الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مالكيّاً حنبليّاً هادويّاً ناصريّاً، هذا ما وقع، ولا علم به، ولو وقع زماننا لأنكره النّاس.
أقول: ضعف كلام المعترض في هذا التفصيل يتبيّن بذكر أنظار:
النّظر الأوّل:
أنّ المعترض جاوز حدّ العادة في الغلوّ حتّى ادّعى الإجماع على ما المعلوم (1انعقاد الإجماع (1) على نقيضه، وذلك أنّه ادّعى الإجماع على التزام مذهب [إمام](2) معيّن في زمن الصّحابة والتّابعين، واحتجّ على ذلك بأنه لم يعلم أنّ أحداً كان يقلّد أبا بكر في مسألة، وعمر في ثانية، وابن عباس في ثالثة، وابن مسعود في رابعة، هكذا قال بغير حياء من أهل العلم، والمعلوم أنّ العامّة ما كانت في زمن الصّحابة متحزّبة أحزاباً متفرّقة في التّقليد فرقاً بكريّة، وعمريّة، ومسعوديّة، وعبّاسيّة، كما أشار إليه، وإلا فأخبرنا من الإمام في زمن الصّحابة [الذي](3) لم تكن العامّة تستفتي سواه ولا ترجع إلى غيره.
فإن قلت: إنّك تلتزم هذاو وتصرّ (4) على أنّه لم يكن في زمن الصّحابة إلا مفت واحد، فقد أنكرت الضّرورة، ولم يكن [لمناظرتك](5) صورة، فقد نقلت الفتيا عن أكثر من مائة نفس من
(1) ما بينهما ساقط من (س).
(2)
زيادة من (ي) و (س).
(3)
في (أ): ((التي)).
(4)
في (أ) و (ي): ((وتصرّ عليه على)) ، والمثبت من (س).
(5)
في (أ): ((لمنازعتك)) ، والمثبت من (ي) و (س).
الصّحابة، ذكرهم غير واحد من العلماء، منهم: الحافظ أبو محمد بن حزم (1) ، والشّيخ أحمد بن محمد في كتاب ((الشجرة)) (2).
وتعيينهم وكمية عددهم، وإن نقلت بالآحاد فكثرتهم في الجملة معلومة بالضرورة، وأمّا إن أقرّ بما هو معلوم من أنّ العامّة لم يكونوا ملتزمين لمذهب صحابي واحدو وأنّ الصّحابة لم يكونوا مقتصرين على فتوى مفت واحد، فليت شعري أيّ البواطل تركب؟ هل القول بأنّ كلّ مفت من الصّحابة كان له أتباع؟ فهذا يفضي في تشعّب مذاهبهم إلى غاية الاتساع، فيكون العامّة في زمنهم أكثر من مئة فرقة على عدد المفتين، أو ترتكب القول بإلزام العامة لمذاهب جماعة مخصوصين، فهذا مثل دعوى الرّوافض للاختصاص بالعلم بالنّصّ على اثني عشر إماماً منصوصين.
والجواب عليهم الجميع: أنّ أهل العلم يشاركون لكم في معرفة الآثار، والبحث عن السّير والأخبار، ولم يعرفوا من هذا شيئاً، ولا عرفوا فيه علماً ولا ظنّاً، ولا يصحّ أن يوحي إليكم ذلك من دون النّاس، فما سبب الانفراد بهذا العلم والاختصاص؟.
وبالجملة: فالمعلوم ضرورة أنّ العامّيّ في زمن الصّحابة كان يفزع في الفتوى إلى من شاء منهم، من غير نكير في ذلك، وهذا من الأمور المعلومة، وقد احتجّ بذلك ابن الحاجب في ((مختصر
(1) ذكرهم في ((الأحكام)): (5/ 92 - 94).
(2)
كتاب ((الشجرة في الإجماعات)) لأحمد بن محمد بن الحسن الرّصاص، من أكابر علماء الزيدية ت (656هـ). ((مصادر الفكر)):(ص/173 - 174)، والأعلام:(1/ 219).
المنتهى)) (1) على أن الالتزام لا يجب وادّعى القطع بوقوعه، وكذلك الشّيخ أبو الحسن احتجّ في ((المعتمد)) (2) بإجماع الصّحابة على عدم الالتزام، قال قطب الدّين في شرح كلام ابن الحاجب ما لفظه:((احتجّ المصنّف بالإجماع (3) على الجواز بوقوعه -أي بوقوع المتنازع فيه /في زمن الصّحابة وغيرهم- من غير إنكار من [أحد](4) ولو كان ذلك منكراً لأنكر، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة والتّابعين الإنكار ولا الحجر على المستفتي في تقليد إمام واحد.
فإن قلت: فهذا الإجماع يقتضي أنّه لا يجب التّرجيح، وأنت قد ذكرت أنّه يجب.
قلت: إنّما ذكرت أنّه يجب حين يختلف أهل الفتوى على العامّي فيزول ظنّه لصدق المفتي وصحّة فتواه، وهذه الصّورة التي أوجبت فيها التّرجيح، لم يظهر وقوعها في زمنهم، فكيف الإجماع عليها؟! وإنّما كان العامّي في زمنهم يسأل أحدهم وهو لا يعلم أنّ الآخر يخالفه، فإذا سمع الفتوى ظنّ صحّتها، وطابت نفسه بها، وكأنّما سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو المعروف من أحوال العامّة وأكثرهم، فإنّهم لا يعلمون أنّ المفتي قد يفتي برأي منه يخالف فيه من هو أعرف منه، وأنّما يعتقد أكثرهم أنّ الفتوى إنّما هي بنصوص
(1)(3/ 367) مع ((بيان المختصر)) الأصفهاني.
(2)
(2/ 943 - 946).
(3)
سقطت من (س).
(4)
في (أ): ((واحد))!.