الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِوَاوِ الْجَمْعِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ كَانَ مُمْتَثِلًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْت. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْك قَبْلَ يَدَيْك فِي الْوُضُوءِ. وَلَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا التَّرْتِيبُ؛ فَإِنَّهُ أَدْخَلَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَيْنِ، وَالْعَرَبُ لَا تَقْطَعُ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ إلَّا لِفَائِدَةٍ، وَالْفَائِدَةُ هَاهُنَا التَّرْتِيبُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ. قُلْنَا: الْآيَةُ مَا سِيقَتْ إلَّا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرْتِيبَ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَكَاهُ مُرَتَّبًا، وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا، وَقَالَ:«هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» . أَيْ بِمِثْلِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا عَنَيَا بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا مِنْ الْكِتَابِ وَاحِدٌ.
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ، فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا. حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ.
(178)
فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحِدٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ. وَالْفُقَهَاءُ يَعُدُّونَ الْيَدَيْنِ عُضْوًا، وَالرِّجْلَيْنِ عُضْوًا، وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
[فَصْل نَكْسُ وُضُوءَهُ فَبَدَأَ بِشَيْءِ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ]
(179)
فَصْلٌ: وَإِذَا نَكَسَ وُضُوءَهُ، فَبَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا غَسَلَهُ قَبْلَ وَجْهِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ مَعَ بَقَاءِ نِيَّتِهِ أَوْ بَعْدَهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ، ثُمَّ يُرَتِّبُ الْأَعْضَاءَ الثَّلَاثَةَ. وَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، أَعَادَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ. وَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، صَحَّ وُضُوءُهُ إلَّا غَسْلَ رِجْلَيْهِ. وَإِنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ جَمِيعَهُ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ.
وَإِنْ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، صَحَّ وُضُوءُهُ، يَحْصُلُ لَهُ مِنْ كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ لَهُ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ. وَإِنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ جَارٍ فَلَمْ يَمُرَّ عَلَى أَعْضَائِهِ إلَّا جِرْيَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَذَلِكَ. وَإِنْ مَرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جِرْيَاتٍ، وَقُلْنَا: الْغَسْلُ يُجْزِئُ عَنْ الْمَسْحِ. أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ رَاكِدًا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا أَخْرَجَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَاءِ، أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ إنَّمَا يَرْتَفِعُ بِانْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ الْعُضْوِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ أَرَادَ الْوُضُوءَ فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَاءِ، فَعَلَيْهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ جَارِيًا فَمَرَّتْ عَلَيْهِ جِرْيَةٌ وَاحِدَةٌ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ. وَإِنْ اجْتَمَعَ الْحَدَثَانِ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ. عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(180)
فَصْلٌ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ الْمُوَالَاةَ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعَ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي: وَنَقَلَ حَنْبَلُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ جَازَ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، فَلَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ فِيهَا كَالْغُسْلِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَعَمَّدَ التَّفْرِيقَ بَطَلَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» .
وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ لَأَجْزَأَهُ غَسْلُ اللُّمْعَةِ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْحَدَثُ، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا الْمُوَالَاةُ كَالصَّلَاةِ، وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ كَيْفِيَّتَهُ، وَفَسَّرَ مُجْمَلَهُ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ إلَّا مُتَوَالِيًا، وَأَمَرَ تَارِكَ الْمُوَالَاةِ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ، وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ عُضْوٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. (181) فَصْلٌ: وَالْمُوَالَاةُ الْوَاجِبَةُ أَنْ لَا يَتْرُكَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يَجِفُّ فِيهِ الْعُضْوُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْرِعُ جَفَافُ الْعُضْوِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ دُونَ بَعْضٍ؛ وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ طَرَفَيْ الطَّهَارَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، إنَّ حَدَّ التَّفْرِيقِ الْمُبْطِلَ مَا يَفْحُشُ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَدَّ فِي الشَّرْعِ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ، كَالْإِحْرَازِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ.
(182)
فَصْلٌ: وَإِنْ نَشِفَتْ أَعْضَاؤُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِوَاجِبٍ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ مَسْنُونٍ، لَمْ يُعَدَّ تَفْرِيقًا، كَمَا لَوْ طَوَّلَ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ. قَالَ أَحْمَدُ إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْوُضُوءِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ لِوَسْوَسَةٍ تَلْحَقُهُ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ