المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات - نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - جـ ١

[رفاعة الطهطاوى]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الناشر

- ‌[عملنا في هذا الكتاب]

- ‌مؤلفاته ومترجماته

- ‌الباب الأوّل فى مولده الشريف إلى بعثته صلى الله عليه وسلم

- ‌آباؤه:

- ‌طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم:

- ‌ومن كلام عمه أبى طالب:

- ‌[مولده] :

- ‌[أسماؤه صلى الله عليه وسلم] :

- ‌[طهارة مولده وشرفه] :

- ‌[زواج أبيه بأمه] :

- ‌[تعبده صلى الله عليه وسلم قبل البعثة] :

- ‌[رضاعه] :

- ‌الفصل الثانى فى ذكر عمل مولده الشريف، وإشهاره كلّ سنة وفيما جرى في مولده وفيما بعده من الوقائع

- ‌[الاحتفال بالمولد] :

- ‌والبدعة من حيث هى منقسمة إلى خمسة أقسام:

- ‌واجب:

- ‌وحرام:

- ‌ومندوب إليه:

- ‌ومكروه:

- ‌ومباح:

- ‌الفصل الثالث فى زواجه بخديجة بنت خويلد رضى الله تعالى عنها وما رزقه الله من الذرية منها

- ‌[أولاده من خديجة] :

- ‌الباب الثانى فى مبعثه صلى الله عليه وسلم، ودعائه الناس إلى الدين الحق. وهجرة المسلمين* إلى الحبشة، وخروجه إلى الطائف

- ‌الفصل الأوّل فى رسالته صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين إلى كافة الناس بشيرا ونذيرا

- ‌كفالته عليّا:

- ‌[اشتداد الأذى عليه صلى الله عليه وسلم] :

- ‌الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة

- ‌[مسألة الغرانيق وما سمّوه الايات الشيطانية] :

- ‌ وأما الهجرة الثانية:

- ‌الفصل الثالث فى خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف قبل هجرته إلى المدينة المشرّفة

- ‌الفصل الرابع في الإسراء به صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصي إلى السموات العلى

- ‌[مسألة رؤية الله] :

- ‌الباب الثالث فى هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وما ترتب على ذلك من المظاهر الإسلامية والظواهر التعليمية. وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة والتمهيد لها

- ‌الهجرة إلى المدينة:

- ‌[التامر على الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الندوة] :

- ‌الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه: صدّيقه رضى الله تعالى عنه وهو ابتداء التاريخ الإسلامى

- ‌مبدأ التأريخ الإسلامى:

- ‌[مسألة: الرسول صلى الله عليه وسلم والشّعر]

- ‌هجرة بقايا المسلمين من مكة:

- ‌[فرق اليهود] :

- ‌الأولى: التوراة، وهى خمسة أسفار

- ‌المرتبة الثانية: أربعة أسفار: تدعى الأولي:

- ‌المرتبة الثالثة: أربعة أسفار تدعى: الأخيرة:

- ‌المرتبة الرابعة: تدعى: الكتب، وهى أحد عشر سفرا:

- ‌الفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا

- ‌الباب الرابع فى تفاصيل الظواهر التى حدثت بعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌[المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار]

- ‌الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، وما فيها من الغزوات

- ‌[إسلام عمير بن وهب] :

- ‌الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة وما فيها من الغزوات

- ‌غزوة بنى النضير:

- ‌الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات

- ‌الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة وما فيها من الغزوات

- ‌ وأما النساء الست اللاتى أهدر النبى صلى الله عليه وسلم دماءهن يوم الفتح

- ‌الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة وما فيها من الغزوات

- ‌الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه صلى الله عليه وسلم، وفي حجة الوداع

- ‌الباب الخامس في وفاته صلى الله عليه وسلم وذكر بعض أخلاقه وصفاته، ومعجزاته، وأزواجه. وأعمامه، وعماته، وأخواله، ومواليه وخدمه، وحشمه صلى الله عليه وسلم، وفيه فصول

- ‌الفصل الأوّل في ذكر وفاته صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بذلك

- ‌الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه وصفاته صلى الله عليه وسلم

- ‌وخصائصه صلى الله عليه وسلم على أضرب:

- ‌الأوّل الواجبات:

- ‌الثانى

- ‌الثالث المباحات:

- ‌الرابع ما

- ‌الفصل الثالث في ذكر معجزاته

- ‌[كيفية نزول القران] :

- ‌الفصل الرابع فى ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم وقرابته ومواليه

- ‌جدول يضبط ما تفرّق من الغزوات التي سبق ذكرها تفصيلا

الفصل: ‌الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات

‌الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات

* وفي هذه السنة كانت غزوة «الغابة» وتعرف بذى قرد:

والغابة: الشجر الملتف، وذى قرد بفتح القاف والراء، وبالدال المهملة، وقيل:

بضم القاف وفتح الثاني: موضع علي ميلين من المدينة علي طريق خيبر.

كانت هذه الغزوة في السنة السادسة من الهجرة، بعد غزوة بنى لحيان.

وقال البخارى: كانت قبل خيبر بثلاثة أيام، وفي مسلم نحوه، ولكن إجماع أهل السير علي خلافهما «1» . وهى الغزوة التى أغار فيها عيينة بن حصن في خيل من غطفان وفزارة علي لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة قبل خيبر، وكانت اللقاح عشرين لقحة، واللقحة: ذات اللبن القريبة من الولادة، وكان أوّل من علم بهم سلمة بن الأكوع الأسلمى رضى الله تعالى عنه؛ فإنه غدا يريد الغابة متوشحا قوسه، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس لطلحة يقوده، فلقى غلاما لعبد الرحمن بن عوف، فأخبره أن عيينة بن حصن قد أغار علي لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربعين فارسا من غطفان، فخرج سلمة يقتفى أثر القوم كالسّبع، وكان يسبق الفرس جريا، حتى لحق بهم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمي:

خذها وأنا ابن الأكوع

اليوم يوم الرّضّع

(أى يوم هلاك اللئام)

فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، وكانت إذا دخلت الخيل في بعض مضايق الجبل يعلو سلمة الجبل ويرميهم بالحجارة، حتى خففوا رحلهم بإلقاء كثير من الرماح والبرد «2» .

(1) الشيخان أصدق من أهل السير؛ لأنهما أخذا الرواية بالسند الصحيح.

(2)

جمع بردة: كساء أسود مربع فيه صغر، تلبسه الأعراب، والجمع برد. بفتح الراء (كذا في المختار) .

ص: 301

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع صرخ بالمدينة: «الفزع الفزع! يا خيل الله اركبي» .

فنادى صلى الله عليه وسلم بذلك، كما نادي في غزوة بنى قريظة.

وأوّل من انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرسان المقداد بن الأسود رضى الله عنه، وعقد صلى الله عليه وسلم لهذا الأمير لواء في رمحه، ثم قال له: اخرج في طلب القوم، ثم عباد بن بشر، وسعد بن زيد رضى الله عنهما، ثم تلاحقت به الفرسان، وأمّر عليهم سعد بن زيد، وكان شعارهم (أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل، أو عند الاختلاط) : «يا منصور أمت» تفاؤلا بأنّ يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم، واستخلف علي المدينة ابن أم مكتوم.

وأقبل صلى الله عليه وسلم في المسلمين حتّى نزل بالجبل من ذى قرد، بناحية خيبر، وكان ابن الأكوع قد استنقذ من غطفان أكثر اللقاح، فنحر بلال رضى الله عنه ناقته حينئذ، وقسم صلى الله عليه وسلم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونه، وكانوا خمسمائة، وبعث سعد بن عبادة رضى الله تعالى عنه بأحمال تمر، وبعشر من الجزر، فوافت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى قرد، فقال:«اللهم ارحم سعدا، وال سعد، نعم المرء سعد بن عبادة» .

فقالت الأنصار: هو سيدنا وابن سيدنا، من بيت يطعمون في المحل «1» ويحملون الكلّ ويحملون «2» عن العشيرة، فقال صلى الله عليه وسلم:«خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين» «3» . ورجع صلى الله عليه وسلم وهو علي ناقته العضباء، وهي «القصوي» ، وهى «الجدعاء» ، ولم يكن بها عضب، ولا جدع، مردفا سلمة ابن الأكوع رضى الله عنه، وأعطى صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع سهمي الراجل والفارس جميعا مع كونه راكبا، وهذا استدل به من يقول: إن للإمام أن يفاضل فى الغنيمة، وهو مذهب الإمام أبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد.

(1) أى يطعمون في الجدب.

(2)

فى الأصل «ويحمون» والتصحيح من السيرة الحلبية والمعنى: يتحملون الحمالات عن العشيرة لكرمهم.

(3)

ورواه البخارى عن أبى هريرة بلفظ «خياركم» بدل «خيار الناس» .

ص: 302

وعند الإمام مالك والإمام الشافعى رضى الله عنهما: لا يجوز، ولعله لعدم صحة ذلك عندهما «1» .

وروي عن سلمة قال: قلت يا رسول الله ابعث معى فوارس لندرك القوم.

فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ضحك:«إذا ملكت فأسجح» (بهمزة قطع، ثم سين مهملة، ثم جيم مكسورة، ثم حاء مهملة- أى فارفق وأحسن- من السجاحة وهى السهولة) .

* وفي هذه السنة كانت غزوة بنى المصطلق ويقال لها المريسيع: (بميم مضمومة، فراء مهملة مفتوحة، فمثناة تحتية ساكنة، فسين مهملة مكسورة، فمثناة تحتية ساكنة، واخره عين مهملة) اسم ماء من مياههم.

والمصطلق: بطن من خزاعة، وهم بنو جذيمة، وجذيمة هو المصطلق.

وسببها أنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن الحارث بن ضرار سيد بنى المصطلق وقائدهم رضى الله عنه- فإنه أسلم- قد جمع لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قدر عليه من قومه، ومن العرب، فدعاهم إلى حرب المصطفي، فأجابوه وتهيأوا للسير معه، فبعث المصطفى بريدة بن الحصيب- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- يعلم علم ذلك، فلقى الحارث بن أبى ضرار وكلّمه، ورجع إلي المصطفى فأخبره بذلك، فأسرع الخروج إليهم حتي لقيهم علي ماء من مياههم يقال له:«المريسيع» «2» ، واستخلف علي المدينة زيد بن حارثة، وكان معه من أفراسه: لزاز، والظرب، ولما وصل إليهم عرض عليهم الإسلام فأبوا وحاربوا، فاستأصلهم قتلا وأسرا ونهبا «3» واستاق إبلهم وشياههم، وكانت الإبل ألفين، والشياه خمسة الاف، واستعمل عليهم مولاه شقران- بضم الشين المعجمة، وكان حبشيا، واسمه صالح، وكان السبى مائتى أهل بيت.

(1) ولم لا تكون خصوصية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لسلمة رضى الله عنه.

(2)

المريسيع بالضم، ثم الفتح، وياء ساكنة، وسين مهملة مكسورة، وياء اخر الحروف، وعين مهملة، ورواه بعضهم بالغين المعجمة (مريسيغ) : ماء بناحية «قديد» إلى الساحل، به غزوة النبى صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق- من خزاعة- فقاتلهم واصطفى منهم «جويريه» فتزوجها صلى الله عليه وسلم ا. هـ. مراصد.

(3)

النهب هنا: الغنيمة، ولا يردّ الشرّ إلا مثله، وذلك لأنهم هم الذين بدأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحرب.

ص: 303

* وفي هذه الغزوة كانت قصة حديث الإفك في عائشة رضى الله عنها، وهي مشهورة في كتب السير والتفاسير، ويروى عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل من سفره حتّى إذا كان قريبا من المدينة، وكان معه عائشة رضى الله تعالى عنها في سفره ذلك، فقال فيها أهل الإفك ما قالوا، وقد برّأ الله عائشة أم المؤمنين في كتابه الكريم في عدة ايات أولها: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ إلي قوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: من 11: 26] .

قال أبو الفرج بن الجوزي: كان النبى صلى الله عليه وسلم قد تزوج أوّل نسائه خديجة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية، ثم صفية، ثم ميمونة، فلما كان في واجب القسمة يحتاج إلى مراعاة الوقت، وخاطره الكريم صلى الله عليه وسلم لا يحتمل، جاءه التخفيف بقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: 51] ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم اثر من عائشة رضى الله عنها، ولا أعلى منزلة «1» منها ا. هـ.

وجعله عائشة بعد خديجة بدون فاصل هو أحد الأقوال؛ فإن بعضهم يقول:

إنه تزوج بسودة بن زمعة رضى الله عنها، ودخل عليها في مكة، وعقد عقده بعائشة رضى الله عنها بمكة، ولم يدخل بها إلا في المدينة «2» فلعل القائل بأنها بعد خديجة في العقد لا في الدخول، وحسبك من فضل عائشة رضى الله عنها أمور من أعظمها أنه قد أنزل الله القران الحكيم ببراءتها وتشريفها ا. هـ.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة في ذلك فقال علي: «غيرها من النساء كثير» «3» وقال عمر: من زوّجكها يا رسول الله؟ قال: الله، قال: أفتظن أن ربك

(1) لأنها الصدّيقة بنت الصدّيق رضى الله عنهما.

(2)

إنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل في مكة على أحد نسائه بعد خديجة رضى الله عنها، وقول بعضهم هذا لا دليل عليه.

(3)

أما سيدنا علي رضى الله عنه وكرم الله وجهه فإنما أراد أن يخفف عن النبى صلى الله عليه وسلم بعض ما يجد. لا طعنا في أم المؤمنين رضى الله عنها، وحاشاه أن ينوى ذلك. وكيف يطعن، وهي من خاصة قريش: حسبا ونسبا- يعني من أهله وعشيرته- وأبوها أحب الناس إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما قيل غير ذلك أو ما يدور حوله، فهو محض افتراء وكذب، والله المستعان علي ما يصفون.

ص: 304

دلس «1» عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! فنزلت الاية كذلك. وأما أهل الإفك وهم: مسطح بن عباد بن عبد المطلب وحسان بن ثابت وعبد الله بن أبيّ ابن سلول: فجلدهم صلى الله عليه وسلم ثمانين إلا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين فلم يجلده.

وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أن قوما أنكروا أن يكون حسّان خاض فى الإفك أو جلد فيه، روى عن عائشة أنها برّأته من ذلك. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول هو المقصود بمن تولى كبره فله عذاب عظيم في الآخرة، وهو أشد أهل الإفك إيذاء للنبى صلى الله عليه وسلم، بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال:«يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه في أهلى (يعنى عبد الله بن أبى بن سلول) فو الله ما علمت علي أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا (أي صفوان بن المعطّل صاحب الناقة) ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلى إلا معي» . فقام أسيد بن حضير (وهو ابن عم سعد بن معاذ) فقال: أعذرك يا رسول الله منه؛ إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه. فقام سعد بن عبادة (وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن أخذته الحمية) فقال لأسيد بن حضير: كذبت، والله لا تقدر علي قتله. فقام أسيد بن حضير، وقال: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان؛ الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم علي المنبر، فلم يزل يخفضهم حتي سكتوا، فالمراجعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة سيد الخزرج، كما ذكره ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله وغيره.

وأما ما قيل من أن المراجعة في ذلك كانت بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فهو وهم نبّه عليه ابن خالدون في السيرة، واستدل علي ذلك بأن سعد بن معاذ مات بعد فتح بني قريظة بلا شك في أثناء السنة الرابعة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد عشرين شهرا من موت سعد بن معاذ، والملاحاة بين الرجلين (أى المنازعة والمخاصمة) كانت بعد غزوة بنى المصطلق بأزيد من خمسين ليلة اهـ.

(1) يقال: دلّس البائع إذا كتم عيب السلعة عن المشترى (أى غشه) .

ص: 305

* وفي هذه الغزوة قتل رجل من الأنصار رجلا من المسلمين خطأ يظنه كافرا، والقتيل هشام من بني ليث بن بكر، وكان أخوه مقيس مشركا، فقدم المدينة، وأظهر الإسلام طالبا دية أخيه، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وأقام قليلا، ثم عدا علي قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدّا، ومن قوله:

حللت به وتري وأدركت ثورتي

وكنت إلي الأوثان أوّل راجع

وهو ممن أهدر النبى صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة.

* وفي هذه الغزوة أيضا ازدحم جهجاه الغفارى- أجير عمر رضى الله عنه- وسنان الجهنى- حليف الأنصار- علي الماء وتقاتلا، فصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين، وصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، فغضب عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، فقال ابن أبي بن سلول:«أو قد فعلوها، قد كاثرونا في بلادنا، أما والله، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ» (يعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال لمن حضر من قومه: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم علي أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا عنكم، فأخبر زيد بن أرقم ذو الأذن الواعية- وهو غلام حديث السن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مر به عبد الله بن بشير فليقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: كيف يا عمر يتحدث الناس إذن أن محمدا يقتل أصحابه «1» ، ثم أمر بالرحيل في وقت لم يكن ليرحل فيه، ليقطع ما الناس فيه، فلقيه أسيد بن حضير وقال: يا رسول الله رحت في ساعة منكرة لم تكن لتروح فيها، (فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرحل إلا إن برد الوقت) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بلغك ما قال عبد الله بن أبيّ بن سلول!؟

فقال: وماذا قال؟ فأخبره بمقاله، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي عبد الله بن أبيّ فأتاه، فقال: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فحلف عبد الله أنه لم يقل ذلك.

(1) ليس هذا من الصحابة رضى الله عنهم، وإنما هو رأس النفاق والمنافقين لعنه الله، وإنما خشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفترى الناس هذه الفرية فيما بعد، ويستدلوا عليها بهذا الصنيع، فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم قتله. والحديث رواه البخارى عن جابر بلفظ:«لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» .

ص: 306

روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن أرقم: لعلك غضبت عليه؟ قال: لا، قال:

فلعله أخطأ سمعك؟ قال: لا، قال: فلعله شبّه عليك؟ قال: لا، فنزلت اية لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ [المنافقون: 8] لتصديق زيد بن أرقم، فبادر أبو بكر وعمر إلى زيد رضى الله تعالى عنهم ليبشّراه، فسبق أبو بكر فأقسم عمر ألايبادره بعدها إلي شىء، وقال أسيد: أنت والله تخرجه إن شئت، أنت العزيز وهو الذليل، وبلغ ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول- وكان حسن الإسلام، واسمه أيضا عبد الله، وكان تبرّأ من أبيه عند نزول سورة المنافقين- مقالة أبيه، فاعترض أباه عند المدينة، وقال: والله لا تدخل حتّى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن له، وحينئذ دخل، وقال: يا رسول الله، بلغنى أنك تريد قتل أبى عبد الله لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرنى به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبرّ بوالديه مني، وإنى أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعنى نفسى أن أنظر إلي قاتل أبى عبد الله بن أبيّ يمشى في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر وأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» .

* وكانت في جملة السبى برّة بنت الحارث بن ضرار: سيد بني المصطلق، وقعت في سهم ثابت بن قيس، وابن عم له، فجعل ثابت لابن عمه نخلات له بالمدينة في حصّته من برة، وكاتبها علي تسع أواق من ذهب، فدخلت عليه صلى الله عليه وسلم وأخبرته بإسلامها، وقالت له: إنى برة بنت الحارث سيد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت، ووقعت في سهم ثابت بن قيس، وابن عم له، وخلّصنى ثابت من ابن عمه بنخلات في المدينة، وكاتبنى على مال لا طاقة لى به، وإنى رجوتك فأعنّى في مكاتبتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو خير لك من ذلك؟ قالت:

ما هو؟ قال: أؤدى عنك كتابتك، وأتزوجك؟ قالت: نعم يا رسول الله. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت بن قيس رضى الله عنه فطلبها منه، فقال ثابت: هي لك يا رسول الله، وأدّى ما كان كاتبها عليه وأعتقها، وتزوجها وهي ابنة عشرين سنة، وسماها «جويرية» ، وكان اسمها «برة» كما سبق، وكذلك ميمونة، وزينب بنت جحش، كان اسم منهما «برة» فغيّره صلى الله عليه وسلم، وكذا كان اسم بنت أم سلمة «برة» فسماها «زينب» وكانت من أفقه نساء زمانها، كذا ذكره أبو عمر.

وسبب ذلك لما في «برة» من تزكية النفس.

ص: 307

ويذكر أن عليّا كرّم الله وجهه هو الذى أسرها، ولا مانع من أن يكون عليّ رضى الله عنه أسرها، ثم وقعت في سهم ثابت بن قيس وابن عمه رضى الله عنهما عند القسمة؛ لأنه لم يثبت في هذه الغزوة أنه صلى الله عليه وسلم جعل الأسرى لمن أسرهم، كما وقع في غزوة بدر.

وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كانت «جويرية» امرأة على وجهها ملاحة، فجاءت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابتها، فلما قامت على باب الخباء كرهت دخولها علي النبى صلى الله عليه وسلم (وإنما كرهت ذلك لما جبلت عليه النساء من الغيرة) وعرفت أن رسول الله سيرى منها مثل الذى رأيت، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث «1» ، وكان من أمرى ما لا يخفي عليك، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وإني كاتبته علي نفسي، فجئت أسألك في كتابتي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهل لك فيما هو خير من ذلك؟ فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدى عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: قد فعلت

قالت: فتسامع الناس (يعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّج جويرية) فأرسلوا ما في أيديهم من السبي، فأعتقوهم، وقالوا: أصهار رسول الله لا ينبغي أن تسترق، قالت: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة علي قومها منها، وأعتق بسببها مائة أهل بيت من بيت بني المصطلق «2» - خرّجه بهذا السياق أبو داود.

وعن جويرية رضى الله عنها قالت: لما أعتقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني، والله ما كلمته في قومى حتّى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمى تخبرني الخبر، فحمدت الله سبحانه وتعالى.

وقد حدّث يزيد بن رومان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بنى المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط لأخذ صدقاتهم، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم «3» هابهم، فرجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله

(1) ولذلك نقول: إن هذه الرواية غير صحيحة، لأن الذى سماها «جويرية» هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم أن اسمها قبل «برة» .

(2)

ولذلك نقول: إن أسرها كان خيرا وبركة علي قومها: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعتق بسببها مائة أهل بيت، وأسلم جميع قومها. والحمد (رب العالمين..

(3)

أى لما سمع الوليد بن عقبة بركوبهم إليه.

ص: 308

ومنعوه من أخذ صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم، حتى همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغفروهم، فبينماهم علي ذلك إذ قدم وفدهم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:

يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثه إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنّا خرجنا إليه لنقتله، والله ما جئنا لذلك، فأنزل الله فيه وفيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [الحجرات: 6] إلي اخر الاية. وكان شعار المسلمين: يا منصور أمت.

* وفي هذه السنة كسفت الشمس.

وأما ما قيل من أنّ اية التيمم نزلت في غزاة بني المصطلق، فقد قال النووى في الروضة: ان اية التيمم نزلت في سنة أربع.

* وفي هذه السنة كانت غزوة الحديبية:

وتخفف وتشدّد، وهى بئر قريب من مكة، بينها وبين المدينة تسع مراحل، سمي المكان باسمها، وقيل شجرة، وقيل قرية بقرب مكة علي سبعة أميال من مكة.

وسبب هذه الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة بيده وطافوا واعتمروا وحلق بعضهم، وقصّر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فأخبر أصحابه أنه معتمر، فخرج من المدينة في ذى القعدة سنة ست لا يريد حربا بالمهاجرين والأنصار في ألف وأربعمائة، ليأمن أهل مكة ومن حولهم من حربه، وساق الهدي وأحرم بالعمرة من ذى الحليفة ولبّي، فاقتدى به جمهور أصحابه، واستعمل صلى الله عليه وسلم علي المدينة الشريفة ابن أم مكتوم، وقيل أبا رهم كلثوم بن الحصين، وقيل استخلف أبا رهم مع ابن أم مكتوم جميعا، فكان ابن أم مكتوم علي الصلاة، وكان أبو رهم حافظا للمدينة. وسار حتي وصل إلى ثنية المرار «1» مهبط الحديبية من أسفل مكة، وأمر

(1) ثنية المرار (بضم الميم) كذا في المراصد.

ص: 309

بالنزول، فقالوا: ننزل علي غير ماء! ووقع من معجزاته صلى الله عليه وسلم نبع الماء في ذلك المكان حتّى صدر الناس عنه، وتأهبت قريش للقتال، وبعثوا رسولهم «عروة بن مسعود الثقفي» سيد أهل الطائف رضى الله عنه- فإنه أسلم بعد ذلك- إلي النبى صلى الله عليه وسلم، وقال: إن قريشا لبسوا جلود النمور (أى أظهروا العداوة والحقد) وقد نزلوا بذي طوي «1» وعاهدوا الله ألاتدخل عليهم مكة عنوة أبدا» . ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، وهذه عادة العرب: أن الرجل يتناول لحية من يكلمه خصوصا عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كأنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يمنعه من ذلك استمالة وتأليفا له، وكان المغيرة بن شعبة قائما علي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، وعليه المغفر، وكلما أهوى عروة بيده إلي لحية النبى صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنصل السيف، ويقول «كفّ يدك عن مس لحية رسول الله قبل ألاتصل إليك» فإنه لا ينبغى لمشرك ذلك، وإنما فعل ذلك المغيرة رضى الله عنه إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينظر لما هو عادة العرب، فلما أكثر عليه غضب عروة، وقال:«ويحك ما أفظّك وأغلظك» ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. ثم قام عروة من عنده وهو يرى ما يصنع أصحابه: لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا سقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّون النظر إليه تعظيما له، فرجع عروة إلي قريش، وقال لهم: إنى جئت كسرى وقيصر في ملكهما، فو الله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه.

وورد أيضا في حديث الحديبية أنه لما نزل صلى الله عليه وسلم علي الركية «2» جاءه بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال:«تركت كعب بن لؤى وعامر بن لؤى نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل «3» وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت» .

(1) ذو طوي: موضع عند مكة (وقيل بالفتح، وقيل بالكسر، ومنهم من يضمها) واد بمكة، قيل: هو الأبطح «كذا في المراصد» .

(2)

الركية: البئر، جمعها ركّي، وركايا.

(3)

العوذ: الحديثات النتاج من الظباء وكل أنثي. والمطافيل: جمع مطفل، وهى ذات الطفل من الإنس والوحش وغيرهما.

ص: 310

[والعوذ: جمع عائذ الناقة ذات اللبن، والمطافيل: ذوات الأطفال الصغار جمع مطفل أى أنهم حضروا مع الإبل، وهى كانت جلّ أموال العرب ليتزوّدوا بذلك، ولا يرجعون خوف الجوع، أو العوذ المطافيل: النساء معهن أطفالهن، أى أنهم خرجوا بنسائهم معهنّ أولادهن لإرادة طول المقام، ليكون أدعى لعدم الفرار] .

ولما قال بديل بن ورقاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، قال له النبى صلى الله عليه وسلم: لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤا ماددتهم مدّة ويخلّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد حموا، وإن هم أبوا فو الذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتي تنفرد سالفتى (وهى أعلي العنق) أو لينفذنّ الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليبعثه إلى أبى سفيان وأشراف قريش يعلمهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا ومعظّما لهذا البيت، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا علي نفسي، وما بمكة من بني عدى بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عدوانى إياها وغلظتى عليها، ولكن أدلّك علي رجل أعزّ بها مني: عثمان بن عفان؛ فإن بنى عمه يمنعونه. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضى الله عنه، فبعثه إلي أبى سفيان وأشراف قريش ليعلمهم بذلك، فخرج عثمان بن عفان رضى الله عنه إلي مكة، ودخل مكة من الصحابة عشرة أيضا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليزوروا أهاليهم، فلما وصل إليهم عثمان عرّفهم ذلك، وهم يردّون عليه:«إن محمدا لا يدخل علينا أبدا» فلما فرغ عثمان من تبليغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا له: إن أحببت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعله حتي يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضبت قريش، وأمسكوه وحبسوه ثلاثة أيام.

ولما احتبس عثمان، بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان رضى الله عنه قد قتل، وقتلوا معه العشرة رجال الذين دخلوا مكة أيضا، فحزن النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون من سماع هذا الخبر حزنا شديدا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك: لا نبرح حتّى نناجز القوم، (أى نقاتلهم) ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلي بيعة الرضوان، فبايعهم علي أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا عنهم، وأنه إما الفتح وإما الشهادة. ولم يتخلف أحد، إلا الجد بن قيس، اختفى بإبط ناقته يستتر بها من الناس، وكان سيد بنى مسلمة (بكسر

ص: 311

اللام) فى الجاهلية، وقد قال صلى الله عليه وسلم لبنى مسلمة: من سيدكم؟ قالوا: «الجد بن قيس، على بخل فيه» قال: «وأي داء أدوأ من البخل» ؟ ثم قال صلى الله عليه وسلم: سيدكم عمرو بن الجموح. وكان صلى الله عليه وسلم جالسا تحت سمرة أو سدرة (وسمرة بفتح السين المهملة وضم الميم بعدها راء مفتوحة مهملة واخرها هاء: شجر الطلح) »

وكان عدد المبايعين ألفا وثلاثمائة، وسميت هذه البيعة بيعة الرضوان؛ لأن الله تعالى ذكر في سورة الفتح الذين صدرت عنهم هذه البيعة، بقوله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] . ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بأن ما ذكر من أمر عثمان باطل، فبايع عنه صلى الله عليه وسلم، ووضع يده اليمنى علي يده اليسري، وقال:«اللهم إنّ هذه عن عثمان؛ فإنه في حاجتك وحاجة رسولك» «2» وكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.

وكان محمد بن مسلمة رضى الله عنه علي حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثت قريش أربعين (وقيل خمسين رجلا) عليهم مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يصيبوا منهم أحدا أو يجدوا منهم غرّة- أي غفلة- فأخذهم محمد بن مسلمة إلا مكرزا فإنه أفلت، وأتى بهم إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسوا، وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم حتي رموا المسلمين بالنبل والحجارة، فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا، وعند ذلك بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعا فيهم سهيل بن عمرو، فلما راه النبى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:

سهل أمركم، فقال سهيل: يا محمد إن الذى كان من حبس أصحابك عثمان والعشرة رجال، وما كان من قتال من قاتلك، فإنه لم يكن من رأى ذوي رأينا، بل كنا كارهين له حين بلغنا، وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أولا وثانيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى غير مرسلهم حتي ترسلوا أصحابي. فقالوا: نفعل. فبعث سهيلا ومن معه إلى قريش بذلك، فبعثوا بمن كان عندهم، وهو عثمان رضى الله عنه والعشرة رجال رضى الله عنهم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابهم. اهـ.

(1) هو شجر عظيم من شجر العضاه، وجمهور المفسرين على أن الطلح الوارد في القران هو: الموز. اهـ. مختار.

(2)

انظر الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبرى ص 29 و 30.

ص: 312

ولما علمت قريش بهذه البيعة خافوا، وأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع ويعود من قابل فيقيم ثلاثا معه سلاح الراكب- السيوف في القرب «1» والقوس- فبعثوا سهيل بن عمرو ثانيا ومعه مكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزّى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصالحه، على أن يرجع في عامه هذا؛ لئلا تتحدث العرب بأنه دخل عنوة، وأنه يعود من قابل، فلما انتهى سهيل بن عمرو إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم جثا علي ركبتيه بين يديه صلى الله عليه وسلم والمسلمون حوله، وتكلّم فأطال، ثم تراجعا «2» ، ومن جملة ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له: تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف، فقال: له سهيل: «والله لا تتحدث بنا أننا أخذنا ضغطة (بالضم أي بالشدة والإكراه) ولكن ذلك من العام القابل» . ثم التأم الأمر بينهما علي الصلح علي ترك القتال، إلى اخر ما يأتي، ولم يبق إلا الكتاب بذلك، وعند ذلك وثب عمر حتي أتي أبا بكر فقال: أليس رسول الله؟ قال: بلى قال: ألسنا بالمسلمين وهم بالمشركين؟ قال:

بلي، قال: فعلام نعطى الدنيّة (بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء: النقيصة والخصلة المذمومة) في ديننا؟ قال: يا عمر، الزم فأنا أشهد أنه رسول الله، قال:

وأنا، ثم أتى رسول الله فقال له ذلك، فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخاف أمره، ولن يضيّعني. فأجاب النبى إلى ذلك، فقال سهيل: هات اكتب بيننا وبينكم كتاب صلح، فدعا النبى صلى الله عليه وسلم الكاتب، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، اكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون: لا تكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتب، ثم قال:«اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» ، فقال سهيل:

لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:«إنى لرسول الله، وإن كذّبتموني، وأنا محمد بن عبد الله، اكتب محمد بن عبد الله» .

وفي رواية: كان الكاتب علي بن أبي طالب، وكان قد كتب محمد رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: امح رسول الله واكتب مكانه محمد بن عبد الله،

(1) القرب: جمع قراب وهو السيف في غمده.

(2)

هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم: أي راجع بعضهم بعضا في الكلام.

ص: 313

فقال علي: لا والله لا أمحوك أبدا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: فأرنيه، فأراه إياه، فأخذ الكتاب بيده الكريمة ومحا «رسول الله» وكتب مكانه «محمد بن عبد الله» ، وكانت هذه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كتب بيده الشريفة ولم يكن يكتب.

وأقبل بوجهه صلى الله عليه وسلم علي عليّ بعد ما كتب في كتاب الصلح محمد بن عبد الله، فقال:«يا على سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة» . ثم قال رسول الله بصلّى الله عليه وسلّم لعليّ:

اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، وعلي أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليه، وإن كان مسلما، وإن جاء قريش ممن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّ من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه، وأنك ترجع عنّا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنها فدخلتها أنت وأصحابك فأقمت فيها ثلاثا مع سلاح الراكب السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها» . وأشهدوا في ذلك الكتاب علي الصلح رجالا من المسلمين: أبا بكر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبى طالب وهو كاتب الصحيفة- وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وأبا عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، ورجالا من قريش: حويطب بن عبد العزّي، ومكرز بن حفص.

ولما بلغ هذا الشرط أنّ من أتى محمدا من قريش ردّه إليهم وإن كان مسلما، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، تعجب المسلمون من هذا الشرط، فقالوا: سبحان الله، كيف نردّ من أتانا مسلما!! وقالوا: يا رسول الله، أتكتب هذا، قال:«نعم؟! إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا» .

ونسخ الكتاب نسختين، فوضعت إحداهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ الاخرى سهيل بن عمرو، ولما فرغ من كتاب القضية وثب من كان هناك من خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، وقال بنو بكر: نحن ندخل في عقد قريش وعهداهم.

وقد كان للنبى صلى الله عليه وسلم علم أنّ هذا الصلح سبب لأمن الناس وظهور الإسلام، وأن الله يجعل فيه فرجا للمسلمين، وهو أعلم بما علّمه ربه، وإن كان أمر هذا الصلح

ص: 314

قد عظم علي المسلمين، حتي كادوا يهلكون، لمّا رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع من غير فتح، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجوا من المدينة لا يشكّون في فتح مكة للرؤيا التي راها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الشروط الصعبة التي انضم إليها أمره صلى الله عليه وسلم لعليّ رضى الله تعالى عنه في كتب الصحيفة أن يمحو لفظ رسول الله، ولم يمحه، ومحاه النبى صلى الله عليه وسلم وكتب بدله «ابن عبد الله» بيده، فكان هذا من الخطب الجسيم الذى يوقع الريب في القلوب الضعيفة، حتى لمن لا يفهم الأسرار في الأزمان الحديثة، والحال أنها واردة وثابتة بالأحاديث الصحيحة، فما يقع في الوهم من أن هذه الكتابة قادحة في المعجزة باطل؛ لأن الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف ولا قوانين الخط وأشكالها بقيت الأمية علي ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة الخاصة من إحدى المعجزات وتمامها، كما كان من المعجزات في كتابة شروط الصلح إخباره صلى الله عليه وسلم عليّا أنه سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة، وهو إشارة منه صلى الله عليه وسلم لما سيقع بين علي ومعاوية رضى الله عنهما؛ فإنهما في حرب صفّين وقعت بينهما المصالحة علي ترك القتال إلى رأس الحول، وصحّ ذلك وظهر يوم التحكيم لما قال حكم أهل الشأم حين كتب في الصلح:«هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين علي بن أبى طالب» : «لو عرفنا أنك أمير المؤمنين ما خالفناك، كما سيأتى مبينا في خلافته.

وأما ما ورد من أنه رضى الله تعالى عنه في عام الحديبية، وفي غزوة بني المصطلق قاتل الجن، وأن جبريل قال يوم غزوة أحد وهو صاعد إلي السماء:«لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي» فهذا من الموضوع- كما ذكره ابن تيمية «1» - يعني أنه موضوع لم يرد من طريق يعتدّ به، وإن كان المدح في عليّ لا يستكثر عليه وذلك للإجماع علي شجاعته وكرامته، والمراد بالفتي: الشجاع السيد، وفي الحديث: أن ملكا يقال له رضوان نادي يوم بدر من السماء: «لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار» وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا الفتى ابن الفتي، أخو الفتي، ابن الفتى صلى الله عليه وسلم يعنى إبراهيم، وأخو الفتى يريد عليا كرّم الله وجهه» انتهى.

(1) ذو الفقار هو سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن تيمية ليس من رجال الحديث، حتي يحكم، وقد خرّجه له المحب الطبرى في «الرياض النضرة» ، وللحديث ترجمة طويلة في «المقاصد الحسنة» للسخاوى.

ص: 315

وقد علمت ما في هذا الكلام، وإن كان معناه لا يستكثر على عليّ رضى الله عنه.

* وأتى أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيده من مكة في أثناء الكتاب، وكان قد أسلم، فقال سهيل بن عمرو: هذا أوّل ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فردّه صلى الله عليه وسلم إلى أبيه، وعظم ذلك علي المسلمين، وأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا جندل:

أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا، إننا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا واصطلحنا، وأعطيناهم علي ذلك وأعطونا عهد الله، وإنّا لا نغدر بهم.

ولما تمّ الصلح وكتابه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحروا ويحلقوا، فتوقفوا، فغضب حتي شكا إلي زوجته أمّ سلمة، فقالت: يا رسول الله، لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت علي نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح، ولكن اخرج وانحر واحلق فإنهم تابعوك. فخرج ونحر وحلق رأسه حينئذ، وكان الحالق له صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعى رضى الله عنه، فلما راه الناس نحر وحلق فعلوا مثله. وقسم لحوم الهدايا في الفقراء الذي حضروا الحديبية، وبعث النبى صلى الله عليه وسلم عشرين بدنة مع ناجية «1» حتي نحروها بمروة «2» وقسّموا لحومها علي فقراء مكة، قال ابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصّر اخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللهم اغفر للمحلّقين» وفي معالم التنزيل قال:

«يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم اغفر للمحلّقين، قالوا: والمقصرين، وفي الثالثة أو الرابعة قال: والمقصرين» قالوا: لم ظاهرت (أى أظهرت) الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لأنهم لم يشكّوا (أي لم يرجوا أن يطوفوا بالبيت بخلاف المقصرين، أى لأن الظاهر من حالهم أنهم أخّروا بقية شعورهم رجاء أن يحلقوها بعد طوافهم بالبيت) .

وكان صلح الحديبية فتحا قريبا، أمن الناس بعضهم بعضا، ورضا من الله

(1) هو ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن إرم بن وائل بن سلامان بن أسلم الأسلمي، كان اسمه ذكوان، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناجية» حين نجا من قريش، مات بالمدينة في خلافة معاوية.

(2)

نوع من الحجارة مسنون تصلح للذبح واسم للمكان المعروف بمكة.

ص: 316

تعالى، قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:

18] كما سبق، وعن جابر أنهم كانوا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعوه صلى الله عليه وسلم وعمر اخذ بيده تحت الشجرة (وهى سمرة) غير الجدّ بن قيس اختفى تحت بطن بعيره. زادوا في رواية: وقيل عدد المبايعين خمس عشرة مائة فأكثر، وقيل غير ذلك. قال أهل السير: أقام النبى صلى الله عليه وسلم عشرين يوما بالحديبية، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وما فتح من قبله فتح أعظم من هذا الفتح، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، التقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام أحدا إلا دخل فيه، فلقد دخل في مدة سنتين فى الإسلام مثل ما كان قبل ذلك، أو أكثر، ببركة مهادنته صلى الله عليه وسلم.

ولما رجع صلى الله عليه وسلم إلي المدينة حتّى إذا كان بين مكة والمدينة (بكراع الغميم) نزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* إلي اخرها، وسمّى فتحا لأنه كان مقدمة لفتوح كثيرة تتسع بها دائرة الإسلام، ولما نزلت قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه:

«أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس» «1» .

ثم إن أبا بصير «عتبة بن أسد بن حارثة» هرب ولحق بالنبى صلى الله عليه وسلم، وكان قد أسلم وحبسه قومه بمكة، وهو ثقفى، من حلفاء بنى زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف وعم عبد الرحمن بن عوف، والأخنس بن شريق سيد بني زهرة كتابا مع رجل من بني عامر بن لؤي، ومعه مولي لهم بطلب أبى بصير، فأسلمه النبى صلى الله عليه وسلم، فاحتملاه، فلما نزلوا بذى الحليفة أخذ أبو بصير السيف من أحد الرجلين، ثم ضرب به العامرى فقتله، وفرّ الاخر، وأتى أبو بصير إلي النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قد وفت ذمتك حيث رددتنى إليهم، وأطلقنى الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ويلمه (أى ويل أمه) مسعر حرب، لو كان له رجال» ففطن أبو بصير من لحن هذا القول أنه سيرده، وخرج إلى سيف «2» البحر علي طريق

* الفتح: 1.

(1)

رواه الإمام أحمد بلفظ: «نزل عليّ البارحة سورة هى أحب إليّ من الدنيا وما فيها» ورواه البخارى والترمذى والنسائى من طرق عن مالك رحمه الله، وإسناده مدنى جيد، انظر بتوسع تفسير ابن كثير رحمه الله.

(2)

سيف البحر: ساحل البحر.

ص: 317

قريش الذى كانوا يأخذونه إلي الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ويلمه مسعر حرب لو كان معه رجال» ، فخرجوا إلى أبي بصير، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم، وذكر موسى بن عقبة أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردّ إلي قريش بالحديبية مكرها يوم الصلح والقضية هو الذي انفلت في سبعين راكبا، أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، ونزلوا معه، وكرهوا أن يقدموا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المدة التي هى زمن الهدنة، خوف أن يردّهم إلي أهليهم حكم الشروط. واجتمع إلى أبى جندل أناس من غفار وأسلم وجهينة، وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، وهم مسلمون، فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير، فقطعوا مادة قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وقال فى ذلك أبو جندل:

أبلغ قريشا عن أبي جندل

أنّا بذي المروة بالساحل

في معشر تخفق أيمانهم

بالبيض فيها والقنا الذابل

يأبون أن تبقي لهم رفقة

من بعد إسلامهم الواصل

أو يجعل الله لهم مخرجا

والحقّ لا يغلب بالباطل

فيسلم المرء بإسلامه

أو يقتل المرء ولا يأتل

فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ويتضرعون إليه ويناشدونه بالله والرّحم أن يرسل إلى أبي بصير «1» وأبي جندل «2» بن

(1) أبو بصير هو: «عتبة بن أسيد بن حارثة» ويقال هو: عبيد بن أسيد بن جارية، ويقال أيضا: عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سلمة بن غبرة بن عوف بن قيس (ثقيف) بن منبه بن بكر بن هوازن: حليف بني زهرة، هكذا ذكره خليفة عن أبى معشر. وقال ابن شهاب: هو رجل من قريش، وقال ابن هشام: إنه ثقفي. وله قصة لطيفة ذكرها صاحب الاستيعاب والحافظ ابن حجر، فارجع إليهما، وقد بني بجوار قبره مسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر هذا أحد من السلف والخلف رضى الله عن الجميع.

(2)

أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشى العامري: كان من السابقين، أسلم أبوه أيضا، وجاهد هو وأبوه في فتوح الشام، وأتي مع المشركين في غزوة بدر فانحاز إلى المسلمين، ثم أسر بعد ذلك، أسره المشركون وعذب ليرجع عن دينه، وأخيرا لحق بأبى بصير على ساحل البحر، وكان هناك منهما ما كان. والحمد لله الذى نصر دينه وأعز جنده.

ص: 318

سهيل، ومن معهم فيقدمون عليه، وقالوا: إنّا أسقطنا هذا الواحد من الشروط، فمن أتى محمدا فهو امن.

وقيل: قالوا من خرج منا إليك فأمسك في غير حرج؛ فإنّ هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره. فلما كان ذلك من أمرهم، علم الذين كانوا أشاروا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع أبا جندل من أبيه يوم الصلح والقضية أنّ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فيما أحبوا وفيما كرهوا، وأن رأيه أفضل من رأيهم، «1» وعلموا بعد ذلك أن مصالحته صلى الله عليه وسلم كانت أولي، لأنها كانت سببا لكثرة المسلمين؛ فإن المشركين لما أمنوا القتال اختلطوا بالمسلمين فأثّر فيهم الإسلام، فأسلم كثير منهم.

وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أبا بصير أن يقدم عليه بالمدينة هو وأبو جندل الذى كان اجتمع به مع رفاقه، ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش، فلما قدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى بصير، وكان حينئذ مشرفا علي الموت، مات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا. وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس من أصحاب أبى جندل، ورجع سائرهم إلي أهليهم، وأمنت عيران قريش، وظاهر بعض الروايات يدلّ على أن قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ- نزلت في قصة أبى بصير.

ولم يزل أبو جندل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذاك، وشهد الفتح، ورجع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أوّل إمارة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، فمكث بها شهرا، ثم خرج إلي الشام يجاهد، وخرج معه ولده أبو جندل، فلم يزالا مجاهدين حتي ماتا هناك رضى الله تعالى عنهما.

وهاجرت في مدة الصلح أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وجاء فيها

(1) ذلك لأنه: «لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى» وليس الرأى مع الوحى بشئ.

ص: 319

أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتي قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردّها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش بالحديبية، فلم يفعل، وقال: أبى الله ذلك، وأنزل الله فيه علي رسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة: 10] الاية، وكان الامتحان أن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ما هاجرت ناشزا ولا هاجرت إلا لله ورسوله، فكان في الاية بيان أن ذلك الرد في الرجال لا في النساء؛ لأن المسلمة لا تحل للكافر، فلما تعذّر ردّهن لورود النهى عنه، لزم ردّ مهورهن، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم ألاترجع المؤمنات إلي الكفار لشرف الإسلام، وألاتكون كافرة في نكاح مسلم لقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ «1» فمنع الله من ردّ النساء، وفسخ ذلك الشرط المكتتب، وحرّم الله حينئذ علي المسلمين إمساك الكوافر في عصمتهم، فطلّق الأصحاب كلّ امرأة مشركة في نكاحهم، وطلّق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين له مشركتين بمكة، وعن ابن عباس: يعنى من كانت له امرأة بمكة فلا يعدّها من نسائه؛ لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه.

وفي غزوة الحديبية صار صلح مصر للروم حيث غلبت الروم فارسا، وأخرجوهم من الشام «2» .

* وفي هذه السنة ماتت أم رومان بنت عامر بن عويمر، أم عائشة رضي الله عنهما، كانت أسلمت قديما، وكانت أولا تحت عبد الله بن سخبرة، فولدت له الطفيل، وهو أخو عائشة لأمها، ثم مات عنها فتزوجها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة.

* وفي السنة السادسة فرض الحج- علي ما عليه الجمهور- وقيل كان قبل الهجرة، حكاه إمام الحرمين في النهاية، وقيل غير ذلك.

(1) سورة الممتحنة: الاية 10.

(2)

وفيه تصديق لأبي بكر رضى الله عنه، فإنه حدث نقاش بين أبى بكر وجماعة من قريش إذ كان المؤمنون يحبون أن ينتصر الروم، وكان المشركون يحبون أن ينتصر الفرس، وقال لهم أبو بكر ما معناه: إن الروم سينتصرون في بضع سنين. انظر تفسير ابن كثير بتوسع.

ص: 320

* وفي هذه السنة نزل حكم الظّهار، وذلك أن أوس بن الصامت غضب على زوجته خوله بنت ثعلبة ذات يوم، وقال لها «أنت عليّ كظهر أمى» ، (وكان ذلك أوّل ظهار في الإسلام، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية)، ثم ندم على ما قاله: فأتت خولة النبى صلى الله عليه وسلم وعائشة تغسل رأسه، فقالت: يا رسول الله: إن زوجى أوس بن الصامت تزوجنى وأنا ذات مال وأهل، فلما أكل مالي وذهب شبابى وتفرّق أهلى، ظاهر منى. فقال صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه. فبكت وصاحت، وقالت: أشكو إلى الله فقرى وفاقتى ووجدى وصبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا. فقال صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا حرّمت عليه.

فجعلت ترفع صوتها باكية، وتقول: اللهم إنى أشكو إليك. فبينما هى على تلك الحالة إذ تغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم للوحى، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الايات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: 1] ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوس بن الصامت، فتلا عليه الايات المذكورة، فقالت عائشة: تبارك الله الذى وسع علمه كل شىء إنى كنت أسمع كلام خولة ويخفى عليّ بعضه، وهى تحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما برحت حتّى نزل جبريل بهذه الايات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس: أعتق رقبة، فقال: ما لى بهذا قدرة، قال: صم شهرين متتابعين، قال: إنى إذا لم اكل في اليوم مرتين كلّ بصرى، قال: فأطعم ستين مسكينا، قال: لا أجد إلا أن تعيننى منك بعون وصلة. فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا، وكانوا يرون أن عند أوس مثلها، وذلك لستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع، وهذا أوّل ظهار في الإسلام.

* وفي رمضان هذه السنة استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجدب الناس، فمطروا فقال صلى الله عليه وسلم:«أصبح الناس مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب» قاله مغلطاى.

واستسقى في موضع المصلّى، وصلّى صلاة الاستسقاء:

روى أنه قحط الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه المسلمون، وقالوا: يا

ص: 321

رسول الله قحط المطر، ويبس الشجر، وهلكت المواشى، وأسنت الناس «1» فاستسق لنا ربك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، يمشى ويمشون بالسكينة والوقار، حتى أتوا المصلى، فتقدم وصلّى بهم ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [سورة الأعلى] وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ

[سورة الغاشية] ، فلما قضى صلاته استقبل الناس بوجهه، وقلب رداءه لكى ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثا على ركبتيه، ورفع يديه، وكبّر تكبيرة قبل أن يستسقى، ثم قال:«اللهم اسقنا، وأغثنا غيثا مغيثا، وحياء ربيعا، وجدا طبقا غدقا مغدقا، عاما هنيئا مريئا، مريعا مرتعا، وابلا شاملا، مسبلا مجللا، دائما ودرا، نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، غيثا اللهم تحيى به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا صالحا للحاضر والباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل عليها سكينتها. اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا تحيى به بلدة ميتا، واسقه مما خلقت أنعاما وأناسى كثيرا» .

فما برحوا حتّى أقبل قزع «2» من السحاب، فالتأم بعضه إلى بعض، ثم أمطرت سبعة أيام بلياليهن، لا تقلع عن المدينة، فأتاه المسلمون وقالوا: يا رسول الله قد غرقت الأرض، وتهدّمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله تعالى أن يصرفها عنا. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر حتّى بدت نواجذه، تعجبا لسرعة ملالة بنى ادم، ثم رفع يديه، ثم قال:«حوالينا ولا علينا، اللهم على رؤس الظراب، ومنابت الشجر، وبطون الأودية وظهور الاكام» ، فتصدعت عن المدينة حتّى كانت مثل ترس عليها، كالفسطاط «3» تمطر مراعيها، ولا تمطر فيها قطرة.

(1) أسن بفتح السين: تغير ألوانهم مثل الماء الاسن المتغير اللون.

(2)

الفزع: بفتحتين- قطع رقيقة من السحاب.

(3)

الفسطاط: بيت من شعر.

ص: 322

وفي رواية: لما صارت المدينة كالفسطاط، وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى بدت نواجذه، ثم قال:«لله أبو طالب؛ لو كان حيّا لقرّت عيناه، من الذى ينشدنا قوله؟» .

فقام علي بن أبى طالب رضى الله عنه فقال: يا رسول الله كأنك أردت:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال «1» اليتامى عصمة للأرامل

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل.

(1) ثمال اليتامى: كافلهم.

ص: 323