الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تخلَّص منه ولم يُعَقِّبْ، ولم يُرِد أن يجعلها فتنةً للناس، إنما انتهى الأمر عند هذا الحد.
الرد على ما أثير حول حديث السحر من شبهات
الشُّبَه التي أثاروها:
الشبهة الأولى -ولعلها أخطر شبهة-:
هذا الحديث يَحُطُّ من منصب النبوة ويشكك فيه؛ وطبعًا كل ما يؤدي إلى ذلك فهو باطل. ومن ثَمَّ فمن وجهة نظرهم كل ما أدى إلى هذا فهو باطل، والحديث على ذلك باطل، هكذا يزعمون.
نقول: كأنهم يريدون أن يقولوا تجويز الحديث يؤدي إلى القدح في النبوة، وقد يؤدي إلى عدم الثقة بالشرع؛ ولذلك أنكروا هذه الرواية، وكما قلت: هذه أخطر شبهة يثيرونها حول هذا الحديث.
أولًا: في بداية الرد على هذه الشبهة نقول:
إن الإجماع قد انعقد على وجوب عصمة الأنبياء مما يُخِلّ بالتلبيغ، يعني: الأنبياء معصومون مِنْ أن يتعرضوا لشيء يؤثِّر على تبليغهم لدعوتهم ولمنهجهم الذي جاءوا به من عند الله عز وجل وأيضًا معصومون من المعاصي، ومعصومون من كل ما لا يليق بمقام النبوة، يجوز في حقهم ما يجوز على البشر من: الأكل، والشرب، والنكاح، والزواج، وكل العوارض البشرية التي يتعرض لها البشر،
مما لا يؤدي إلى نقص في مراتبهم السامية: كالمرض، وأيضًا الإغماء، أغمي على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الأخير كما ثبت في (الصحيح)، بخلاف المرض الذي فيه نقص: كالجنون، والجُذام، والبرص مثلًا، الذي يصرف القلوب عن متابعة الأنبياء، كل ذلك هم معصومون منه.
فبالجملة: كل ما يؤدي إلى الانتقاص من مقام النبوة ومن أشخاص أصحابها، الأنبياء جميعًا والنبي صلى الله عليه وسلم على رأسهم معصومون منه؛ إذن هذه قضية لا جدال فيها، وأيضًا معصومون من كل عوارض بشرية تؤدي إلى نقص في مكانتهم أو منزلتهم أو تؤثر على تبليغهم، مثل: المرض الشديد الذي يصرف القلوب، أو الأمراض المعدية، أو ما شاكل ذلك.
أما سائر العوارض البشرية فتسرِي عليهم، ولقد تعجب الكفار فقالوا:{مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} (الفرقان: 7) وكأنهم يريدون أن يأتي ملك من جنس آخر غير الجنس الذي يأتي البشر، مع أنه من المنطق جدًّا حين يأتي الرسول إلى بشر أن يكون بشرًا مثلهم، وأن يخاطبهم بلسانهم حتى يفهموه ويستوعبوا عنه:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} (إبراهيم: 4).
ومن العجيب في البيئة العربية القديمة أنهم في الوقت الذي استكثروا واستثقلوا أن يكون فيه الرسول بشرًا قَبِلوا أن يكون فيه الإله حجرًا -والعياذ بالله- مما يدل على خلل العقول، وأن الأمر إذا أوكل إلى العقول بدون عصمة الوحي فإن العقول تضل وتتيه في بيداء الظلمات ولا تهتدي إلى معرفة الحق والصواب.
هذا التخيل المذكور ما الذي أثر في النبي صلى الله عليه وسلم في السحر؟ الذي يرد على هذا كل الروايات، حتى الروايات المطلقة تحمل على الروايات المقيدة، وهذا فن حديثيّ معروف عند أهل الصنعة، خلاصته: أن النبي صلى الله عليه وسلم كل الأثر الذي تعرّض له هو أنه كان يُخَيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، كله أثر السحر.
هل نُقِل عن الرسول قول أو فعل أثناء إصابته بالسحر يُفهَم منه خلل في التبليغ، أو في الأحكام، أو في النقل، أو في آيات القرآن، أو ما شاكل ذلك؟ نحن نتحدى هاتوا لنا موقفًا واحدًا أثناء مرضه بالسحر، حتى العلماء حددوا التاريخ، قالوا: كان بعد عودته من الحديبية، في أواخر سنة ستة هجرية وأوائل سنة سبعة، وحددوا المكان الذي كان فيه السحر، كل ذلك وارد بالأدلة. يعني: لم يَخْفَ شيء، ليس هناك ما نخفيه ولا ما نستره، لا تأثيرَ للسحر أبدًا على القدرات التفكيرية أو ما شاكل ذلك، أو الوحي الذي جاءه. ونتحدى أن يأتي أحد -هذا الذي كان يخيفنا- أو يقال: قولكم بالسحر قد أثَّرَ على النبوة، ونتحدى أن يأتي موقف واحد يبين أنه أثَّرَ على ما يخص التبليغ، وما يخص الدعوة، وما يخص مهامّ النبوة بأيّ صورة من الصور. ((يُخَيَّل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله))، هذه رواية مطلقة فُسِّرت في روايات متعددة كلها في (الصحيح) بأنه يُخَيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن.
وأثَر السحر يبدو في المقام الأول في قضية المعاشرة الزوجية، هل سمعنا عن رجل اختل عقله بسبب ذلك؟ هل سمعنا عن رجل ظهرت عليه علامات الجنون أو الخبل؟ لم نسمع أن رجلًا من الناس بسبب ذلك تعرض لشيء يتعلق بفكره، بعقله، بقدراته البشرية، أو البدنية، أو كذا
…
نحن قلنا: إن الساحر لا يستطيع تغيير حقائق الأشياء، هو لا يسلب الرجل القدرة ثم يعيدها إليه، كل الذي يحدث إنما هو أثر في نفس المسحور، فيتخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، لكن القدرات لم تمس، لا القدرات العقلية، ولا القدرات البدنية، وحتى غير الأنبياء أمامنا دليل، ونحن نتحدى في هذا، حتى في حياة البشر العاديين أن يأتوا بحادثة واحدة يقولون: إن مَنْ مُنِعَ النساء بالسحر
…
وهذا هو الميدان الذي يعمل فيه السحرة، وأعتقد أنه لا مكان لهم وغيرهم، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله تبارك وتعالى.
نحن نبالغ في قدرات الساحر، وبالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم كل الذي حدث أنه كان يُخيَّل إليه أن يأتي النساء ولا يأتيهن، ما دليلنا على ذلك؟ الروايات، ودليلنا على ذلك الأوضح والأقوى أن يأتوا بحادثة واحدة يقولون فيها: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثَّر السحر عليه فيما يتعلق بالقدرات التفكيرية. إذن هو عارض بشري مما يعرض للبشر ولا يخل بمكانته ولا بمنزلته.
ثم لا يتصورَنَّ أحدٌ أن هذا الأمر معارض لعصمته صلى الله عليه وسلم نحن تعرضنا لهذا قبل ذلك ونُذَكِّرُ به، كثيرٌ من الناس يقول: إن الله قد عصمه: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: 67) وتعرُّضه للسحر يعارض هذه الآية ويتناقض معها، وبالطبع حين يصِلون إلى هذه النتيجة فهم يردُّون الحديث، القرآن هو ما تعهد الله بحفظه، هكذا يقولون، ويُزيَّن لهم ذلك بالشبهات التي يثيرونها.
{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: 67) لا تعني أبدًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعرض لمحاولات الإيذاء، لم يقل أحد من الأمة بذلك، بل قلنا: إن تعرضه للإيذاء هو دليل على العصمة. كيف ذلك؟ يعني: الذين يؤذونه يحاولون لكنهم لا ينجحون، لا ينالون ما يريدون، لا يحققون ما يهدفون إليه، إنما يتعرضونه، يحاولون ويُرَدّ كيدهم إلى نحورهم، ويُرَدُّون على أعقابهم فلا يتحقق مبتغاهم أبدًا.
النبي عليه الصلاة والسلام سُمَّ، ما الفرق بين السم والسحر؟ سُمَّ، فتعرض للسم، وكَشْف السم عنه كان بمعجزة، كما هنا بالضبط م عجزة، تحدثت الشاة وقالت:"إني مسمومة". فظهرت عصمة الله له، أنهم كادوا ضد النبي صلى الله عليه وسلم لكن كيدهم أُحبِط
ورُدّ إلى نحورهم، وإلا لو لم يتعرض النبي صلى الله عليه وسلم للإيذاء أبدًا، فكيف كنا سنتعرف على أنه معصوم، هل سيكون عندنا دليل؟ فقط ظاهر الآية، أما مواقف عملية تعرَّض فيها لشيء وحُفِظَ، لو لم تكن لدينا تلك المواقف كيف كنا سنرى التطبيقات العملية لهذه الآية!!
إذن هذه التعرض للأذى دليل على عصمة الله له وحفظه للنبي صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه يتعرض: يدبرون لقتله في الهجرة وفي غير الهجرة، يكيدون ضده، يضعون السم في طعامه، يسحرونه
…
إلى آخر ذلك، لكن الدعوة ماضية إلى غايتها، ونصر الله معاضد لها، ولم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد أصبحت على المحجة البيضاء، وأكمل أصحابه المهمة من بعده، فبلغوا دين الله للعالمين.
لم تتأثر الرسالة، ولم تتأثر الدعوة، ولم يتأثر الوحي ولا الموحَى به لا في القرآن ولا في السنة، ولا في التبليغ ولا في التشريعات، ولدينا الإسلام كله، ولدينا التحدي الذي نصرّ عليه، بأن يأتي أحد بحادثة واحدة فيها خلل في المنهج بسبب ذلك السحر الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم.
أيضًا لماذا الأمر في حق النبي صلى الله عليه وسلم؟
سيدنا موسى سُحِرَ، والقرآن هو الذي أثبت ذلك، ولم يقل أحد: إنّ سحر سيدنا موسى كان سببًا في شيء يتعلق بالدعوى، ونفس التعبير الذي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم استعمله ربنا مع سيدنا موسى:{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (طه: 66) خُيِّل إليه أنها تسعى بسبب ما صنعوه من السحر، أثَّرُوا فيه، لا أريد أن أقول سحروه، تعرض للسحر، فخيِّل إليه بسبب هذا السحر أن حبالهم وعصيهم تسعى، لكنها حبال وعِصِيّ، لم تخرج عن حقيقتها هذه؛ ولذلك آمن السحرة.
الأعداء -وحتى في زماننا هذا- يستعملون كل الأسلحة التي يستطيعون استعمالها: من سحر، وسُمّ، ومحاولة للقتل، ومحاولة لصرف الخصوم، وصبّ العذاب، وإثارة الشائعات؛ كل ذلك استُعمِل مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع الصحابة، ما الضرر في هذا أن يتعرض النبي صلى الله عليه وسلم لذلك؟ ولكن كما قلت
…
نحن سنظن خيرًا ببعض المعترضين على الحديث بأنهم يخافون أن يسبب ذلك حرجًا للوحي نفسه أو للموحَى به من القرآن ومن السنة ومن أوامر الشرع ونواهيه، لكننا نطمئنهم أنه لم يحدُث ذلك لا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا مع سيدنا موسى، ونتحدى. النبي صلى الله عليه وسلم كان له أعداء في زمانه في حياته، لم يقل أحد: يا محمد، هذا مما أثر فيه السحر فيك، فصرت تقول قولًا غير دقيق، مثلًا، أو صرت تعمل.
كيف تَثْبُت الأمور؟ تثبت الأمور بمثل هذه الأدلة التي لا يستطيعون أن يأتوا بواحد منها أبدًا، فالله قد عصمه، وليست العصمة بأن لا يتعرض لأذى، وإنما العصمة تظهر مع محاولات وقوع الأذى لكنها لا تصل إلى أهدافها.
أيضًا من الشُّبَه التي أثاروها حول هذا الحديث، يقولون:
إنه على فرض صحته فهو حديث آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد التي ينبغي أن نؤمن بها.
هذا كلام فيه تهويل، وفيه مبالغة، نعم، عصمة النبي صلى الله عليه وسلم مما يؤثر على العقائد، هذه يجب أن نعتقدها، ونحن بدأنا كلامنا ببيان أن َّ مِن المُجْمَع عليه عند الأمة أن الأنبياء معصومون عن كل ما يؤثر في العقيدة، وفي التبليغ، وما إلى ذلك.
أما القول بأنه حديث آحاد، وانتهينا من خلال الأدلة ومن خلال عمل الأمة، أن الأمة أجمعت على وجوب العمل بخبر الآحاد، خبر الآحاد أو خبر المتواتر، هذا يتعلق بقضية هي أصلًا جاءت عند المحدِّثين من الأصوليين، هي ليست قضية حديثية في المقام الأول، المحدِّثون يهتمون بإثبات صحة نسبة الحديث، للنبي صلى الله عليه وسلم كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو كذا
…
أما أن يقال: إن هذا ظنيّ الثبوت، أو هذا قطعيّ الثبوت، هذا مبحث أصولي نقله المحدثون عنهم؛ لأنه يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وإلا .. خبر الآحاد ما هي القضية المثارة حوله؟ هو درجة ثبوته بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: الخبر المتواتر نحن نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ومُنكِرُ ذلك كافر؛ لأنه كما أنكر القرآن؛ لأن القرآن ثبت بالتواتر، أما حديث الآحاد فهناك مَن قال من العلماء: إنه مقطوع بصحته للنبي صلى الله عليه وسلم وهناك من قال: إنه مظنون، يعني: يغلب على ظننا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، ولا نقطع بذلك بنسبة مائة في المائة، أيًّا كان، لكن الفريقين معًا اتفقَا على وجوب العمل بحديث الآحاد، لم ينازع في ذلك من أئمة الأمة الذين هم أهل الحل والعقد، والذين نأخذ عنهم، بدءًا من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة المتبوعين وغيرهم، كلهم؛ ولذلك صار من قواعد الأمة المجمع عليها أن حديث الآحاد يجب العمل به؛ لأن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، وهذا أيضًا من القواعد التي اتفقت عليها الأمة، أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها.
نحن نصوم بإخبار واحد أو اثنين أنهما رأيَا الهلال، نحن نقيم الحدود بشهادة شاهدين، وكل ذلك خبر آحاد إذن، وخبر الآحاد يُعمَل به في العقائد، من الذي قصره على الأحكام دون العقائد، أو على الفرائض دون العقائد؟ مقتضى الأدلة يُثبت أن حديث الآحاد يعمل به في كل ذلك، عشرات الأدل ة، ذكرناها في حينها، النبي صلى الله عليه وسلم حين أرسل الرسالات إلى الملوك والرؤساء يدعوهم للإسلام،
يدعوهم إلى العقيدة، للدخول في الإسلام ذاته:((أسلمْ تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين)) قيلت هذه العبارة لهِرَقْل ولكسرى وغيرهم، حين أرسَل معاذًا إلى اليمن:"إنك تأتي قومًا أهل كتاب، أول ما تطلب منهم، اطلب منهم أن يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول الله -هذه عقيدة- وإن هم أجابوا لذلك أو أطاعوا ذلك أُخبرُهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة".
عشرات الأدلة على أن أخبار الآحاد يُعمَل بها في العقائد، ويعمل بها في الأحكام، وفي كل ذلك، ولا سبيل أبدًا للتفريق في الإسلام بين العقيدة وبين التشريعات؛ فكلها من أمور الدين، وكلها مطلوبة، نعم، بعضها أهم من بعض، لا ننازع في هذا، لكنَّ درجة ثبوتها واحدة، نحن لا نأخذ أمرًا حتى نقرّ بفضائل الأعمال، إلا إذا كان قد ثبت بدليل قوي يحتج به.
إذن القول بأنه خبر آحاد هذا قول مردود عليه بوجوب العمل بخبر الآحاد، والحديث كما قلت رواياته كثيرة، ويُعْمَل به، وليس فيه أبدًا ما يجعلنا أن نقول: إنه خبر آحاد ولا نعمل به.
هذه الشبهة أنا أود أن يغلق الباب حولها، لا يصح أن نَلُوكها في كل صغيرة وكبيرة، بعد هذه الأدلة المتعددة التي وردت في القرآن والسنة، تبيَّن أن حديث الآحاد يعمل به في كل شيء، ولقد أحلنا حين تكلمنا عن هذه القضية إلى رسالة الإمام الشافعي باعتبارها أصلًا في هذا الباب، وكتابًا مهما جدًّا في هذا الباب، وقد ذَكَرَ أكثر من ثلاثين دليلًا من القرآن والسنة على وجوب العمل بحديث الآحاد خاصة في العقائد، وفي الأحكام، وفي كل ذلك، وأن الذين فرَّقوا بين أمور الإيمان والعقائد وغيرها وفي الاحتجاج بالأدلة، لا يستندون إلى أدلة من القرآن أو السنة.
أيضًا من الشُّبَه التي أثاروها في هذا الأمر يقولون:
إننا إذا أثبتنا السحر للنبي صلى الله عليه وسلم فكأننا أيَّدنا قولَ الظالمين الذين حكى القرآن عليهم في سورة الفرقان: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا مَسْ حُورًا} (الفرقان: 8).
الحقيقة: هذا كلام عجيب جدًّا، أولًا: هي دعوى يقولها أعداء كل نبي للنبي، الخصوم يقولونها وردت أيضًا في حق سيدنا موسى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا} (الإسراء: 101) واستعملوها في حق النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا في سورة الفرقان، وفي سورة الإسراء:{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الإسراء: 47) أوَكلمَّا قال الأعداء قولًا ننفيه بنفي ما ثبت عندنا من أدلة قوية؟ مع ملاحظة هذا، أن:{إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الإسراء: 47) هذه لا علاقة لها أبدًا بحديث السحر، هذا موضوع مختلف تمامًا، ولا أدري ما هو الرابط بين القولين؟ بل إني أعتقد اعتقادًا جازمًا أن الكفار قالوها وهم يعلمون أنهم كاذبون فيها.
يعني: السياق الذي ظهرت فيه الآيات ومواقفهم التي قرأناها في السيرة وفي غيرها، أنا أثق بأنهم قالوها وهم واثقون من كذبها. القرآن لم يُشِرْ إلى قضية سحر النبي صلى الله عليه وسلم من قريب ولا من بعيد، قضية السحر الذي تعرَّض له النبي صلى الله عليه وسلم لم تأتِ في القرآن، إنما ذَكَرَ فقط قولهم:{إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الإسراء: 47).
لماذا وجَّهوا إليه هذه التهمة؟
هم تحيَّروا في بلاغة القرآن وفصاحته، استمعوا له من النبي صلى الله عليه وسلم هم عجزوا عن الإتيان بمثله، وتدرَّجَ القرآن معهم في التحدي، بعد أن كان المطلوب أن يأتوا بمثل
هذا القرآن، بيَّنَ عجزهم عن هذا:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء: 88) ثم نزل التحدي إلى التحدي بعشر سور: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} (هود: 13) افتروا مثله، إذا كان هو ذكيًّا وفطنًا واستطاع أن يفتري، افتروا مثله:{فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} (هود: 13) ثم عجزوا في التحدي، فنزل منهم إلى سورة مثله، ثم إلى سورة ولو مِن مثله، لا يشترط أن تكون مثله تمامًا في الفصاحة والبلاغة.
إذن هم لمَّا تحيَّروا مع القرآن وفصاحته وبلاغته وعجزوا عن الإتيان بمثله، لم يكن أمامهم بدلَ أن يهتدوا وأن يعرفوا أنه ليس كلام البشر، كما جرى على ألسنتهم أحيانًا من غير قصد، حين قال الوليد بن المغيرة:"إن أعلاه لمُثْمِر، وإن أسفله لمُغْدِق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة" لكنها لحظات ثم تعود العماية مرة ثانية فيُطَمس على قلوبهم ولا يستجيبون للحق.
هم لمَّا تحيروا مع بلاغة القرآن وفصاحته قالوا: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الإسراء: 47) كانوا يقولون عنه: {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (ص: 4) السيرة تروي أنهم كانوا يجتمعون في ناديهم ويقولون لأنفسهم: ماذا نقول عن هذا القرآن؟ لقد عرفنا سجع الكهان، وعرفنا كذا وكذا، وما هو من هذا الأمر بشيء أبدًا، ثم يتفقون فيما بينهم على أن يقولوا: إنه سحر، أو يقولوا ما شاءوا.
إذن الخوف من الآية أو من مقولة الكفار خوف لا محل له أبدًا، ولا يرِدُ معنا هنا، الآية في وادٍ والحديث في واحد أيضا.
يقولون: السحر من عمل الشيطان، والشيطان ليس له سلطان على الأنبياء، بل إنه ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، الله تعالى يقول:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} (الحجر:42: 43)
{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} (الإسراء: 65). بل إن الشيطان نفسه يَعْلم قدراتِه، ويعلم أنه لا يستطيع أن يؤثر في عباد الله الصالحين، هو حين طلب من الله مهلة أن يبقى إلى يوم القيامة ليفتن مَنْ يُفْتَن قال:{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (ص: 82، 83). والنبي صلى الله عليه وسلم قد حدثنا عن بعض الناس في هذا، وهو عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- فقال في (الصحيحين) في مناقب عمر:((إيه يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لو رآك الشيطان سالكًا فجًّا قط، لَسَلَكَ فجًّا غير فجك)).
إذن الشيطان نؤكد أنه ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، ولن يكون له سلطان أبدًا على أنبياء الله المرسلين، ومن أوّلِهم وعلى رأسهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو معصوم محفوظ بحفظ الله تبارك وتعالى من الشيطان. القلوب الممتلئة بذكر الله تعالى لن ينال منها الشيطان أبدًا، وإنما الشيطان تسلُّط الإغواء والإضلال، كتزيين المعاصي مثلًا والآثام، التكسب بالحرام، تزيين الكفر لهم -والعياذ بالله-:{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} (مريم: 83) تغويهم وتُزَيِّن لهم.
كل ذلك الأنبياء معصومون منه، يعني: لا يمكن أبدًا أن ينالوا من الأنبياء في هذا، ولا من عباد الله المخلصين، أما أن يعقِدوا عليهم بسحر أو بكذا، هذا من الأمراض التي تجري على الأنبياء كما تجري على البشر، فلم يقل أحد أبدًا: إن هذا التأثير من الشيطان يتعلق بدينهم، بسلوكهم، بطهارتهم، بعفتهم، باستقامتهم، كلا وحاشا، هذا هو الميدان الذي لا يستطيع الشيطان أبدًا أن يأتي لا إلى الأنبياء ولا إلى عباد الله المخلصين من هذا الباب، لا هو يستطيع إغواءهم ولا إضلالهم، ولا أن يُزيِّن لهم، ولا أن يحبب إليهم الفسوق والكفر
والعصيان. كل ذلك أنبياء الله -يبارك وتعالى- معصومون منه بفضل الله تبارك وتعالى.
إذن الخوف من هذا -وأنا أيضًا سأفترض حسن النية عند من يثيرون هذه الشبهة- نقول لهم: اطمئنوا، لا سلطانَ للشياطين أبدًا على الأنبياء، فضلًا عن أن يكون هو نبي الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع ملاحظة أن الشياطين مهما كانت قدرتهم، والسحرة مهما كانت قدرتهم، كل ذلك لن يتمكنوا أبدًا من النيل من أحد إلا بإرادة الله عز وجل:{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (البقرة: 102) فإذا استعان أحد السحرة بالشياطين وتعرَّضُوا للنبي صلى الله عليه وسلم لبعض الأذى من هذا، فهذا لا يدل أبدًا على تسلط الشياطين عليهم، أو أنهم يستطيعون أن يفعلوا معهم ما يفعلونه مع غيرهم من الخلق، كلا وحاشا، بل أنبياء الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم على رأسهم، معصوم من هذا.
أيضًا يقولون: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم المعوذتين في دعاء ورقية يرقِي بها نفسَه من السحر الذي تعرض له، والآيتان أو السورتان نزلتا بمكة:
أولًا: نزولهما بمكة أو بالمدينة محل خلاف، لكن هَبْ أنهما نزلتا في مكة، ما المشكلة في أن النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بهما ويرقي بهما نفسه وغيره. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنه كان يقرأ المعوذتين وسورة الإخلاص ويمسح بهما نفسه ثلاث مرات قبل أن ينام، وهذه من السنة التي نتبعها أو نقتدي بها بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فنزول السورتين في مكة أو في المدينة، لا يؤثِّر في صحة الرواية في شيء أبدًا، وحتى لو هناك بعض الروايات تقول: إن سورتي المعوذتين نزلتا بسبب ذلك، عند علماء القرآن أنه يجوز أن تتعدد أسباب نزول الآية، وأن تنزل الآية على
أسباب متعددة ومرات متعددة، هذا موجود عندهم، ويضربون أمثلةً متعددة على ذلك.
أيضًا يثيرون شبهًا لا تستحق الوقف، يقولون: سحره رجل هو لَبِيد بن الأعصم، ويقال في الآية:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (الفلق: 4) وهن النساء السواحر، فما العلاقة بين لبيد وبين الاستعاذة من النساء السواحر؟
لماذا لا نقول: إن الآية: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (الفلق: 4) أي: النفوس السواحر، هي تشمل الرجال والنساء، ما البعد في هذا إذا قلنا إن هذا المعنى، وأيضًا حتى لو قلنا: إن المقصود بهن النساء السواحر، فلعل ذلك على أن هذا الأمر يَكثر بين النساء، لكن هل إذا تعرض الرجل منا لسحر رجل لا يتعوذ بالسورة؟ من الذي يقول هذا؟ إن التعوذ من سحر النساء لا ينفع في التعوذ من سحر الرجال، أو العكس؟ هذه مماطلة ومماحَكة لا طائلَ من ورائها.
هذا وبالله التوفيق، وصلّ الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.