الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الأول
الواجب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف الواجب:
الواجب لغة: الساقط، يقال: وجب الحائط: إذا سقط، وهو مرتبط بالحكم الشرعي؛ حيث إنا نتخيل الحكم الواجب جزماً سقط ووقع على المكلف من الله تعالى.
والواجب اصطلاحاً هو: ما ذُم تاركه شرعاً مطلقاً.
* * *
المسألة الثانية:
صيغ الواجب هي:
1 -
فعل الأمر كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).
2 -
الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
3 -
اسم فعل الأمر كقوله تعالى؛ (عَليكم أَنفُسَكم).
4 -
المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى:(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ).
5 -
التصريح من الشارع بلفظ الأمر كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).
6 -
التصريح بلفظ الإيجاب أو الفرض، أو الكتب كقوله تعالى:(فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)، وقوله:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ).
7 -
كل أسلوب يفيد الوجوب في لغة العرب كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ).
8 -
ترتيب الذم والعقاب على الترك كقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ. . .).
* * *
المسألة الثالثة:
" الواجب " و " الفرض " غير مترادفين، ويوجد فرق بينهما.
ووجه الفرق: أن " الفرض " اسم لما ثبت حكمه عن دليل مقطوع به، كالآية والحديث المتواتر اللَّذَين قد قطع بدلالتهما على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلاً متواتراً.
أما " الواجب " فهو: اسم لما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والإجماع السكوتي، والقياس، وجميع دلالات الألفاظ الظنية.
ودل على التفريق: أنه يوجد فرق بينهما من حيث اللغة، فالفرض لغة: الحز في الشيء والتأثير فيه، والوجوب لغة: السقوط.
ولا شك أن ما يؤثر آكد من السقوط، فقد يسقط الشيء ولا يؤثر، وعليه: فإنه يجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم
كما اختص بقوة في اللغة، حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية، لأن الأصل عدم التغيير.
ولأن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام يجعلنا نخص كل نوع باسم، حيث إن حكم الفرض أنه يكفر جاحده بخلاف الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به، أما إذا تأول: فلا، وأن الحج يشتمل على فروض وواجبات، وأن الفرض لا يتم النسك إلا به، والواجب يجبر بدم، وأن الصلاة مشتملة - أيضاً - على فروض وواجبات، والفروض هي الأركان فإذا ترك ركناً كالركوع أو السجود فإن صلاته باطلة ولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا ترك واجباً من واجباتها فإنه يجبر بسجود السهو، وصلاته صحيحة، ولكنها ناقصة.
ولأن هناك فرقاً بينهما عن طريق العقل؛ حيث إن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة، والزكاة آكد من النذر في الصدقة وإن كانتا لازمتين، وعلى هذا: فإنه ينبغي أن يفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض لما هو آكد، والوجوب لما هو دونه فرقاً بين الاثنين.
* * *
المسألة الرابعة:
الواجب باعتبار ذاته - أي: بحسب الفعل المكلَّف به - ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب المعيَّن، وهو: ما طلبه الشارع طلباً جازماً بعينه دون تخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس، والصيام.
القسم الثاني: الواجب المخيَّر، وهو: ما طلبه الشارع طلباً جازماً لا بعينه، بل خير الشارع في فعله بين أفراده المعينة المحصورة، مثل: تخيير المكلف بين خصال كفارة اليمين، وتخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفدى وغير ذلك.
والخطاب في الواجب المعين قد تعلق بواحد معين.
والخطاب في الواجب المخير قد تعلق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها.
فالمكلف مخير في تحقيق الخطاب في أي فرد من الأفراد المعينة المخير بينها، وقلنا ذلك؛ لوقوعه شرعاً؛ حيث وقع التخيير بين واجبات في الشرع كما سبق في الأمثلة.
ولأن العقل لا يمنع من ذلك، فلو قال السيد لعبده أمرتك أن تشتري لحماً أو سمناً، لكان هذا قولاً معقولاً، فيكون الواجب على العبد أحد الأمرين، لا كلاهما، ولا واحد بعينه.
* * *
المسألة الخامسة:
شروط الواجب المخير:
الأول: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة للمخاطَب
ومحصورة ومعينة؛ حتى يحيط المكلف بها ويوازن بينها.
الشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المخيَّر بينها في الرتبة؛ فيخير بين واجب وواجب، ولا يجوز التخيير بين واجب ومندوب.
ْالشرط الثالث: أن لا يخيَّر بين شيئين متساويين تمام التساوي بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، كما لو خير بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن يصلي أربع ركعات، بل لا بد أن تكون الأشياء المخير بينها، تتميز بعضها عن بعض.
الشرط الرابع: أن يتعلق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه، وآخر لا يستطيعه.
* * *
المسألة السادسة:
الواجب باعتبار وقته الذي يقع فيه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب غير المؤقت وهو الواجب المطلق، وهو الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً ولم يحدد وقتاً لأدائه وإيقاعه فيه مثل: كفارة اليمين، والوفاء بالنذر، والحج عند بعض العلماء، وقضاء العبادات التي فاتت من غير تقصير عند بعض العلماء، فإن جميع ذلك تجب في جميع العمر، وليست نهايته معلومة للمكلف.
تنبيه: يتضيق الوقت في الواجب المطلق إذا غلب على ظن
المكلف عدم البقاء إلى آخر الوقت، فيجب - حينئذ - أن يفعل
ذلك الواجب قبل ذلك الوقت الذي غلب على ظنه عدم البقاء
إليه، وقلنا ذلك لأنه لا يمكن أن يؤخَّر الفعل مطلقاً، لأنه يلزم
منه: أن لا يكون واجباً، فلا بد من تأخير الفعل إلى زمن معين
لا يجوز التأخير عنه، ولا يمكن ذلك إلا إذا عين هذا الزمن
بعلامة أو أمارة، ولا يوجد معيِّن لذلك سوى أن يغلب على ظنه
عدم البقاء إلى آخر الوقت، وعلى ذلك فإن المكلف يعصي في
هذا بمجرد التأخير عن وقت يظن عدم بقاءه بعده.
تنبيه ثان: إذا لم يغلب على ظنه الموت في وقت محدَّد، ثم أخر فعله بدون عذر فمات فإنه يعصِ، لأن المكلف كان يمكنه المبادرة وفِعل الواجب أثناء حياته فلم يفعل، فالتمكن موجود، والوجوب محقَّق مع التمكن فيعصي.
القسم الثاني: الواجب المؤقت، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً، وحدَّد له وقتاً معيناً لأدائه وإيقاعه به، وهو شيئان:
الشيء الأول: الواجب المضيَّق، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً وحدَّد وقت أدائه بحيث يسعه ولا يسع غيره من جنسه، مثل: صيام يوم من رمضان، ومعروف أن اليوم يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده، ولا يتسع لفعل شيء آخر معه، ويمثل له الشافعية بوقت صلاة المغرب على القول الجديد.
الشيء الثاني: الواجب الموسع وهو: الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه طلباً جازماً وحدَّد وقت أدائه بحيث يسعه ويسع غيره من جنسه، مثل: صلاة الظهر؛ حيث إن الشارع قد ألزم المكلف بفعلها في وقت محدد يزيد عن وقت أدائها بحيث يمكن فعلها فيه عدة مرات، فيجوز - على هذا - للمكلف أن يصلي الظهر في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره.
* * *
المسألة السابعة:
الواجب الموسع ثابت عندنا؛ لعموم قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)، حيث إن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت المذكور من غير إشعار بالتخصيص ببعض أجزائه.
ولأن جبريل عليه السلام قد صلَّى بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوقت وآخره، وقال له - بعد ذلك -:" يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين ". وهذا يفيد تخيير المكلف في أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن الإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء الوقت للوجوب أولى من تعيين البعض الآخر.
وللقياس على الواجب المخير، فكما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير - كخصال كفارة اليمين -
فكذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة ولا فرق، بجامع: حصول المصلحة، وسقوط الفرض.
* * *
المسألة الثامنة:
لا يجوز ترك الفعل في أول الوقت في الواجب الموسع - إلا بشرط العزم على فعله في وسط أو آخر الوقت، فإذا جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذٍ تعيَّن فعله، لأن القائل، بجواز تأخير الفعل بدون بدل، وهو العزم يقال له:" لما لم يفعل المكلف الواجب في أول الوقت ما هي نيته؟ " فإما أن يقول: لا نية له، أو يقول: له نية.
فإن قال: لا نية له فهذا لا يصح؛ لأنه لا بد لكل عبادة من نية.
وإن قال: له نية، فنقول له: إما أن تكون نيته ترك فعله أو أن تكون نيته فعله فيما بعد.
فإن كان الأول - وهو كون نيته ترك فعله - فلا يصح، لأنه عزم على الترك، وهو معصية، وترك المعصية واجب.
فلم يبق إلا الثاني - وهو كون نيته عمله فيما بعد - وهو الصحيح، فيكون قد عزم على فعله، وهو المطلوب.
وللقياس على الواجب المخيَّر، فكما أنه لا يجوز للمكلَّف
ترك أي خصلة من خصال الواجب المخير إلا بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز ترك الفعل في الجزء الأول من الوقت - من الواجب الموسع - إلا بشرط النية - وهي العزم - على فعله في الجزء الأوسط، أو الأخير من الوقت.
* * *
المسألة التاسعة:
يتضيَّق الوقت في الواجب الموسع بطريقين:
الطريق الأول: بالانتهاء إلى آخر الوقت بحيث لا ينفصل زمانه عنه.
الطريق الثاني: بغلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت، فإنه مهما غلب ذلك على ظنه فإنه يجب عليه الفعل، كما لو كانت المرأة تعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت عليها، فيجب عليها الفعل قبل ذلك الوقت.
وبناء على ذلك: فإن المكلف يعصي إذا أخره عن ذلك الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يبقى إليه.
* * *
المسألة العاشرة:
إذا أخَّر المكلَّف الفعل في الواجب الموسع عن أول الوقت مع غلبة ظن السلامة إلى آخر الوقت، فمات فجأة أثناء الوقت الموسع، فإنه لم يمت عاصياً؛ لأن الواجب الموسع يجوز تركه
في أول الوقت ليعمله في آخر وقته المحدد، وقد جاز الترك مع عدم علمه بالعاقبة، فقد فعل ما له فعله فكيف يعصي؟
* * *
المسألة الحادية عشرة:
إذا فعل المكلف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه
لا يعيش إليه، فالفعل يكون أداء لا قضاء، لأن الفعل قد وقع في وقته المحدد له شرعاً، وهذه حقيقة الأداء.
ولأنه بانَ خطأ ظنه، ولا عبرة بالظن الذي بانَ خطؤه.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
الواجب بالنظر إلى تقديره وتحديده بحد معين ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب المحدَّد، وهو: الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً وقدره بمقدار معين وفضله وميَّزه عن غيره، مثل الصلوات الخمس، فقد حددت كل صلاة بركعات محددة، ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر لمن حدده، وغسل اليدين والرجلين ونحو ذلك.
فالمكلف - في هذا القسم - لا يفعل شيئاً زائداً على الفعل المحدد والمعين، وإذا توقف وجوده على شيء يكون ما توقف عليه واجباً؛ لأنه لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي قدَّره
الشارع، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فيكون واجباً.
القسم الثاني: الواجب غير المحدَّد، وهو: الذي لم يُحدده الشارع، ولم يقدره بقدر معين، مثل: الطمأنينة في الركوع والطمأنينة في السجود، ومدة القيام، ومدة القعود، وذلك في الصلاة، حيث وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود - مثلاً - ولكن لم يقدر الشارع مدة هذه الطمأنينة.
فالمكلف - هنا - يستطيع أن يزيد على أقل الواجب بحيث تكون هذه الزيادة لا تنفصل عن حقيقة الواجب، مثل: الزيادة، في الطمأنينة في الركوع والسجود، والزيادة في مدة القيام وفي مدة القعود.
وهذه الزيادة مندوبة، لأن الواجب لا يجوز تركه إلا بشرط البدل، وهو: العزم على الفعل في آخر الفعل في الواجب الموسع، أو فعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخيَّر، وهذه الزيادة في الطمأنينة - مثلاً - على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرط ولا بدل، وهذا هو حدُّ الندب، فتكون الزيادة مندوبة.
* * *
المسألة الثالثة عشرة: ْ
الواجب باعتبار فاعله والمخاطبين به ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب العيني، وهو: ما يتحتَم أداؤه على
مكلف بعينه، أو هو: ما طلب حصوله من عين كل واحد من المكلفين كالصلاة والصيام.
وسُمِّي بذلك؛ لأن الفعل الذي تعلق به الإيجاب منسوب
إلى العين والذات، باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة، فيلزم الإتيان به من كل واحد بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته إلا بفعله.
القسم الثاني: الواجب الكفائي، وهو: ما يتحتَّم أداؤه على جماعة من المكلَّفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدِّي الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين، مثل: الجهاد في سبيل الله إن لم يكن النفير عاماً، والصلاة على الميت، وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، وإنقاذ الغرقى، وسُمِّي بذلك؛ لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من حيث إن فعله من أي فاعل أسقط طلبه عن الآخرين، وإذا لم يؤدِّه أحد فإن الإثم يلحق جميع المكلفين.
والقصد من الفعل الكفائي هو: وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة بقطع النظر عمَّن يقع منه.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
فرض العين أفضل من فرض الكفاية.
لأن فرض العين مفروض حقاً للنفس، فهو أهم عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية فإنه مفروض حقاً للكافة، ولأمر إذ عمَّ خفَّ، وإذ خُصَّ ثقل، قال بعض العلماء: إن من عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصوده الحق فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة، واشتغل في
تحصيل الثياب ونسجها قصداً لستر العورات، والأمثلة كثيرة في هذه الأزمنة الأخيرة، يتركون الواجبات العينية عليهم، ويفعلون الواجب الكفائي، أو المندوبات، ومنهم من ترك وظيفته وعمله الرسمي للنصح في المساجد، أو للاعتكاف في المسجد الحرام، أو نحو ذلك.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه إلا في حالتين:
الحالة الأولى: الجهاد في سبيل الله، لأنه إذا شرع في الجهاد ثم ترك الصف ففي ذلك كسر لقلوب الجند، وعدم حثهم على القتال.
الحالة الثانية: الصلاة على الجنازة، لأن الانسحاب من ذلك فيه هتك لحرمة الميت، كمن قام من مجلس مسلم بدون إذنه.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
المخاطب بفرض الكفاية هو: جميع المكلفين، وفعل بعضهم هذا الواجب مسقط للطلب من الباقين، لأنه لو لم يقم به أحد لترتب على ذلك: أن الجميع يأثمون - كما قلنا فيما سبق - فتأثيم الجميع موجب لتكليفهم جميعاً، لأنه لا يمكن أن يؤاخذ المكلف على شيء لم يكلف به، فدل على أن وجوبه على الجميع.
المسألة السابعة عشرة:
ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقاً، أي: سواء كان سبباً شرعياً مثل: الصيغة للعتق الواجب، أو سبباً عقلياً مثل: النظر المحصل للعلم الواجب، أو سبباً عادياً كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل، أو شرطاً شرعياً كالوضوء للصلاة، أو شرطاً عقلياً كترك أضداد المأمور به، أو شرطاً عادياً كغسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق غسل كل الوجه.
وقلنا ذلك لأن الواقع يشهد له، حيث إن السيد لو قال لعبده:" أعطني ماء " ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا يمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو، فيلزمه - حينئذٍ - إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك ليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه - مع القدرة عليه - وإلا لاستحق العقوبة من السيد، فوجب عليه إحضار السبب وهو: الرشاء والدلو، حيث إنه بهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء، لأنه لا يمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا، فينتج: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.