المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، وما فيها من الغزوات - نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - جـ ١

[رفاعة الطهطاوى]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الناشر

- ‌[عملنا في هذا الكتاب]

- ‌مؤلفاته ومترجماته

- ‌الباب الأوّل فى مولده الشريف إلى بعثته صلى الله عليه وسلم

- ‌آباؤه:

- ‌طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم:

- ‌ومن كلام عمه أبى طالب:

- ‌[مولده] :

- ‌[أسماؤه صلى الله عليه وسلم] :

- ‌[طهارة مولده وشرفه] :

- ‌[زواج أبيه بأمه] :

- ‌[تعبده صلى الله عليه وسلم قبل البعثة] :

- ‌[رضاعه] :

- ‌الفصل الثانى فى ذكر عمل مولده الشريف، وإشهاره كلّ سنة وفيما جرى في مولده وفيما بعده من الوقائع

- ‌[الاحتفال بالمولد] :

- ‌والبدعة من حيث هى منقسمة إلى خمسة أقسام:

- ‌واجب:

- ‌وحرام:

- ‌ومندوب إليه:

- ‌ومكروه:

- ‌ومباح:

- ‌الفصل الثالث فى زواجه بخديجة بنت خويلد رضى الله تعالى عنها وما رزقه الله من الذرية منها

- ‌[أولاده من خديجة] :

- ‌الباب الثانى فى مبعثه صلى الله عليه وسلم، ودعائه الناس إلى الدين الحق. وهجرة المسلمين* إلى الحبشة، وخروجه إلى الطائف

- ‌الفصل الأوّل فى رسالته صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين إلى كافة الناس بشيرا ونذيرا

- ‌كفالته عليّا:

- ‌[اشتداد الأذى عليه صلى الله عليه وسلم] :

- ‌الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة

- ‌[مسألة الغرانيق وما سمّوه الايات الشيطانية] :

- ‌ وأما الهجرة الثانية:

- ‌الفصل الثالث فى خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف قبل هجرته إلى المدينة المشرّفة

- ‌الفصل الرابع في الإسراء به صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصي إلى السموات العلى

- ‌[مسألة رؤية الله] :

- ‌الباب الثالث فى هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وما ترتب على ذلك من المظاهر الإسلامية والظواهر التعليمية. وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة والتمهيد لها

- ‌الهجرة إلى المدينة:

- ‌[التامر على الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الندوة] :

- ‌الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه: صدّيقه رضى الله تعالى عنه وهو ابتداء التاريخ الإسلامى

- ‌مبدأ التأريخ الإسلامى:

- ‌[مسألة: الرسول صلى الله عليه وسلم والشّعر]

- ‌هجرة بقايا المسلمين من مكة:

- ‌[فرق اليهود] :

- ‌الأولى: التوراة، وهى خمسة أسفار

- ‌المرتبة الثانية: أربعة أسفار: تدعى الأولي:

- ‌المرتبة الثالثة: أربعة أسفار تدعى: الأخيرة:

- ‌المرتبة الرابعة: تدعى: الكتب، وهى أحد عشر سفرا:

- ‌الفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا

- ‌الباب الرابع فى تفاصيل الظواهر التى حدثت بعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌[المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار]

- ‌الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، وما فيها من الغزوات

- ‌[إسلام عمير بن وهب] :

- ‌الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌غزوة بنى النضير:

- ‌الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات

- ‌الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة وما فيها من الغزوات

- ‌ وأما النساء الست اللاتى أهدر النبى صلى الله عليه وسلم دماءهن يوم الفتح

- ‌الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه صلى الله عليه وسلم، وفي حجة الوداع

- ‌الباب الخامس في وفاته صلى الله عليه وسلم وذكر بعض أخلاقه وصفاته، ومعجزاته، وأزواجه. وأعمامه، وعماته، وأخواله، ومواليه وخدمه، وحشمه صلى الله عليه وسلم، وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل في ذكر وفاته صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بذلك

- ‌الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه وصفاته صلى الله عليه وسلم

- ‌وخصائصه صلى الله عليه وسلم على أضرب:

- ‌الأوّل الواجبات:

- ‌الثانى

- ‌الثالث المباحات:

- ‌الرابع ما

- ‌الفصل الثالث في ذكر معجزاته

- ‌[كيفية نزول القران] :

- ‌الفصل الرابع فى ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم وقرابته ومواليه

- ‌جدول يضبط ما تفرّق من الغزوات التي سبق ذكرها تفصيلا

الفصل: ‌الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، وما فيها من الغزوات

‌الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، وما فيها من الغزوات

* وفي هذه السنة تحويل القبلة من صخرة بيت المقدس إلي المسجد الحرام.

وعن ابن عباس أنه قال: «أول ما نسخ من القران القبلة» ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلي الكعبة، فلما هاجروا إلي المدينة أمره الله تعالى أن يصلى نحو صخرة بيت المقدس، ليكون أقرب إلي تصديق اليهود إياه إذا صلي إلي قبلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة، وصلّى بعد الهجرة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا إلي بيت المقدس، وكان يحبّ أن يوجّه إلي الكعبة؛ لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، فأنزل الله قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: 144] .

وروى الليث عن يونس عن الزهرى قال: «لم يبعث الله منذ هبط ادم إلى الأرض نبيا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس» . وقد سبق التنويه إلى ذلك قريبا. فلما حوّلت القبلة كان النبى عليه الصلاة والسلام في مسجد القبلتين، في بني سلمة، فكان يصلى فيه الظهر إلي بيت المقدس، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من الظهر، فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب «1» ، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فوقع نصفها إلي بيت المقدس ونصفها إلي الكعبة، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.

وفيها «في شعبان» فرض صوم رمضان، وأمر الناس بإخراج زكاة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثي، وصاع من تمر أو من زبيب أو من بر، وقال:«أغنوهم- يعنى المساكين- عن ذلك السؤال في هذا اليوم» «2» .

قال ابن حجر: «وثواب الصوم الناقص كالكامل «3» فى الفضل المرتب علي رمضان من غير نظر لأيامه، أمّا ما يترتب علي صوم الثلاثين من ثواب واجبه

(1) الميزاب: مسيل الماء والمزراب.

(2)

أخرجه البيهقى والدار قطنى من حديث ابن عمر.

(3)

الناقص: تسعة وعشرون يوما، والكامل: ثلاثون يوما.

ص: 215

(أي فرضه) ومندوبه عند سحوره وفطوره، فهو زيادة يفوق بها الناقص، وكأن حكمته أنه عليه الصلاة والسلام لم يكمل له رمضان إلا سنة واحدة، والبقية ناقصة: زيادة طمأننية نفوسهم علي مساواة الناقص للكامل» .

وقوله: «من غير نظر لأيامه» ، تعقّبه ابن قاسم بقوله: قد يقال الفضل المرتب علي رمضان ليس إلا مجموع الفضل المرتب على أيامه، وأجيب بمنع الحصر، وأن لرمضان فضلا من حيث هو، بقطع النظر عن مجموع أيامه، كما هو في مغفرة الذنوب لمن صامه إيمانا واحتسابا «1» ، والدخول من باب الجنة المعد لصائمه، وغير ذلك مما ورد أنه يكرم به صوّام رمضان، وهذا لا فرق فيه بين كونه ناقصا أو تاما.

وأما الثواب المرتّب علي كل يوم بخصوصه فأمر اخر؛ فلا مانع أن يثبت للكامل بسببه ما لا يثبت للناقص.

وقوله: «وكأن حكمته إلخ» قال الشوبري: كذا وقع لابن حجر هنا، ووقع له في محلين اخرين أنه قال: لم يصم شهرا كاملا إلا سنتين، وجرى عليه المنذرى في سننه، وقال: فما وقع له هنا غلط، سببه اعتماده علي حفظه، انتهي.

أقول: لا يلزم أنّ ما هنا غلط، بل يحتمل أن ما قال المنذرى مقالة لم يعرج عليها لشيء ظهر له، ثم رأيت العلّامة الأجهورى استوعب ما ذكر فقال:

وفرض الصيام ثاني الهجرة

فصام تسعة نبيّ الرّحمة

أربعة تسع وعشرون، وما

زاد علي ذا بالكمال اتّسما

كذا لبعضهم، وقال الهيتمي

ما صام كاملا سوي شهر اعلم

وللدميري أنّه شهران

وناقص سواه خذ بياني

* وفي هذه السنة أري عبد الله بن زيد صورة الأذان في النوم، وورد الوحى

(1) وللحديث الشريف ألفاظ منها: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له من ذنبه» رواه أحمد، والأربعة عن أبى هريرة، وروى الخطيب عن ابن عباس: ما تقدم «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم (ما تأخر) أن الله تعالى يوفقه إلى عدم المعاصى، والحديث صحيح، والله أعلم بحقيقة مراد رسوله صلى الله عليه وسلم.

ص: 216

بذلك، والذي قاله النووى في الروضة: إن الأذان شرع في السنة الأولى من الهجرة.

وقيل: كان ذلك- أي الأذان- فى السنة الثانية عند ما شاور عليه الصلاة والسلام أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة؛ إذ كان اجتماعهم بمنادى «الصلاة جامعة» . والأذان علي المنائر من خصائص هذه الأمة، وليس لمن سواهم منائر يؤذنون عليها، بل ولا هذا الأذان المخصوص.

وفيها تزوج عليّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:«إن الله تعالى عقد على فاطمة لعليّ في السماء» «1» فنزل الوحي بذلك.

* ولما قدم صلى الله عليه وسلم من غزوة العشيرة لم يقم بالمدينة إلا ليال* حتي غزا غزوة «سفوان» فى السنة الثانية، ويقال لها غزوة «بدر الأولي» فخرج خلف كرز بن جابر الفهرى وقد أغار (قبل أن يسلم) علي سرح المدينة (أى على النعم والمواشى التى تسرح بالغداة) ، فسعى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتّى بلغ وادى سفوان من ناحية بدر، ولذا قيل لها «بدر الأولي» ، وفاته كرز بن جابر ولم يدركه. وكان صلى الله عليه وسلم قد استعمل علي المدينة زيد بن حارثة، وحمل علي بن أبى طالب رضى الله عنه اللواء وكان أبيض.

وفي هذه السنة أيضا بعث عبد الله بن جحش في ثمانية أنفس إلى «نخلة» بين مكة والطائف؛ ليتعرفوا أخبار قريش، فمرّ بهم عير لقريش فغنموها وأسروا اثنين، وحضروا بذلك إليه صلى الله عليه وسلم، وهي أوّل غنيمة غنمها المسلمون.

* وفي سنة اثنتين من الهجرة كانت غزوة بدر الكبري، وبدر اسم للوادى أو لغيره، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وعدة المشركين ألف رجل معهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وهي أفضل غزواته صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم بذلوا في نصرته الأرواح والأجسام، وقاموا علي قدم الإخلاص، فاستحقوا مزيد

(1) ذكر العلامة محب الدين الطبرى في كتابه «ذخائر العقبي» عن على رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتانى ملك: فقال: يا محمد، إن الله تعالى يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنّى قد زوّجت فاطمة ابنتك من علي بن أبى طلب في الملأ الأعلى فزوّجه منها في الأرض» . خرّجه الإمام علي بن موسى الرضا فى مسنده.

* الصواب: ليالى.

ص: 217

الإكرام، وظفروا بالشهادة الكبرى والمنزلة الرفيعة في الدنيا والاخرى، ونطق بفضلها أشرف الكتاب، فكان الدعاء بذكرهم يستجاب، وعدّت تلاوة أسمائهم لتدفع كل مهمة، رضى الله عنهم وعن جميع الأمة. وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل ويقرب منها إلا غزوة الحديبية، حيث كانت بيعة الرضوان. ويقال لها: بدر القتال «1» ، وبدر الفرقان «2» ؛ لأن الله تعالى فرّق فيها بين الحق والباطل، وأظهر الله بها الدين من يومئذ، وقتل فيها صناديد قريش، وذلك أن العير التي خرج صلى الله عليه وسلم في طلبها حتّى بلغ العشيرة ووجدها سبقته بأيام، لم يزل مترقبا قفولها من الشام، فلما سمع برجوعها من الشام دعا المسلمين، وقال:«هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها» فانتدب ناس للإجابة واخرون لم يجيبوا لظنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلق حربا، ولم يحتفل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اهتم بها، بل قال:«من كان ظهره حاضرا فليركب معنا» .

فكان أبو سفيان حين دنا بالعير من أرض الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقى من الركبان تخوّفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه للعير، وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير، فخاف خوفا شديدا، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى بعشرين مثقالا ليستنفر قريشا، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم هو وأصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وقال:

«يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة [أى أدركوا اللطيمة، وهى العير التى تحمل الطيب والبزّ*] أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها» . فتجهز الناس سراعا حيث أقام أشراف قريش يحضّون الناس علي الخروج، ولم يتخلف من أشرافهم إلا أبو لهب، وبعث مكانه العاص بن هاشم ابن المغيرة، استأجره بأربعة الاف درهم كانت له عليه دينا أفلس بها، وكانوا خمسين وتسعمائة، وقيل ألفا، وقادوا مائة فرس عليها مائة درع سوى دروع

(1) سميت بدر القتال؛ لأن الموقعة حدثت بها، وبدر الفرقان لأن الله فرق بها بين الحق والباطل، وسماها الله تعالى «الفرقان» فى قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: 41] .

(2)

سميت بدر القتال؛ لأن الموقعة حدثت بها، وبدر الفرقان لأن الله فرق بها بين الحق والباطل، وسماها الله تعالى «الفرقان» فى قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: 41] .

* البزّ: نوع من الثياب، والسلاح.

ص: 218

المشاة، ومعهم القينات* يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر؛ من المهاجرين سبعة وسبعون، وباقيهم من الأنصار، وما فيهم سوى فارسين: المقداد بن عمرو الكندي، والزبير بن العوام، ونزل صلى الله عليه وسلم في بدر، وبنى له عريش، وجلس فيه ومعه أبو بكر رضى الله عنه.

وكان صلى الله عليه وسلم قد بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد يتحسسان خبر العير، فرجعا بخبر العير إلى المدينة، على ظن أنه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فلما علما أنه ببدر خرجا إليه، فلقياه منصرفا من بدر، وأسهم «1» لكل منهما، ولو لم يحضرا القتال.

ودفع صلى الله عليه وسلم اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير، وكان أمامه صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوتان، إحداهما مع علي بن أبى طالب، ويقال لها:«العقاب» ، والاخرى مع بعض الأنصار، قيل هو سعد بن معاذ، وقيل الحباب بن المنذر. ولبس صلى الله عليه وسلم درعه «ذات الفضول» وتقلد سيفه «العضب» . ولما سار وادى دفران «2» (بكسر الفاء وهو واد قريب من الصفراء) أتاه الخبر عن سفر قريش ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه، وأخبرهم الخبر وقال لهم: إن القوم قد خرجوا من مكة مسرعين، فماذا تقولون؟ فقال طائفة منهم: العير أحبّ إلينا من لقاء العدو، فهلّا ذكرت لنا القتال حتّى نتأهب له إذ خرجنا للعير! فعند ذلك تغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: وهذا سبب نزول قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [الأنفال: 5] فعند ذلك قام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن الأسود، فقال:«يا رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك، فو الله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسي: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون» ولكنا نقول: إنا معكما مقاتلون» ، فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تابعوهم، فأشرق عند ذلك وجهه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:

* القينة: الأمة صانعة وغير صانعة، وغلب على المغنية.

(1)

أى جعل لهما سهما في الغنائم.

(2)

فى المراصد «دقران» بالقاف واد بالصفراء أو: شعب ببدر.

ص: 219

اشيروا عليّ، فقال عمر: يا رسول الله إنها قريش، والله ما ذلّت منذ عزّت، ولا امنت منذ كفرت، والله لتقاتلنّك، فتأهّب لذلك أهبته، وأعدّ لذلك عدّته. ثم استشارهم ثالثا، فقال: أشيروا عليّ أيها الناس، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم؛ لأنهم أكثر الناس عددا، فقال له سعد بن معاذ «سيد الأوس» : لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟ فقال: أجل، قال: فقد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، وإنى أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمرنا فأمرنا تبع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك؛ والذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك» فسرّ النبى صلى الله عليه وسلم وأشرق وجهه بقول سعد، ونشّطه ذلك، وقال: «أبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم (والطائفتان: العير، ونفير قريش، والعير:

هو المعبر عنه في الاية بغير ذات الشوكة، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، وأما الشوكة فهى في النفير لعددهم وعدتهم، فقوله تعالى وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال: 7] يعنى تتمنون أن يكون لكم العير؛ لأنها الطائفة التى لا شوكة لها، أى لا حدّة لها ولا شدة، ولا تريدون الطائفة الاخري، ولكن الله يريد الطائفة الاخرى وهى نفير قريش الذى يريد حماية تلك العير، وهى المرادة من قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [الأنفال: 7] الاية، ومعنى إحقاق الحق: تنجيز الوعد من النصر والظفر بالأعداء، ومعنى إحقاق الحق الثاني: تقوية القران والدين، ونصرة هذه الشريعة؛ لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [الأنفال: 8] الذى هو الشرك، وذلك في مقابلة الحق الذى هو الدّين والإيمان، فقد أعلمه الله تعالى بعد وعده بالظفر بالطائفة الثانية، وأراه مصارعهم، فعلم القوم أنهم ملاقو القتال، وأنّ العير لا تحصل لهم.

ص: 220

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى نزل قريبا من بدر، فلمّا أمسى بعث عليّا بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون الخبر، فأصابوا راوية «1» لقريش معها غلام لبنى الحجاج وغلام لبنى العاص، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي، فقالوا: لمن أنتما؟ وظنوا أنهما لأبى سفيان، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فضربوهما، فلما أوجعوهما ضربا، قالا: نحن لأبى سفيان، فتركوهما. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته قال:«إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش» . قالا: هم وراء هذا الكثيب الذى يرى بالعدوة القصوى- أى جانب الوادى المرتفع- فقال لهما رسول الله: كم القوم؟ قالا: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري. وجهد النبى صلى الله عليه وسلم أن يخبراه كم هم، فأبيا. قال: كم ينحرون من الجزر كل يوم؟ قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال صلى الله عليه وسلم:«القوم ما بين التسعمائة والألف» ، أي لكل جزور مائة، ثم قال لهما:«فمن فهيم من أشراف قريش؟» فعدّا له من فيهم من الأشراف، وهم كثير، وفيهم أبو جهل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال:

«هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها- أى أشرافها وعظماءها-» ثم بعث صلى الله عليه وسلم عديّا وبسبس رضى الله عنهما، إلى بدر يتحسسان الأخبار (التحسس للأخبار بالحاء المهملة: أن يفحص الشخص عن الأخبار بنفسه، وبالجيم: أن يفحص عنها بغيره» وجاء: «تحسّسوا ولا تجسسوا» «2» ) قبل وصوله صلى الله عليه وسلم، وقبل وصول قريش إليها أيضا، فنزلا قريبا من بدر، عند تل هناك، ثم أخذا شنّا لهما يستقيان فيه، وكان مجدى بن عمرو على الماء، وإذا جاريتان تتخاصمان وتمسك إحداهما الاخرى على الماء، والممسكة الملزمة تقول لصاحبتها: إنما يأتى العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم وأقضيك الذى لك. فقال مجدى بن عمرو الذى على الماء: صدقت، ثم خلّص بينهما. فلما سمع بذلك عدى وبسبس، جلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتّى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا. ثم إن أبا سفيان

(1) الرواية: الناقة المعدة عليها القرب.

(2)

فى القاموس: الحاسوس: الجاسوس، أو بالحاء في الخير وبالجيم في الشر، والجس: المس باليد، وتفحّص الأخبار، ومنه الجاسوس والجسيس لصاحب سر الشر» أ. هـ مختصرا.

ص: 221

تقدم على العير حذرا حتّى ورد الماء، فلقى ذلك الرجل الذى على الماء، فقال له: هل أحسست أحدا؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أنى قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما شيئا ففتته، فإذا فيه كسيرات النوي، فقال:«والله علائف يثرب» . فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف وجه عيره عن الطريق، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتّى أسرع، فلما علم أنه قد أحرز عيره أرسل إلى نفير قريش، وكان قد بلغه مجيئهم ليحرزوا العير، وكانوا حينئذ بالجحفة، [فقال أبو سفيان] «1» :«إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجّاها الله تعالى فارجعوا» ، فقال أبو جهل:«والله لا نرجع حتّى نحضر بدرا فنقيم عليه ثلاثة أيام، فلا بد أن ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان- أى تضرب بالدفوف- وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها» . وأراد بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، وقال:«لا تفارقنا هذه العصابة حتّى نرجع» ، ثم لم يزالوا سائرين حتّى نزلوا بالعدوة القصوي، قريبا من الماء، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيدا من الماء بينه وبين الماء مسافة، فظميء المسلمون وأصابهم ضيق شديد، وأجنب «2» غالبهم، فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا، وكان الوادى لينا كثير التراب، تدخل فيه الأقدام، فأمطرت السماء ببركة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتلبدت الأرض، وزال غبارها وشدتها، وشربوا وملأوا الأسقية، وسقوا الركائب، واغتسلوا من الجنابة، وطابت نفوسهم، فذلك قوله تعالى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:

11] ، وأصاب قريشا «3» منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه ويصلوا إلى الماء، فكان المطر نعمة وقوة للمؤمنين، وبلاء ونقمة للمشركين. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس شديد، وبات النبى صلى الله عليه وسلم من بينهم يصلّى تحت شجرة، وقد حصل النعاس لهم، وهو دليل على الطمأنينة، فلما أن طلع الفجر نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصلاة عباد الله» ، فجاء الناس من تحت الشجر والجحف، «4»

(1) ليست في الأصل، وإنما وضعناها ليستقيم الكلام.

(2)

أجنب: أي صار جنبا بخروج المنى باحتلام أو غيره الموجب للغسل.

(3)

فى الأصل «قريش» على أنها فاعل، والصحيح «قريشا» لأنها مفعول.

(4)

قرون الفلاة ورؤسها.

ص: 222

فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرّض على القتال في خطبة خطبها، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد: فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه

» إلى أن قال «

وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرّج الله به الهمّ وينجى به من الغم» .

ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا وقد أقبلت بالدروع الساترة، والجموع الوافرة، والأسلحة البارقة، قال:«اللهم إن هذه قريش قد أقبلت بخيلائها (أى بكبرها وعجبها وفخرها) تجادلك، وتخالف أمرك، وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى به، أنجزه اللهم، أمرتنى بالثبات ووعدتنى إحدى الطائفتين، وإنك لا تخلف الميعاد» .

وكان من حكمة الله تعالى أن جعل المسلمين قبل أن يلتحم القتال في أعين المشركين قليلا استدراجا لهم ليقدموا، ولما التحم القتال جعلهم في أعين المشركين كثيرا ليحصل لهم الرعب، وجعل الله المشركين عند التحام القتال في أعين المسلمين قليلا، ليقوي جانبهم على مقاتلتهم، وأنزل الله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: 44] ومن ثمّ قال الله تعالى:

قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [ال عمران: 13] وحين رأى المسلمون نار القتال قد شّبت عجّوا «1» بالدعاء إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى عند ذلك: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9](أى متتابعين) ، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر رضى الله عنه، وميكائيل عليه السلام في خمسمائة على الميسرة، وفيها عليّ رضى الله عنه، فى صور الرجال، عليهم عمائم بيض وثياب بيض، قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، وعلى جبريل عليه السلام عمامة صفراء أرسلها من خلفه.

وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فأمدّه الله تعالى بالملائكة؛ ألف مع جبريل وألف مع ميكائيل، وقيل أيضا: أمدّه بألف مع إسرافيل فزيد في الوعد بثلاثة الاف لقوله تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ال عمران: 125] فوقع الوعد

(1) عجوا بالدعاء: رفعوا أصواتهم.

ص: 223

بإكمالهم خمسة الاف، وكان ذلك معلّقا على شرط، وهو الصبر والتقوى عن حوز الغنائم، فلم يصبروا، ففات الإمداد مما زاد على الثلاثة الاف، وقيل: كان الإمداد يوم بدر بالخمسة الاف، وإنما كان الملائكة شركاء لهم في بعض الفعل، ليكون الفعل منسوبا للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، وأن الملائكة مدد على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب التى أجراها الله تعالى في عباده، وإلا فجبريل واحده قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، وليهابهم العدوّ بعد ذلك، فاتضح أن الملائكة قاتلت يوم بدر، ولم تكن لتكثير السواد فقط «1» .

وعند ابتداء الحرب نادى منادى قريش: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:«قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي» ، أو قال:«قوموا يا بنى هاشم، فقاتلوا» ، فلما قدم عبيدة ابن الحارث وحمزة وعلى دنوا منهم، وقالوا: من أنتم؟ لأن هؤلاء الثلاثة كانوا ملتبسين لا يعرفون من السلاح، قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة ابن الحارث: عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة: شيبة، وبارز عليّ الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وأما على فلم يمهل أن قتل الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما طعن صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بسيفيهما على عتبة فذفّفا «2» عليه، واحتملا صاحبهما فجرّاه إلى أصحابه، وأضجعوه إلى جنب موقعه صلى الله عليه وسلم، فأفرشه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه الشريف، فوضع خدّه عليها، فقال له عبيدة: ألست شهيدا يا رسول الله؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك شهيد.

قيل: هذه أوّل مبارزة وقعت في الإسلام. وفي الصحيحين عن أبى ذرّ أنه كان يقسم قسما أن اية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: 19] نزلت في حمزة وصاحبيه يوم بدر.

(1) قال الربيع بن أنس: «كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به. وعن ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وكذلك روى ابن إسحاق: لم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر. وإنما كان نزولهم في غير بدر لتثبيت المؤمنين، لا للقتال.

(2)

قوله «فذففا عليه» : أي أسرعا قتله وتمما عليه أ. هـ (من هامش الأصل) .

ص: 224

ثم تزاحم الناس ودنا بعضهم من بعض، وقد كان عدّل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف أصحابه بقدح في يده (أى سهم) ، فمرّ بسواد بن غزية (حليف بنى النجار) وهو خارج من الصف فطعنه «1» صلى الله عليه وسلم بالقدح في بطنه، وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتنى وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدنى من نفسك (أى مكّنّى من القصاص من نفسك) فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه، وقال: استقد: أي اقتصّ، فاعتنقه وقبّل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟

فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون اخر العهد بك أن يمسّ جلدى جلدك» «2» ، فدعا له صلى الله عليه وسلم بخير.

ثم لما عدّل الصفوف، قال لهم:«إن دنا القوم منكم فادفعوهم عنكم بالنبل، واستبقوا نبلكم: لا ترموهم على بعد، (لأن النبل مع البعد يخطيء) ولا تسلّوا السيوف حتّى يغشوكم» ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى العريش يناشد ربّه ما وعده به من النصر، ويقول:«اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض» وأبو بكر يقول: «دع بعض مناشدتك ربك؛ إن الله منجز لك ما وعدك» فكان المصطفى فى مقام الخوف، وهو هنا أعلي، والصدّيق في مقام الرجاء، وهو هنا دونه.

ولما اصطفّ الناس للقتال رمى قطبة بن عامر حجرا بين الصفين، وقال: لا أفرّ إن فرّ هذا الحجر.

وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» ، فقال عمير بن الحمام «3» - بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم- ابن الجموح الأنصاري: بخ بخ (كلمة تقال لتعظيم الأمر

(1) وكزه وكزة خفيفة.

(2)

من الإصابة لابن حجر: «سواد بن غزيّة الأنصاري: من بنى عدى ابن النجار. هو الذى أسر خالد بن هشام المخزوميّ. روى عبد الرزاق أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتخطى بعرجون، فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري، فقال: أقدني

» وساق القصة ورواه البغوى أيضا.

(3)

هو عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة الأنصاري. كان أوّل قتيل فى سبيل الله في الحرب، واتفقوا على أنه استشهد يوم بدر لا يوم أحد، كما زعم بعضهم أ. هـ. باختصار من الإصابة.

ص: 225

والتعجب منه مع التنوين وعدمه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها؟ قال: فإنك من أهلها. قال: فأخرج تمرات من جعبته فجعل يأكل منهن، ثم قال:«لئن أنا حييت حتى اكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة» ، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخى بينه وبين عبيدة بن الحرث المطلبي، فقتلا يوم بذر جميعا.

وقال ابن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: لا يقاتل أحد في هذا اليوم فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر: إلا دخل الجنة؟ وكان عمير واقفا في الصف بيده تمرات يأكلهن، فسمع ذلك فقال:«بخ بخ، ما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء» وألقى التمرات من يده وأخذ السيف وقاتل القوم وهو يقول:

ركضا إلى الله بغير زاد

إلا التّقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد

إنّ التّقى من أعظم السّداد

وخير ما قاد إلى الرشاد

وكلّ حيّ فإلى نفاد

وبعد تعديل الصفوف كان أوّل من خرج من المسلمين «مهجع» - بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرمى بسهم أرسله إليه، فقيل: إنه أوّل من يدعى من شهداء هذه الأمة، وإنه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ:«مهجع سيد الشهداء «1» » .

وقاتل في ذلك اليوم المؤمنون، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصباء ناولها له عليّ رضى الله عنه، فاستقبل بها قريشا، ثم قال:«شاهت وجوه القوم» أى قبحت وذلّت- ثم نفخهم بها فلم يبق من المشركين رجل إلا ملئت عينه

(1) مهجع العكى- مولى عمر بن الخطاب- أصله من عكّ، فأصابه سباء، فمنّ عليه عمر فأعتقه. كان من السابقين إلى الإسلام. شهد بدرا واستشهد بها. وكان ممن نزل فيهم قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.

ص: 226

وأنفه وفمه، فلا يدرى أين يتوجه، يعالج التراب لينزعه من عينه، وقال لأصحابه:«شدّوا عليهم» فكانت الهزيمة على المشركين، وردفهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وأنزل الله (تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال:

17] .

وقد ورد عن عمر رضى الله عنه أنه لما كان يوم بدر، وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثارهم مصلتا السيف يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: 45] .

وكان من جملة من خرج مع المشركين يوم بدر: عبد الرحمن بن أبى بكر، وكان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، فسماه النبى صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وكان من أشجع قريش، وأسنّ ولد أبيه، فلما أسلم في هدنة الحديبية وهاجر إلى المدينة قال لأبيه: لقد هدفت «1» لى يوم بدر مرارا فأعرضت عنك، فقال أبو بكر: لو هدفت لى لم أعرض عنك.

وكان حرسه صلى الله عليه وسلم ببدر: سعد بن معاذ، وذكوان بن عبد الله، ويوم أحد حرسه:

محمد بن مسلمة الأنصاري. وحرسه يوم الخندق: الزبير بن العوام، وسعد ابن أبى وقاص، وعباد بن بشر. وحرسه ليلة خيبر: أبو أيوب الأنصارى. وحرسه بلال بوادى القرى «2» ، فلما أنزل الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:

67] ترك الحرس.

وفي يوم بدر قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه وكان مشركا، وأنزل الله تعالى:

لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

الاية [المجادلة: 22] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي: أنا قتلته. فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: الحمد لله الذى أجاب دعوتى فيه» ؛ فإنه لما التقى الصفان نادى نوفل بصوت رفيع: يا معشر قريش: اليوم يوم الرفعة والعلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللهم اكفنى نوفل بن خويلد» .

(1) أى كنت هدفا لى أستطيع قتلك.

(2)

واد بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القري.

ص: 227

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى جهل أن يلتمس في القتلي، وقال: إن خفي عليكم انظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوما وهو على مائدة لعبد الله بن جدعان، ونحن غلمان، وكنت أسنّ منه، فدفعته فوقع على ركبتيه، فجحش جحشا على إحديهما (أى خدش خدشا لم يزل أثره به) فحمل عبد الله بن مسعود رأس أبى جهل بن هشام إليه صلى الله عليه وسلم، فسجد شكرا لله تعالى؛ لراحة المسلمين من هذا الفاجر، وكان يكنى أبا الحكم فكناه النبى صلى الله عليه وسلم أبا جهل، وهو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وأمه أسماء بنت مخرمة «1» بن نهشل.

استطراد: كان المغيرة بن عبد الله بن المعرض: الملقّب بالأقيشر، تزوّج بابنة عم له يقال لها الرباب، على أربعة الاف درهم، فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا، فأتى ابن رأس البغل، وهو دهقان الصين وكان مجوسيا فسأله فأعطاه الصداق كاملا، فقال:

كفانى المجوسيّ بمهر الرّباب

فدى للمجوسى خال وعم

شهدت عليك بطيب الأروم

فإنك بحر جواد خضم

وإنك سيد أهل الجحيم

إذا ما ترديت في من ظلم

تجاور هامان في قعرها

وفرعون والمكتنى بالحكم «2»

فقال المجوسي: ويحك سألت قومك فلم يعطوك شيئا، وجئتنى فأعطيتك فجزيتنى هذا القول! فقال: أما ترضى أن جعلتك مع الملوك وفوق أبى جهل!.

واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا؛ ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون، وانهزم الباقون، وغنم عليه الصلاة والسلام متاعهم، وكان من جملة الأسري: العباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) هي أسماء بنت مخرمة (فى الأصل: «مخزومة» ) .

(2)

يقصد أبا جهل لعنه الله.

ص: 228

ولما انقضى القتال أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بسحب القتلى إلى القليب «1» ، وكانوا أربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش*، فقذفوا فيه، ثم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا أهل القليب، بئس عشيرة النبى كنتم لنبيكم، كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى واوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس، يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدنى ربى حقا. فقال له أصحابه:

أتكلّم قوما موتي؟ قال: لقد علموا أنّ ما وعدهم ربهم حق» .

وعاد النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكانت غيبته تسعة عشر يوما، وأرسل زيد بن حارثة بشيرا، فوصل إلى المدينة وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبى عليه الصلاة والسلام، وكان عثمان تخلّف في المدينة بأمره صلى الله عليه وسلم لسببها.

وفيها «2» هلك أبو لهب.

وكانت وقعة بدر المذكورة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، فى السنة الثانية من الهجرة.

مقتل النضر ورثاء أخته له: لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصفراء راجعا من بدر، وأمر عليا بضرب عنق النضر بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى القرشى العبدري، وكان شديد العداوة للنبى صلى الله عليه وسلم، وإذا تلا صلى الله عليه وسلم قرانا، يقول لقريش: ما يأتيكم محمد إلا بأساطير الأولين. فلما قتل النضر أنشدت أخته النبيّ صلى الله عليه وسلم واسمها قتيلة- هذه الأبيات:

يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة

من صبح غادية وأنت موفق

أبلغ بها ميتا بأن تحية

ما إن تزال بها النجائب تعنق

منّى إليه وعبرة مسفوحة

جادت بواكفها وأخرى تخنق

هل يسمعنّى النضر إن ناديته

إن كان يسمع ميت لا ينطق

ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه

لله أرحام هناك تشقّق

قسرا يقاد إلى المنية متبعا

رسف المقيد وهو عان موثق

(1) أى البئر.

(2)

أى في السنة الثانية.

* واضح أنهم لم يستحبوا كلّ القتلى، فقد سبق أن عددهم كان سبعين رجلا.

ص: 229

أمحمّد، ولأنت صنو نجيبة

في قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرّك لو مننت وربما

منّ الفتى وهو المغيظ المحنق

فالنضر أقرب من تركت* وسيلة

وأحقّهم إن كان عتق يعتق

أو كنت قابل فدية فليفدين

بأعز ما يغلى به من ينفق

ذكر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لو سمعت شعرها قبل ذلك لما قتلته» .

وقيل: إن الذى أمر بقتله المقداد بن الأسود، وقال بعضهم: إن الزبير بن بكار قال: سمعت بعض أهل العلم يغمز في أبيات قتيلة بنت الحارث، ويقول إنها مصنوعة. أ. هـ.

وقال بعضهم: الصحيح أن قتيلة ابنة النضر هى جدة الثريا ابنة علي بن عبد الله بن الحارث الموصوفة بالجمال، وهى صاحبة عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم- الشاعر المشهور- لم يكن في قريش أشعر منه، وكان يتغزّل في شعره بالثريا المذكورة، فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن الزهري، ونقلها إلى قصره، فقال عمر المذكور في زواجهما، مورّيا بالثريا وسهيل النجمين المعروفين ببيتين يضرب بهما المثل في تعذّر الاجتماع:

أيّها المنكح الثّريّا سهيلا

عمرك الله كيف يلتقيان؟!

هى شامّيّة إذا ما استقلّت

وسهيل إذا استقلّ يماني

ثم بعد قتل النضر بن الحارث أمر بضرب عنق عقبة بن أبى معيط بن أمية.

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة بشيرا لأهل العالية- محلّ قريب من المدينة على عدّة أميال- وزيد بن حارثة بشيرا لأهل السافلة بما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فجعل عبد الله بن رواحة يقول في أهل العالية: يا معشر الأنصار، أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم، ونادى زيد بن حارثة في أهل السافلة بمثل ذلك، ويقولون: قتل فلان وفلان، وأسر فلان وفلان من أشراف قريش.

* الرواية المشهورة: أقرب من قتلت قرابة.

ص: 230