الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (4))
تقسيم الحديث باعتبار عدد الرواة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
المتواتر والآحاد:
والكلام عن المتواتر والآحاد له نقاط عديدة؛ منها: أن نبين أن المحدّثين لهم تقسيمات متعددة للحديث باعتبارات متعددة:
فمثلًا: ينقسم الحديث عندهم باعتبار صحته أو عدم صحته إلى ثلاثة أقسام: صحيحٍ، وحسن، وضعيف، وينقسم أيضًا باعتبار آخر إلى: مقبول، ومردود. فالمقبول -عند هؤلاء الذين قسموا هذا التقسيم- يشمل الصحيح والحسن معًا، والمردود يشمل الضعيف بكل أنواعه، وهناك من يجعله نوعًا من أنواع الضعيف، أو يجعله قسمًا ثالثًا مع الصحيح، والحسن، والضعيف، يصبح هو قسمًا رابعًا بالإضافة إلى هذه الثلاثة.
إذن، هناك تقسيمات متعددة باعتبارات متعددة، الذي يتكلم عن صحة الحديث وحسنه وضعفه يقسم تقسيم
…
إلى آخره.
لكن نحن أمام تقسيم باعتبار عدد الرواة في كل حلقة من حلقات الإسناد؛ نحن نعلم أن الإسناد هم الرجال الذين نقلوا الحديث لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ من أول العالِم الذي روى الحديث في كتابه -أو في غير كتابه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
مثلًا: لو أخذنا البخاري -رحمه الله تعالى- كمثال لهذا؛ البخاري في صحيحه يروي الأحاديث بأسانيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثلًا الحديث الأول:((إنما الأعمال بالنيات)) من حديث شيخه الحُميدي، عبد الله بن الزبير، يرويه عن سفيان بن عيينة، يرويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، يرويه عن محمد بن إبراهيم
التيمي، يرويه عن علقمة بن وقاص الليثي، يرويه عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الرجال الذين بين البخاري -رحمه الله تعالى- وبين النبي صلى الله عليه وسلم نسميهم برجال الحديث، إسناد الحديث، أو سند الحديث، أو طريق الحديث؛ إذن الإسناد هو: الرجال الذين نقلوا لنا الحديث في حلقات متتابعة، كل تلميذ يروي عن شيخه، وكل واحد من هؤلاء الرواة يسمى حلقة من حلقات الإسناد، في المثال الذي ذكرناه: البخاري حلقة، يروي عن الحميدي شيخه، أجلّ شيوخ المكيين عبد الله بن الزبير المتوفى سنة 219هـ، يروي عن سفيان بن عيينة، الحميدي حلقة، سفيان بن عيينة حلقة، يحيى بن سعيد حلقة، محمد بن إبراهيم التيمي حلقة، علقمة حلقة، الخليفة الراشد الفاروق رضي الله عنه حلقة من حلقات الإسناد، إلى أن ينتهي الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن، عندنا الإسناد: الرجال الذين نقلوا لنا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد منهم يسمى حلقة من حلقات الإسناد.
فما هو العدد المطلوب في كل حلقة من حلقات الإسناد؟
هذا هو الأمر الذي يعالجه هذا المبحث -مبحث التواتر والآحاد- إذن هو تقسيم للحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة، حين يصل العدد إلى رقم معين أو إلى صفات معينة يُسمى عندهم بالحديث المتواتر -وهذا سنناقشه تفصيلًا- وإن قلّ عن ذلك سُمّي آحادًا؛ فهذا -في نهاية الأمر- تقسيم باعتبار عدد الرواة في كل حلقة، وليس تقسيمًا على أساس صحة أو الحسن أو الضعف الذي هو التقسيم الأول -الذي أشرنا إليه- مع ملاحظة أن هذا التقسيم "باعتبار عدد الرواة في كل
حلقة" لم يكن معروفًا لدى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، إنما كان المعوَّل عليه هو عدالة الرواة وثقة الرواة.
متى كان الراوي ثقة -أي: عدلًا، ضابطًا، دقيقًا- نطمئن إلى سلامة ما رواه؛ فالحديث صحيح، وما دامت ثبتت صحته؛ وجب العمل به بإجماع الأمة.
إذن، قبل أن يصطلح علماء الإسلام على هذا التقسيم -المتواتر والآحاد، باعتبار عدد الرواة في كل حلقة- جميع أهل الإسلام من أجيال الصحابة والتابعين وأهل الخير وأهل السلف الصالح كانوا على قبول خبر الواحد الثقة، من أول السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يبحثون عن عدالة الرواة، وعن ضبط الرواة، والراوي الذي تتوافر فيه العدالة ويتوافر فيه الضبط إذا جمع بينهما معًا، هذا هو الثقة الذي اصطلحوا على تسميته بالثقة
…
الثقة: الراوي الذي ثبتت له العدالة وثبت له الضبط، بالمعايير التي اصطلحوا عليها في إثبات هذه الأمور للرواة الذين نقلوا لنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن بدأت الفتن، ومن ضمن علاماتها: التشكيك في خبر الآحاد على يد متكلمي المعتزلة، ولم يكن ذلك إلا مع نهاية القرن الثاني الهجري أو بعده، ابتدءوا يتكلمون في خبر الآحاد وعن حجيته وعن تعريفه؛ فعرّفوه مثلًا في (شرح الأصول الخمسة) بأنه: ما لا يُعلم كونه صدقًا ولا كذبًا، واشترطوا العدد في الرواية، كما اشترطوا في الشهادة، وهم بذلك خرجوا عن إجماع الأمة التي كان المعوّل عليها عندهم على عدالة الرواة وضبطهم.
فالأمر اختلف من هذا التاريخ وبهذا الصنيع الذي بدأه بعض متكلمي المعتزلة وكما يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (مختصر الصواعق المرسلة): كان قصدهم من ذلك: رد الأخبار وتعطيل الأحكام، وتلقّف ما قالوه بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدمٌ ثابتة، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول.