الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة الخامسة
فيما جاء في ذلك من الأخبار والآثار
من ذلك قصة الأقرع والأبرص والأعمى. وهي في صحيحي البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. أخبرني الإمام الحافظ الرحلة الشيخ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري، قراءة عليه وعلى أخيه الشيخ الغمام أبي القاسم محمد وأنا اسمع بالمدرسة الظاهرية بين القصرين من القاهرة المعزية في شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة قالا: أخبرنا الشيخ المسند عز الدين عبد العزيز بن علي ابن نصر بن منصور الحراني المعروف بابن الصيقل أنا الحافظ أبو العباس أحمد بن يحيى بن هبة الله بن البيع ببغداد سنة ستمائة سماعاً، وأنبانا أبو علي الحسن بن إسحاق بن موهب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي رحمه الله تعالى، وأبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى بن الزبيدي، وأبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الله بن روزبة قالوا ثلاثتهم: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السجزي الصوفي قراءةً عليه ونحن نسمع قال: أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن معاذ بن سهل الداودي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حموية ابن أحمد ابن يوسف بن أعين السرخسي الحموي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري البخاري، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسمعيل بن إبراهيم بن بردزبه البخاري رحمه الله تعالى قراءة عليه وأنا اسمع، عوداً على بدء، قال حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا همام ح وأخبرني الشيخ الإمام المسند شمس الدين أبو الحسن علي بن الشيخ محب الدين محمد بن ممدود ابن جامع البندينجي رحمه الله تعالى قراءة عليه وعلى الشيخ الإمام الحافظ الرحلة الناقد فرد الزمان جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي رحمه الله تعالى بدار الحديث الأشرفية تحت قلعة دمشق المحروسة في شهر رجب الفرد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة.
قال البندينجي المذكور: أنا الشيخ المسند أبو العباس احمد بن عمر بن عبد الكريم بن عبد العزيز الباذبيني المقري ببغداد سنة خمسين وستمائة. وقال الشيخ جمال الدين المزي: أنا الشيخ أمين الدين أبو محمد القاسم بن أبي بكر بن القاسم بن غنيمة الأربلي والباذبيني معاً. قالا أخبرنا الشيخ أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الفراوي قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي، قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد، قال: حدثنا الحافظ الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رحمه الله تعالى. قال حدثنا شيبان بن فروخ. قال حدثنا همام، وعند همام اجتمع سند البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. قال همام حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. قال حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة رضي الله عنه حدثه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص، قال أي شيء أحب إليك؟ قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال أي المال احب إليك، قال الإبل، فأعطي ناقة عشراء وقال: بارك الله لك فيها. ثم أتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك، قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسناً، قال فأي المال أحب إليك، قال البقر، فأعطي بقرة حاملاً وقال: بارك الله لك فيها، ثم أتى الأعمى، فقال أي شيء أحب إليك، قال أن يرد الله علي بصري فمسحه: فرد الله بصره، قال فأي المال احب إليك قال: الغنم فأعطي شاة ولوداً. فكان للأبرص واد من إبل، وللأقرع واد من البقر، وللأعمى واد من الغنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت به الحبال في سفره فلا بلاغ له اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالله الذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك. ألم تكن أبرص
يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله؟ قال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. قال: إن كنت كاذباً صيرك الله كما كنت. وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال. ورد عليه مثل ما رد الأول. فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله كما كنت. ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته فقال. له مثل ما قال. فقال: كنت أعمى فرد الله علي بصري. فخذ ما شئت ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك. قال الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله تعالى، بعد ما أورد هذا الحديث في كتاب الإفصاح: البلاء إلى السلامة أقرب من العافية إليها. ألا ترى كيف هلك مع السلامة اثنان ونجا واحد. وقد دل هذا الحديث على أن الصبر على البلاء قد يكون خيراً للمبتلى فإنه بان بمعافاة الأقرع والأبرص أن المرض كان أصلح لهما، لأن العافية كانت سبباً لهلاكهما. وقد خذر هذا الحديث من كان في ضر فسأل زواله فلم ير الإجابة أن يتهم القدر فإن الله ينظر للعبد في الأصلح والعبد لا يعلم للعواقب. انتهى. الناس، فقيراً فأعطاك الله؟ قال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. قال: إن كنت كاذباً صيرك الله كما كنت. وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال. ورد عليه مثل ما رد الأول. فقال: إن
كنت كاذباً فصيرك الله كما كنت. ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته فقال. له مثل ما قال. فقال: كنت أعمى فرد الله علي بصري. فخذ ما شئت ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك. قال الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله تعالى، بعد ما أورد هذا الحديث في كتاب الإفصاح: البلاء إلى السلامة أقرب من العافية إليها. ألا ترى كيف هلك مع السلامة اثنان ونجا واحد. وقد دل هذا الحديث على أن الصبر على البلاء قد يكون خيراً للمبتلى فإنه بان بمعافاة الأقرع والأبرص أن المرض كان أصلح لهما، لأن العافية كانت سبباً لهلاكهما. وقد خذر هذا الحديث من كان في ضر فسأل زواله فلم ير الإجابة أن يتهم القدر فإن الله ينظر للعبد في الأصلح والعبد لا يعلم للعواقب. انتهى.
قلت: ليس هذا الكلام بمستقيم، لأنه لم يطابق الواقع. لأن الثلاثة كانوا في بلاء وسألوا بأجمعهم العافية وخار الله لأحدهم ولم يخر للباقيين. ولكن الصواب أن يسأل الله في العافية من البلاء والتوفيق إلى رضاه.
وأما كون الله تعالى نجى الأعمى وأهلك الأقرع والأبرص، فهذا أمر لا يعلل ولا يعقل. وهو من أسرار القدر، فسبحان الفاعل المختار، لا يعلم أسرار القضاء والقدر إلا هو. لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون.
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
…
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه عمن حدثه: أن حبيب بن فورك خرج به أبوه إلى رسول الله صلى عليه وسلم وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئاً. فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أصابه. فقال: إني كنت أمون جملاً لي فوضعت رجلي على بيض حية فابيضت عيناي. فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر. فلقد رأيته يدخل الخيط في الإبرة، وهو ابن ثمانين.
ويؤيد هذا الحديث الحديث المشهور في عين قتادة. أخبرنا الحافظ الرحلة الشيخ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري رحمه الله
تعالى قراءة عليه وهو يسمع بالقاهرة المعزية في سنة تسع وعشرين وسبعمائة قلت له: قرأت على أبي عبد الله محمد بن علي بن ساعد، أخبركم ابن خليل، أنا ابن أبي زيد، أنا محمود الصيرفي، أنا أبو الحسين بن قاذشاه، أنا الطبراني، ثنا الوليد بن حماد الرملي، ثنا عبد الله بن الفضل، حدثني أبي عن أبيه عاصم عن أبيه عمر عن أبيه قتادة بن النعمان، قال: أهدي إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم قوس. فدفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي يوم أحد. فرميت بها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اندقت عن سيتها ولم أزل عن مقامي نصب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقى السهام. وكلما مال سهم منها إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلا رمي أرميه. فكان آخرها سهماً ندرت منه حدقتي على خدي. وافترق الجمع فأخذت حدقتي بكفي. فسعيت بها في كفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفي دمعت عيناه، فقال: اللهم إن قتادة فدى وجه نبيك بوجهه! فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظراً! فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظراً.
قلت: ولا شك أن هذا أبلغ معجزاً من الحديث الأول. فإن الأول فيه أن عينين كانتا قد ابيضتا. فتفل فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبصرتا. وهما أخف أمراً من عين سالت وصارت في كف صاحبها وبانت عن مستقرها. فيعيدها صلى الله عليه وسلم أحسن من أختها وأحد منها نظراً. لا شك أن هذا أبلغ. وقال الخرنق الأوسي:
ومنا الذي سالت على الخد عينه
…
فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأحسن حالها
…
فيا طيب ما عين ويا طيب ما يد
وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تكرهوا الرمد، فإنه يقطع عروق العمى. أي أسبابه.
وقال إبراهيم التيمي: كفى بالمرء حسرة أن يفسح الله في بصره في الدنيا وله جار أعمى، فيأتي يوم القيامة أعمى وجاره بصيراً.
وسمعت عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة رجلاً يقول: ما أشد العمى على من كان بصيراً! فقالت: يا عبد الله عمى القلب عن الله اشد من عمى العين عن
الدنيا. والله لوددت أن الله وهب لي كنه محبته ولم يبق مني جارحة لا أخذها! قال رجل للقاسم بن محمد، وقد ذهب بصره: لقد سلبت أحسن وجهك. قال: صدقت غير أني منعت النظر إلى ما يلهى، وعوضت الفكرة في العمل فيما يجدي.
قال حكيم: إياك أن تحك بثرة وإن زعزعتك، واحفظ أسنانك من القار بعد الحار والحار بعد القار، وأن تطيل النظر في عين رمدة وبئر عادية، واحذر السجود على خصفة جديدة حتى تمسحها بيدك. فرب شظية حقيرة فقأت عيناً خطيرة.
أنس رضي الله عنه رفعه: من قاد أعمى أربعين خطوة لم تمسه النار.
كتب مبارك أخو سفيان الثوري إليه يشكو ذهاب بصره. فكتب إليه سفيان: أما بعد. فقد فهمت كتابك فيه شكاية ربك. فاذكر الموت يهن عليك ذهاب بصرك. والسلام.
ذكر الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى في كتاب أسرار التنزيل عند ما ذكر الفتوة أن رجلاً تزوج امرأة. وقبل الدخول بها، ظهر بالمرأة جدري أذهب عينها. فقال: الرجل ظهر في عيني نوع ضعف وظلمه.
ثم قال: عميت. فزفت إليه المرأة. ثم إنها ماتت بعد عشرين سنة. ففتح الرجل عينيه. فقيل له في ذلك. فقال: ما عميت ولكن تعاميت حذراً أن تحزن المرأة. فقيل له سبقت الفتيان.
وقال حكي عن الشبلي أنه قال: خطر ببالي أني بخيل ولئيم فقلت أجرب نفسي: فنويت أن كلّ ما آخذه اليوم أهبه لأي شخص أراه أولاً. ثم إنه جاء خادم في الحال من دار الخلافة ووضع عندي صرة فيها خمسون ديناراً فأخذتها وخرجت فرأيت حجاماً يحلق رأس أعمى. فدفعتها إلى الأعمى. فقال الأعمى: ادفعها إلى هذا الحجام: فقال الحجام أنا نويت حلق رأس هذا الأعمى لله. فقلت: إنها ذهب. فقال الأعمى ما هذا البخل؟ ثم أخذها ودفعها إلى الحجام. فقال الحجام أنا نويت حلق رأس هذا الأعمى لله: ولا آخذ الذهب. والحاصل إن ذلك الذهب ما قبله الأعمى ولا الحجام.
ونقلت من بعض المجاميع: قال بعض السادة: كنا في جنازة وحضرها معنا الشيخ أبو بكر الضرير. وبين يدي الجنازة صبيان يبكون ويقولون: من لنا بعدك يا أبة فلما سمعهم أبو بكر يقولون ذلك قال الذي كان لأبي بكر الضرير. فسألته عن سبب ذلك. فقال: كان أبي من فقراء المسلمين وكان يبيع الخزف. وكانت لي أخت أسن مني
وكنت قد أتي علي في بصري. فانتبهت ليلة فسمعت أبي يقول لأمي: أنا شيخ كبير وأنت أيضاً قد كبرت وضعفت. وقد قرب منا ما بعد. ثم أنشد:
وإن أمراً قد سار خمسين حجة
…
إلى منهل من ورده لقريب
وهذه الصبية تعيش بصحة جسمها وتخدم الناس. وهذا الصبي ضرير قطعة لحم. ليت شعري! ما يكون منه؟ ثم بكيا وداما على ذلك وقتاً طويلاً من الليل. فاحزنا قلبي. فأصبحت ومضيت إلى المكتب، على عادتي. فما لبثت إلا يسيراً إذ جاء غلام للخليفة، فقال للمعلم: السيدة تسلم عليك وتقول لك قد أقبل شهر رمضان وأريد منك صبياً دون البلوغ، حسن القراءة طيب الصوت يصلي بنا التراويح. فقال: عندي من هذه صفته. وهو مكفوف البصر، ثم أمرني بالقيام معه. فأخذ الرسول بيدي وسرنا حتى وصلنا الدار. فاستأذن علي. فأذنت السيدة لي بالدخول، فدخلت وسلمت. واستفتحت وقرأت، بسم الله الرحمن الرحيم. فبكت. واسترسلت في القراءة، فزاد بكاؤها. وقالت: ما سمعت قط مثل هذه التلاوة فرق قلبي، فبكيت. فسألتني عن سبب ذلك فأخبرتها بما سمعت من أبي. فقالت: يا بني! يكون ذلك من لم يكن في حساب أبيك. ثم أمرت لي بألف دينار. فقالت: هذه يتجر بها أبوك ويجهز أختك. وقد أمرت لك بإجراء ثلاثين ديناراً في كل شهر، إدراراً. وأمرت لي بكسوة وبغلة مسرجة ملجمة وسرج محلي. فهو سبب قولي جواباً للصبيان عند ما قالوا: من لنا بعدك يا أبه.
قيل إنه مكتوب في التوراة: إن الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقواد لا يموت حتى يعمى.
ويقال في التجارب: الأعمى مكابر والأعور ظلوم والأحول تياه.