 17.28 بالكيفية التالية:17.02.08. لكن يبدو أن هذا الابتكار قد فُقِدَ على مر خمسة قرون بعد الأقليدسى حتى أعاد الكاشى استخدام الكسور العشرية فى كتابه "مفتاح الحساب" باعتبارها كشفا جديدا توصل إليه عن طريق المضاهاة بالقيم الستينية. ومع أن الكاشى أدرك أهمية الكسور العشرية على نحو أفضل من الأقليدسى، فإن الأخير استخدم "علامة عشرية" عبارة عن شرطة قصيرة توضع فوق الرقم فى موضع الكسر العشرى؛ وهذه تتفوق على الطرق التى اتبعها الكاشى للإشارة إلى الجزء العشرى من العدد مثل كتابته بلون مختلف أو فى عمود أو أعمدة مستقلة.
والسمة المميزة لكتب طرق الحساب الهندى هى استخدامها للأرقام العربية التى اعتاد أهل العلم العرب فى القرون الوسطى على التأكيد بأنها هندية الأصل؛ الأمر الذى أضحى مُسَلَّمًا به الآن، وإن كان الجدل حول المصدر الأول للأرقام وطريقة انتشارها وتطورها فى العالم الإسلامى يظل محتدما بالرغم من البحوث المكثفة التى قام بها "ووبكه Woepcke" و"سميث Smith" و"كاربنسكى Karpinski" و"كارا دوفو Carra de Vaux" و"جاندز Gandz" وكثيرون غيرهم. وفى العالم الإسلامى تواجدت الأرقام وواصلت تواجدها أساسا فى صورتين إحداهما فى المشرق والأخرى فى المغرب، وجرت العادة على تسمية الأرقام المشرقية بالهندية وتسمية المغربية -التى هى الأصل المباشر للأرقام الأوربية الحديثة- بالغُبارية، وإن كانت هذه الأسماء تُعْكَسْ أحيانًا.
وكلا نوعى الأرقام كان معروفا للعرب بحلول عام 733 م إن لم يكن قبل ذلك، ومع ذلك يمكن ملاحظة أنه لم يجد أحد حتى الآن فى الرسائل العربية الخاصة بعلم الحساب آية إشارة إلى مؤلفين هنود أو عناوين لكتب هندية،
خلافا لما هو معهود فى المؤلفات الفلكية العربية! . ويُضاف إلى ذلك أن تلك الرسائل لا تنم عن أى أثر للحساب الهندى فى نحو عشرين عملية تتبع الحساب الإغريقى المألوف. وعلى النقيض من دلك نجد عبارة "حساب التخت والتراب" لها ما يناظرها فى اللغة السنسكريتية، ونجد توازيا بين العربية والسنسكريتية فى استخدام المصطلحين "الجمع والتفريق" أو "الضم والتفريق" -أى "الجمع والطرح"- للدلالة على علم الحساب برمته، مع إنه لا يقتصر على هاتين العمليتين الأوليين.
وقبل انتشار طرق الحساب الهندى شاع فى العالم الإسلامى نوع من الحساب يُطْلق عليه الأقليدسى "حساب الروم والعرب"، وكانت الكتب التى تتناوله (مثل رسالة "أبو الوفاء" سالفة الذكر) تقدم قواعد إجراء العمليات الحسابية بما فى ذلك التعيين التقريبى للجذور التربيعية. وكانت تلك العمليات تجرى عادة ذهنيا، وتُسْتَبْقَى النتائج الجزئية -المتحصل عليها سعيا إلى الحل النهائى- عن طريق الاحتفاظ بالأصابع فى أوضاع معينة؛ الأمر الذى جعل هذا النوع من الحساب يُعْرَف باسم "حساب اليد" أو "حساب العُقود" أو "الحساب الهوائى". وللتعامل مع الكسور كان حساب اليد يَسْتَخْدِم المقياس الستينى، أو يحول الكسور إلى أجزاء من العملات أو وحدات القياس. كما كان هناك أيضا النظام اللغوى فى التعبير عن الكسور (ثلث، ربع، . . .، عشر) وهو نظام مستمد من خصائص اللغة العربية؛ حيث يمكن التعبير عن الكسر بلفظ مشتق من اللفظ الدال على المقام، باستثناء "نصف" الذى لا يشتق من "اثنين".
وبالرغم من مواصلة وضع الرسائل فى حساب اليد حتى بعد التعرف بجلاء على مزايا الحساب الهندى، فقد كان الهدف العام للحسابين العرب -وربما أيضا إنجازهم الرئيسى- دَمْجَ الطرق