الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[باب النفقة]
قوله: (وجه الأول قوله عليه الصلاة والسلام لهند امرأة أبي سفيان: "خذي من مال زوجك ما يكفيك وولدك بالمعروف" اعتبر حالها، وهذا الفقه فإن النفقة تجب بطريق الكفاية، والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية الموسرات فلا معنى للزيادة، ونحن نقول بموجب النص: إنه يخاطب بحسب وسعه، والباقي دين في ذمته).
هذا وجه قول الخصاف: إنه يعتبر في النفقة حال الزوجين، وقد قال
المصنف: إنه عليه الفتوى، والقول الآخر قول الكرخي: إنه يعتبر حال الزوج.
قال صاحب البدائع: هو الصحيح. وقال [صاحب] المبسوط: المعتبر حاله في اليسار والإعسار في ظاهر الرواية. انتهى.
وهذا هو الحق الذي يجب القول به لقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرًا} .
وقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها} الآية. ولئن كانت موسرة فقد رضيت بحاله، وعسرته، فلا تستوجب عليه إلا بحسب حاله، ولا تعارض الآية قوله صلى الله عليه وسلم لهند:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فإنه لم يقل لها: استديني عليه، ولا قال: خذي من ماله أقل من قدر حاله، وإنما قال:"خذي من ماله" فله مال أمرها أن تأخذ منه بالمعروف، وهذا صالح للموسرين والمعسرين والمختلفين.
وفي قوله: "بالمعروف" إشارة إلى أنها لا تسرف في الأخذ، فهذا يدل من غير تأمل زائد على أن له مالًا تأخذ منه ما يكفيها وولدها، وهذا آية اليسار، وليس في الحديث ما يدل على أنها كانت معسرة، والزوج موسرًا، ولا عكسه، وإنما قالت:"إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي/ ما يكفيك وولدك بالمعروف".
وإنما يكون الحديث حجة لمن قال باعتبار حالهما أن لو كان الزوج معسرًا وهي موسرة، فأمرها أن تنفق موجودة، وتستدين لتكميل نفقتها المناسبة ليسارها على الزوج، أو كان موسرًا، وهي معسرة، وأمرها أن تنفق على حسب حالها وأعلى منه، ولا تبلغ قدر حاله، وليس في الحديث شيء من ذلك.
وقوله: (إن هذا الفقه فإن النفقة تجب بطريق الكفاية والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية الموسرات فلا معنى للزيادة)، فيه نظر، فإنه ليس في الحديث ما يدل على أنها كانت معسرة، والزوج موسرًا ولم يثبت ذلك من خارج، ولئن كان الأمر كذلك فلا يدل قوله:"ما يكفيك" على أنها لا تأخذ على قدر حاله؛ فإنه قال بعد ذلك: "بالمعروف" وليس من المعروف أن يأكل الموسر خبز الحنطة
المرقق، وأنواع الأطعمة والحلوى، والفواكه، ويطعم زوجته خبز الشعير بالزيت ونحوه، وإذا كنا مأمورين أن نطعم الرقيق مما نأكل، ونلبسهم مما نلبس-والحديث في "الصحيحين"- فالزوجة بطريق الأولى والأحرى.
وعن معاوية القشيري رضي الله عنه قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما تقول في نسائنا؟ فقال: أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تلبسون، ولا تضربوهن ولا تقبحوهن" رواه أبو داود.
ولو سلم له هذا المعنى في المعسرة تحت الموسر، ولا يسلم، لم يسلم له في الموسرة تحت المعسر، ومن ذا الذي يدينها على ذمة معسر؟ وهذه حوالة
تاوية! وهذا ممكن بالقول، فأما بالفعل فبعيد جدًا.
قوله: (ولا تفرض لأكثر من خادم واحد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: تفرض لخادمين) إلى آخر المسألة.
ينبغي أن لا يكون في المسألة خلاف، ويكون جوابهم إنما اختلف لاختلاف السؤال، وأن يكون ذلك معتبرًا بأحوال الأزواج، فإن من الناس من عاداته أن يشتري حاجته بنفسه، وأن زوجته تكفيه خدمة البيت، ومنهم من يحتاج إلى زيادة خادمين وأكثر، فمن كانت عادته جارية تخدم في البيت، وخادمًا يخدم خارج البيت تفرض عليه نفقة خادمين، ومن كانت عادته خادمًا واحدًا يفرض عليه لخادم واحد.
قوله: (وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها فلا نفقة لها) ثم قال: (وقال الشافعي: لها النفقة لأنها عوض عن الملك عنده كما في المملوكة بملك اليمين، ولنا أن المهر عوض عن الملك، ولا يجتمع العوضان عن معوض واحد فلها المهر دون النفقة).
فيه نظر من وجهين أحدهما: نقله عن الشافعي أن الصغيرة التي لا يستمتع بها لها النفقة، وهذا قوله القديم، وقد رجع عنه، فلا ينبغي أن ينسب إليه،
وقد صارت المسألة بحمد الله وفاقية لا نزاع فيها فيما أعلم، وإنما قال: إن النفقة عوض عن التمكين.
الثاني: رده تعليل الشافعي بأنه لا يجتمع عوضان عن معوض واحد؛ فإنه يصح أن يتزوج المرأة على ألف درهم وعبد ونحو ذلك، ولو علل بجهالة العوض لكان متجهًا فإن النفقة مجهولة المقدار فلا يصلح أن تكون عوضًا عن البضع في عقد النكاح بل تكون النفقة بإزاء الاحتباس، أو بإزاء التمكين على اختلاف المذهبين.
والقول بأنها بإزاء التمكين أولى؛ فإنها لو كانت في بيته ولا تمكنه من نفسها لا ينفعه احتباسها.
* * *