الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شبهة خالية من كل انحراف أو ضلال، وبفضل الله عز وجل الأجيال اللاحقة تتواصل مع الأجيال السابقة على نفس الدرب، درب الدفاع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن -كما قلت- ستظل السنة محطًّا للأنظار وللإشكالات من الأعداء؛ لأنها الهدف الأول أو هي خط الدفاع الأول عن الإسلام وأهله، وعن القرآن الكريم، إذا جاز لنا أن نستعير بعض التعبيرات العسكرية أو غيرها السائدة الآن.
تعريف الشبهة لغة واصطلاحًا، وبعض استعمالات القرآن والسنة لها
ما هي الشبهة؟ ما هو مفهومها؟ ابن منظور -رحمه الله تعالى- في مادة شبَهَ يقول المشبهات من الأمور هي المشكلات، والمُتَشَابهات هي المتماثلات، يذكر لنا معنيين يدوران حول مادة شبه: الأول وهي كلمة تسوية وتمثيل، هذا شبه فلان يعني مثله، فهما متشابهان ومتساويان تمامًا، والأخرى تعني المشكلات، هذا الأمر مشتبه أو مشبه عليّ يعني فيه مشكلة في فهمه.
يواصل ابن منظور كلامه ويقول: والفتنة إذا أقبلت شبَّهت على القوم، وأرتهم أنهم على الحق، حتى يدخلوا فيه ويركبوا متنها، يركبوا متن الفتنة، ومعناها يفعلون ما لا يحل، وإذا أدبرت وانقضت بان أمرها؛ فعلم من دخل فيها أنه كان على الخطأ. إذًا الفتنة نوع من التلبيس شبَّهت على القوم وزينت لهم أنهم على الحق، فإذا دخلوا فيها وانحرفوا ووقعوا في أخطاء كثيرة بعد أن تنقشع هذه الفتنة يكتشفون أنهم كانوا على خطأ، لكن لاتَ ساعة مندم.
وشبه عليه الأمر أي: خَلّط عليه حتى التبس بغيره، والشبهة هي الالتباس،
وأمور مشتبهة ومشبّهة مشكلة، أو يشبه بعضها بعضًا، يعني: المعنيان معًا. وتقول: شبّهت علي يا فلان، تقول هذه العبارة إذا خلّط عليك بين الأمر صواب أو خطأ، وما إلى ذلك.
هذه بعض المعاني التي دار حولها ابن منظور في (لسان العرب)، وكما قلت: اخترنا من بينها معنيين: المعنى التماثل والتشابه، ومعنى الالتباس والخلط.
في معجم (مقاييس اللغة) لابن فارس -رحمه الله تعالى- في نفس المادة يقول رحمه الله: "الشين والباء والهاء" أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال: شِبْهٌ وشَبَه وشَبِيه. هذه يماثله: معنى المماثلة يعني، والشبه من الجواهر هو الذي يشبه الذهب، والمشبّهات من الأمور: المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا.
إذن، نفس القضية يدور حولها ابن فارس: معنى التشابه بمعنى التماثل بمعنى الاختلاط أو الالتباس والإشكال.
في (المعجم الوسيط) في مادة شبه أيضًا يقول: شبَّه عليه الأمر أبهمه، حتى اشتبه بغيره، وشُبّه عليه الأمر لُبّس، وفي التنزيل العزيز في القرآن الكريم:{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء: 157)، وكأنه يشبه أو يفسّر {شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء: 157) في الآية بمعنى اختلط عليهم وسنتعرض للآية بعد قليل. واشتبه عليه الأمر: اختلط، وفي المسألة: شكَّ في صحتها، يعني: اشتبه عليه الأمر: اختلط عليه الأمر، واشتبهت عليه المسألة أي: شك في صحتها، والشبهة الالتباس.
إذن، دارت مادة شبه في اللغة حول معنى المماثلة، هذا يشبه ذاك يعني يماثله في وجوه الشبه المختارة، وأيضًا فيها معنى الالتباس والاختلاط والإشكال في الفهم، أو ما شاكل ذلك.
وفي الشرع: ما التبس أمره، فلا يدرى أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل.
تعريف الشُّبه: ما التبس الأمر فيه، فلا ندري وجه الصواب فيه من الخطأ ووجه الحل من الحرمة.
الشُّبهة تُجمع على شُبه.
إذن، نخلص من هذه المناقشة اللغوية إلى أن مادة شبه لها معاني كثيرة من بينها معنيان وقفنا عندهما: معنى المشابهة والمماثلة، ولذلك عندنا التشبيه في البلاغة تشبيه شيء بشيء يجتمع معه في بعض وجوه الشبه أو أكثرها إلى آخره.
معنى الإشكال والالتباس والخلط أي: الذي في فهمه مشكلة؛ لا نميّز هل هو حق أو هو باطل
…
إلى آخره.
إذا انتهينا إلى تعريف الشبهة في الشرع: ما التبس أمره، فلا يُدرى من باب الحلال هو أم من باب الحرام، وحق هو أم باطل، صوابٌ هو أم خطأ إلى آخر المتقابلات التي يمكن أن نتكلم فيها.
بعض استعمالات القرآن الكريم لمادة التشابه، وهي وردت في مجموعة من الآيات: وردت في سورة البقرة: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} (البقرة: 25)، أظن {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} (البقرة: 25) يعني: متماثلًا، يعني هم في الجنة ينعمون بنعيمها وبثمراتها، وهم في أماكنهم كلما تمنوا فاكهة جاءتهم، وجاءتهم أيضًا مثلها مما يشابهها مع أنه يختلف عنها.
في سورة البقرة أيضًا في قصة البقرة، حين دعا سيدنا موسى عليه السلام قومه إلى أن يذبحوا بقرة امتثالًا لأمر الله في حوار طويل:{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} (البقرة: 70) الاشتباه هنا بمعنى
الاختلاط أو الالتباس؛ أي: لا ندري ما البقرة المراد ذبحها. هذا من المعنى الثاني الذي نحن بصدده.
في سورة البقرة أيضًا: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (البقرة: 118) معناها: تشابهت قلوبهم مع قلوب الذين كانوا قبلهم، فقالوا قولًا واحدًا، تشابهوا في العمى والضلال والتكذيب للأنبياء والبعد عن الحق.
هذا هو وجه الشبه الذي جمع بين الأولين والآخرين في موقفهم من رسل الله، ومن رسالات الله التي جاء بها هؤلاء الرسل إلى أقوامهم؛ ليخرجوهم من الظلمات إلى النور.
في سورة آل عمران: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (آل عمران: 7) إلى آخر الآية، الله عز وجل أنزل الكتاب الكريم منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فمن كان في قلبه ضلال وزيغ فيتتبَّع المتشابه؛ يفسره على هواه ابتغاء الفتنة، ومن كان في قلبه إيمان ردَّ المتشابه منه إلى المحكم.
المتشابه في القرآن الكريم له تفسيرات متعدّدة: الذي لا يعلم تأويله إلا الله هذا معنى اختاره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الفتح) في كتاب التفسير، كما سنشير الآن إلى بعض الأحاديث الواردة في السنة، هل هو المتشابه الذي يحمل وجوهًا متعددة من الفهم، أو من التأويل، أو التفسير؟ هل هو المتشابه الذي قد تَعِيَ بعض العقول عن فهمه؟
كل ذلك وارد لكن اختار ابن حجر أن المعنى المقصود: هو أنه لا يعلم تأويله إلا الله، كما ذكرت الآية التي معنا في سورة آل عمران، إذًا الاشتباه هنا أي: اختبار وامتحان للأمة في تفويضها أمر هذه الآيات إلى الله تبارك وتعالى.
أيضًا في سورة النساء: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء: 157) وهي تحتمل الوجهين في الحقيقة، تحتمل أن يقال شُبّه أي: اختلط عليهم لم يميزوه؛ لأن القصة بإيجاز أن الله ألقى الشبه على بعض تلاميذ سيدنا عيسى عليه السلام فقتلوه بدلًا من سيدنا عيسى، هم لم يقتلوا سيدنا عيسى أبدًا كما قال القرآن الكريم:{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء: 157) فيا ترى، شبه لهم يعني التبس عليهم بغيره، أم بمعنى أن الله ألقى شبهه -أي مثله- على أحد تلاميذه فقتلوه، الآية تحتمل هذا وذاك، ولا بأس من إرادة المعنيين معًا، ما دام السياق يحتمل ذلك.
في الأنعام: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} (الأنعام: 99) وفي الآية 141: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} (الأنعام: 141) الآيتان معًا بمعنى التماثل يعني هذا يشابه هذا ويماثله في كل عناصر الشبه من الحلاوة والجمال إلى آخره.
في سورة الزمر: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} (الزمر: 23) أي: الله نزّل أحسن الحديث أي: القرآن الكريم كتابًا متشابهًا، هنا بمعنى التماثل أيضًا والتشابه، أي: يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والبلاغة والتناسب، بدون تعارض وبدون تناقض أبدًا، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} .
هذه هي الآيات في حدود البحث التي وردت فيها كلمة الشبه أو مادة الشبه، وكلها أو معظمها دارت حول معنى التماثل، وقليلٌ منها دار حول معنى الالتباس.
جاءت مادة شبه أيضًا في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة أيضًا بالمعنيين، من ذلك ما رواه البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:((تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران: 7) إلى آخر الآية، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تلاها: إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم)).
وهذا الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير، باب منه آيات محكمات.
هؤلاء الذين يتتبَّعون المتشابه من القرآن الكريم يريدون أن يناقضوا القرآن ببعضه، يحاولون أن يبينوا أن بعض القرآن وبعضه اعتراضًا أو تضادًا، أو ما شاكل ذلك. هؤلاء في قلوبهم زيغ، والنبي صلى الله عليه وسلم:((هؤلاء الذين سمى الله)) أي: في قلوبهم زيغ وبُعد عن الحق، واستجابة للهوى وللشيطان، هؤلاء علينا أن نحذرهم، وأن نبتعد عنهم، وألا نكون منهم أبدًا بإذن الله تبارك وتعالى.
أيضًا في حديث النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنهما- وهو الحديث المشهور: ((الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) إلى آخره. هنا كلمة ((المشتبهات)) هذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان باب: فضل من استبرأ لدينه وعرضه، وفي كتاب البيوع في باب الحلال بيّن والحرام بيّن، ورواه الإمام مسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
أعتقد هذا نقلًا حتى عن الكتب: أن المشتبهات في الحديث معناها أنها ليست بوضاحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثيرٌ من الناس ولا يعرفون حكمها، النبي عليه الصلاة والسلام قال:((لا يعلمهن كثير من الناس)) لكن العلماء يعرفون حكمها بنصّ أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك.
من المهم جدًّا أن نفهم الحديث- يعني: ليس في الإسلام ولا في تشريع الله شيء مشتبه لا نفهمه؛ إنما قد يَعِيَ فهمه على غير أهل الاختصاص، وهذا شيء طبيعي، ووجود طائفة من الأمة متخصصة في دراسة العلوم الشرعية هذا الأمر مطلب شرعي، ثابتٌ بالقرآن والسنة، ثابت في قول الله تبارك وتعالى:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122) فهذه الآية طلبت من المؤمنين أن يعملوا على توفّر طائفة متخصّصة في العلوم الشرعية؛ ليرجع الناس إليهم حين يشتبه عليهم أمر من الأمور التي تخصّ أمر دينهم، أو دنياهم.
إذن، لا يؤخذ من الحديث أن في الإسلام مشكلات أو مشتبهات لكن يرجع فيها إلى أهل الاختصاص، والحديث قال:((لا يعلمهنّ كثير من الناس)) إذن هناك قلة تعلمه، أو هناك مجموعة قد تكون أيضًا كثيرة مثل السابقة، لكنهم أهل العلم المتخصصون يعرفون حكمها كما قلت، ويردُّونها إلى قواعدها الشرعية كأن تدخل تحت نص، أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك.
إذن الأمور التي تتردد بين الحل والحرمة ولم يكن فيها نصّ ولا إجماع، يجتهد المجتهدون الذين يملكون أهل الاجتهاد الحق يُلحقونها بالدليل الشرعي سواء هذا الدليل يفيد الحل أو يفيد الحرمة، وقد يكون هذا الدليل غير خالٍ من الاحتمال، فلا يقطع بسلامة وجهة نظره، وقد يكون الورع ترك هذا الشيء، وبذلك يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)).
المقصود من هذا النقاش أن كلمة المشتبهات استعملت في الأحاديث بمعنى الشيء المشكل الذي يصعب فهمه على بعض الناس، وعليهم أن يرجعوا إلى أهل الاختصاص في ذلك.