الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا الخلل سبَّب لهم خللًا شديدًا، هو السبب في إنكارهم لكثير من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي رَأَوا بمنظارهم أنها تُخالف العقل.
ثم أيُّ عقل نسمح له أن ينظر في السنة، العقل الذي تربَّى على موائد الغرب، وتخرج في الجامعات الأجنبية، ولم يقرأ شيئًا عن الإسلام، ولا في الإسلام، وكل ما استقاه عن السنة وعن التفسر هو من كتب المتشرقين، أهذا يليق؟ أهذا يصلح؟ أهذا مقياس علمي أو ضابط دقيق يُرجع إليه؟ وندرك من قراءاتنا لكثير من انتقاداتهم أنهم لم يقرءوا حديثًا في البخاري ولم يقرءوا شروحَ العلماء الأجلاء كابن حجر، والعين، وغيرهم ممن شرحوا البخاري، أو شرحوا (صحيح الإمام مسلم) رحمهم الله جميعًا- إنما استقوا كلامهم من المصادر المعادية للإسلام.
ملامح المدرسة العقلية
وهنا بسرعة أوضح أو أشير إلى بعض ملامح المدرسة العقلية:
أولًا: هم يقدمون العقل على النص، ويجعلون العقل قاضيًا على النص، وكثيرًا ما تقرأ في كتاباتهم النص يقبل التأويل. خلاصة الكلمة: نحن نقول بعقولنا وأفهامنا، ويجترءون على القرآن في فهمه، في مخالفة الأمة كلها لفهمه، هناك مثلًا مَن يطالب المساواة بين البنت والولد في الميراث؛ ضاربًا عرض الحائط بقوله تبارك وتعالى:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (النساء: 11)، ويا أهل النص يا من ليست لكم عقول تفكر، أنتم وما تريدون في النص افهموه كما تريدون، أو أولوه كما تريدون، أما في السنة يجترءون عليها هي ليست من كلام الله، فالباب مفتوح لأن يقولوا: هذا حديث ضعيف، أو
مكذوب ويردُّونه، وإذا تكلمنا فيهم؛ نحن عقولنا مظلمة، ومغلقة، وضيقة، ولا تتسع للرأي الآخر، بل إنهم أخيرًا من يقول: حتى تفسير القرآن لا نريد تفسيرًا. كل واحد يقول في القرآن بفهمه، والسنة ليست قاضية على الكتاب، أيُّ عبث هذا، وأي فوضى هذا، وإلى أي طريق يريدون أن يصلوا بنا؟
ملامح أو بعض معالم المدرسة العقلية، تتمثل -كما قلت- في تحكيم العقل في النص هذا واحد، وأن العقل قاضٍ على النص، النص هو القاضي، وأن العقل يحاول أن يفهم، وأنه لا مصادرة للعقول في فهم النص، والقاعدة الشرعية المعروفة: لا اجتهادَ مع النص. يعني: لا يقول النص شيئًا ونقول نحن غيره، وقاعدة: لا اجتهادَ مع النص، لا تغلق البابَ أمام قاعدة أخرى تفتح الباب للفهم والاجتهاد، الاجتهاد في النص أي: في فهم النص، ماذا يريد النص أن يقول؟ كيف نطبقه؟ نحن نجتهد في فهمه لنطبقه، لا لنعارضه، ولا لنبعتد عنه، لنطبقه بفهم جيد يكون أقرب ما يكون إلى مراد الله عز وجل مثلًا:{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (النساء: 43) ملامسة النساء من نواقض الوضوء، الذي يقول: إن ملامسة النساء غير ناقضة هذا يجتهد مع النص، لا اجتهادَ مع النص، يقول النص شيئًا، وهو يقول غيره يقول: إن الملامسة غير ناقضة، لكن أن يقول: ما المراد بالملامسة؟ هذا هو الاجتهاد في النص، والباب مفتوح فيه إلى يوم القيامة في ضوء القواعد المقررة عند علماء الشرع، أو عند العلماء في ضوابط الاجتهاد والمجتهدين.
إذن العقل له ميدانه في فهم النص في الكون الفسيح إلى آخره، لكن أن يشرع العقل، أن ينظر العقل في النص، وأن يكون قاضيًا عليه؛ هذا ما لا يقول به عاقلٌ أبدًا، ولن نقبله مهما كان.
من ملامح المدرسة العقلية أيضًا: أنهم يردُّون السنة كليَّة أو جزئيًّا. الذين يزعمون أنهم قرآءنيون وينكرون السنة كلية، ومنهم من يردُّ بعضها، ومنهم مَن يقبل المتواتر ويرد الآحاد، دعاوَى كثيرة يثيرونها، الغرض كله هو تضييع السنة والتفلت منها. إذن هم يعجلون العقل قاضيًا على النص، وهذا أدى إلى إنكارهم للسنة إما كليًّا وإما جزئيًّا.
وعلماء الأمة مجمعون على وجوب العمل بالحديث متى ثبتت صحته، وأن الحديث متى صح يصبح أصلًا من أصول الشرع بصرف النظر عن كونه متواترًا أو آحادًا، والتواتر والآحاد هذا تقسيم على أساس عدد الرواة في كل حلقة لا يتعلق أبدًا بوجوب العمل؛ لأنه حتى الفريق الذي قال: إن الآحاد يفيد الظن بمعنى: أننا يغلب على ظننا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ولا نقطع بذلك، يجيبون على الأمة العملَ بما غلب على ظنها، وقلنا: إن هذه من الأمور المجمع عليها عند علماء الأمة. إذن قضية العمل به لا تقبل الجدال.
أيضًا توسعوا جدًّا -المدرسة العقلية- في فهم القرآن الكريم والحديث النبوي في ضوء عقولهم، وفي ضوء معطيات العلم بكل جوانبه؛ بصرف النظر حتى عن كونها حقيقة علمية أو نظرية علمية لا زالت في طور نظرها بالتجريب، العلم قال كذا، إذًا ردُّوا القرآن وردوا السنة، وبعد سنين يردُّ العلم على نفسه؛ فيرفض ما كان يقبله اليوم، وهذا حدث مرارًا وتَكرارًا، وفي كل العلوم، المسلَّمات التي كانت من عشرين سنة انقلبت الآن على أعقابها؛ لتصبح من مظاهر التخلف. فرقوا بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية، الحقيقة العلمية الثابتة لا تتعارض أبدًا مع
القرآن والسنة، ولن يتعارض مع القرآن والسنة بحال من الأحوال. أما التي ما زالت في طور التجربة والاختبار؛ فهذه محلّ نظر.
إذن لا نجعل معطيات العلم وخصوصًا في مراحلة التجريبة يعني: قيدًا على القرآن، أو على السنة المطهرة، هذا من مفتريات العقول، ومفتريات المنهج العلمي -كما يقولون- ويصنعون بذلك تناقضًا بين العلم والدين. الدين منه براء، ديننا دين العلم الذي امتلأ بالآيات التي تكلمت عن العلم والعلماء، وهذا أمر مفروغ لن نتكلم في البداهيات.
وهذا هو السر في أنهم أنكروا ما يتعلَّق بالملائكة، أو بالشياطين، أو يئولونها على أحسن الأوجه إذا كانت واردة في القرآن الكريم، وتكلموا عن السحر، وعن قصة آدم، وعن كذا وكذا، وصرفوا الطير الأبابيل عن ظاهره في القرآن الكريم، ومن علماء المسلمين من قال ذلك، يعني: الطير الأبابيل مرض ميكروبي تعرَّض له جيش أبرهه لماذا؟ لأن بعض العقول لا تقبل أن طيرًا يحمل حجارةً من سجيل صغيرة يدحر بها جيشًا بأكمله، ويقضي الله عليه قضاءً مبرمًا، أليست هذه معجزة من معجزات السماء؟ فضيلة الشيخ محمد الشعراوي -عليه رحمة الله تعالى- في ردِّه على هذا الزعم -وهو يفسر القرآن الكريم- قال: من المؤكد أنه حين نزلت -يعني: سورة الفيل- كان من بين الموجودين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مَن عاصر الحادثة، ولو كانت داءًا ميكروبيًّا قضى على الجيش، ولم تكن طيرًا أبابيبلَ تحمل حجارة من سجيل؛ لقالوا له: كذبت يا محمد، لم يكن هناك طير، ولا كذا، وإنما كان الأمر مرضًا معديًا فتك بالجيش كله، لكنَّ ذلك لم يحدث، ولم تنقل لنا رواية واحدة، هذا دليل من الواقع على كذب هذا.
لماذا يريدون أن يجعلوا العقل قاطعًا في مثل هذا؟
أيضًا: تمجيدهم للعقل أدَّى بهم إلى تهوين من شأن الإجماع، والتقليل من قدره، وعباراتهم في ذلك كثيرة جدًّا، أيُّ إجماع تقصدون؟ ويعتبرون أنفسهم ممن خُلق بهم الإجماع، الأمة حين تصطلح على شيء وصارت على هذا قرونًا متعددةً، يأتي اليوم من يفسد عليها وحدتها واجتماعها تحت دعوى أن هذا اجتهاد عقلي أو كذا، هذا عبث هذا لا يوجد عند أمة. الأمم استقرت على أمور -حتى ليست عن طريق الوحي- أجمعت عليها حتى مع وجود من يخالفها مع أبناء الأمة، ومع ذلك لم يزعم أحد أبدًا أنه يحق له أن يخرج على القانون، أو على الدستور؛ لأن عقله لا يقبله، لماذا هم هناك يحترمون ذلك ونحن هنا نفتح البابَ على مقدساتنا من القرآن والسنة، نهوّن من إجماع أمتنا، ومن تحكم العقل في النص؟ ومن جعل العقل أو المعطيات العلمية التي لا زالت في طور التجربة حكمًا قاضيًا على ما ورد في القرآن أو في السنة، ويئولون، ويرفضون، ويبعِدون
…
إلى آخره.
هذه بعض ملامح المدرسة العقلية.
أيضًا يكادون يغلقون باب الغيبيان، لا يريدون أن يتكلم أحد في الغيبيات.
إذن نحن حددنا أن مدرسة السنة وضعت القواعد الضابطة لتمييز الصحيح والضعيف من غيره، وأدخلت في ذلك العقل، وأيضًا مباينة الحديث للمنقول من القرآن والسنة، ومن مصادمة الأصول، وأنهم قد وضعوا قاعدة تُكتب بماء الذهب أشار إليها ابن الجوزي وغيره في (تنقيح فهوم الآثر) -رحمه الله تعالى-:"إذا رأيت الحديث يباين المنقول، أو يخالف المعقول" يباين: يخالف مخالفة لا تقبل الجمع المنقول من القرآن والسنة، وأن يصادم، أو أن يخالف المعقول -الكلام عن العقؤئل- وأن يصادم الأصول أي: يصطدم بقواعد
الشرع العامة التي استنبطها العلماء من خلال الأحاديث والآيات القرآنية أي: من خلال قواعد الشرع، وصارت قواعد عامة لهذه الشريعة مثل:"المشقة توجب التيسير"، ومثل:"ما خُيّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما". هذه القواعد التي اصطلحت عليها الأمة، إذا وجدت الحديث يصادم شيئًا من ذلك فاعلم أنه موضوع.
إذن المدرسة العقلية وضعت الضوابط، وصححت الأمور، ونقدت المتن، واحترمت العقل غير أنه العقل المحكوم بالقرآن والسنة، ليس هو العقل الذي تربَّى على موائد الغرب، ورضع من لَبانه، وتأثر بفكرهم ولا يقبل سواه، ثم هو يريد أن يفرض علينا ما انتهت إليهم دراستهم في ذلك، ومع أنهم يجتهدون في احترام مقدساتهم، إلا أنهم أشاعوا هذه الأمور بيننا؛ ليعملوا على انفصام الأمة عن هدي ربها المتمثل في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.