المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابع في الإسراء به صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصي إلى السموات العلى - نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - جـ ١

[رفاعة الطهطاوى]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الناشر

- ‌[عملنا في هذا الكتاب]

- ‌مؤلفاته ومترجماته

- ‌الباب الأوّل فى مولده الشريف إلى بعثته صلى الله عليه وسلم

- ‌آباؤه:

- ‌طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم:

- ‌ومن كلام عمه أبى طالب:

- ‌[مولده] :

- ‌[أسماؤه صلى الله عليه وسلم] :

- ‌[طهارة مولده وشرفه] :

- ‌[زواج أبيه بأمه] :

- ‌[تعبده صلى الله عليه وسلم قبل البعثة] :

- ‌[رضاعه] :

- ‌الفصل الثانى فى ذكر عمل مولده الشريف، وإشهاره كلّ سنة وفيما جرى في مولده وفيما بعده من الوقائع

- ‌[الاحتفال بالمولد] :

- ‌والبدعة من حيث هى منقسمة إلى خمسة أقسام:

- ‌واجب:

- ‌وحرام:

- ‌ومندوب إليه:

- ‌ومكروه:

- ‌ومباح:

- ‌الفصل الثالث فى زواجه بخديجة بنت خويلد رضى الله تعالى عنها وما رزقه الله من الذرية منها

- ‌[أولاده من خديجة] :

- ‌الباب الثانى فى مبعثه صلى الله عليه وسلم، ودعائه الناس إلى الدين الحق. وهجرة المسلمين* إلى الحبشة، وخروجه إلى الطائف

- ‌الفصل الأوّل فى رسالته صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين إلى كافة الناس بشيرا ونذيرا

- ‌كفالته عليّا:

- ‌[اشتداد الأذى عليه صلى الله عليه وسلم] :

- ‌الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة

- ‌[مسألة الغرانيق وما سمّوه الايات الشيطانية] :

- ‌ وأما الهجرة الثانية:

- ‌الفصل الثالث فى خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف قبل هجرته إلى المدينة المشرّفة

- ‌الفصل الرابع في الإسراء به صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصي إلى السموات العلى

- ‌[مسألة رؤية الله] :

- ‌الباب الثالث فى هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وما ترتب على ذلك من المظاهر الإسلامية والظواهر التعليمية. وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة والتمهيد لها

- ‌الهجرة إلى المدينة:

- ‌[التامر على الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الندوة] :

- ‌الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه: صدّيقه رضى الله تعالى عنه وهو ابتداء التاريخ الإسلامى

- ‌مبدأ التأريخ الإسلامى:

- ‌[مسألة: الرسول صلى الله عليه وسلم والشّعر]

- ‌هجرة بقايا المسلمين من مكة:

- ‌[فرق اليهود] :

- ‌الأولى: التوراة، وهى خمسة أسفار

- ‌المرتبة الثانية: أربعة أسفار: تدعى الأولي:

- ‌المرتبة الثالثة: أربعة أسفار تدعى: الأخيرة:

- ‌المرتبة الرابعة: تدعى: الكتب، وهى أحد عشر سفرا:

- ‌الفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا

- ‌الباب الرابع فى تفاصيل الظواهر التى حدثت بعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌[المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار]

- ‌الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، وما فيها من الغزوات

- ‌[إسلام عمير بن وهب] :

- ‌الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌غزوة بنى النضير:

- ‌الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات

- ‌الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة وما فيها من الغزوات

- ‌ وأما النساء الست اللاتى أهدر النبى صلى الله عليه وسلم دماءهن يوم الفتح

- ‌الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه صلى الله عليه وسلم، وفي حجة الوداع

- ‌الباب الخامس في وفاته صلى الله عليه وسلم وذكر بعض أخلاقه وصفاته، ومعجزاته، وأزواجه. وأعمامه، وعماته، وأخواله، ومواليه وخدمه، وحشمه صلى الله عليه وسلم، وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل في ذكر وفاته صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بذلك

- ‌الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه وصفاته صلى الله عليه وسلم

- ‌وخصائصه صلى الله عليه وسلم على أضرب:

- ‌الأوّل الواجبات:

- ‌الثانى

- ‌الثالث المباحات:

- ‌الرابع ما

- ‌الفصل الثالث في ذكر معجزاته

- ‌[كيفية نزول القران] :

- ‌الفصل الرابع فى ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم وقرابته ومواليه

- ‌جدول يضبط ما تفرّق من الغزوات التي سبق ذكرها تفصيلا

الفصل: ‌الفصل الرابع في الإسراء به صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصي إلى السموات العلى

‌الفصل الرابع في الإسراء به صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصي إلى السموات العلى

ولما بلغ صلى الله عليه وسلم إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر (قبل الهجرة بسنة) أسرى به من حجر مكة المعظّم ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو أوّل القبلتين، وثانى المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشدّ الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر «1» بعد الموطنين إلا عليه؛ فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:«لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصي» «2» ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العلي، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام «3» .

قال الماوردى: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلا فى قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: 149] ، فإنه أراد به الكعبة، ولم يرد في أحاديث المعراج الثابتة أنه صلى الله عليه وسلم عرج به إلى العرش تلك الليلة، بل لم يرد في حديث أنه صلى الله عليه وسلم جاوز سدرة المنتهى، بل انتهى إليها.

وقد سئل الشيخ رضى الدين القزوينى رحمه الله عن وطء النبى صلى الله عليه وسلم العرش بنعله، وقول الرب جل جلاله «لقد شرف العرش بنعلك يا محمد» هل ثبت ذلك أم لا؟ «4» فأجاب بما نصه: «أما حديث وطء النبى صلى الله عليه وسلم العرش بنعله فليس بصحيح، وليس بثابت، بل وصول النبى صلى الله عليه وسلم إلى ذروة العرش لم يثبت في خبر صحيح ولا حسن ولا ثابت أصلا، وإنما صحّ في الأخبار انتهاؤه إلى سدرة

(1) الخنصر: الإصبع الوسطي، وهو كناية عن شدة التمسك.

(2)

الحديث متفق عليه، ورواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة، والإمام أحمد والترمذى وابن ماجه. وهو متفق عليه عن أبى سعيد.

(3)

صريف الأقلام: صريرها. اهـ (من هامش الأصل) .

(4)

قوله قبل: «إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام» يردّ ما قاله القزويني، فليتأمل؛ فإن هذا المستوى أعلى من سدرة المنتهى، وأما صعوده على العرش فالله أعلم بصحته. والله أعلم.

ص: 139

المنتهى فحسب، وأما إلى ما وراءها فلم يصحّ، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعيفة أو منكرة» .

قال النجم الغيطى رحمه الله: «وقد رأيت بخط بعض المحدّثين- بعد نقله كلام الشيخ رضى الدين رحمه الله: هو الصواب، وقد وردت قصة الإسراء والمعراج مطوّلة ومختصرة عن نحو أربعين صحابيّا، وليس في حديث أحد منهم أنه صلى الله عليه وسلم كان تلك الليلة في رجله نعله، وإنما وقع ذلك في نظم بعض القصّاص الجهلة» إلى أن قال: «وهذا باطل لم يذكر في شيء من الأحاديث بعد الاستقراء التام، ولم يرد في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف، أنه رقى العرش، وما وقع في بعض الأحاديث التى افتراها بعضهم لا يلتفت إليه، ولا أعلم خبرا ورد فيه أنه صلى الله عليه وسلم رأى العرش إلا ما رواه ابن أبي الدنيا عن ابن أبي المخارق أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «مررت ليلة أسرى بى برجل مغيّب في نور العرش، قلت: من هذا، أملك؟ قيل: لا، قلت؟ نبي؟ قيل: لا، قلت: من هو؟ قيل: هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطبا من ذكر الله وقلبه معلق بالمساجد ولم يستسبّ لوالديه» «1» ، وهو خبر مرسل لا تقوم به الحجة في هذا الباب، وما ذكر في السؤال (يعنى المتقدم من أنه صلى الله عليه وسلم رقى العرش بنعله) فقاتل الله من وضعه؛ ما أعدم حياءه وأدبه، وما أجرأه على اختلاق الكذب على سيد المتأدبين ورأس العارفين صلى الله عليه وسلم.

[شقّ صدره] : وحدّث صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسرى به كما رواه البخارى ومسلم وغيرهما، فقال:«بينما أنا في الحطيم «2» (وربما قال في الحجر) مضطجع، (وفي رواية: بين النائم واليقظان) إذ أتانى ات، قال: فسمعته يقول: فشقّ ما بين هذه إلى هذه (يعنى من ثغرة نحره إلى عانته) فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا فغسل قلبى ثم حشي» . والحديث فيه اختصار، والأصل: فاستخرج قلبه ثم شق واستخرج منه علقة، وقيل:«هذا حظ الشيطان منك» . ثم غسل بماء زمزم، كما يدل عليه حديث اخر، وفي رواية «علقتين سوداوين» وفي لفظ:«مضغة» .

(1) أى لم يكن سببا في سب والديه (هامش الأصل) .

(2)

الحطيم: ما بين الحجر الأسعد والباب، إلى مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

ص: 140

وقد اختلف في تفسير الحكمة، فقيل: هى العلم المشتمل على معرفة الله تعالى مع نقاء البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك.

قال الإمام النووى في شرح مسلم: «وليس في هذا ما يوهم جواز استعمال الذهب لنا؛ فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأنه كان قبل تحريم أوانى الذهب والفضة، والتحريم إنما وقع بالمدينة، كما نبه عليه الحافظ ابن حجر» .

قال الشيخ محمد بن أبى جمرة: «الحكمة في شق صدره مع القدرة على أن يمتليء قلبه صلى الله عليه وسلم إيمانا وحكمة بغير شق: الزيادة في قوة اليقين؛ لأنه أعطى برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العاديّة، فلذلك كان أشجع الناس حالا ومقالا، ولذلك وصف بقوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) [النجم: 17] ، اهـ. وكل هذه الأمور يجب الإيمان بها، والقدرة «1» صالحة لذلك، وقد انخرقت العادات لكثير من أولياء الله تعالى المتطفلين على جناب هذا السيد العظيم المحبوب الأكبر، فكيف به عليه الصلاة والسلام؟

وقد سئل الإمام تقى الدين السبكى رحمه الله عن العلقة السوداء التى أخرجت من قلبه صلى الله عليه وسلم حين شقّ فؤاده، وقول الملائكة «هذا حظ الشيطان منك» ، فأجاب رحمه الله بأن تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر، قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه صلى الله عليه وسلم، فلم يبق فيه مكان لأن يلقى الشيطان فيه شيئا، وهذا معنى الحديث. قيل له: فلم خلق الله تعالى هذا القابل «2» فى هذه الذات الشريفة، وكان يمكنه ألايخلقه الله تعالى فيه؟ فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني، ولا بد منه، ونزعه كرامة ربانية طرأت.

وقال غيره: لو خلق نبيه صلى الله عليه وسلم سليما منها لم يكن للادميين اطّلاع على

(1) أى القدرة الإلهية.

(2)

أى القابل لوسوسة الشيطان.

ص: 141

حقيقته، فأظهره الله تعالى على يد جبريل عليه السلام ليتحققوا كمال باطنه بإخباره صلى الله عليه وسلم عمّا شاهده في نفسه، كما برز لهم مكمل الظاهر. انتهي.

وفي غسل قلبه بماء زمزم دون غيره أنه أفضل المياه بعد النابع من أصابعه الشريفة، ويليه: ماء الكوثر، ثم نيل مصر، ثم باقى الأنهر، ونظم السبكى ذلك بقوله:

وأفضل المياه ماء قد نبع

بين أصابع النبيّ المتّبع

يليه ماء زمزم فالكوثر

فنيل مصر، ثم باقى الأنهر

وقيل: لأن ماء زمزم يقوّى القلب، ويسكن الرّوع.

وقال الحافظ الزين العراقي: ولذلك غسل قلبه عليه السلام ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت، وقيل: لأنه لما كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل صلى الله عليه وسلم، وقد ربّي عليها ونما عليه قلبه وجسده، وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة، ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق كذلك، ولما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك؛ فإنه قد صارت الولاية إليه في الفتح «1» ، فجعل السقاية للعباس ولولده، وحجابة البيت لعثمان بن شيبة وعقبه إلى يوم القيامة.

روى الطبراني من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام طعم وشفاء سقم» وصحّحه ابن حبان، وروى مرسلا من حديثه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ماء زمزم لما شرب له» ورجاله ثقات.

قال ابن عباس رضى الله عنهما: «كنا نسميها، (يعنى زمزم) ، «شباعة» «2» ، ونجدها نعم العون على العيال» .

وروى فيه «إنه شراب الأبرار» كما عند الأزرقي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم، كما رواه في الحلية، وقال عباد بن

(1) فتح مكة.

(2)

فى المراصد: «شباعة» بالضم من أسماء زمزم في الجاهلية.

ص: 142

عبد الله بن الزبير: لما حجّ معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت صلّى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا، فقال: انزع لى منها دلوا يا غلام، قال: فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب وصبّ على وجهه ورأسه، وهو يقول:«زمزم شفاء، وهى لما شرب له» قال الحافظ: إسناده حسن، وهو أحسن من كل إسناد وقفت عليه لهذا الحديث، وقد جرّبه جماعة من العلماء والأئمة فوجدوه صحيحا.

وأما ما يذكر على بعض الألسنة من أن فضيلته ما دام في محله فإذا نقل تغيّر، فقال الحافظ السخاوي: إنه شيء لا أصل له؛ فقد كتب النبى صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو: «إن جاءك كتابى ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين حتّى تبعث إليّ بماء زمزم» ، فبعث له بمزادتين، وكان حينئذ بالمدينة قبل أن تفتح مكة.

وحملته عائشة رضى الله عنها في القوارير، وقالت: حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأداوى والقرب، وكان يصبّ منه على المرضى ويسقيهم، وكذا حمله الحسن والحسين رضى الله عنهما، ونقله جائز بإتفاق الأئمة الأربعة «1» .

وفي ماء زمزم خواص منها: أنه لا يرفع ولا يغور إذا رفعت المياه وغارت قبل يوم القيامة، ومنها أنه يذهب الصداع ويبرد الحمّي.

قال القسطلاني: «وقد وقع في شق صدره الشريف من الخوارق ما يدهش السامع؛ فسبيلك الإيمان والتسليم من غير أن تتكلف إلى التوفيق بين المنقول والمعقول، للتبرّى مما يتوهم أنه محال من: شق البطن، وإخراج القلب المؤديين إلى الموت لا محالة، ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق، إلا في الأمر المحال على القدرة» . انتهي.

* ثم بعد طهارة باطنه وظاهره بالوضوء، لمناسبة شهود الحضرة القدسية، أتى بالبراق مسرجا ملجما، (وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، وهو مأخوذ من البرق لسرعة سيره، أرسله الله تعالى من الجنة إجلالا وتعظيما، على عادة الملوك إذا استدعوا عظيما بعثوا إليه النجيب «2» مهيّا مع أعز خواصهم للحضور، فهو من عالم الغيب: لا

(1) انظر المقاصد الحسنة للسخاوى ص 358 ففيه تفصيل أوسع. والله أعلم.

(2)

فى اللغة: الفاضل على مثله النفيس في نوعه.

ص: 143

يوصف بذكورة ولا أنوثة، كالملائكة) فحمل عليه فانطلق به جبريل عليه السلام حتّى أتى السماء الدنيا فاستفتح «1» ، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل:

ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به فنعم المجيء جاء

» «2» الحديث بطوله، ورأى الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم وصلّى بهم.

واختلف في صلاته) ليلة الإسراء بالأنبياء، قيل: قبل عروجه، وقيل: بعده، والأوّل استظهره ابن حجر، وصحّح «3» الثانى ابن كثير، قال بعضهم: ولا مانع من أنه صلى الله عليه وسلم صلّى بهم قبل العروج وبعده. وكانت صلاته بهم ركعتين، والظاهر أنها كانت فريضة «4» ؛ لأنها كانت بأذان وإقامة، وهل كانت بالفاتحة أو غيرها؟

لم يثبت ذلك. وفي «الإتقان» (5) ما يفيد أنه قرأ فيها بأم القران.

قال النووي: واختلف في هذه الصلاة، فقيل: إنها اللغوية، وهى الدعاء والذكر، وقيل: الصلاة المعهودة، وهذا أصح؛ لأن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية قبل اللغوية، وإنما يحمل على اللغوية إذا تعذّر حمله على الشرعية، ولم يتعذر هنا، فوجب الحمل على الصلاة الشرعية. وهل صلّى بأرواحهم متشكلة بصور أجسادهم، أو هى وأجسادهم؟ احتمالان. وفي الحديث ما يدلّ لكل منهما.

وأما ما راه في السماوات؛ فأرواحهم متشكلة بصور أجسادهم إلا عيسى وإدريس، وصلّى أيضا بالملائكة عند سدرة المنتهي، ورأى من ايات ربه الكبري، ثم دنا فتدلّي، فكان قاب قوسين أو أدني، فأوحى إلى عبده ما أوحي.

قال أبو بكر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى

(10)

[النجم: 10] ؟ قال: «فقال الله عز وجل: «لولا أنى أحب العتاب لم أحاسب أمتك» . قال: وذكر عن أمتى خصالا:

أولها: قال: لم أكلفهم عمل الغد، وهم يطلبون منى رزق الغد.

(1) أى طلب فتح الأبواب.

(2)

الحديث طويل ومروى في كتب الصحاح.

(3)

عدّه صحيحا.

(4)

أى من الفرائض لا من النوافل.

ص: 144

وثانيها، قال: لا أدفع أرزاقهم إلى غيرهم، وهم يدفعون عملهم إلى غيري.

وثالثها، قال: إنهم يأكلون رزقي، ويشكرون غيري، ويحرنون «1» معي، ويصالحون خلقي.

ورابعها، قال: أنا المعزّ، وهم يطلبون العزّ من سواي.

وخامسها قال: إنّى خلقت النار لكل كافر، وهم يجتهدون أن يوقعوا أنفسهم فيها» .

وفرض الله عليه وعلى أمته تلك الليلة كل يوم وليلة خمسين صلاة في أوّل الأمر، فما زال يراجع حتّى صارت خمسا في الفعل وخمسين في الأجر.

والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء: أنه صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء، رأى تلك الليلة تعبّد الملائكة؛ منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى له ولأمته تلك العبادات في ركعة واحدة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص.

وفي اختصاص فرضها في السماء دون سائر الشرائع فإنها فرضت في الأرض، فللتنبيه على مزيتها على غيرها من الفرائض. وفي فرضها تلك الليلة (كما قال السهيلي) التنبيه على فضلها حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدّسة المطهّرة، ولذلك كانت الطهارة من شأنها ومن شرائطها، والتنبيه على أنها مناجاة الرب عز وجل، وأن الله تبارك وتعالى يقبل بوجهه على المصلى يناجيه ويقول: حمدنى عبدي، أثنى عليّ عبدي، إلى اخر سورة الفاتحة، وهو المشاكل لفرضها عليه فوق السماء السابعة حين سمع كلام الرب عز وجل، وناداه. ولم يعرج به حتّى طهّر ظاهره وباطنه بماء زمزم، كما يتطهر المصلى للصلاة، وأخرج عن الدنيا بجسده كما يخرج المصلى عن الدنيا بقلبه، ويحرم عليه كل شيء إلا مناجاة ربه وتوجهه إلى قبلته في ذلك الحين، وهو بيت المقدس، ورفع إلى السماء كما يرفع المصلّى يديه إشارة إلى القبلة العليا، وهو البيت المعمور وإلى جهة عرش من يناجيه ويصلى له سبحانه وتعالى.

(1) يعاندون ويعصون.

ص: 145

* قال بعض المفسرين: الأفعال التى كلّفنا الله بها على قسمين:

منها ما يعقل معناه ووجه حكمته فيه؛ كالصلاة والصوم والزكاة؛ فإن الصلاة تضرّع محض، وتواضع وتذلل للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة.

ومنها ما لا يعقل معناه ولا يعرف وجه الحكمة فيه كأفعال الحج؛ فإنّا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمى الجمار، والسعى بين الصفا والمروة والرّمل.

ثم اتّفق المحققون على أنه كما يحسن منه تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأوّل، فكذا يحسن منه الأمر بالنوع الثاني؛ لأن الإطاعة في النوع الأوّل لا تدل على كمال الانقياد؛ لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، بخلاف الطاعة في النوع الثاني؛ فإنها لا تدل إلا على كمال الانقياد، وكمال نهاية التسليم؛ لأنه لمّا لم يعرف منه وجه المصلحة إليه لم يكن وجه إتيانها إلا محض الانقياد والتسليم، وهذا معنى قولهم: يجب علينا الإيمان والتصديق بكل ما جاءت به الرسل وإن لم نفهم حكمته، كذلك يجب علينا الإيمان والتصديق بكلام الأئمة وإن لم نفهم علّته حتّى يأتينا عن الشارع ما يخالفه.

ومن شعائر الإسلام الصلوات، والجماعات، وقراءة القران. والمساجد والمحاريب في زماننا أكثر؛ إذ النبى صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا والإسلام لم يبلغ غير جزيرة العرب.

* ولما أصبحّ صلى الله عليه وسلم قصّ على قريش ما رأي، فقال له المطعم بن عدي:«كلّ أمرك قبل اليوم كان أمما (يعنى خفيفا) ، أنا أشهد أنك كاذب؛ نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا وتزعم أنك أتيته في ليلة! واللات والعزّى لا أصدّقك» .

فقال أبو بكر رضى الله عنه: «يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته وكذبته، وأنا أشهد أنه صادق» .

فقالوا: «يا محمد صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ (وفي القوم من سافر إليه)، فذهب ينعت لهم: بناؤه كذا،

ص: 146

وهيأته كذا، وقربه من الجبل كذا. وسألوه أمارة، فأخبرهم بالعير وأنهم يقدمون يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتّى كادت الشمس أن تغرب، فدعا صلى الله عليه وسلم الله، فحبس الشمس، وكان كما وصف صلى الله عليه وسلم. واختلف في حبس الشمس، فقيل وقوفها عن السير (عن الحركة) بالكلية، وقيل بطء حركتها. (وقيل غير ذلك) .

فما زال ينعت لهم حتّى التبس عليه النعت، فكرب كربا ما كرب مثله، فجيء بالمسجد وهو ينظر إليه حتّى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا له: كم للمسجد من باب؟ ولم يكن عدّها، فجعل ينظر إليها ويعدّها بابا بابا، وأبو بكر رضى الله عنه يقول:«صدقت، صدقت، أشهد أنك رسول الله» ، فقال القوم: أما النعت فو الله لقد أصاب، ثم قالوا لأبى بكر: أتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: «نعم، إنى لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة» . فلذلك سمى أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه.

وحكمة تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصي: أن قريشا تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع.

* وقد اختلف الناس في كيفية الإسراء: فالأكثرون من طوائف المسلمين متفقون على أنه بجسده صلى الله عليه وسلم، والأقلّون قالوا بروحه، فالإسراء بالروح محكي عن حذيفة وعائشة ومعاوية رضى الله عنهم، فقد قالوا: إن ذلك كله كان رؤيا، وهناك قول ثالث: إن الإسراء كان بجسده إلى بيت المقدس، وبروحه من بيت المقدس إلى السموات السبع.

والصحيح عند الجمهور أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا رؤيا؛ لأنه قد صح أن قريشا كذّبته، وارتدّ جماعة ممن كان أسلم، وسألوه أمارة فأخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء؛ فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتّى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله تعالى فحبس الشمس حتّى قدموا كما وصف. وكذلك تجلّى البيت المقدس له ونظره إليه وإخبار قريش، فهذا يدل على أن ذلك كله لم يكن رؤيا، ولو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت رؤيا» لما كذّب ولا أنكر ذلك على غيره، فضلا عن إنكاره عليه، لأن احاد الناس يرون في منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات، وليس ذلك بعجيب.

ص: 147

وأيضا الظاهر من قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ أنه يقظة؛ فإن العبد (كما في المحكم)«1» الإنسان: حرّا كان أو عبدا لأنه مملوك لربه، وهو في الأصل صفة، لكنه استعمل استعمال الأسماء، والمراد به هنا محمد صلى الله عليه وسلم، ففى قوله بِعَبْدِهِ دليل على أن الإسراء كان بروحه وجسده، لا بروحه فقط؛ إذ العبد اسم للجسد والروح. وتعجّب قريش من ذلك لاستحالتهم إياه مدفوع «2» كما قال أهل الهيئة «3» إن الفلك الأعظم في مقدار ما يتلفظ الإنسان بلفظة واحدة يقطع ألفا واثنين وثلاثين فرسخا، وكما قاله البيضاوى بما ثبت في الهندسة أنّ ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضعها الأعلى في أقل من ثانية «4» وهى جزء من ستين جزا من الدقيقة.

وقد برهن في كتاب «الإحكام» أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض، فالله قادر على كل الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي، أو فيما يحمله، والتعجب من لوازم المعجزات. اهـ.

قال محشّيه «5» : وأيضا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحانى من فوق العرش إلى مركز العالم. فإن كان معراجه صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة ممتنعا، كان نزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعا، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقول بثبوت المعراج متفرع على نحو تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع صعود حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحدّ يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل فى لحظة واحدة من العرش إلى مكة، وإن كان ذلك باطلا كان ما ذكر أيضا

(1) كتاب المحكم لابن سيده وهو العمدة في المعاجم.

(2)

أى مردود عليه.

(3)

علماء الطبيعة (الفيزياء) .

(4)

لأنها نجم سيار، فالمكان الذى يكون فيه طرفها الأعلى يصله طرفها الأسفل في هذه المدة، والله هو الأعلم والأدرى بخلقه.

(5)

أى صاحب الحاشية أى الهامش على الكتاب المذكور.

ص: 148

باطلا. فإن قالوا: نحن لا نقول إن جبريل جسم ينفصل من مكان إلى مكان، وإنما نقول: المراد من نزوله هو زوال الحجب الجسمانية عن روحه صلى الله عليه وسلم حتّى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل، قلنا: تفسير الوحى بهذا الوجه هو قول الحكماء «1» .

وأما جمهور المفسرين فيقرون بأن جبريل جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأملاك إلى مكة، وإذا كان كذلك كان الإلزام المذكور قويا، وهذا تقرير ما ذهب إليه الأكثرون من المسلمين، وإن ذهب الأقلّون إلى أنه عليه الصلاة والسلام ما أسرى إلا بروحه. انتهي.

فقد ذهب أهل التحقيق أنه تعالى أسرى بروح محمد صلى الله عليه وسلم وجسده من مكة إلى المسجد الأقصي. انتهي.

قال بعضهم في هذا المعنى مخاطبا له صلى الله عليه وسلم:

أسرى إلى الأقصى بجسمك يقظة

لا في المنام فيقبل التأويلا

إذ أنكرته قريش قبل ولم تكن

لترى المهول من المنام مهولا

وقال اخر:

ألم تر أنّ الله أسرى بعبده

إلى المسجد الأقصى من البيت ذى الحجر

وطاف به الكونين في ليلة السري

وعلّمه ذو مرّة كلّ ما يجرى

دنا فتدلّى قاب قوسين فاتلها

وعلّمه ما لم يكن قبله يدرى

خليل، ولم يعلم كليم، ولم ينل

مسيح، ولا خلق إلى منتهى الحشر

وقوله: «وعلّمه ما لم يكن قبله يدرى خليل» إلى اخره إشارة إلى أنّ معراجهم لم يكن كمعراجه مشتملا على تعليم كتعليمه؛ وذلك لأن المعراج كان لستة من الأنبياء: خليفة الله تعالى ادم أبو البشر، وإدريس، وإبراهيم، وموسي، وعيسي،

(1) الحكماء هنا هم: الفلاسفة، والفلاسفة لا دين لهم.

ص: 149

وصفوتهم نبينا صلى الله عليه وسلم فمعراج ادم كان إلى الجنة، ومعراج إدريس إلى السماء السادسة، ومعراج إبراهيم إلى ملكوت السموات والأرض، ومعراج موسى إلى الطور، ومعراج عيسى إلى سماء الدنيا، ومعراج المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى العرش، وقد اشتركت الستة في أصل المعراج، ولكن «ما كلّ بيضاء شحمة» «1» .

وفي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم «أعطيت تفاحة ليلة المعراج فأكلتها فصارت ماء في ظهري، فلما رجعت واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فإذا هي: حورية إنسية سماوية أرضية» .

وفي وقوع الإسراء ليلا فوائد. منها: ليزداد الذين آمنوا إيمانا بالغيب، ويفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، ومنها أنه وقت الخلوة والاختصاص عرفا؛ فإن بين جليس الملك نهارا وجليسه ليلا فرقا واضحا، ولله درّ القائل:

الليل لى ولأحبابى أنادمهم

قد اصطفيتهم كى يسمعوا ويعوا

وقول الاخر:

قلت: يا سيدى أتوثر الليل

عن بهجة النهار المنير

قال: لا أستطيع تغيير رسمى

هكذا الرسم في طلوع البدور

إنما زرت في الظلام لكيما

يشرق الليل من أشعة نورى

ولأنه وقت الصلاة التى كانت مفروضة عليه، فى قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ، وليكون أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب- كما تقدم- وفتنة للكافر.

وقال بعض أهل الإشارات: لما محا الله اية الليل وجعل اية النهار مبصرة انكسر الليل، فجبر «2» بأن أسرى فيه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

قال ابن دحية: «أكرم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأمور، منها: انشقاق القمر «3» ، وإيمان

(1) مثل يضرب لعدم تطابق الأشياء وإن كانت من جنس واحد.

(2)

فجبر: أي أرضى.

(3)

رواه ابن جرير عن أنس، وقال إنه انشق مرتين. ورواه أيضا عن عبد الله بن مسعود وجبير، وعبد الله بن عباس.

ص: 150