الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل فيما تحل به المطلقة
قوله: (وإذا تزوجها بشرط التحليل فالنكاح مكروه لقوله عليه الصلاة والسلام: "لعن الله المحلل والمحلل له" وهذا هو محمل الحديث) إلى آخر المسألة.
يعني بقوله وهذا هو محمل الحديث) إلى آخر المسألة.
يعني بقوله وهذا هو محمل الحديث أن يتزوجها بشرط التحليل، وينبغي أن يجري الخلاف فيما إذا تزوجها ليحلها للزوج الأول، وإن لم يشترط التحليل في لفظ العد بل شرط بل العقد، أو نوي التحليل من غير شرط؛ فإن المرعوف كالمشروط.
وهذا أصل متفق عليه أعني أن المعروف كالمشروط، وقد علل الأصحاب
بذلك في جواز الرجوع في الهبة لأن المعروف أن من وهب غنيًا شيئًا إنما يريد العوض منه، حتى جاز له الرجوع ما لم يعوضه على ما سيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالي.
"والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي" فإذا تزوجها لقصد التحليل كان ملعونًا، شرط في العقد أو لم يشرط، وإن كان المحلل له وافقه على ذلك شاركه في اللعنة، ولم يقم دليل على تخصيص اللعنة بهما بحالة اشتراط التحليل في العقد؛ فقوله: إن هذا هو محمل الحديث مجرد دعوي يردها الدليل، وقول أبي يوسف رحمه الله أن النكاح فاسد لأنه في معني المؤقت؛ فلا يحلها للأول لفساده في غاية القوة، وقول مالك وأحمد مع أهل المدينة الشريفة، وأهل الحديث في اعتبار المقاصد وإبطال الحيل معلوم.
ودليله أقوى من دليل من خالفهم، وقول المصنف في التعليل [لابي حنيفة] رحمه الله: أن النكاح لا يبطل بالشرط، فقوله: تزوجتها لأحلها ثم أطلق وإن لم يقل ذلك بلسانه، فهو مرعوف عند كل من أطلع على حالهم، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، ألا تري أن من اشتري شيئًا يساوي مائة درهم بمائة مطلقة، أنه يلزمه مائة درهم، لا مائة دينار وإن لم يشترط؛ لأنها هي المقصودة، ونظائر ذلك كثيرة، والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني؛ فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ؛ لأنها وسائل تحت غاياتها فترتب عليها أحكامها؛ ولهذا قلنا بجواز البيع بالتعاطي.
فالمحلل إذا قال: تزوجت وهو لا يصد بلفظ التزوج المعني الذي جعل له في الشرع كان إخبارًا كاذبًا، وإنشاء باطلاً فإنا نعلم أن هذه اللفظة لم توضع في الشرع ولا في العرف لمن قصد رد المطلقة إلى زوجها، وليس له قصد في
النكاح الذي وضعه الله بين عباده، وجعله سببًا للمودة والرحمة بين الزوجين وليس له قصد في توابعه حقيقة ولا حكمًا، فمن ليس له قصد في الصحبة ولا في العشرة، ولا في المصاهرة ولا في الولد، بل قصده أن يفارق لتعود إلى غيره، فتزوج ليطل، فهو مناقض لشرع الله، ودينه، وحكمته، فهو كاذب في قوله: تزوجت بإظهار خلاف ما في قلبه، وصيغ العقود إخبارات عما في النفوس من المعاني ولا تصير كلامًا معتبرًا إلا إذا قرنت بمعانيها، فتصير إنشاء للعقود والتصرفات من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم، وإخبارًا من حيث دلالاتها على المعاني التي في النفس، فهي تشبه في اللفظ: أحببت، وأبغضت، وكرهت، وتشبه في المعني: قم، واقعد، وإذا كان المقصود محرمًا فالوسيلة إليه كذلك، وفي اعتبارها تنفيذ للمحرم، وإسقاط للواجب، وإعانة على المعصية، ولا يبالي باختلاف الأسباب عند حصول المقصود، وهذا المعني هو الذي فهمته الصحابة رضي الله عنهم، ورد عنهم في ذلك ما رواه نافع عن ابن عمر أن رجلاً قال له:"امرأة تزوجتها أحلها لزوجها، لم يأمرني ولم يعلم قال: لا؛ إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، قال: وإن كنا لنعه على عهد رسول الله -صلي الله عليه وسلم-/ سفاحًا، وقال: لا يزالان زانيين، وإن مكثا على ذلك عشرين سنة، إذا علم أنه يريد أن يحلها" وهذا قول
عثمان رضي الله عنه، وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فال له:"إن مي طلق امرأته ثلاثًا أيحلها له رجل؟ قال: من يخادع الله يخدعه". وعن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر:"لا أوتي بمحلل، ولا محلل له إلا رجمتها".
وله: (ويهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث كما يهدم الثلاث وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله، وقال محمد: لا يهدم ما دون الثلاث لأنه غاية للحرمة بالنص، فيكون منهيًا، ولا إنهاء للحرمة قبل الثبوت. ولهما قوله عليه الصلاة والسلام: "لعن الله المحلل والمحلل له" سماه محللاً، وهو المثبت للحل).
لو علل لهما بأن الزوج الثاني إذا هدمت إصابته الثلاث وأعادتها إلى الأول بطلاق جديد فما دونهما كذلك اعتبارًا للبعض بالكل لكان تعليلاً حسنًا، وأما ما ذكره من التعليل فإنه ضعيف، فإنه إن أراد به صاحب النكاح المتفق على صحته فذك غير المحلل المذكور، ولا يلحقه شيء من اللعن، وإلا كان يلزم أن كل من تزوج مطلقة غيره ثلاثًا يكون معلونًا، ويكون المطلق أيضًا
ملعونًا وليس الأمر كذلك، ولا يقوله أحد من الناس، وإنما يكون المحلل والمحلل له ملعونين، إذا قصدا التحليل، ولو صده أحدهما لكان معلونًا وحده، وإن أراد به المحلل الملعون المذكور في الحديث، فذاك لم يسم محللاً لكونه مثبتًا للحل، وإنما سمي محللاً تهكمًا به، وذمًا له لكونه قصد تحليل ما حرم الله، ولم يقصد النكاح الذي شرعه الله، كما قال تعالي:{إنما النسيء زيادة في الكفر يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله} الآية، سماهم محللين ومحرمين ذمًا لهم، وتقبيحًا لفعلهم لأنهم قصدوا تحليل ما حرم الله، وتحريم ما حلله، وليس المراد إثباتهم للحل، ولا للحرمة، ولا صار الحلال حرامًا بتحريمهم، ولا الحرام حلالاً بتحليلهم، والله أعلم.