الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الرابع
العزيمة والرخصة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
العزيمة هي: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح.
والرخصة هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
فمثلاً: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، هو عزيمة، لكن إن وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم وهو قوله تعالى:(فَمَنِ اضطُرَّ فِى مَخمصَةٍ)، وهو راجح على دليل التحريم الذي هو قوله تعالى:(حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها مقدَمة على مفسدة الميتة وما فيها من الخبث.
المسألة الثانية:
العزيمة والرخصة من الحكم الوضعي؛ لأن اعتبار كل من السفر والمرض، والضرورة، والحاجة، أو غيرها أسباباً للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك لو فكرنا فيه لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع وجعل، فتكون حقيقة الحكم الوضعي متحققة فيه، فكانت من الحكم الوضعي.
* * *
المسألة الثالثة:
العزيمة أفضل من الرخصة؛ لأن العزيمة هي الأصل المقطوع به الذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو: المشقة، لأن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال.
* * *
المسألة الرابعة:
تنقسم الرخصة من حيث الحكم إلى أقسام هي:
القسم الأول: رخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر لمن غصَّ بلُقمة وخشي على نفسه الهلاك، والتيمم للمريض.
القسم الثاني: رخصة مندوبة كقصر الصلاة الرباعية
للمسافر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، والإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر.
القسم الثالث: رخصة مباحة كالعرايا - وهو: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصاً -، والإجارة وهي: تمليك المنافع بعوض، والتلفظ بكلمة الكفر لمن أُكره على ذلك، لكن لو امتنع عن ذلك وصبر لكان آخذاً بالعزيمة وهو أفضل.
القسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، كالإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، وقلنا ذلك، لقوله تعالى:(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، وكذلك المسح على الخفين.
القسم الخامس: رخصة مكروهة كالسفر للترخص فقط.
خاتمة
في الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي
بعد أن تكلمنا عن الحكم التكليفي وأنواعه، والحكم الوضعي وأنواعه، أحببت أن أختم ذلك بذكر أهم الفروق بين الحُكمين، لئلا يلتبس أحدهما بالآخر عند بعض طلاب العلم، فأقول: إن بينهما فروقاً هي:
الأول: إن الخطاب في الحكم الوضعي خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين أمرين بحيث يكون أحدهما سبباً للآخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه.
أما الخطاب في الحكم التكليفي: فإنه خطاب طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فيكون خطاب التكليف هو: طلب أداء ما تقرَّر بالأسباب والشروط.
الثاني: أن الحكم التكليفي يشترط فيه قدرة المكلف على فعل الشيء المكلف به.
أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدوراً للمكلف كالسرقة، وصيغ العقود الشرعية ونحوها، وقد يكون غير مقدور للمكلف كدلوك الشمس الذي هو سبب لوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة.
الثالث: أن الحكم التكليفي يتعلق بالكسب والمباشرة للفعل من الشخص نفسه، فإن عمل شيئاً يوافق أمر الشارع يؤجر عليه، وإذا عمل شيئاً مخالفاً لأمر الله فإنه يأثم.
بخلاف الحكم الوضعي فقد يعاقب أشخاصاً بفعل غيرهم، ولهذا وجبت الدية على العاقلة.
الرابع: أنه يشترط في الحكم التكليفي أن يكون معلوماً للمكلف، وأن يعلم أن هذا التكليف به صادر من الله تعالى.
بخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك، ولذلك يرث الإنسان بدون علمه، وتحل المرأة بعقد أبيها عليها، وتحرم بطلاق زوجها لها وإن كانت لا تعلم، ويضمن النائم، والناسي والساهي ما أتلفوه وإن كانوا لا يعلمون.
الخامس: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلَّف الذي توافرت فيه شروط التكليف وهو: البلوغ، والعقل، والفهم.
بخلاف الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالمكلف وغير المكلف، لذلك تجد الزكاة وجبت في أموال الصبي والمجنون، ويضمن النائم والناسي والغافل والسكران ونحوهم ما يتلفون.