الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهل زيغ، ولا يذم إلا على تأويل الصفات كما أجمع على ذلك السلف رحمهم الله، فلو كان المقصود بالمتشابه غير ذلك لما ذم الله المبتغين لتأويله.
* * *
المسألة الثامنة:
المتشابه لا يمكن إدراك المراد منه ولا يعلم تأويله إلا الله تعالى
، دلت على ذلك الآية السابقة؛ حيث إن الوقف الصحيح على قوله تعالى:(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، والواو في قوله:(وَالرَّاسِخُونَ) للابتداء، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله تعالى، وقد دل على ذلك لفظ الآية ومعناها.
أما الدليل من لفظ الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: " إلا الله "، فهو: أن الله تعالى لو أراد عطف الراسخين على لفظ الجلالة، وهو الله سبحانه وتعالى، لقال:" ويقولون آمنا به " بزيادة " الواو "؛ حيث إن جملة: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) تكون جملة واحدة، ولفظ " يقولون " مستأنفة، فكان لا بدَّ من " الواو " ولكنه سبحانه لم يقل:" ويقولون "، بل قال:" يقولون " مما يدل على أن عبارة " يقولون آمنا به " مرتبطة بما قبلها، وليس لها إلا أن تكون خبر عن مبتدأ وهو قوله:" والراسخون " فينتج من ذلك أن " الواو " في قوله: " والراسخون "، للابتداء، وما قبل ذلك يكون نهاية جملة مفيدة وهو قوله:(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).
أما الدليل من معنى الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: " إلا الله " فمن وجوه:
الوجه الأول: أن لفظة " أما " تأتي في اللغة لتفصيل الجمل، فلا بد أن يكون في سياقها قسمان، وهكذا ورد في الآية السابقة، حيث قال تعالى:(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، فهذا القسم الأول، وهناك قسم آخر يخالف هذا القسم، تقديره، وأما غيرهم فيؤمنون بالمتشابه، ويفوضون معناه إلى الله تعالى، فيكون عندنا قسمان:
- قسم ذمَّهم الله، وهم الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب.
- وقسم مدحهم الله، وهم الذين آمنوا بالمتشابه، وفوضوا معرفته إلى الله تعالى، وهذا كله يدل على أن الوقف على قوله:" إلا الله ".
الوجه الثاني: أن الله تعالى ذكر أن الراسخين في العلم يقولون: " آمنا به "، ولم يقولوا:" علمنا به "، والإيمان غير العلم؛ حيث إن معنى الإيمان، التصديق، فهذا يدل على أنهم فوَّضوا علم المتشابه إلى الله تعالى، وبينوا أن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فهذا يدل على أن الراسخين في العلم لم يدركوا معنى المتشابه.
الوجه الثالث: أن الله تعالى وصف الذين يبتغون تأويل المتشابه بأنهم أهل زيغ، وهذا ذم لهم، ولو كان تأويل المتشابه معلوماً للراسخين في العلم - لكان مبتغي تأويله ممدوحاً غير مذموم، فلما ذم الله تعالى مبتغي التأويل عرفنا أن سبب هذا الذم هو: أنه يزاحم الله فيما استأثر بعلمه، فينتج من ذلك: أن الله هو المتفرد بعلم المتشابه لا يشاركه فيه أحد، فيكون الوقف الصحيح