الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث
في الاشتراك
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعاً أولاً كلفظ العين تطلق على الجارية، والباصرة، والذهب، والشمس. والقرء: يطلق على الحيض والطهر.
* * *
المسألة الثانية:
المشترك ممكن وواقع في اللغة: لقيام الدليل على إمكانه وجوازه، وقيام الدليل على وقوعه.
أما الدليل على إمكانه وجوازه: فهو أن المشترك يمكن أن يقع من واضعين: بأن وضع أحدهما لفظاً لمعنى، ثم وضع آخر ذلك اللفظ لمعنى آخر، كلفظ العين - يمكن أن يكون أحدهما وضعه للجارية، والآخر وضعه للباصرة، ثم اشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادة ذينك المعنيين.
ويمكن أن يقع من واضع واحد لغرض الإبهام.
أما الدليل على وقوعه فهو: أن " القرء " يطلق على " الطهر " و " الحيض "، فهو إما أن يكون متواطئاً أو يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، أو يكون مشتركاً.
أما الأول: وهو: كونه متواطئاً - فهو باطل؛ لأن شرط التواطؤ: اتحاد المعنى، وهاهنا ليس كذلك.
أما الثاني: وهو كونه حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر - فهو باطل أيضاً، لأنه لو كان كذلك لتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن، ولكن الحق: أن الذهن - عند سماع هذا اللفظ مجرداً عن القرينة - يتردد بين " الطهر " و " الحيض "، فلم يبق إلا الثالث، وهو أنه مشترك بين هذين المعنيين، والتردد علامة الاشتراك.
والمشترك واقع في القرآن مثل: " القرء " و " عسعس " و " الصريم "، وواقع في السنة مثل " الشفق " الوارد في الحديث وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام العشاء حين غاب الشفق.
* * *
المسألة الثالثة:
يصح استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه في وقت واحد إذا أمكن الجمع بينها؛ لوقوعه؛ حيث قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، فالصلاة من الله تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة الاستغفار، وهما معنيان متغايران، واستعمل لفظة " الصلاة " فيهما دفعة واحدة؛ حيث وقع الإخبار به، فدل ذلك على صحة استعمال المشترك في كل
معانيه في وقت واحد، والوقوع دليل الجواز.
ولأن كل عاقل يصح أن يقصد بقوله: " لا تنكح ما نكح أبوك " نهيه عن العقد وعن الوطء جميعاً من غيرِ تكرار اللفظ، ولا ينكر هذا إلا معاند، فثبت ما قلناه، وهو: أنه يصح أن يراد باللفظ المشترك جميع معانيه.
وبناء على ذلك: فإنه لا يقع طلاق المكره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " حيث إنا نحمل لفظ " إغلاق " على معنيين، وهما:" الجنون " و " الإكراه ".
وبناء على ذلك أيضاً يُخير أولياء الدم بين القصاص والدية في القتل العمد العدوان؛ حملاً لكلمة: " سلطانا " في قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) على معنييها وهما: القصاص والدية.
* * *
المسألة الرابعة:
أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته:
القسم الأول: اللفظ المشترك بين مسميات متضادة لا يمكن الجمع بينها ولا الحمل عليها، كالقرء مشترك بين " الطهر " و " الحيض " وهما متضادان، والشفق مشترك بين البياض والحمرة وهما متضادان.
القسم الثاني: اللفظ المشترك بين مسميات مختلفة لا صلة لأحدها بالآخر كالعين، فإنها تطلق على معان كثيرة ومختلفة حقيقة. فتطلق على العين الباصرة، وعين الإراء، أو الشمس، والذهب، فهذه المعاني لا يوجد صلة بين بعضها والبعض الآخر.
القسم الثالث: اللفظ المشترك بين مسميات متناقضة مثل " إلى " على رأي القائل: إنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه.
القسم الرابع: اللفظ المشترك بين الشيء ووصفه مثل لفظ: " تأبَّط شرّا ".
القسم الخامس: اللفظ المشترك بين الفاعل والمفعول، مثل لفظ:" المختار "، يقال لمن اختار ثوباً إنه مختار، ويقال للثوب إنه مختار.
القسم السادس: الاشتراك في التركيب مثل قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك بين الزوج، والولي.
القسم السابع: الاشتراك في الحرف مثل: " الواو " تكون للقسم، وللعطف، وللابتداء، أو حرف " من " تكون للتبعيض، وبيان الجنس، وحرف " الباء " تكون للاستعانة والسببية.
* * *
المسألة الخامسة:
الاشتراك خلاف الأصل: لأن الأصل في اللسان العربي: أن يكون لكل لفظ معنى واحد فقط، أما أن يكون للفظ الواحد أكثر من معنى، وهو: المشترك فهو خلاف الأصل.
فالاشتراك مرجوح عند السامع، واللفظ الذي له معنى واحد راجح.
وعلى هذا: فإنه إذا دار اللفظ بين كونه مفرداً، وكونه مشتركاً حمل على الانفراد، دون الاشتراك.
ودل على أن اللفظ الذي له معنى واحد راجح: الاستقراء والتتبع للألفاظ العربية؛ حيث أثبت ذلك الاستقراء أن أكثر ألفاظ اللغة العربية ألفاظ منفردة ليس لها إلا معنى واحد، والكثرة تفيد الظن والرجحان، فيكون اللفظ المنفرد بمعنى واحد أكثر وجوداً من اللفظ الدال على معنيين فأكثر - وهو: المشترك - فيكون مرجوحاً؛ نظراً لقلته.
ولأن الاشتراك يؤدي إلى مفسدة ترجع إلى السامع، وهي: أن السامع قد لا يفهم المعنى المراد؛ لعدم القرينة الدالة عليه، ولا يستفسر من المتكلم، نظراً لهيبة المتكلم، أو لمانع منع السامع من الاستفسار، أو لضيق وقته، فيفهم السامع ذلك اللفظ فهماً غير صحيح، ثم يحكيه لغيره، وهكذا، وفي ذلك إفشاء للجهل وفساد كبير.