الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الولد من أحق به
قوله: (وإليه أشار الصديق رضي الله عنه بقوله: "ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر").
أصل الحديث: عن القاسم بن محمد أنه قال: (كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر، ثم إن عمر فارقها، فجاء عمر قباء فوجد ابنه عاصمًا يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده، فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر، فقال عمر: ابني، وقالت: ابني، فقال أبو بكر: خل بينها وبينه. فما راجعه عمر الكلام" أخرجه مالك في الموطأ، والبيهقي وجاء في رواية: "ريحها وفراشها وحجرها خير له منك، حتى يشب، ويختار لنفسه". ويروي:"ومسحها".
وفي رواية: "هي أعطف، وألطف، وأرق، وأحنا، وأرحم" وليس في شيء من ألفاظ الحديث: "ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر"، كما قال المصنف، وهو لفظ مستبعد، وماذا يصنع بريقها، وليس هو من مأكوله حتى يكون خيرًا له من الشهد والعسل، والشهد هو العسل في شمعه، فعطف العسل عليه في مثل هذا التركيب مستبعد.
قوله: (ولنا أنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب، فلا يتحقق النظر، وقد صح أن الصحابة رضي الله عنهم لم يخيروا).
فيه نظر؛ فقد جاء تخيير الغلام بين أبويه عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي هريرة رضي الله عنهم، أما أبو بكر فقد تقدم في هذا الباب قوله لعمر:"ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يشب فيختار لنفسه". قال
ابن عبد البر: وهذا خبر مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة تلقاه أهل العلم بالقبول والعمل انتهى.
وأما عمر رضي الله عنه، فقد روى عنه الشافعي، وعبد الرازق، وسعيد ابن منصور تخيير الغلام من وجوه، وأما علي رضي الله عنه فقد روى ذلك عنه الشافعي أيضًا ويحيى القطان، وأما أبو هريرة رضي الله عنه، فروى عنه أبو خيثمة بسنده أنه خير غلامًا بين أبيه وأمه.
ذكر ذلك ابن القيم، وساق الأسانيد التي لهذه الآثار كلها في "الهدي" ورجح قول الإمام أحمد في تخيير الغلام، دون الجارية بما ذكره عن الأئمة الراشدين، وأبي هريرة وقال: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ألبتة، ولا أنكره/ منكر.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تخيير الغلام، ولم يصح عنه تخيير الأنثى، وإنما ورد في تخييرها حديث ضعيف. وقال: إنه لما كان التخيير هاهنا
تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة ناسب أن بكون للغلام دون الجارية لوجهين: أحدهما: أنه إذا اختار أحد الأبوين ثم اختار الآخر نقل إليه، والتنقل لا يليق بالأنثى، وإنما يناسبها ملازمة البيوت والخدور وعدم البروز بخلاف الغلام.
الثاني: أن التنقل من عند هذا إلى عند الآخر يقلل رغبة كل منهما، وهذا المعنى يخاف من تأثيره في حق الأنثى، أما الغلام فيعارض هذا المعنى في حقه كون القلوب مجلوبة على حب البنين واختيارهم على البنات.
وأما قوله: (إنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب) فنحن نقول: إنه إذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي ما أوجبه الله عليه فهو عاص، ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له، بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب.
فهذا التعليل يصلح أن يكون حجة عليه؛ لأن الأم قد تكون أقوم بمصلحة الصغير من الأب، كما يحكى أنه تنازع أبوان عند بعض حكام البصرة-
غلامًا، فخيره بينهما فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه؟ فسأله: فقال: أمي تبعثني كل يوم إلى الكتاب ويضربني الفقيه، وأبي يتركني ألعب مع الصبيان، فقضى به للأم، وقال: أنت أحق به.
وذلك لأنه لما ترك الواجب عليه من حقه زالت ولايته، والمراد هنا التنبيه على ما في قوله:(وقد صح أن الصحابة لم يخيروا) من الإشكال، ولو قال: لم يصح أن الصحابة خيروا، لكان أهون من قوله: صح أنهم لم يخيروا، فأين صح ذلك أو ورد؟!.
* * *