الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة وما فيها من الغزوات
* قد سبق أن غزوة ذات الرقاع، ولو ذكرت في ظواهر سنة أربع، إلا أنه كما تقدم صحّح بعضهم أنها كانت في سنة خمس.
* وفي هذه السنة كانت غزوة دومة الجندل «1» :
(بضم الدال المهملة وبعدها واو ساكنة فميم مفتوحة فهاء) مضاف إلى الجندل (بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة، اخره لام) بلد بين الحجاز والشأم، وهو أوّل غزوات الشأم، علي عشر مراحل»
من المدينة، وعشرين من الكوفة، وثمان من دمشق، واثنتى عشرة من مصر، سميت بدومى بن إسماعيل، كان نزلها، وكانت بعد غزوة ذات الرقاع بشهرين وأربعة أيام، بناء علي ما صحح النووي من أن ذات الرقاع كانت في سنة خمسة، وصاحب دومة الجندل يسمى «أكيدر» ، ويقال: إن منزل أكيدر كان أولا في دومة الحيرة، وكان يزور أخواله من كلب، فخرج معهم للصيد فرفعت له مدينة متهدمة لم يبق إلا حيطانها مبنية بالجندل، فأعاد بناءها وغرس الزيتون وغيره فيها، وسمّوها دومة الجندل للفرق بينها وبين دومة الحيرة، وكان «أكيدر» يتردد بينهما.
ويزعم بعضهم أن تحكيم الحكمين بين على ومعاوية كان بدومة الجندل.
وسببها أنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن بها جمعا كثيرا يظلمون من مرّ بهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب الناس واستخلف علي المدينة سبّاع بن عرفطة- بضم العين المهملة- الغفاري، وخرج إليها لخمس ليال بقين من ربيع الأوّل وفي ألف، يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عذرة يقال له «مذكور»
(1) في مراصد الإطلاع ما نصه: «دومة الجندل» بالضم والفتح، وأنكر ابن دريد الفتح، وعدّه من أغلاط المحدثين، وجاء في حديث الواقدي «دوما الجندل» قيل: هي من أعمال المدينة، حصن علي سبعة مراحل من دمشق، بينها وبين المدينة. قيل: هي غائط من الأرض «خمسة فراسخ» ومن قبل مغربه عين تثج فتسقي ما به من النخل والزرع، وحصنها مارد (أملس) ، وسميت «دومة الجندل» لأنها مبنية به، وهي قرب جبل طئ.
(2)
المرحلة: المسافة يقطعها السائر في نحو يوم، أو ما بين المنزلين.
رضى الله عنه، فلما دنا منهم جاء إليهم الخبر فتفرقوا، فهجم علي مشاتهم ورعاتهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحاتهم فلم يلق بها أحدا، وبعث السرايا فرجعت ولم تلق منهم أحدا، ورجعت كل سرية بإبل، وأخذ محمد بن مسلمة رجلا منهم وجاء به إلي النبى صلى الله عليه وسلم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم. فعرض صلى الله عليه وسلم عليه الإسلام فأسلم.
ورجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق حربا.
* وفي رجوعه وادع- أى صالح- عيينة بن حصن، واسمه حذيفة الفزاري: أن يرعى بمحل بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا؛ لأن أرضه كانت أجدبت، ولما سمن حافره وخفّه وانتقل إلى أرضه، عدا علي لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة، وقيل له «عيينة» لأنه أصابته لقوة «1» فجحظت عيناه، فسمى عيينة، وعيينة هذا أسلم بعد الفتح وشهد حنينا والطائف، وكان من المؤلّفة «2» ، ودخل علي النبى صلى الله عليه وسلم بغير إذن وأساء الأدب فصبر النبى صلى الله عليه وسلم علي جفوته، وقال فيه صلى الله عليه وسلم:«إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه» «3» ، وقيل إن ذلك إنما قيل في مخرمة بن نوفل، ولا مانع من تعدد ذلك. وقد ارتد عيينة بعد ذلك في زمن الصدّيق رضى الله عنه، فإنه لحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وامن به، فلما هرب طليحة أسره خالد بن الوليد رضى الله عنه، وأرسل به إلى الصدّيق في وثاق، فلما دخل المدينة صار أولاد المدينة ينخسونه بالحديد، ويضربونه، ويقولون: أي عدوّ الله كفرت بالله بعد إيمانك، فيقول: والله ما كنت امنت. فمنّ عليه الصديق، فأسلم، ولم يزل مظهرا للإسلام.
* وفي غيبته صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ماتت أم سعد بن عبادة (عمرة بنت مسعود) من المبايعات، وكان ابنها رضى الله عنه معه صلى الله عليه وسلم. ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صلّى
(1) اللّقوة: داء يعرض للوجه يعوجّ منه الشّدق.
(2)
هم جماعة من الصحابة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيهم من الأموال ليحببهم في الإسلام.
(3)
رواه أبو داود رضى الله عنه، والترمذى عن عائشة بلفظ:«إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه» .
علي قبرها، وذلك بعد شهر، وقال له سعد: يا رسول الله أتصدّق عنها؟ قال:
نعم، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء. فحفر بئرا، وقال: هذه لأم سعد رضى الله عنها «1» .
* وفي هذه السنة غزوة بنى لحيان بن هذيل بن مدركه:
(بكسر اللام وفتحها) قبيلة من هذيل، لما وقعت وقعة عاصم بن ثابت وخبيب بن عدى وغيرهما من الصحابة الذين قتلتهم هذيل، وجد «2» النبى وجدا شديدا على أصحابه المقتولين بالرجيع، وأراد أن ينتقم منهم، فأمر أصحابه بالتهيؤ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بني قريظة، فقصد بنى لحيان يطالب بثأر عاصم بن ثابت وخبيب بن غدى (أهل الرجيع «3» ) ، وذلك إثر رجوعه من «دومة الجندل» ، فسلك علي طريق الشأم أولا ليصيب من القوم غرّة، وعسكر في مائتى رجل، ومعهم عشرون فرسا، ثم أخذ ذات اليسار إلي صخيرات «4» اليمام ثم رجع إلي طريق مكة وأجدّ السير حتي نزل غران «5» (بضم المعجمة وفتح الراء وهي منازل بنى لحيان، وهو واد بين امج «6» وعسفان، وبينه وبين عسفان خمسة أميال) حيث كان مصاب أصحاب الرجيع، واستغفر لهم، وأقام هناك يوما أو يومين يبعث السرايا في كل ناحية، فوجد بنى لحيان قد حذروا وتمنّعوا في رؤس الجبال،
(1) وروى سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصدقة سقى الماء» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم. وفي هذا رد علي الذين يتعللون بإنكار نفع الصدقة بعد الوفاة، وليتقوا الله، وليحافظوا ألسنتهم.
(2)
وجد: أي حزن.
(3)
رجيع (بفتح أوله، وبالعين المهملة) علي فعيل، هو الموضع الذي غدرت عضل والقارة بالسبعة نفر الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم عاصم بن ثابت «الذى حمته الدّبر» وهو ماء لهذيل قرب الهدّة، (بين مكة والطائف) وقد خفّف بعضهم داله. والرجيع: والله قرب خيبر. كذا في المراصد.
(4)
في هامش المراصد ما نصه: في الزبيدي: وضبطه ابن الأثير بالحاء المهملة «صحيرات» واحده «صحرة» وهي أرض لينة تكون في وسط الحرة.
(5)
غران: منازل بنى لحيان، بين أمج وعسفان.
(6)
امج: ضبطها في المراصد بهمزة القطع، لا بالمد: أمج.
وفاتته الغرّة فيهم، فخرج في مائتى راكب إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عن المدينة أربع عشرة ليلة.
قال جابر رضى الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وجه إلى المدينة يقول:
ومنها خرج لغزوة الغابة المعروفة ب «غزوة ذي قرد» «1» .
واستعمل في غزوة بنى لحيان علي المدينة ابن أم مكتوم.
وبعض أهل السير جعل غزوة «بنى لحيان» في شهر ربيع الأوّل سنة ست، والصحيح أنها كانت في جمادى الأولى من السنة الخامسة، علي رأس ستة أشهر من «فتح بنى قريظة» .
* وفي هذه السنة لما رجع صلى الله عليه وسلم من بنى لحيان، وقف علي الأبواء وزار قبر أمه «2» .
* وفيها فكّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسى رضى الله عنه عن الرق، وكان إسلامه في السنة الأولى من الهجرة.
* وفيها انخسف القمر في جمادى الآخرة، فصلّى بهم النبى صلى الله عليه وسلم صلاة الخسوف حتّى انجلي القمر.
(1) ستأتى هذه الغزوة بتفصيلها في بداية السنة السادسة.
(2)
زار قبر أمه صلى الله عليه وسلم في «ألف مقنّع» يعني ألف فارس مقنع.