الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يعارض هذا ما في الحديث «أنه جاءه رجل فقال له: أنت سيد قريش، فقال:
السيد الله» «1» أى هو الله الذى يحق له السيادة، إذ هو محمول على أنه كره أن يحمد في وجهه، وأحبّ التواضع، وكذلك ما روي عنه عليه الصلاة والسلام «لا تفضّلونى على يونس بن متّى» «2» أى تفضيلا يؤدى إلى تنقيصه، وإلا فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد ادم على الإطلاق، وقد روى عن على رضى الله عنه قال:«سمعت حبيبى رسول الله» يقول: هبط عليّ جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا؛ فسيد البشر ادم، وسيد ولد ادم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر، وسيد المشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القران، وسيد القران سورة البقرة» «3» .
[طهارة مولده وشرفه] :
وقد اختصه الله سبحانه وتعالى من أطيب العشائر نكاحا، وحماه من دنس الفواحش والسفاح «4» ، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة بشهادة: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: 219] فكان نور النبوة ظاهرا في ابائه لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه، وقصر
(1) رواه الإمام أحمد وأبو داود عبد الله بن الشخير.
(2)
وروى البخارى عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقولن أحدكم إنى خير من يونس بن متى» ويؤيد ما يقوله الشيخ من عدم المفاضلة المؤدية إلى التنقيص ما ورد في حديث صحيح، فيه طول «لا تفضلوا بين أنبياء الله
…
» .
(3)
(4)
روى ابن مردويه قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا» وروى ابن عساكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ولدتنى بغى قط منذ خرجت من صلب ادم، ولم تزل تتنازعنى الأمم كابرا عن كابر حتّى خرجت من أفضل حيّين في العرب: هاشم وزهرة» . وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى اكتفينا منها بهذا، والله ولى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
سرّهما عليه، ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرّده نهاية، فلا يشارك فيه ولا يماثل، فلذلك مات أبواه في صغره، فهو سلالة اباء كرام، ليس فيهم مسترذل ولا مستبذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوّة، ولبعضهم:
تنقّل أحمد نورا مبينا
…
تلألأ في وجوه الساجدينا
تقلّب فيهم قرنا فقرنا
…
إلى أن جاء خير المرسلينا
روى عن هشام بن محمد السائب الكلبى عن أبيه قال: «كتبت للنبى صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان في الجاهلية» . انتهي.
ولعل هؤلاء الأمهات من جهة الأصلين، أى أمهات أبيه وأمه، وأمهات ابائهم وأمهاتهم؛ لإمكان السنين التي تحسب فيها الأجيال.
وعن علي بن أبى طالب رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن ادم إلى أن ولدنى أبى وأمي، لم يصبنى من سفاح الجاهلية شيء» «1» ومن ثمّ ورد عن ابن عباس مرفوعا «لم يلتق أبواى قط على سفاح، ولم يزل الله ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفّى مهذبا؛ لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما» «2» . وبالجملة فكان نكاح النبي صلى الله عليه وسلم كنكاح الإسلام في أنه بإيجاب وقبول، وإن لم يكن مستجمعا للشروط التى اعتبرت فيما بعد في نكاح الإسلام؛ لأن استيفاء شروطه الإسلامية كان
(1) رواه العدني، وابن عدي، والطبراني في الأوسط عن على كرم الله وجهه. وقال:«خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، رواه ابن سعد عن السيدة عائشة رضى الله عنها، وقالت: «نكاح كنكاح الإسلام» .
(2)
رواه أبو نعيم ولفظه: «
…
لم يلتق أبواى قط على سفاح؛ لم يزل ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا، لا تتشعب بى شعبتان إلّا كنت في خيرهما، قد أخذ الله بالنبوة ميثاقي» اهـ. من مواكب ربيع للحلوانى ص 144، وهو المعنىّ بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ال عمران: 81] . وروى البيهقى في سننه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما ولدنى من نكاح الجاهلية شيء؛ ما ولدنى إلا نكاح الإسلام» .
على سبيل الاتفاق دون القصد، أو المراد كنكاح الإسلام في الجملة؛ لأن إسلام الولى أو عدالته أمر متعذر قبل الإسلام، خصوصا أيام الجاهلية، فنكاح أصوله صلى الله عليه وسلم منزّه عن السفاح، أى عن الزنا واتخاذ الأخذان، وما كانوا عليه في الجاهلية من نحو نكاح زوجة الأب، حيث أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل منهم وخلّف أولادا كبارا وصغارا، فالكبار يتزوجون بزوجة أبيهم.
وبالجملة فهو صلى الله عليه وسلم مبرّأ عمّا كانت تستعمله العرب في الجاهلية من أنواع السفاح التى لا تعدّ في الإسلام نكاحا.
فقد كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء:
الأوّل: نكاح كنكاح الناس اليوم، أى إيجاب وقبول.
الثاني: نكاح البغايا، وهو أن يطأ البغيّ جماعة متفرقون، واحدا بعد واحد، فإذا حملت وولدت ألحقت الولد بمن غلب عليه شبهه منهم.
الثالث: نكاح الاستبضاع، وذلك أن المرأة كانت في الجاهلية إذا طهرت من حيضها يقول لها زوجها:«أرسلى إلى فلان استبضعى منه» ويعتزلها زوجها، ولا يمسّها أبدا حتّى يتبين حملها، فإذا حملت أصابها زوجها إذا أحب.
الرابع: نكاح الجمع وهو أن تجمع جماعة دون العشرة، ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات، كلهم يطئونها فإذا حملت ووضعت ومرّ عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتّى يجتمعوا عندها، فتقول لهم:«قد عرفتم الذى كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان» ، تسمّى من أحبت منهم فيلحق به ولدها، فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، وإن لم يكن شبهه عليه.
فنكاح اباء النبى صلى الله عليه وسلم وأمهاته كان من قبيل القسم الأوّل، ومنزها عما عداه، فقد طهره الله من أدناس الجاهلية، ومنحه الأخلاق الجميلة العليّة، حتى إنه ما كان يدعى في قومه إلا بالأمين، وكيف لا وهو حبيب الله وخليله المختار من العالمين المسدّد المعصوم في البداية والنهاية، وكم قد ذكر له في الصغر وقبل النبوة وبعدها من اية، وهذا من أعظم العناية به صلى الله عليه وسلم، حيث أجرى الله سبحانه وتعالى نكاح ابائه عليه الصلاة والسلام إلى أن أخرجه صلى الله عليه وسلم من بين أبويه على
نمط واحد وفق شريعته، ولذلك قال الإمام السبكي:«إن الأنكحة الواقعة في نسبه صلى الله عليه وسلم كلها مستجمعة لشروط الصحة كأنكحة الإسلام، قال: فاعتقد هذا بقلبك وتمسّك به، ولا تزلّ عنه فتخسر» .
وما نقل عن أبى المنذر أنه قال: بلغنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر العزّى يوما فقال: «لقد أهديت للعزّى شاة عفراء، وأنا علي دين قومي» فكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتراء عليه؛ حيث قد أطبق الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يتدنس هو ولا اباؤه مما كانت عليه الجاهلية، وما أقبح من يروم التصنيف ويجعل في مصنفه مثل هذا الكذب القبيح، فإنه ينادى على نفسه بعدم المعرفة والاتصاف بالجهالة والسفه، ولم يكن شيء مثل ذلك إلا لكفار قريش، حيث كانوا يطوفون بالكعبة ويقولون: واللات والعزّى ومناة الثالثة الاخري، فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي، ولم يثبت شيء من ذلك في حق أحد من ابائه صلى الله عليه وسلم على عمود النسب. وقد فسر العلماء قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
[الشعراء: 218، 219] أى يرى تقلبك وأنت نور في أظهر الساجدين، بمعنى في أصلاب وأرحام المؤمنين من لدن ادم وحواء إلى عبد الله وامنة، فعلى هذا جميع أصوله- رجالا ونساء- مؤمنون.
ثم أورد على هذا ازر أبو إبراهيم فإنه على دين قومه بمقتضى الايات!؟
وأجابوا عنه بجوابين:
أحدهما: أنه كان عم إبراهيم لا أباه، وتسميته أبا علي عادة العرب من تسمية العم أبا.
وثانيهما: أن اباءه صلى الله عليه وسلم لم يدخلهم الشرك ذكورا وإناثا ما دام النور المحمدى في الذكر والأنثي، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد الله وغيره، وازر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم عليه السلام، وأما قبل فلم يعبد غير الله، وهذا الجواب الثانى المفيد لتنزه النور المحمدى عن أن يكون قد حلّ فى أصل غير طاهر ما دام ساكنا فيه، فهو وإن استحسنه بعض العلماء إلا أنه لا يخلو من إخلال بالنسب؛ إذ كيف يسكن النور المحمدى في صلب طاهر ورحم نقي، ثم يخبث الأصل بانتقال النور، فهذا مما لا يليق بلفظ «الساجدين» الذى عبر به عن المؤمنين بكمال البلاغة في التجوّز عن (المؤمنين) إلى (المصلين) ،
ثم إلى (الساجدين)، ولو فسّر قوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ بما مشى عليه بعض المفسرين بقوله: إنه أراد تعالى تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبى إلى نبى حتي أخرجك في هذه الأمة، لما ورد على هذا القول كفر ازر، وإنما يكون المراد بالساجدين اباؤه من الأنبياء فقط، مع أن القصد التعميم، ولكن لا مانع من أن يكون المراد بالاباء الساجدين الذين أولهم إبراهيم عليه السلام صاحب الملّة الحنيفية، ويؤيده مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ «1» مِنْ قَبْلُ [الحج: 78] وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم: 35] وقوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: 40] فلن يزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله.
وورد عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف: 28] قال: الإخلاص والتوحيد، لا يزال في ذريته من يواحد الله ويعبده. انتهى.
وهذا كله إذا فسرنا الاية بهذا التفسير المعقول المعنى، الذى نسبه الفخر الرازى عنتا للشيعة، مع أنه منقول عن أهل السنة، كما يعلم ذلك من اطلع على التفاسير الاخرى القرانية، ويا ليت ذلك الإمام عضّد تفسير الاية بخبر:«لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» بل قال: إنه خبر احاد، فلا يعارض القران، فالذي يجب اعتقاده: طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم.
ولا يرد على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمه أبى طالب الذي نزل فيه قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: 56] الاية: «يا عمّ قل لا إله إلا الله: كلمة أحاجّ لك بها عند الله تعالى، فقال: يا ابن أخي قد علمت إنك لصادق، ولكن أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلي بني أبيك غضاضة بعدي
(1) وكثير من الناس يعتقد أن المسمّى لنا «المسلمين» هو سيدنا إبراهيم عليه السلام، وواقع الاية- والله أعلم- لا يفيد ذلك؛ فإن الضمير «هو» يعود إلى الله تعالى، يتضح هذا من قوله تبارك وتعالى بعدها: وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ فحرف الإشارة «هذا، هذا يعود إلى القران الكريم، وقوله تعالى «من قبل» يفيد ما نزل قبل القران، وهما التوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح. فالله هو الذى سمانا مسلمين في التوراة والإنجيل والقران، وليس خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فافهم ترشد (انظر تفسير ابن كثير 5/ 452) .
لقلتها، ولأقررت بها عينيك عند الفراق، لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك» ثم أنشد:
ولقد علمت بأنّ دين محمّد
…
من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة
…
لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي
…
ولقد صدقت وكنت فيه أمينا
لكن سوف أموت على ملة أشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف» . انتهي.
لأنه لا يبعد أن تكون ملة عبد المطلب وهاشم وعبد مناف هى ملة إبراهيم، حيث هم من أصوله.
وحكى عن هشام بن الكلبى أنه قال: «لما احتضر أبو طالب جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه» إلى أن قال:
«وإنى أوصيكم بمحمد خيرا؛ فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان، مخافة الشنان، وأيم الله كأنى أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الوبر والأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وأعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها.
يا معشر قريش: كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلّا سعد، ولو كان لنفسى هذه مدة، ولأجلى تأخّر لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي» ثم مات.
وكان موته قبل الهجرة بثلاث سنين وأربعة أشهر، قبل موت خديجة رضى الله عنها بثلاثة أيام، وله من الولد: طالب، ومات على دين قومه، وعقيل، وجعفر، وعليّ، ومن الإناث ثنتان: أم هانيء (واسم هانيء فاختة وقيل هند وقيل فاطمة) ، وجمانة، أسلموا ولهم صحبة، وأمهم جميعا: فاطمة بنت أسد بن هاشم، والعقب من أبى طالب في ثلاثة أبطن، وهم: العلويون أولاد علي، والجعفريون أولاد جعفر، والعقيليون أولاد عقيل.
وعلى كل حال فالحذر كل الحذر من ذكر أبوي النبى) بما فيه نقص؛ فإن ذلك قد يؤذى النبى) ؛ لأن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه تأذّى ولده بذلك عند المخاطبة، كيف وقد روى ابن منده وغيره عن أبى هريرة قال:«جاءت سبيعة بنت أبى لهب إلى النبى) فقالت: يا رسول الله إن الناس يقولون: أنت بنت حطب النار. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغضب، فقال: ما بال أقوام يؤذوننى في قرابتي، ومن اذانى فقد اذى الله!» وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات» «1» ولا ريب أن إيذاءه كفر، يقتل فاعله إن لم يتب، خصوصا وأن أبويه، ناجيان «2» لأنهما من أهل الفترة، وأهل الفترة ناجون ولو عبدوا الأصنام، إلا أفرادا علم الله فيهم أمرا فحكم عليهم بالكفر كحاتم الطائي «3» وامرئ القيس. (والفترة ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام)، وقد دلّت القواطع على أنه لا تعذيب حتّى تقوم الحجة لقوله تعالى:
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] أو بإحيائهما له عام حجة الوداع حتي امنا بالله ورسوله. ونفع الإيمان بعد الموت من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وليس بممتنع عقلا وشرعا؛ فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بنى إسرائيل،
(1) وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبّوا الأموات فتؤذوا الأحياء؛ إن البذاء لؤم» (رواه الخرائطي في «مساويء الأخلاق، عن أم سلمة) .
(2)
وقد نظرت أمه إليه عند موتها وهو عند رأسها. ثم قالت:
بارك الله فيك من غلام
…
يا ابن الذى من حومة الحمام
نجا بعون الملك العلّام
…
فودى غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام
…
إن صحّ ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام
…
من عند ذى الجلال والإكرام
تبعث في الحلّ وفي الحرام
…
تبعث بالتوحيد والإسلام
دين أبيك البر إبراهام
…
فالله أنهاك عن الأصنام
ألاتواليها مع الأقوام
ثم قالت: «كل حي ميت، وكل جديد إلى بلي، وكل كبير يفني، وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا، ثم ماتت. رواه أبو نعيم اهـ. من (موكب ربيع للحلواني ص 154) وهذا خبر ثابت في كل كتب السير. أليس هذا هو الإسلام بعينه؟
(3)
لا نعرف للمؤلف مصدرا في ذلك.
وإخباره عن قاتله، وقصته مشهورة وفي الكتب مسطورة. وكان عيسى عليه السلام يحيى الموتى بنص القران، فأحيا عازر بعد موته بثلاثة أيام، وابن العجوز وهو محمول على نعشه، وابنة العاشر، فعاشوا مدة وولد لهم. وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أحيا الله علي يديه جماعة من الموتي «1» ، ولا غرو فهو أحق بذلك، والظن بالله جميل، وليس تعجز قدرته عن ذلك، فإذا ثبت هذا فما يمتنع المدّعى أى إيمانهما بعد إحيائهما، وبكون ذلك زيادة في كرامته وفضله- فقول من قال:«إنهما ماتا كذا لأن الإيمان بعد الموت غير نافع» مردود بما روى في الخبر أن الله تعالى ردّ الشمس على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد مغيبها، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا، وأنه لا يتجدد الوقت لما ردّها عليه، فكذلك يكون إحياء أبويه نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبى صلى الله عليه وسلم، ولا بدع أن يكون الله كتب لأبوي النبى صلى الله عليه وسلم عمرا، ثم قبضهما قبل استيفائه، ثم أعادهما- أى أحياهما- لاستيفاء تلك اللحظة الباقية بالمدة الفاصلة بينهما؛ لاستدراك الإيمان من جملة ما أكرم الله به نبيه عليه الصلاة والسلام.
وقال بعض الأفاضل في حل هذه المسألة ما ملخصه: إن أهل الفترة ثلاثة أقسام:
الأوّل: من أدرك التوحيد ببصيرته، ومن هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من دخل في شريعة حقّ قائمة الرسم كتبّع وقومه من حمير، وأهل نجران، وورقة ابن نوفل، وعمه عثمان بن الحويرث.
القسم الثانى من أهل الفترة: من بدّل وغيّر فأشرك ولم يوحّد، وشرّع لنفسه، فحلّل وحرم، وهم الأكثر كعمرو بن لحي، وهو أوّل من سنّ للعرب عبادة
(1) من ذلك أن زيد بن خارجة خرّ ميتا في بعض أزقة المدينة، فرفع وسجّي، إذ سمعوه بين العشاءين- والنساء يصرخن حوله- يقول: أنصتوا، فحسر عن وجهه، فقال:«محمد رسول الله، النبى الأمي، وخاتم النبيين، كان ذلك في الكتاب الأوّل» ، ثم قال:«صدق، صدق» ، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان، ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم عاد ميتا كما كان. (راجع الشفاء للقاضى عياض وغيره تجد من ذلك كثيرا) .
الأصنام وشرّع الأحكام فبحّر البحيرة وسيّب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحام، وتبعته العرب في ذلك.
القسم الثالث من أهل الفترة: وهم من لم يشرك ولم يوحّد، ولا دخل في شريعة نبيّ ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينا، بل بقى طول عمره على حال غفلة من هذا كله، وفي الجاهلية من كان على ذلك.
وحيث انقسم أهل الفترة إلى ثلاثة أقسام، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدل على تعذيب أهل الفترة، كحديث «رأيت عمرو بن لحيّ يجر قصبه في النار، «1» ونحو ذلك، فيحمل على القسم الثانى من أهل الفترة لكفرهم بما تعدّوا به من الخبائث؛ حيث أن الله سبحانه وتعالى سمى جميع هؤلاء من هذا القسم كفارا ومشركين، فإنّا نجد القران كلما حكى حال أحد منهم سجّل عليهم بالكفر والشرك، كقوله تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة: 103] ثم قال: وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.
وأما أهل القسم الأوّل كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل، فقد قال عليه الصلاة والسلام في كل منهما:«إنه يبعث أمّة واحده» .
وأما عثمان بن الحويرث وتبّع وقومه وأهل نجران: فحكمهم كحكم أهل الدين الذى دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم بالإسلام الناسخ لكل دين.
وأما أهل القسم الثالث الذين هم أهل الفترة حقيقة، فهم غير معذبين، وقال الجلال السيوطي «2» : إن أبوى النبى صلى الله عليه وسلم كانا على التوحيد ودين إبراهيم، كما كان كذلك طائفة من العرب، كزيد بن عمرو بن نفيل، كما يدل عليه قوله:
أربّا واحدا أم ألف ربّ
…
أدين إذا تقسمّت الأمور
تركت اللات والعزّي جميعا
…
كذلك يفعل الرجل البصير
(1) ورواية مسلم: «رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف بن كعب وهو يجر قصبه في النار» ورواه الدار قطنى في الأفراد.
(2)
له في ذلك رسالة خاصة اسمها «الفوائد الكامنة في إيمان السيدة امنة» وله كذلك «التعظيم والمنة فى أن أبوى النبى صلى الله عليه وسلم في الجنة» .
وقسّ بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وعمير بن حبيب الجهني، وعمرو بن عنبسة وجماعة اخرين.
وهذه طريقة الفخر الرازي، وزاد:«إن اباء النبى صلى الله عليه وسلم كلهم إلى ادم على التوحيد، لم يكن فيهم شرك» ، وقال الجلال السيوطى أيضا:«إنى لم أدّع المسألة إجماعية، بل هى مسألة ذات خلاف، فحكمها كحكم سائر المسائل المختلف فيها، غير أنى اخترت أقوال القائلين بالنجاة لأنه أنسب بهذا المقام» .
جديث إحياء الله أبويه: وما أحسن كلام الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين بن عبد الله بن محمد الدمشقى المولود سنة سبع وسبعمائة 707 هـ، حيث قال في كتابه «مورد الصادى بمولد الهادي» بعد أن أخرج الحديث في إحياء أمه من طريق الخطيب، فصرّح بضعف الحديث، ولم يلتفت لزعم وضعه، وكفى به حجة:
حبا الله النبي مزيد فضل
…
علي فضل، وكان به رؤوفا
فأحيا أمّه وكذا أباه
…
لايمان به فضلا منيفا
فسلّم فالقديم بذا قدير
…
وإن كان الحديث به ضعيفا
وقد ردّ بعضهم علي هذه الأبيات بقوله:
أيقنت أنّ أبا النبي وأمّه
…
أحياهما المولي الكريم الباري
حتى له شهدا بصدق رساله
…
سلّم فتلك كرامة المختار
هذا الحديث ومن يقول بضعفه
…
فهو الضعيف، عن الحقيقة عاري
ولئن سلّم أنه من قسم الضعيف، فهو الذى تجوز روايته في الفضائل والمناقب، لا بمعنى الموضوع، وقال أبو القاسم السهيلى في أوائل كتابه «الروض الأنف» بعد إيراد حديث أنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيى أبويه فأحياهما له فامنا به ثم أماتهما:«والله تعالى قادر على كل شيء، ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل لأن يخصه بما شاء من إكرامه» . انتهي.
وقد أيّد بعضهم هذا الحديث بالقاعدة التى اتفق عليها الأئمة: أنه ما أوتى نبيّ معجزة إلا أوتى نبينا صلى الله عليه وسلم مثلها.
ولا يبعد على من أنجى به الثقلين «1» أن ينجى به الأبوين، ولا عبرة باحتجاج المنكر في هذا المقام العظيم، بأنه نزل فيهما: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة: 119] فقد تقرر في علوم الحديث أن سبب النزول حكمه حكم الحديث المرفوع، لا يقبل منه إلا الصحيح المتصل الإسناد، لا الضعيف ولا المقطوع، وسبب النزول لا يعرف له (كما قال السيوطي) إسناد صحيح متصل، ولا ينكر ذلك أحد من المحدثّين، مع ما ينضم إلى ذلك من بلاغة الخطاب، وأن الايات من قبل ومن بعد كلها في أهل الكتاب، فدلّت الاية علي أن المراد بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب، ويؤيد ذلك أن السورة مدنية، خوطب فيها من بنى إسرائيل الذرية، وأكثر ما خوطب فيها اليهود الناقضون ما في التوراة من العهود، على أنه قد قيل بصحة الأحاديث الدالّة على أن العرب لم يكفر منهم أحد من عهد إبراهيم إلى عهد عمرو بن لحيّ الخزاعيّ، فهو أوّل من عبد الأصنام وغيّر دين إبراهيم عليه السلام، وراه النبى صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك يجرّ قصبه فى النار، أى أمعاءه. وقد أخرج ابن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال:
«كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم؛ فلا تذكروهم إلا بخير» . وفي الروض الأنف «لا تسبّوا إلياس فإنه كان مؤمنا» وفي دلائل النبوة لأبى نعيم أن كعب بن لؤى أوصى ولده بالإيمان بالنبي، قاله السيوطي، وقال أيضا:«وأما كلاب وقصىّ وعبد مناف وهاشم فلم أظفر فيهم بنقل جازم» .
وأما عبد المطلب ففيه خلاف «2» والأشبه أنه من أهل الفترة، وممن لم تبلغه الدعوة، وقد استشهد القبيل القائل بإيمانه بقوله في قصة أصحاب الفيل:
لا همّ إنّ المرء يمنع
…
حلّه فامنع حلالك
لا يغلبنّ صليبهم ومح
…
الهم غدوا محالك
جرّوا جموع بلادهم
…
والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم
…
جهلا وما رقبوا جلالك
إن كنت تاركهم وكع
…
بتنا فأمر ما بدا لك
(1) الإنس والجن.
(2)
جاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبعث جدى عبد المطلب في زى الملوك وأبهة الأشراف» كذا من السيرة الحلبية.
وقوله «حلالك» قال الخشني: بكسر الحاء المهملة جمع حلة وهي جماعة البيوت، والذى في النهاية «الحلال» بالكسر: القوم المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم، وقوله «ومحالهم» بكسر الميم: القوة والشدة، وقوله «غدوا» بالغين المعجمة: هو أصل الغد، وهو اليوم الذى يأتى بعد يومك، فحذفت لامه، ولم يستعمل تامّا إلا في الشعر، ولم يرد عبد المطلب الغد بعينه، وإنما أراد القريب من الزمان.
ولا يشكل علي ذلك قصة الذبيح؛ فإنّ النذر لا يقتضى عدم الإيمان، ولا عدم نجاة أهل الفترة، وكذلك إرادة الذبح عند الأصنام الموجودة في الكعبة، فإنّ هذه محض عوائد لا عقائد، كما سيأتى ذكره.
وبيانها أن عبد المطلب لما أراد حفر زمزم منعته قريش منه، واذاه بعض سفائهم، ولم يكن له ولد إلا الحارث، فنذر لئن جاء له عشرة بنين وصاروا له أعوانا ليذبحن أحدهم قربانا لله تعالى عند الكعبة.
وقيل: سبب ذلك إنّ عدى بن نوفل بن عبد مناف (أبو المطعم) قال: يا عبد المطلب أتستطيل علينا وأنت فذّ لا ولد لك؟! فقال عبد المطلب: أتقول هذا، وإنما كان نوفل أبوك في حجر هاشم! فقال عدي: فأنت أيضا كنت عند أخوالك من بنى النجار حتّى ردّك عمك المطلب، قال: أبا لقلة تعيّرنى!؟ فو الله لئن اتانى الله عشرة من الولد
…
إلى اخره.
واحتفر عبد المطلب زمزم هو والحارث، فكانت له فخرا وعزّا، وكثر أولاده.
واختلف في عدد أولاد عبد المطلب؛ فقيل: ثلاثة عشر، وقيل اثنا عشر، وقيل عشرة، وقيل تسعة. فمن قال ثلاثة عشر، قال هم: الحارث، وأبو طالب، والزبير، وعبد الكعبة، وحمزة، والعباس، والمقوّم، وحجل، وضرار، وقثم، وأبو لهب، والغيداق، فهؤلاء اثنا عشر، وعبد الله أبو النبى صلى الله عليه وسلم الثالث عشر.
ومن جعلهم عشرة: أسقط عبد الكعبة وقال: هو المقوّم، وجعل الغيداق وحجلا وضرارا واحدا، ومن جعلهم تسعة أسقط قثم أيضا، وقد أسلم حمزة والعباس، وأن أبا لهب وأبا طالب أدركا النبوة فمات أبو لهب على دين قومه، وذهب الأكثرون إلى أن أبا طالب مات أيضا علي دين قومه.
ولما حفر عبد المطلب زمزم ودلّه الله عليها وخصّه بما زاده بها خطرا وشرفا فى قومه، وعطلت كلّ سقاية كانت بمكة حين ظهرت، وأقبل الناس عليها لالتماس بركتها، ومعرفة فضلها لمكانها من البيت، وأنها سقاية الله عز وجل لإسماعيل عليه السلام، وتكامل بنوه عشرة، وقرّت عينه بهم، نام ليلة عند الكعبة فرأى في المنام قائلا يقول: يا عبد المطلب أوف بنذرك لرب هذا البيت.
فاستيقظ فزعا، وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين، ثم نام فرأي: أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرّب جملا وأطعمه للمساكين، ثم نام فنودي أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فقال: وما هو أكبر من ذلك؟ فقيل له: أحد أولادك الذى نذرته، فاغتمّ غما شديدا، وجمع أولاده وأخبرهم بذلك، وطلب منهم الوفاء بالنذر، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع قال: ليأخذ كل واحد منكم قدحا (بكسر القاف أى سهما بغير نصل) وليكتب اسمه عليه ثم ليأتنى به، ففعلوا، ثم أتوه فدخل بهم على هبل، فدفع عبد المطلب القداح إلى القيّم، فلما أخذ ليضرب قام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله، ويقول: اللهم إنى نذرت لك نحر أحدهم، وإنى أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت. ثم ضرب السادن القدح فخرج القدح علي عبد الله، وكان أحبّ ولده إليه، فقبض عبد المطلب يده عليه وأخذ الشفرة وأقبل به إلى إساف ونائلة (صنمين عند الكعبة تذبح عندهم الهدايا) فقام إليه سادة قريش من أنديتها، وقالوا له: ما تريد أن تصنع؟ قال: أو في بنذري، فقالوا:
لا ندعك تذبحه حتّى تعذر فيه إلى ربك، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه فيذبحه ويكون سنّة، ولكن انطلق به إلى قطية الكاهنة (والكاهنة التى تخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان وتدّعى معرفة الأسرار) وقيل: اسمها سجاح (على ما ذكر ابن إسحاق) ، فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك. فانطلقوا حتّى أتوها بخيبر، وقصّ عبد المطلب عليها القصة، فقالت لهم: كم الدية فيكم؟
فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قرّبوا صاحبكم، وقرّبوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة أخرى، وهكذا حتّى يرضى ربكم ويخلص صاحبكم، فإذا خرجت علي الإبل فانحروها، فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكة وقرّبوا عبد الله وعشرة من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو فقال: اللهم أهو أحب إليك أم مائة من الإبل؟ والذى في «الإمتاع» : اللهم أهو
أحب إليك أم مائة من تلاد إبلى؟ (وتليد المال وتلاده: قديمه ونفيسه) فخرجت القداح على عبد الله، ولم يزل يزيد عشرا عشرا حتّى بلغت الإبل مائة، فخرجت القداح على الإبل، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك صارت الدية مائة من الإبل، فنحرت المائة كلها، وتركت لا يصدّ عنها إنسان ولا طائر ولا سبع، وأوّل من سنّ الدية مائة من الإبل عبد المطلب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:«أنا ابن الذبيحين» «1» ويعني بهما والده عبد الله وجدّه إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وروى الحاكم أنّ أعرابيا قال للنبى صلى الله عليه وسلم:«يا ابن الذبيحين» فتبسم ولم ينكر عليه «2» .
فدخول عبد المطلب بالقداح على هبل ودفعها إلى القيّم، وإقباله على إساف ونائلة قصدا للتذكية والذبح، كل هذا لا يقدح في تبرئته من عبادة الأصنام، فهذه الحركات الصادرة من قبيل العوائد لا العقائد، بدليل قوله:«اللهم إنى نذرت لك نحر أحدهم، وإنى أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت» فإن هذا أدلّ دليل على اعترافه بالألوهية مع ما ينقل عنه أنه كان مجاب الدعوة، محرّم الخمر على نفسه، وأنه أوّل من تحنّث بحراء، وكان إذا استهل رمضان صعده وأطعم المساكين، وكان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال. وذكر ابن اسحق أن عبد المطلب وجد في زمزم غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت، ووجد فيها أسيافا قلعية «3» وأدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بينى وبينكم، يضرب عليها القداح، قالوا: وكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولى قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له،
(1) أورده الزمخشرى في الكشاف في تفسير قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ.
(2)
انظر المقاصد الحسنة للسخاوى ص 14 حديث رقم 13، والسيرة الحلبية. ومما يؤيد أن الذبيح إسماعيل قوله تعالى في سورة الصافات بعد سرد قصة الذبح وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ فالواو تفيد المغايرة، أى تفيد أن الذى حدثت له قصة الذبح أحد اثنين، والمبشر بنبوته وصلاحه هو الاخر. وكلام بعض المفسرين الذين ذهبوا إلى أن الذبيح إسحاق يخالف اللغة التى هي أصل من أصول التفسير، والله تعالى أعلم.
(3)
القلعية نسبة للقلعة، وهى بلد بالهند ينسب إليها الرصاص والسيوف (هامش الأصل) .
ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له. فقالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها عند هبل، وقام عبد المطلب يدعو وصاحب القداح يضرب بها، فخرج الأصفران على الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع، وتخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين، فكان أوّل ذهب حلّيته الكعبة.
و «هبل» بضم الهاء وفتح الباء: صنم اتخذته قريش علي بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هى التى تجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عنده قداح سبعة، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل «1» إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله. وقدح فيه:«نعم» للأمر، إذا أرادوه، يضرب به في القداح، فإن خرج قدح: نعم، عملوا به. وقدح فيه «لا» إذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح؛ فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه «منكم» ، وقدح فيه «ملصق» ، وقدح فيه «من غيركم» ، وقدح فيه المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكّوا في نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها، ثم قرّبوا صاحبهم الذى يريدون به ما يريدون، ثمّ قالوا: يا إلهنا، هذا فلان ابن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج لنا الحقّ فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه «منكم» كان منهم وسيطا، وإن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، وإن خرج عليه «ملصق» كان على منزلته فيهم؛ لا نسب له ولا حلف، وإن خرج في شيء مما سوى هذا ممّا يعملون به «نعم» عملوا به. وإن خرج «لا» أخّروه عامه ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. هذا ما ذكره ابن هشام.
والذى ذكره غيره، أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على
(1) هو ما تدفعه قبيلة القاتل دية للمقتول، وسمى عقلا لأنه يعقل أى يمنع القبائل عن أن يعتدى بعضها على بعض، والقبيلة تسمّى عاقلة لذلك.
أحدها «أمرنى ربي» ، وعلى الاخر «نهانى ربي» والثالث غفل؛ فإن خرج الامر مضوا علي ذلك، وإن خرج الناهى تجنبوا عنه، وإن خرج الغافل أجالوها ثانيا اهـ.
والقداح جمع قدح (بكسر القاف وسكون الدال) هو السهم الذى كانوا يستقسمون به، يقال للسهم أوّل ما يقطع: قطع (بكسر القاف وسكون الطاء) ، ثم ينحت ويبرى فيسمّى بريا، ثم يقوّم قدحا، ثم يراش ويركّب نصله فيسمى سهما، والقدّاح: صانعها، وهى الأزلام المذكورة في قوله عز وجل: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ [المائدة: 3] جمع (زلم كجمل) ، و (زلم) كصرد. اهـ.
* وأما عبد الله فكان أيضا صاحب أمانة وصيانة، كما يفهم ذلك من واقعته مع الخثعمية؛ وذلك أنه مرّ بامرأة من خثعم- بعد انصرافه مع أبيه عبد المطلب من نحر الإبل- يقال لها فاطمة بنت مرّة، وكانت من أجمل النساء وأعفهن، وكانت كاهنة قد قرأت الكتب، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت له- حين نظرت إلى وجهه- وكان أحسن رجل رؤي في قريش- «لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع عليّ الان» لما رأت في وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبى الكريم صلى الله عليه وسلم، فأجابها بقوله:
أمّا الحرام فالممات دونه
…
والحلّ: لا حلّ فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه
…
يحمي الكريم عرضه ودينه
وفي لفظ: «فالحمام دونه» بكسر الحاء المهملة بمعناه، وقيل: هو قدر الموت وقضاؤه، من قولهم: حمّ كذا أي: قدر بالبناء للمفعول، والمعنى: الموت أيسر من فعل المحرم. وقوله: أما الحرام، سماه حراما وإن لم يكونوا أهل شرع؛ لأن الزنا مما علموا حرمته من بقايا دين إبراهيم عليه السلام، إذ يحتمل أن حرمة الزنا وحل النكاح من الأحكام التى كانت باقية من شريعة إبراهيم عليه السلام ولم تغيّر، وقد صرّح بذلك السهيلي. وقوله:«يحمى الكريم» إلى اخره، أي لو لم يكن فى هذا الفعل مؤاخذة، فالمروءة تمنع منه، وكرم الكريم وعرضه يمنعانه من مثل ذلك.
ويقال: إن التى عرضت عليه من بنى أسد بن عبد العزّي، واسمها قتيله