الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحكم بن [أبي](1) العاص.
الموضع الرّابع:
وهم أنّ مروان بن الحكم عند المحدّثين من أهل التّقوى والصّلاح، واحتجّ بروايتهم عنه على أنّهم يقبلون الفسّاق والمجاريح، ويعتقدون عدالته لإخراج حديثه في الصّحيح، وليس كذلك فإنّهم لا يجهلون ماله من الأفعال القبيحة، والمعاصي الموبقة، وأنا أورد من كلامهم فيه ما يدلّ على ذلك.
قال الذّهبي في: ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال)) (2) ما لفظه: ((مروان بن الحكم، له أعمال موبقة، نسأل الله السّلامة، رمى طلحة بسهم، وفعل وفعل)).
وذكره الذّهبي في ((النّبلاء)) (3) وساق من أخباره حتّى قال ما لفظه: ((وحضر الوقعة يوم الجمل فقتل طلحة ونجا فليته ما نجا (4))). هذا لفظ الذّهبي.
فلو كان عنده من أهل التّقوى والصّلاح ما تمنى له الهلاك وكره له النّجاة، وقد نصّ في ((الميزان)) على: أنّ له أعمالاً موبقة، وهذا تصريح بالتّفسيق.
وروى الذّهبي في ((النّبلاء)) (5) عن الحسين بن عليّ -رضي الله
(1) سقطت من (أ).
(2)
(5/ 214).
(3)
(3/ 476).
(4)
في مطبوعة ((السير)): ((لانجّي)).
(5)
(3/ 478) ، وقال الذّهبي بعد أن ذكره، وفيه أبو يحيى:((وأبو يحيى هذا شخص لا أعرفه)) اهـ. وقد تقدّم ما يشهد لهذا الخبر.
عنهما- أنّه قال لمروان: والله لقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت في صلب أبيك.
ولم يذكره الذّهبي بخير، وإنّما ذكره بالمكر والدّهاء.
وروى الذّهبي في ((النّبلاء)) (1) أن مروان هو الذي قتل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة رضي الله عنه ، ذكر ذلك في ترجمة طلحة.
وقال أبو محمد بن حزم في ((أسماء الخلفاء)) (2) في ذكر خلافة ابن الزبير وقد ذكر بعض مساوي مروان: ((وهو أوّل من شقّ عصا المسلمين بلا تأويل ولا شبهة، وقتل النّعمان بن بشير أوّل مولود في الإسلام في الأنصار صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ، وذكر أنّه خرج على ابن الزّبير بعد أنّ بايعه على الطّاعة.
وقال أبو السّعادات ابن الأثير في كتاب ((النهاية)) (3) في حرف الفاء مع الضّاد: ((قالت عائشة لمروان: أنت فضض من لعنة الله، أي: قطعة وطائفة منها. ورواه بعضهم فظاظة من لعنة الله بظانين، وهو من الفظيظ وهو ماء الكرش. وأنكره الخطّابيّ. وقال الزّمخشريّ: افتظظت الكرش: اعتصرت ماءها، كأنّه عصارة من اللّعنة، أو فعالة
(1)(1/ 35 - 36).
(2)
(ص/359) ملحقه بآخر ((جوامع السيرة)).
(3)
(3/ 344)، وانظر:((غريب الحديث)): (2/ 518) للخطابي، و ((الفائق)):(4/ 102) للزمخشري.
من الفظيظ: ماء الفحل، أي: قطعة من اللّعنة)) انتهى بلفظه من ((نهاية)) ابن الأثير.
وممن ذكر مروان: أبو عمر بن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) (1) ولم يذكره بديانة /ولا وصفه بخير، بل روى عن عليّ رضي الله عنه أنّه نظر إليه يوماً فقال: ويلك، وويل أمّة محمد منك، ومن بنيك إذا شابت ذراعك.
قال ابن عبد البرّ: وكان يقال له: خيط باطل، وفي ذلك يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم لما بويع لمروان بالإمارة:
فوالله ما أدري وأنّي لسائل
…
حليلة مضروب القفا كيف يصنع
لحا الله قوماً ملّكوا خيط باطل
…
على الناس يعطي من يشاء ويمنع (2)
وكان أخوه عبد الرحمن شاعراً محسناً، وكان لا يرى رأي مروان، وإنّما قال له: مضروب القفا؛ لأنّه ضرب يوم الدّار على قفاه فخرّ لفيه، ومما قال فيه أخوه عبد الرحمن:
وهبت نصيبي فيك يا مرو كلّه
…
لعمرو بن مروان الطّويل وخالد
فكلّ ابن أمّ زائد غير ناقص
…
وأنت ابن أمّ ناقص غير زائد
وأنشد ابن عبد البرّ لغير أخيه في هجوه شيئاً تركته لأنّه قد أقذع فيه، وذكر أنّه لم ير النّبيّ صلى الله عليه وسلم ورواه عن البخاريّ (3).
(1)(3/ 425) بهامش ((الإصابة)).
(2)
البيت في ((الاستيعاب)).
لحا الله قوماً أمّروا خيط باطل
…
على الناس يعطي ما يشاء ويمنع
(3)
كما في ((تهذيب التهذيب)): (10/ 92).
فهذه جملة تدلّ على معرفتهم بحاله، وخبرتهم بسوء فعاله. وأمّا روايتهم عنه بعد هذا؛ فلا تدلّ على تعديله عندهم في أمر دينه بالإجماع، وإنّما على اختلف العلماء في الرّواية من غير تصريح بالجرح؛ هل تدلّ على توثيق المرويّ عنه، مع أنّ المختار: أنّها لا تدلّ على ذلك كما ذكره ابن الصّلاح في ((علوم الحديث)) (1). وذكره يحيى بن حمزة في ((المعيار)).
وقد روى زين العابدين عليّ بن الحسين، وعروة بن الزّبير عن مروان، ولم يدلّ ذلك عن عدالته عندهما، ولا اعترض بذلك أحد عليهما، وكذلك رواية المحدّثين عنه.
فإن قلت: فلم رووا عنه؟ قلت: على سبيل التّقوّي والاستشهاد، مع الاعتماد على غيره كما ذكرنا ذلك في الرّواية عن الوليد، فقد يفيد خبر الفاسق الظّنّ، وكلّما أفاد الظّنّ حسن وأوجب (2) إيراده ليستعمل في التّرجيح عند التّعارض، سيمّا وقد قال عروة بن الزّبير: إنّ مروان لم يكن يتّهم في الحديث، فدلّ على أنّه صدوق يصلح خبره للاستشهاد والتّرجيح عند التعارض، ولا يعتمد عليه إذا انفرد، وقد بيّنّا في جواب كلام هذا المعترض في الفصل الأوّل من المسألة الثّانية (3) أنّ صاحبيّ ((الصحيح)) قد يخرّجان حديث من هذه صفته لوجود شواهد ومتابعات لم يتّسع كتابهما لذكرها مع قصد
(1)(ص/294).
(2)
كذا في (أ) و (ي)، و (س):((ووجب)).
(3)
(ص/166).
الاختصار، وروينا ذلك عن مسلم تنصيصاً، وعن البخاري تخريجاً (1) صحيحاً، فخذه من موضعه.
ويدلّ على ذلك أنّ أحاديث مروان التي رووها عنه في الكتب السّتّة (2) أحاديث مشهورة عن الثّقات. ومن هنا قال عروة بن الزّبير: لم يكن يتّهم في الحديث مع أنّها يسيرة:
فمنها حديث: قصة الحديبية /، وحديث: وفد هوزان، وقصة سهيل بن عمرو، وهذه رواها البخاريّ (3) عنه مقروناً بالمسور بن مخرمة مع شهرتها، أو تواترها عند أهل العلم بالسّير:
ومنها سبب النّزول في قوله تعالى: {غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء:95]. وقد رواها معه قبيصة بن ذؤيب.
ومنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأعراف في صلاة المغرب، وقد روى هذا عن عائشة بإسناد صحيح في النّسائي (4).
ومنها أثر موقوف عن عثمان في فضل الزّبير، وهذا لا بأس به فإنهم يتسامحون في أحاديث الفضائل.
(1) في (س): ((يجري))!.
(2)
في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((أمّا مسلم فلم يرو عن مروان شيئاً، بل أورد حديث اختلاف عليّ وعثمان من طريق سعيد بن المسيب، ولم يرو عنه البتة.
تمت. شيخنا العلامة أحمد بن عبد الله الجنداري رضي الله عنه)) اهـ.
(3)
مع ((الفتح)): (7/ 509).
(4)
(2/ 170).
ومنها قصة عثمان وعلي رضي الله عنهما في اختلافهما في متعة الحجّ، وهي مشهورة من غير طريقه.
ومنها حديثه في صلاة الخوف، وقد رواه عروة بن الزّبير.
وبالجملة؛ فلم يرو مروان في الكتب السّتّة إلا عن ستّة: علي، وعثمان رضي الله عنهما وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وبسرة (1) ، وعبد الرحمن بن الأسود، وقد ذكرت جميع من روى عنهم ههنا إلا عبد الرحمن بن الأسود، فلم أظفر بروايته عنه (2) وقت تعليق هذا الكتاب لبعدي عن أهل الحديث، وعدم وجود مصنّفاتهم الحافلة، وسوف ألحق ذلك إن شاء الله تعالى، فإن عاق الموت فالمنّة لمن أفاد ذلك (3).
(1) في (أ) و (ي): ((بسرة بنت أوس))! وهو خطأ، وصوابه بسرة بنت صفوان.
وكتب في هامش النسختين: ((الذي في كتب الحديث والرجال: بسرة بنت صفوان، ولم يذكروا بسرة بنت أوس ألبتة. فينظر. وفي نسخة صحيحة: بسرة لا غير)).
(2)
في (س): ((عند)).
(3)
رحم الله المصنّف رحمة واسعة، ولا أدري هل ألحق ذلك قبل وفاته، أم ا؟
إلا أنه قد ذكر ذلك مستوفى في ((العواصم)): (3/ 250 - 251). فقال: ((ومنها حديث: ((إنّ من الشّعر حكمة)) رواه البخاري، وأبو داود، وابن ماجه من طريقه عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي بن كعب، وقد رواه يزيد بن هارون، والوليد بن محمد الموقري، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، أحد الفقهاء السبعة، عن عبد الر حمن بن الأسود بإسقاط مروان، فالظّاهر أنّ أبا بكر سمعه من مروان، ومن عبد الرحمن بن الأسود معاً؛ لأنّه لم يوصم بالتدليس، وهو مدرك لزمان عبد الرحمن بن الأسود، فإنّه ولد في زمن عمر. وروى عن عائشة وأبي هريرة، فصح الإسناد من غير حاجة إلى مروان.
ومع أن الحديث صحيح المعنى بالضرورة، وله شواهد في ((الترمذي)) عن ابن مسعود، وفي ((أبي داود)) ، و ((الترمذي)) ، عن ابن عباس)) انتهى كلامه في ((الأصل)).
وأمّا قول مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر: هذا الذي نزلت فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} [الأحقاف:17]. فما أظنّ البخاري أورده إلا لبيان أثر عائشة الذي ردّت به عليه (1) ، وإلا فهذا مرسل عند البخاري فإنّه نصّ على أنّ مروان لم ير النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع أنّه ليس تحته حكم شرعي، وأمّا عبد الرحمن بن الصّدّيق -رضي الله تعالى عنهما- فما يضرّه ذلك على تقدير صحّته فقد كان مشركاً بلا ريب، ولكنّه أسلم وآمن، والإسلام يجبّ ما قبله، وقد كان لأفاضل الصّحابة قبل الإسلام أفعال لا حاجة لذكر شيء منها، وإنّما هذا من جملة قبائح مروان، فالله المستعان.
واعلم أنّه لا يصحّ أن يعترض على المحدّثين حتّى يعلم أنّهم رووا عن مروان حديثاً في الحلال والحرام، وحكموا بصحّته، ولا طريق له عن سواه في الكتب السّتّة، ولا في غيرها، وبعد العلم بهذا يعترض عليهم بأنّهم خالفوا قواعدهم فقط، وأمّا مخالفة الإجماع فلا يصحّ الاعتراض عليهم بذلك، لوجه ليس هذا موضع ذكره.
ويلحق بهذا فائدة ينبغي ذكرها، وذلك أنّه قلّ ما عرض ذكر الحكم، ومروان بن الحكم إلا وعرض في الخاطر ذكر ما فعله عثمان
(1) البخاري ((الفتح)): (8/ 439).
- رضي الله عنه من إيواء الحكم إلى المدينة بعد تطريد رسول الله صلى الله عليه وسلم له عنها، فالسّنّي يحبّ معرفة وجه ذلك، وغيره يحبّ التّعرّض بذلك للقدح في عثمان رضي الله عنه /، فأحببت أن أذكر الوجه في ذلك فأقول: قد خاض النّاس في ذلك خوضاً كثيراً قديماً وحديثاً، ولم يحضرني وقت كتابة هذا الجواب شيء من هذه الكتب المذكور ذلك فيها فأنقل ما قال العلماء في ذلك، ولا حفظت في ذلك ما يقنع، إلا ما ذكره الحاكم المحسّن بن كرّامة المعتزلي المتشيّع في كتابه:((شرح العيون)) فإنّه ذكر فيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك لعثمان رضي الله عنه ، وهذا الجواب مقنع إن صحّ الحديث لكنّي لم أعرف صحّته.
فأمّا المعتزلة والشّيعة من الزّيديّة وغيرهم؛ فيلزمهم قبوله، وترك الاعتراض على عثمان بذلك، لأنّ راوي الحديث عندهم من المشاهير بالفقه والعلم وصحّة العقيدة، إلا فيما يقدح به من الاختلاف في فروع الكلام ومالا يخرج من الولاية.
وأمّا دلالة الجواب المقنع عند النّقّاد فهو ما ألقاه الله تعالى على خاطري في ذلك فأقول: غير خاف على (1) من [له](2) أنس بقواعد العلماء أنّ أفعال النّبي صلى الله عليه وسلم عند المحققين لا تدلّ بنفسها على (3) الوجوب، ولا على النّدب، وإنما تدلّ على الإباحة، وذلك لأنّه - عليه
(1) في (س): ((عن)).
(2)
سقطت من (أ) و (ي).
(3)
في (أ): ((لا على
…
))
السلام - كان يفعل المباح والمندوب والواجب، وإنّما القدر المقطوع به أنّه لم يكن يفعل المعاصي المحرّمة، فإن فعل شيئاً من الصّغائر سهواً لم يقرّ عليه، وبين الله تعالى ذلك لئلاّ يبطل الاحتجاج بأفعاله.
قال المحقّقون: فإذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلاً نظرنا هل دلّت القرائن على أنّه فعل ذلك متقرّباً [به](1) إلى الله تعالى أولا، فإن لم تدلّ على ذلك القرائن، لم يستحب التّأسّي فيه، وكان [ما] (2) فعله على الإباحة: من شاء فعله، ومن شاء تركه؛ واحتجّوا على ذلك بحجج يطول ذكرها وتقريرها.
منها: قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَاً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى المُؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِم إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} [الأحزاب:37]. فلم يوجب على المؤمنين نكاح أزواج أدعيائهم.
وثانيها: حديث: ((لم خلعتم نعالكم)) (3) ، فأنكر الاقتداء قبل معرفة وجه فعله، وقول بعضهم إنّه أقرّهم على استدلالهم غير مسلّم، بل ردّ عليهم:((إنّ جبريل أخبرني أنّ فيهما قذراً)) ، والحديث صحيح
(1) من (ي) و (س).
(2)
في الأصول: ((من))!.
(3)
أخرجه أحمد: (3/ 20)، وأبو داود:(1/ 426) وابن خزيمة: (2/ 107 - رقم 1017) ، وغيرهم.
من طريق أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وهذا سند صحيح.
وروي من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في ((الكبير)): (11/ 392)، والدارقطني في ((السنن)):(1/ 399) ، وفي سنده مقال.
على شرط مسلم، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(2 وثالثها: أنّه عليه السلام لما صلّى بهم خمساً فتابعوه، فقال لهم: ((إنّه لو حدث أمر لأنبأتكم به)) (1) أو كما قال (2) ، رواه البخاري ومسلم، ولفظهما ((إنّه لو حدث في الصّلاة شيء أنبأتكم به)).
ورابعها: إقراره صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب على خلاف رأيه في قصّة/ أسرى بدر وقوله لعمر: ((لقد (3) عرض عليّ عذاب أصحابك)) الحديث (4) ، وذلك لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالموافقة ويوجبها عليه.
وخامسها: أنّ بعض أفعاله عليه السلام غير واجب إجماعاً وما كان بعضه غير واجب لم يدلّ كلّ فرد منه على الوجوب.
وسادسها: أنّه عليه السلام لو فعل شيئاً معتقداً لإباحته، أو ناوياً للتّنفّل به، وفعلناه معتقدين بوجوبه ملزمين للعامّة فعله وتحريم تركه لم يصدق علينا التأسّي الذي أمرنا به، ولكنّا إلى مخالفته أقرب منّا إلى الاقتداء به، ولهذا أمثلة كثيرة:
منها: إنّه لا (5) يستحب لنا الطّلاق، ولا يجب علينا مع أنّه صلى الله عليه وسلم
(1) أخرجه البخاري ((الفتح)): (1/ 600) ، ومسلم برقم (572) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(2)
ما بينهما ساقط من (س).
(3)
سقطت من (س).
(4)
أخرجه مسلم برقم (1763) من حيث عمر رضي الله عنه.
(5)
تحرّفت في (س) إلى: ((الآن)) فتغيّر المعنى!.
قد طلّق حفصة، مع أنّ الطّلاق أبغض المباح إلى الله.
وكذلك قد ترك القسم لسودة لما كبرت، ووهبت نصيبها لعائشة، فدلّ على إباحة مثل ذلك دون استحبابه أو وجوبه.
وكذلك قد أمر بالاقتصاص له في مرضه ممن لدّه، ولا يدلّ ذلك على استحباب القصاص، وكراهة العفو، لأنّه عليه السلام لم يقصد التّقرّب بهذه الأفعال، ولا دلّت على ذلك القرائن.
فإذا تقرّر ذلك؛ فاعلم أنّه لا يدلّ دليل على أنّه عليه السلام طرد الحكم معتقداً لوجوب ذلك عليه، وعلى أمّته بل الظّاهر خلاف ذلك لوجوه:
الأول: أنّه عليه السلام لم يوجب ذلك، ولا أمر به، والبيان واجب عليه.
الثاني: أنّه لم يطرده من دار الإسلام، بل طرده من جواره فقط، وتركه في الطّائف مع المسلمين، وأمره عليه السلام نافذ في الطّائف.
الثالث: أنّه لم يخبر أهل الطّائف أنّه يحرم عليهم مجاورة الحكم، ويجب عليهم نفيه، وهم مسلمون ممتثلون لأوامره، وتقريره أحد الحجج.
الرّابع: أنّه لو وجب نفيه؛ لم يكن إلا لأجل فسقه أو كفره، ولا ذنب أكبر من الكفر، وقد ترك عليه السلام المنافقين واليهود في جواره، وأجمعت الأمّة على جواز إقرار اليهود بين المسلمين إلا في
جزيرة (1) العرب.
فإن قلت: لم نفاه عليه السلام.
قلت: تعيّن الوجه في ذلك لم يلزم، والظّاهر أنّه نفاه لأحد أمرين أو مجموعهما.
أحدهما: أنّه كان يظهر أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا قد زال في وقت عثمان.
ثانيهما: أنّه كان يمشي مثل رسول الله (2) صلى الله عليه وسلم /مستهزئاً نعوذ بالله.
فإن قلت: فكيف وصله عثمان، وآواه مع ذلك؟.
قلت: لأنّه من رحامته الماسّة، فهو عمّه صنو أبيه، وقد أمر الله بصلة الأرحام، وإن كانوا مشركين، قال الله تعالى:{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] ، ولم يكن [للحكم](3) من الحق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوجب الصبر عليه، وقد يختلف التّكليف في ذلك.
ألا ترى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كره النّظر إلى وحشي قاتل حمزة (4) ، ولم يستلزم ذلك أن يستحبّ لأولاد وحشي وزوجته، وسائر أرحامه
(1) في (أ): ((دار)).
(2)
سقطت من (س).
(3)
في الأصول: ((لمروان))! والكلام على الحكم.
(4)
في (س): ((إلى وجه قاتل عمّه حمزة)).
أن يقطعوا ما أمر الله بوصله (1) من رحامته، وهذه كراهية طبيعية لأنّه عليه السلام ، لم يكره النّظر إلى من تاب من الشّرك، مع أنّه أعظم الذّنوب، وقد قال عليه السلام:((أللهم إنّي آسف كما يأسف بنو آدم)) (2) الحديث، وليس من رقّ لرحم من أرحامه ممن غضب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدّ مخالفاً له عليه السلام ، فقد رقّ العبّاس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش في قصّة الفتح، وخاف أن تستأصل شأفتهم، فسار الليل إليهم وأخبر أبا سفيان بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاء به، وأقرّه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقد كان عثمان شفيقاً رحيماً، وقد فعل مثل هذا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلم ينكر عليه، وذلك أنّه شفع بوم الفتح في أخيه من الرّضاعة: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقتله، وقد عفا عليّ عليه السلام عن مروان بن الحكم يوم الجمل وقال: أدركتني عليه رحم ماسّة (3)، بل قد قال نوح عليه السلام:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ} [هود:45] ، مع أنه
(1) في (س): ((يوصل))!.
(2)
أخرجه مسلم برقم (2601) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ:((اللهم إنّما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر .. )) وروي بألفاظ أخرى متقاربة.
(3)
في هامش (أ) و (ي) ما نصه:
((هذا رواه الذّهبي في ((النبلاء)) بهذا اللفظ، وما إخاله إلا مفترى. تمت. من إفادة البدر المنير محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله)) اهـ.
أقول: انظر: ((السير)): (3/ 477) ، وحكى هذا الخبر عن الشافعي. وهو في ((تاريخ ابن عساكر)).
الذي قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح:26]. فما خصّ ولده إلا لرحامته.
وأمّا صلة عثمان للحكم ولغيره من قرابته بالأموال الكثيرة، فلا شكّ أنّه ابتلي بقرابة سوء، فكان يتألّفهم، وله حجّة واضحة في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وإعطائه المنافقين دون المؤمنين، فإنّ مئة ناقة لواحد من المنافقين في زمانه عليه السلام أكثر مما أعطاهم عثمان بالنّظر إلى زمانه، فإنّ الأموال في زمانه كانت قد كثرت كثرة /عظيمة.
الوهم الرابع: قال في الاحتجاج على أنّ المحدّثين يروون في الصّحيح عن فسّاق التّصريح ما لفظه: ((ومنهم المغيرة بن شعبة زنى)) ، [هكذا](1) رماه بالزّنا!.
والجواب عليه في هذا هو: النّصّ المحكم القرآني قال الله تعالى: {لَولَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذَا لَمْ يَأتُوا بِالشُهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ} [النور:13] قال تعالى: {وَلَولَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16] وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لَا تَعلَمُونَ} [النور:19]. فإن كان [قد](2) توهّم أنّ ذلك قد صحّ ولم يبق فيه شك؛ فليس الأمر كذلك، فلو صحّ الزّنا من المغيرة لحدّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ولو صحّ
(1) زيادة من (س).
(2)
ليست في (أ).
عنه، ولم يحدّه عمر؛ لانكر ذلك الصّحابة رضي الله عنهم فكيف يقتحم المعترض هذه المهواة العظيمة، ونسي ما عظّم الله من شأنها، فإنّه تعالى لم يجعل إليها سبيلاً إلا بعد كمال نصاب الشّهادة، فقد كان الرّجل يأتي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيقرّ بالزّنا، ويعترف بالفاحشة فيعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتطلّب له العذر بعد الإقرار، ويقول: لعلّك لمست، لعلّك قبّلت، حتّى لا يجد سبيلاً إلى الشّكّ ولا طريقاً إلى الاحتمال.
وهذا المعترض على أهل السّنّة عكس ما يلزم من الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ورمى بالزّنا من غير ثبوته، ولا إقامة شهادة، ولا حكاية عن شاهد، مع نقصان نصاب الشّهادة، ودعوى المغيرة للبراءة بل للزّوجية كما يأتي.
الوهم الخامس: قال: ((فإن يعتد بشهادة هؤلاء في الجرح لا في الحدّ؛ فالمغيرة مجروح وإن لم يعتد بشهادتهم، فأبو بكرة قاذف وصاحباه، ولا يروي عن واحد منهم الرّواة)).
والجواب: أنّه توهّم أنّ الشّهادة على الزّنا إذا لم يتمّ نصابها كانت قذفاً، فلا يخلو إمّا أن يريد: أنّ ذلك على سبيل القطع أو الظّنّ، فإن قال على سبيل الظّنّ؛ فذلك مسلّم ولا يضرّ تسليمه، أمّا أنّه مسلّم؛ فلأنّ أدلّة المسألة ظنّيّة، وهي خلافية بين العلماء.
قال في: ((نهاية المجتهد)) (1): ((والشّهود عند مالك، وكذا عند الشّافعيّ إذا كانوا أقلّ من أربعة قذفة؛ وعند غيره (2) ليسوا قذفة،
(1)(2/ 441) ، والكتاب اسمه ((بداية المجتهد ونهاية المقتصد)).
(2)
في (س) زيادة: ((هم)).
فجعل القول بأنّهم غير قذفة؛ هو قول الأكثرين من الفقهاء، وكلام الفقهاء في المسألة معروف /لا حاجة إلى التّطويل بذكره.
وقال الحاكم المعتزلي في ((شرح العيون)) ، ما لفظه (1)((ألا ترى أنّ من شهد بالزّنا لا يؤثّر حاله، ومن قذف بالزّنا أثر))؟ فنصّ على الفرق بين الشّهادة والقذف، والظّاهر أنّ المعترض حفظ من أصحابه في مذاكرة الفقه: أنّ الشّاهد قاذف إذا لم تكمل الشّهادة، فقلّدهم في ذلك، وظنّ أنّ هذا يقتضي القدح على (2) من خالف في هذه المسألة، وقبل الشّاهد، ووثّقه وإن لم يتمّ نصاب الشّهادة، وليس الأمر كما توهّم، فإنّه لو لزم القدح بمسائل الخلاف (3) الفقهية لزم جرح جميع المخالفين، بل الذي ذهب إليه أصحاب المعترض أنّ الشّاهد قاذف عندهم؛ فلا يقبلونه لمذهبهم فيه، ولا يعترضون على (4) من قبله وينسبونه إلى [قبول](5) الفسقة، وتعديل الكذبة، كما لا يلزم ذلك في سائر مسائل الخلاف الخلاف في شروط الشّاهد والرّاوي.
وأمّا إن قال المعترض: إنّه قاذف على سبيل القطع؛ فهذا غير مسلّم لأنّ المسألة شرعية ظنيّة لا عقليّة، وليس فيها نصّ قاطع متواتر اللفظ، معلوم المعنى، غير محتمل للتّخصيص والنّسخ والمعارضة، ولم يبق إلا القياس، ولا يصح أن يكون قاطعاً مطلقاً، وإن سلّمنا أنّه
(1)((ما لفظه)) ليست في (س).
(2)
في (س): ((عند)).
(3)
في (أ): ((الخلاف عندهم)) وهو خطأ. والتصويب من (ي) و (س).
(4)
ليست في (س).
(5)
في (أ) و (ي): ((قبيل))!.
يكون قاطعاً في بعض المواضع فلا يصحّ ذلك ههنا لوجدان الفروق المانعة من ذلك، فإنّ بين الشّاهد والقاذف فروقاً كثيرة لا يصحّ معها القطع، ألا ترى أنّه يشترط في الشّاهد العدالة، ولا يشترط في القاذف، ويشترط العدد المخصوص في الشّهادة ولا يجب في القذف أن يكون القذفة أربعة، وإذا قذف أربعة رجلاً بالزّنا، وجب عليهم إقامة الشّهادة، ولو كانت الشّهادة قذفاً؛ لكان القذف من الشّهادة، ولو كان منها لتمّ نصابها بقذف أربعة ولم يجب عليهم إقامة شهادة، فثبت بهذا أنّ الشّاهد غير قاذف، وأنّ المسألة ظّنّيّة، إلا من ذهب إلى ذلك فإنّه يعمل بمقتضى مذهبه، من غير اعتقاد جرح، ولا اعتراض على من لم يوافقه في المذهب، على أنّ جرح القاذف الجاهل بتحريم القذف أو الموافق بإقامة الشّهادة مما يخالف القياس، فلا يقاس الشّاهد في مثل هذه الصّورة على النّصّ الوارد /فيه، على القول المنصور في الأصول.
الوهم السادس: توهّم المعترض أنّه هؤلاء (1) الشّهود الثّلاثة إذا لم يكونوا قاذفين وجب جرح المغيرة بالزّنا الذي أخبروا به، وظنّ أنّه لا مخرج من هذا السؤال، وليس الأمر كما توهّم، بل يجوز أن يصدقوا فيما شهدوا به من نكاح المغيرة لامرأة لم يعلموا أنّها له زوجة، ويجوز مع ذلك أن لا يجرح بذلك المغيرة لتجويز غلطهم في الشّهادة، فقد روى ابن النّحوي في:((البدر المنير)): أنّ المغيرة ادّعى
(1) في (ي): ((هذه)).
في تلك المرأة التي رموه بها أنّها له زوجة، قال: وكان يرى نكاح السّرّ، وروي أنّه كان يتبسّم عند شهادتهم، فقيل له: في ذلك؟ فقال: إنّي أعجب مما أريد أن أفعله بعد شهادتهم، فقيل: وما تفعل؟ قال: أقيم البيّنة أنّها زوجتي. ذكره في ((البدر المنير)) وذكر أنّه كان كثير الزّواجة وأنّه أحصن بثلاثمائة امرأة.
وأمّا ما ذكره المعترض من أجل دخول المغيرة في الفتن فسيأتي الكلام على ذلك في (المسألة الثالثة)(1) عند ذكر أهل التّأويل، واختلاف النّاس في أحكامهم، وقد أثنى صاحب الرّسالة على أبي بكرة بالدّيانة والتّحرّي، وهو كما وصف لكن على غير قاعدته، فإنّه قد جرح من قعد عن نصرة عليّ رضي الله عنه فدلّ ذلك على جهله بحال أبي بكرة، وعدم معرفته بتشدّده في تحريم قتال أهل القبلة، حتّى حرّم المدافعة [عن](2) النّفس، وكان ينكر على المتقاتلين من الطائفتين، ولكنّه متأوّل متحرّ للصّواب، وفعله -كما قال عليّ في فعل ابن عمر- إن كان حسناً إنّه لعظيم، وإن كان ذنباً إنّه لصغير. رواه الذّهبي (3).
الوهم السابع، قال: ((ومنهم أبو موسى الأشعري، نزع علياً
…
عليه السلام الذي ولاّه الله ورسوله، إنّه على الله لجريء، وأقام معاوية بن أبي سفيان القدريّ)).
(1)(ص/523).
(2)
في (أ): ((على))!.
(3)
((السير)): (1/ 119 - 120).
والجواب: أنّ هذا وهم فاحش لا يجهله من له أدنى تمييز، فإنّ أبا موسى لم يقم معاوية بل خلعه، وكان يريد أن يقيم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان قد واطأ عمرو بن العاص على ذلك على ما هو مبسوط في كتاب التّاريخ.
وقد اشتهر في كتب التّاريخ أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى: ((أمّا بعد، فإنّ عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد، وأقسم بالله لئن بايعتني على الذي بايعني لأستعملنّ أحد ابنيك على الكوفة، والآخر على البصرة، ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة، وقد كتبت إليك بخطّي فاكتب إليّ بخطّ يدك)) فكتب إليه: ((أما بعد فإنك كتبت إليّ في جسيم الأمّة، فماذا أقول لربي إذ ما قدمت عليه، ليس لي في ما عرضت حاجة (1).
وهذا يدلّ على براءته من الجرأة على الله التي اجترأ المعترض على الله في غيبته بها. فقد كان متعبداً متزهداً صوّاماً قوّاماً، وقد تولّى البصرة فلم يخرج منها إلا بست مئة درهم، وكان خراجها عشرة آلاف ألف أربعمائة ألف. روى ذلك الذّهبي في ((النبلاء)) (2) ، وروى فيه (3) عن الشّعبي (4)[عن شقيق](5) عن حذيفة أنّه تكلم في أبي موسى بكلام
(1) أخرجه ابن سعد: (4/ 111).
(2)
((السير)): (2/ 398).
(3)
((السير)): (2/ 393 - 394).
(4)
كذا في الأصول! و ((العواصم)): (3/ 286)! وهو وهم من المصنّف رحمه الله وصوابه (الأعمش)، كما في ((السير)):(2/ 393) والمصنّف ينقل منه.
(5)
في ((الأصول)) بياض بمقدار كلمتين، والاستدراك من ((السير)):(2/ 393).
يقتضي بأنه منافق (1).
ثمّ قال: ((في الشّعبي تشيّع يسير)). انتهى.
وقد قال الشّعبيّ: حدثناهم بغضب أصحاب محمد /فاتخذوه دينا.
وعندي أنّ هذا لا يصدّق، فإنّه معارض بما هو أصحّ منه بل بما (2) هو معلوم الصّحّة، وذلك أنّ حذيقة وإن كان صاحب العلم بالمنافقين، فبغير شكّ أنّه إنّما أخذ العلم بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولّى أبا موسى على اليمن مصدقاً وقاضياً، وكان يفتي وقضي في بلدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في زمنه صلى الله عليه وسلم ، وفي أيّام الخلفاء الرّاشدين رضي الله عنهم، وكانت حال المنافقين أحقر من ذلك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليولّي القضاء منافقاً ويقرّه على الفتيا، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم فهذا أمر معلوم بالضّرورة، ولا يعارض بحديث مظنون، ومن الأحاديث المظنونة في الثّناء على أبي موسى ما رواه مالك بن مغول وغيره، عن أبي بُريدة ، عن أبيه بريدة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في أبي موسى:((إنّه مؤمن منيب)) لمّا قال له بريدة: أتراه يرائي؟ قال عليه السلام: ((بل مؤمن منيب)) (3).
(1) قال الذهبي في ((السير)): ((ما أدري ما وجه هذا القول؟!)).
أقول: لعل في قول الأعمش بعد ذلك ما يفسّر هذا، فلعله كان في وقت غضب حذيفة رضي الله عنهم أجمعين-.
(2)
سقطت من (س).
(3)
رواه رزين، وانظر:((المشكاة)): (2/ 709).
ولو كان منافقاً لاغتنم الفرصة حين حكّمه عليّ، ومال إلى الدّنيا وتابع من أعطاه منها، ولم ينظر للمسلمين.
ولو كان كذلك؛ لما اختار عبد الله بن عمر للخلافة، فإنّ عبد الله من أئمة التّقوى، ومعادن الزّهادة في الدّنيا، والمنافق إنّما يحبّ أهل الفسق والجرأة.
وأيضاً فإنّ أبا موسى استمرّ على العبادة، والاجتهاد في المدّة الطويلة من أوّل إسلامه إلى أن انقضت خلافة الخلفاء رضي الله عنهم، والمنافق ينجم (1) نفاقه، ولا تستمر له [الاستقامة](2) على الدّيانة (3).
ولما قرب موته اجتهد في العبادة اجتهاداً شديداً، فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك؟ فقال: إنّ الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلّ من ذلك.
ثمّ إنّه من السّابقين إلي الإسلام قبل ظهوره، والمتحمّلين لمشقّة الهجرة، وترك المال الوطن، وقد قرن الله الخروج من الدّيار بقتل الأنفس، وليس في المنافقين من أسلم من غير تقيّة، فكيف يتصوّر أن يسلم في أرض بعيدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم (4) يظهر فيها الإسلام، ثمّ
(1) أي: يظهر.
(2)
في (أ): ((الإقامة)) ، والمثبت من (ي) و (س).
(3)
في (س): ((الدنيا))! وهو خطأ.
(4)
في (س): ((لم)) ولها وجه.
يهاجر إلى مثلها. فإنّه من مهاجرة الحبشة، فمن يرائي بذلك، وإلى أيّ غرض يتوصّل؟ فقبّح الله من يجترىء على الله ببهت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان صدر من حذيفة شيء من ذلك فلعلّه تأوّل في ذلك وغلط فيه، وربّما أخذ ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإمام عليّ
…
رضي الله عنه: ((لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)) (1). وأخذ بغضه لعليّ رضي الله عنه من تخلّفه عنه، وهذا كلّه ضعيف، فإنّ التّخلّف لا يدلّ على البغض، ولا يستلزم استخراج النّفاق، فقد تخلّف عنه من أعيان الصّحابة مثل: ابن عمر، وعمران بن حصين، -الذي كانت الملائكة تسلم عليه- وأبي سعيد الخدريّ، وأسامة بن زيد حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي قال لعليّ رضي الله عنه: والله لو كنت شدق الأسد ما تخلّفت عنك، ولكنّي أقسمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا قاتلت بعده أحداً ممن يشهد أن لا إله إلا الله.
على أنّ بغض علي رضي الله عنه إنّما كان علامة للنّفاق في أوّل الإسلام، فإنّ المنافقين كانوا يبغضون من كان فيه قوّة على الحرب لكراهتهم لقوّة الإسلام، ولذلك جاء في الحديث أيضاً:((أنّ بغض الأنصار علامة النّفاق)) (2) لهذا المعنى، (1 وكذلك حبّهم وحبّ عليّ كان في ذلك الزّمان علامة الإيمان (3) لهذا المعنى، فأمّا في الأعصار المتأخّرة عن أوّل الإسلام فلا يدلّ على ذلك، فإنّ الخوارج
(1) تقدم تخريجه (ص/94).
(2)
أخرجه مسلم برقم: (78).
(3)
ما بينهما تكرر في (أ).
يبغضون عليّاً ويكفّرونه مع الإجماع على أنّهم غير منافقين وإن كان ذنبهم عظيماً، ومروقهم من الإسلام منصوصاً، والباطنيّة /يحبونه مع الإجماع على كفرهم، وكذلك الروافض يحبّونه مع ضلالهم وفسوقهم نعوذ بالله! فهذا ونحوه مما يحتمل أن يستند الصّحابي إلى مثله في مثل هذه الأمور -إن صحّت- أولى من خرق الإجماع، وهدم القواعد الكبار لملاحظة [ظاهر](1) حديث أحسن أحواله أنّه مظنون.
وقد قصدت وجه الله تعالى في الذّبّ عن هذا الصّحابي المعتمد في نقل كثير من الشّريعة المطهّرة لما رأيت الحافظ الذّهبي روى ذلك، ولم يقدح في إسناده بما ينفع، وقد أحسن الشّعبي (2) رحمه الله في قوله: حدّثناهم بغضب أصحاب محمد فاتّخذوه ديناً، فإنّه يحتمل صدور مثل ذلك عند الغضب بأدني شبهة.
وفي الحديث الصّحيح (3): ((اللهم إني بشر آسف كما يأسف بنو آدم فمن دعوت عليه أو سببته وليس لذلك بأهل فاجعلها له رحمة وزكاة)) أو كما ورد، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف غيره؟! وقد كان بين أبي موسى وعليّ شيء كبّرته الرّوافض والشّيعة.
وقد روى بعض أهل البيت من الزّيديّة أنّ أبا موسى اعتذر إلى عليّ رضي الله عنه (4 ورضي عليّ عليه السلام عنه (4) ونرجو صحّة
(1) زيادة من (ي).
(2)
تقدّم أن هذا وهم من المصنّف رحمه الله وأنّ صوابه: الأعمش.
(3)
تقدّم تخريجه.
(4)
ما بينهما ليس في (س).
ذلك إن شاء الله، ومثل هذه الرّواية يحسن الأخذ بها وإن كانت مرسلة، فإنّه لا بأس بالأخذ بالمرسل في مثل هذا. على أن المالكيّة وغيرهم يقبلونه في أحاديث الأحكام. بل ادّعى العلاّمة محمد بن جرير إجماع التّابعين على ذلك، رواه عنه ابن عبد البر في ((تمهيد)) (1).
الوهم الثّامن: وهم أنّه يمكنه تخصيص المحدّثين بالقدح عليهم في حديثهم بالحديث الذي فيه: ((يؤتى بقوم يوم القيامة فيذهب بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي)) (2) وبقوله تعالى: {وَمِمَّن حَولَكُم مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم} [التوبة:101]، قال المعترض: دلّت الآية على أنّ فيمن يعدّونه صحابيّاً عدلاً من هو كافر مجروح. انتهى كلامه.
وهو يصلح من شبه الزّنادقة القادحة على أهل الإسلام، لا من شبه الشّيعة القادحة على أهل الحديث، ولكنّ المعترض لا يدري ما يخرج من رأسه.
والجواب: أنّ الإجماع منعقد على الاعتبار بالظّاهر دون الباطن، ومن نجم نفاقه وظهر كفره ترك حديثه، ومن ظهر إسلامه وأمانته وصدقه قبل وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه، فقد علمنا لما وجب علينا وبذلنا في طلب الحق جهدنا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بالظّاهر ويتبرأ من علم الباطن. وإلى ذلك الإشارة بقوله في هذه
(1)(1/ 4).
(2)
تقدّم تخريجه.
الآية: {لَا تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم} [التوبة:101] ، فلو كان في هذا قدح على المحدّثين لتوجّه مثله على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليت شعري ما سبب خلوص الزّيديّة من هذا الإشكال؟ فإنّ الآية والحديث يدلاّن على أنّ فيمن يعدّونه صحابيّاً (1) عدلاً من يجوز أنّه مجروح، وقد أحسّ المعترض ورود هذا السؤال عليه فأشار إليه ثمّ قال: الجواب: أنّه قد ظهر فسق من ذكرناه وكفره.
والجواب: أنّ الذي قدح به نوعان:
أحدهما: ما وقع بين الصّحابة من الفتن، وسيأتي الجواب عليه في مسألة التّأويل والكلام على أهله.
وثانيهما: ما نسب إلى بعض الصّحابة من المعاصي التي تدلّ على الفسق الذي لا يدخله التّأويل، وقد ذكرنا فيما تقدّم الجواب عليه في ذلك وأنّ المحدّثين يوافقون على الجرح لمن صحّ ذلك في حقّه؛ كالوليد بن عقبة، والحكم بن أبي العاص، ويخالفون فيمن لم يصحّ ذلك في حقّه /كالمغيرة بن شعبة، وأبي بكرة، وسيأتي الكلام على المغيرة في (المسألة الثالثة)(2) إن شاء الله تعالى.
الوهم التّاسع: ذكر المعترض أنّ التّشبيه مستفيض عن الإمام أحمد بن حنبل، وأنّه روى عنه (3) ذلك علماء الزّيديّة وعلماء
(1) سقطت من (س).
(2)
(ص/523).
(3)
في (س): ((عن))!.
المجبّرة، (1 وعنى بالمجبّرة (1) الأشعرية وأهل الحديث.
والجواب عنه (2) من وجوه:
الأوّل: أن نقول: إمّا أن يقصد بذلك القدح في حديثه، أو تكفيره؛ إن كان الأوّل لم يصح لأمور:
الأمر الأوّل: أنّه مجمع على قبوله في الحديث، وقد قدمنا الدّليل على ذلك حيث ذكرنا الإجماع على صحة حديث البخاريّ ومسلم، فإنّه أوثق رواتهما، بل إمام مصنّفيهما، بل إليه المرجع في توثيق ثقاتهما.
الأمر الثّاني: أنّه مجمع على الاعتداد بخلافه، وعدم انعقاد الإجماع على رأسه، وذلك فرع على ثقته وأمانته، وقد شحنت الزّيديّة كتبها بمذاهبه، واشتغل أهل العلم منهم بحفظ أقواله، ولو كان مجروحاً غير مقبول لم يحسن ذلك منهم لما فيه من إيهام الخطأ، بل قد اشتهرت الرّواية لأحاديثه واختيارته عند جميع أهل السّنّة والبدعة، والرّوافض والشّيعة، وفيهم من هو من أعدائه، والفضل ما شهدت به الأعداء، فلولا علمه وحفظه (3) ، ما حفظت مذاهبه، وقبلت روايته، مع (4) العجم والعرب في الشّرق والغرب.
(1) ما بينهما ساقط من (س).
(2)
((عنه)) ليست في (س).
(3)
في (ي): ((فلولا علمه وفضله وحفظه)) وأشار أن ذلك في نسخه. وفي (س): ((فلولا علمه وفضله)).
(4)
في (س): ((من)).
*كأنه علم في رأسه نار*
كما قالت الخنساء في صخر (1) ، وما ذلك لكونه مشبّهاً كما زعم المعترض، بل لكونه إماماً جليلاً، وعلماً طويلاً، وقد أحسن من قال:
*لأمر ما يسود من يسود*
وأمّا كلام المتكلّمين فيه فهو زيادة في فضله، ودليل على جرأة المتكلّم وجهله. وما يضر الإمام أحمد كلام من يتكلّم عليه، وعلى خير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلفاء الرّاشدين وكبراء المسلمين.
لم تدر تغلب وائل أهجوتها
…
أم بلت حيث تناطح البحران
الأمر الثالث: معارضة تلك الروايات بإجماع أهل التّاريخ من أهل الحديث على براءة الإمام أحمد من التّشبيه، وقد روى الذّهبيّ في ((ميزانه)) عن بعض من وثق تصريح الإمام أحمد في ذلك بما لا مزيد عليه، وقد بالغ ابن الجوزيّ، وابن قدامة المقدسيّ الحنبليّان المحدّثان في تنزيه الإمام أحمد عن ذلك. قال الشيخ أحمد بن عمر الأنصاري: بل (2) لم يشتهر أحد من الحنابلة بذلك، ولم يعرف عنه إلا أنّه يوجد في كلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيّم الجوزيّة شيء من (3) ذلك لم يبلغ رتبة التّصريح، ذكره في كتابه ((مغني المحدّث في الأسفار عن حمل الأسفار)) (4) في آخر ذكر أسانيد ((مسند أحمد)).
(1)((ديوان الخنساء)): (ص/386).
(2)
ليست في (س).
(3)
في (س): ((في)).
(4)
لم أقف على المصنِّف ولا المصنَّف! فإن أراد المؤلّف كتاب ((المغني عن الحفظ والكتاب))؛ فهو لمحمد بن بدر الموصلي (623) ، الكتاب مطبوع وليس في آخره ما ذكر المؤلّف!.
وإن أراد: مختصر هذا الكتاب؛ فهو لابن الملقّن عمر بن عليّ (804) فلم نقف عليه!.
ولو وجد هذا؛ فهو شيء لا يلتفت إليه في حقّ الإمامين، بل هما على منهاج السّلف، ملتزمان به، داعيان إليه.
قلت: وما أظن بعض الحنابلة ينجو من ذلك، ولكن حكم البعض لا يلزم الكلّ بالضّرورة، وقد [اشتملت](1) كتب الرّجال على القدح بذلك على من قاله دون غيره، {ولَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر:7] ولله الحمد.
وأمّا إن أراد المعترض التّوصّل بذلك إلى تكفيره رضي الله عنه فهذا لا يصحّ (2) لأمور أيضاً:
منها: ما تقدّم من الإجماع على الاعتداد بأقواله، وعدم انعقاد الإجماع على رأسه، وليت شعري إذا كان / [عند](3) المعترض بهذه المنزلة فما باله يملي على طلبة العلم الشّريف مذاهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهلاّ أملى عليهم مذاهب الباطنيّة، وقولهم: إنّ للأنثى مثل حظّ الذّكر، ونحو ذلك؟.
ومنها: أنّ التّكفير من المسائل القطعيّة، يحتاج مدّعيه إلى التواتر الصّحيح في الطّرفين والوسط، والمعترض إنّما ادّعى
(1) في (أ): ((اشتمل))!.
(2)
في (ي) و (س): ((لا يصح له)).
(3)
سقطت من (أ).
الاستفاضة، وليس الاستفاضة تستلزم التّواتر، بل ولا تستلزم الصّحّة، فقد يستفيض الأمر في الأخير بعد غرابته أو نكارته أو وضعه (1) في أوّل الأمر، وقد اشتهرت أحاديث الكتب السّتّة وغيرها في الزّمن الأخير، وبلغ رواتها [أكثر](2) من عدد التّواتر.
ومنها: أنّ العدد الكثير قد يغلطون في رواية المذاهب، وإن لم يتعمّدوا الكذب فلا يحصل العلم بخبرهم، لأنّ شرط التّواتر الكثرة المفيدة للعلم، وذلك لا يكون إلا إذا أخبروا عن علم ضروري دون ما أخبروا به عن ظنّ أو استدلال، لكنّه يحتمل في المخبرين عن الإمام أحمد أنّهم ألزموه ذلك بطرق نظريّة استدلالية، فلا يفيد خبرهم التّواتر وإن كثروا، ألا ترى أنّ الشّيعة تعظّم المعتزلة، وتوثّقهم مع أنّ المعتزلة على كثرتهم قد أجمعوا على دعوى العلم القاطع بإجماع الصحابة على خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، والشّيعة في هذا المقام لا يعتقدون صدق المعتزلة ولا أنّ خبرهم مع أهل السّنّة يفيد تواتر النّقل بصحّة [هذا](3) الإجماع المدّعى، فما بال نقل النّقلة للتّشبيه عن الإمام أحمد لمّا (4) استفاض وجب الأخذ به؟ وأمّا استفاضة إجماع الصّحابة على خلافة أبي بكر فلا يؤخذ بها؟
فكلّ ما اعتذر به الشّيعيّ هناك فالحنبليّ (5) والسّنّي يعتذر عن
(1) في (س): ((منه))! وهو تحريف.
(2)
في (أ): ((أبلغ)).
(3)
زيادة من (ي) و (س).
(4)
في (س): ((كلما))!.
(5)
في (س): ((الحنبثي))!.
أحمد بمثله هنا.
ومنها: أنّه قد ثبت بالتّواتر أنّ الحافظ ابن الجوزيّ من أئمة الحنابلة، وليس في ذلك نزاع، ولا شكّ أنّ تصانيفه في المواعظ وتواليفه في الرّقائق مدرس فضلائهم، وتحفة علمائهم، فبها يتواعظون ويخطبون، وعليها في جميع أحوالهم يعتمدون.
وقد ذكر ابن الجوزيّ في كتبه هذه ما يقتضي نزاهتهم عن هذه العقيدة، وأنا أورد من كلامه في ذلك ما يشهد بصحّة ما ذكرته، فمن ذلك قوله في كتاب ((المدهش)) (1) في قوله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ والبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٍ} [الحديد:3]. قال ابن الجوزيّ: ((أوّل: ليس له مبتدأ، آخر: جلّ عن منتهى (2) ، يثبته العقل [ولا يدركه](3) الحسّ. كلّ مخلوق /محصور بحدّ مأسور في سور قطر. والخالق بائن مباين يعرف بعدم مألوف [التّعريف](4) ارتفعت لعدم الشِّبه والشُّبه، إنّما يقع الإشكال في وصف من له أشكال. وإنّما تضرب الأمثال، لمن له أمثال. وأمّا من لم يزل ولا يزال فما للحسّ معه مجال. عظمته عظمت عن نيل كفّ الخيال، كيف يقال: كيف، والكيف في حقّه محال؟ أنّى تتخايله الأوهام وهي صنعته، كيف تحدّه العقول وهي فعله، كيف تحويه الأماكن وهي وضعه؟ انقطع سير الفكر، وقف سلوك الذّهن،
(1)(ص/137).
(2)
بعدها في ((المدهش)): ((ظاهر بالدليل باطن بالحجاب)).
(3)
في (أ): ((لا يثبته)) ، والمثبت من ((المدهش)) و (ي) و (س).
(4)
سقطت من (أ).
بطلت إشارة الوهم، عجز لطف الوصف، عَشِيَت عين العقل، خرس لسان الحسّ، لا طول للقَدَم في طور القِدَم. عزّ المرقى فيئس المرتقي، بحر لا يتمكّن منه عائص. ليل لا يبصر فيه للعين كوكب.
مرام شطّ [مرمى](1) العقل فيه
…
فدون مداه بيد لا تبيد
جادّة التّسليم سليمة. وادي النّقل بلاقع. انزل عن علوّ غلوّ التّشبيه، ولا تعل قلل أباطيل التعليل، فالوادي بين الجبلين.
ما عرفه من كيّفه، ولا وحّده من مثّله، ولا عبده من شبّهه. المشبِّه أغشى والمعطِّل أعمى، ممّا يتزّه عنه ممّ! فيما يجب نفيه فيم؟! جلّ وجوب وجوده عن رجم ((لعل)) ، سبق الزّمان فلا يقال: كان، أبرز عرائس الموجودات من كنّ ((كن)) ، بثّ الحكم فلم يعارض ((بلم)) تعالى عن بعضيَّة ((من)) ، وتقدّس عن ظرفية ((في)) ، وتنزّه عن شبه ((كأن)) وتعظّم عن نقص ((لو أنّ)) (2 وعزّ عن عيب ((إلاّ أن (2) وسما كما له عن تدارك ((لكنّ)) (3).
وقال ابن الجوزيّ في كتاب ((اللّطف)) (4) في وصف الله تعالى: ((لا من الظّاهر فُهِمَ له شبح، ولا من الباطن تعطّل له وصف. خرست في حضرة القدس صولة ((لم)) ، وكفّت لهيبة الحقّ كفّ ((كيف)) وعَشِيت
(1) في (أ): ((رمى)).
(2)
ما بينهما ساقط من (س).
(3)
وقع في (س) و (ت) ، تحريفات كثيرة لم أعتن بالإشارة إليها.
(4)
ذكره ابن الجوزي لنفسه في ((فهرست مصنفاته)): (ص/210)، نشر في مجلة المجمع وقال: إنه مجلد المجمع وقال: إنه مجلد. وله نسخة في دار الكتب المصرية رقم (20537/ب). انظر: ((مؤلفات ابن الجوزي)): (ص/193) للعلوجي.
لجلال العزّ عين الفكر. فأقدام الطّلب واقفة على جمر التّسليم. إلى قوله: ((المشبِّه ملوَّث بدم التّجسيم، والمعطِّل نجس بسرجين الجحود، ونصيب المحقّ لبن خالص هو التّنزيه)) إلى قوله: ((تفكّروا في آلاء الله، لا تتفكّروا في الله. إذا استقبل الرَّمد الرّيح فقد تعرّض لزيادة الرّمد)) انتهى كلامه (1).
وفيه مع نفي التّجسيم والتّشبيه تلويح إلى ذم تعطيل ذات الله جل جلاله عمّا وصفها به في كتابه الكريم. فلهم مذهب بين مذهبين وإليه أشار بقوله: فالوادي بين الجبلين. وبقوله: ونصيب المحقّ لبن خالص هو التّنزيه، بل ظاهر عبارته أنّ المشبِّه خير من المعطِّل، وتفسير هذا، وذكر الأدلّة فيه والرّد على المبتدعة يحتمل تأليفاً مستقلاً، وليس هذا من مقاصد هذا الكتاب، وإنّما القصد فيه تنزيه الإمام /أحمد عن التّشبيه الذي وصمه به المعترض.
ولنورد في هذا المقام كلام النّوويّ في حكاية مذهب أهل الحديث، وغيرهم من جماهير أهل السّنّة، قال النّوويّ في:((شرح مسلم)) (2) -وقد ذكر حديث ((يوم يكشف عن ساق)) -: ((أعلم أنّ لأهل العلم في أحاديث الصّفات، وآيات الصّفات قولين:
أحدهما -وهو مذهب معظم السّلف (3) أو كلّهم-: أنّه لا يتكلم
(1) ليست في (س). وقد وقع في (س) تحريفات، صوبتها ولم أشر إلى ذلك.
(2)
(3/ 19).
(3)
نسبة هذا المذهب إلى السّلف غير صحيحة، وإنّما مذهب السّلف هو تفويض الكيفية، مع إثبات المعنى.
ونسب النووي هنا إليهم تفويض المعنى والكيفية!!.
وانظر للتوسّع: ((مجموع الفتاوى)): (6/ 35) و ((الردود والتعقبات)): (ص/67، 171).
في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنّه منزّه عن التّجسيم، وعن سائر صفات المخلوقين. وهذا القول هو مذهب جماعة المتكلّمين، واختاره جماعة من محقّقيهم وهو أسلم.
والقول الثّاني: وهو مذهب معظم المتكلّمين أنّها تتأوّل، وإنّما يسوغ تأويلها للعارف بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع، ذي رياضة في العلم)) انتهى كلام النّووي.
وهو ظاهر في تنزيه الفقهاء من التّجسيم، وأحمد بإجماعهم من أئمتهم وجلّتهم، فلو كان مجسّماً ما كان عندهم بهذه المنزلة، ألا ترى أنّ النّووي لم يعدّ قول المجسّمة في أقوال أهل العلم، وقصر أقوال العلماء على قولين، وأحمد عنده من العلماء بغير شكّ.
فإن قلت: وما التّجسيم؟ قلت: هو إثبات الجسم لله تعالى. قال الإمام يحيى بن حمزة في كتاب ((التحقيق، في التكفير والتّفسيق)): ((وعن الخليل بن أحمد في ((كتاب العين)) (1) أنّه قال: ((الجسم البدن وجميع أعضائه من النّاس والدّوابّ ونحو ذلك مما عظم في الخلقة، وأنشد الخليل:
وأجسم من عاد جسوم رجالهم
…
وأكثر إن عدّوا عديداً من التّرب
(1)(6/ 60).
انتهى كلام الإمام يحيى بن حمزة.
وقال في ((مجمل اللّغة)) (1) لأبي [الحسين](2) أحمد بن فارس بن زكرياء: ((الجسم كلّ شخص مدرك. كذا رأيته في ((كتاب ابن دريد)) (3). وكلّ عظيم الجسم جسيم وجسام، والجثمان الشّخص)) (4). وفي ((المجمل)) (5) وفي ((كتاب الخليل)) (6) أنّ الجسد لا يقال لغير الإنسان من [خلق] الأرض.
وفي كتاب ((الضّياء)) (7) لمحمّد بن نشوان الحميريّ: الجسم كلّ شخص مدرك. لكنّه فسّر الشّخص بالجسم، فدار كلامه ولم يظهر مقصده. وأمّا التّشبيه فهو أخصّ من التّجسيم لاختلاف عرف أهل اللّغة العربية وأهل الاصطلاح العرفيّ، وقد تكلّم الأصوليون على ذلك في مسألة نفي المساواة وما هي تقتضي، والله سبحانه أعلم.
الوهم العاشر: قال: ((وقد نسب إلى الشّافعي القول بالرّؤية (8) ، فطرّق عليه الاحتمال، لأنّ الرّؤية إنّما تكون بكيف أو بلا كيف،
(1)(1/ 189).
(2)
في (أ) و (ي): ((الحسن))! وهو خطأ.
(3)
((الجمهرة)): (2/ 94).
(4)
في ((المجمل)): ((الجسمان الجسم)).
(5)
(1/ 189) وما بين العكوفين منه.
(6)
((العين)): (2/ 113).
(7)
تقدّم الكلام عليه (ص/234).
(8)
أي: رؤية الله تعالى يوم القيامة.
والكيفية (1) تجسيم لا محالة)).
أقول: قد توهّم المعترض أنّ إسلام الإمام الشّافعي رضي الله عنه مشكوك فيه، وأراد أن يقرّب كفره وخروجه من الإسلام، فلم يزد على أن تعرّض لأن يبوء بالكفر، وعرّض نفسه للتّكذيب والخسر، فأمّا الإمام الشّافعي فهو أرفع من أن ينقصه كلام سفيه/، رشح إناؤه بما فيه.
ما يضرّ البحر أمسى زاخراً
…
أن رمى فيه سفيه بحجر
ومن جلالة (2) الشّافعيّ رضي الله عنه أنّ كلّ طائفة من المعتزلة، وأهل السّنّة تدّعيه وتتشرّف أن تكون من متّبعيه، فيا هذا مالك، وهذه الحماقة؟ أليس شيوخ المعتزلة مفصحين (3) بدعوى موافقتهم للشّافعيّ في العقيدة؟ أليس قاضي قضاتهم عبد الجبار (4) ، وأمثاله من جملة خدّام أقواله القديمة والجديدة؟! فهم في الفروع غير مستنكفين من التّشرف بالنّسبة إليه، ولا مستكبرين من التّعويل في التّقليد عليه، وهم في العقيدة مدّعون لموافقته داعون إلى
(1) في هامش (أ) و (ي) إشارة إلى أنه في نسخة: ((المكيفة)).
(2)
في (س): ((جلال)).
(3)
في (أ) و (ي): ((مفصحون)).
(4)
عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار، أبو الحسن الهمذاني شيخ المعتزلة. كان إمام المعتزلة في زمانه، ويلقبونه: قاضي القضاة، ولا يعنون عند إطلاقه غيره، وكان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع، له تصانيف كثيرة. ت
…
(415)، ((السير)):(17/ 244)، ((طبقات الشافعية)):(5/ 97) للسبكي.
عقيدته (1) ، وكفى ما ذكره عالمهم الكبير أبو سعد المحسّن بن كرّامة الشّهير بالحاكم في كتابه ((شرح العيون)).
وأمّا التّعرّض لتكفيره -صانه الله من ذكر ذلك- لكون القول بالرّؤية روي عنه، فهذه علّة يلزم المعتلّ بها تكفير كثير من أئمة الإسلام، وجلّة علمائه الأعلام، فقد رويت الرّؤية من (2) الصّحابة
…
-رضي الله تعالى عنهم-، عن إمام الجميع (3) علي بن أبي طالب، وإمام المعتزلة وأهل السّنّة أبي بكر الصّدّيق (4) رضي الله عنهما وعن ابن عبّاس، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وكعب الأحبار.
ومن التّابعين وغيرهم: سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وسعيد ابن جبير، وطاووس، وهشام بن حسّان، والقاضي شريك [و](5) ابن
(1) أي: في زعمهم وإلا فحاشاه من ذلك، انظر:((العواصم)): (5/ 5 - فما بعدها).
فإذا كان شيوخك وسلفك أيها الزّيديّ المعتزلي معظمين له، خاضعين لعلومه، إلا يكفيك متابعتهم وتقليدهم، وقد قرّرت لزوم التقليد وإغلاق باب الاجتهاد!!
(2)
كذا في الأصول.
(3)
أي: الشيعة والسنة، فكلهم رضيه إماماً.
(4)
لأنّهم راضون بخلافته.
(5)
زيادة من (س)، وابن أبي نمر هو: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أبو عبد الله المدني ت (140هـ).
أبي نمر، وعبد الله بن المبارك، وأئمة المذاهب الأربعة، والأوزاعي، وإسحق بن راهويه، واللّيث بن سعد، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجرّاح، وقتيبة بن سعيد، وأبي عبيد القاسم بن سلاّم، وغيرهم، فكلّ هؤلاء روي عنهم القول بالرّؤية، فإن كان كلّ من روي عنه ذلك لزم الشّكّ في إسلامه، والطّرح لمذهبه، وروايته؛ لزم المعترض التشكيك في إسلام (1) عصابة الإسلام، وركن الإيمان: الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان، الذين أطبق السّلف والخلف عن الاقتداء بهم (2) ، والقبول لقولهم، والانتفاع بمعارفهم ومذاهبهم.
وإن كان المعترض يكذّب الرّواة لذلك عنهم أو يتأوّل معنى ذلك، وإن صحّ صدوره منهم، فهلاّ فعل في حقّ الإمام الشّافعيّ مثل ذلك! وسلك به في الحمل على السّلامة أوضح المسالك؟!.
/الوهم الحادي عشر: وهم هذا المعترض أنّه يمكنه التّشكيك في علم أبي حنيفة رضي الله عنه ، واعتلّ في ذلك بأنّه قد رمي بالقصور في علميّ العربية والحديث، أمّا العربية؛ فلقوله: بأبا قبيس، وأمّا الحديث؛ فلأنّه كان يروي عن المضعّفين وما ذلك إلا لقلّة علمه بالحديث)) انتهى كلامه.
وكان قد قدّمه قبل هذا الموضع في المسألة الأولى: لكنّي
(1) ليست في (س).
(2)
في (س):)) بهديهم)).
أحببت (1) أن أجمع الذّبّ عن أئمة الإسلام (2) الأربعة في موضع واحد فأقول:
لا يخلو إمّا أن ينكر صدور الفتوى عنه رضي الله عنه ، وينكر نقل الخلف والسّلف لمذاهبه (3) في الفقه، أو يقرّ بذلك، إن أنكره أنكر الضّرورة، ولم تكن لمناظرته صورة، وإن لم ينكره فهو يدلّ على اجتهاده، ولنا في الاستدلال به (4) على ذلك مسالك:
المسلك الأوّل: أنّه ثبت بالتّواتر فضله وعدالته، وتقواه وأمانته، فلو أفتى بغير علم وتأهّل لذلك وليس له بأهل لكان جرحاً في عدالته، وقدحاً في ديانته وأمانته، ووصماً في عقله ومروءته، لأنّ تعاطي الإنسان ما لا يحسنه، ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه، من عادات السّفهاء، ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخسّة والدّناءة، ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوصمة القبيحة، والبدعة (5) الشّنيعة.
المسلك الثّاني: أنّ رواية العلماء لمذاهبه، وتدوينها في كتب الهداية، وخزائن الإسلام؛ تدلّ على أنّهم قد عرفوا اجتهاده لأنّه لا يحلّ لهم رواية مذهبه (6) إلاّ بعد المعرفة بعلمه لأنّ إيهام ذلك من غير
(1) في (س): ((أحببب))!.
(2)
في (س): ((المسلمين)).
(3)
في (س): ((مذاهبه)).
(4)
سقطت من (ي).
(5)
في نسخة ((المذمّة)) كذا في هامش (أ) وفي (س).
(6)
في (س): ((مذهب إمام)).
معرفة محرّم، لما يتركّب (1) عليه من الأحكام الشّرعيّة المجمع عليها، كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه، والمختلف فيها. كانخرام إجماع من بعده بخلافه، وجواز تقليده بعد موته.
المسلك الثّالث: أن نقول: الإجماع منعقد على اجتهاده، فإن خالف في ذلك مخالف فقد انعقد الإجماع بعد موته، وإنّما قلنا بذلك لأنّ أقواله متداولة بين العلماء الأعلام، سائرة في مملكة الإسلام، في الشّرق والغرب واليمن والشّام، من عصر التّابعين من سنة خمسين ومائة إلى يوم النّاس هذا وهو أوّل المائة التّاسعة بعد الهجرة، لا ينكر على من يرويها ولا على (2) من يعتمد عليها، والمسلمون بين عامل عليها، وساكت عن الإنكار على من يعمل عليها، وهذه الطّريقة [هي](3) التي يثبت بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع.
المسلك الرّابع: أنّه قد نصّ كثير من الأئمة والعلماء على أنّ أحد الطّرق الدّالّة على اجتهاد العالم /هي: انتصابه للفتيا، ورجوع عامّة المسلمين إليه من غير نكير من العلماء والفضلاء، وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم أصول الفقه، وهناك يذكر الدّليل على أنّ ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالم وجواز تقليده.
وممن ذكر ذلك من أئمة الزّيديّة، وشيوخ المعتزلة المنصور بالله في كتابه:((الصّفوة)) ، وأبو الحسين البصري في كتابه
(1) في (س): ((يترتّب)).
(2)
ليست في (س).
(3)
زيادة من (ي) و (س).
((المعتمد)) (1) ، وهذا في سكوت سائر العلماء عن النّكير على المفتي، فكيف بسكوت ركن الإسلام من عصابة التّابعين، ونبلاء سادات المسلمين [الذين](2) هم من خير القرون بنصّ سيّد المرسلين، فقد كان الإمام أبو حنيفة معاصراً لذلك الطّراز الأوّل كما سيأتي، وقد تطابق الفريقان من أهل السّنّة والاعتزال، على التّعظيم لأبي حنيفة والإجلال؛ أمّا أهل السّنّة: فذلك أظهر من الشّمس، وأوضح من أن يدخل فيه اللبس.
وليس يصحّ في الأفهام شيء
…
إذا احتاج النّهار إلى دليل (3)
وأمّا المعتزلة: فقد تشرّفوا (4) بالانتساب إليه، والتّعويل في التّقليد عليه، كأبي عليّ، وولده أبي هاشم من متقدّميهم، وأبي (5) الحسين البصري، والزّمخشريّ من متأخّريهم (6) ، وهم وإن قدّرنا دعواهم الاجتهاد، والخروج من التّقليد، فذلك إنّما كان بعد طلبهم العلم وطول المدّة، وهم قبل ذلك وفي خلال ذلك معترفون باتباع
(1)(2/ 939).
(2)
في (أ): ((أين))! ، وفي (س):((ومن)) ، المثبت من (ي).
(3)
البيت في (س):
وليس يصحّ في الأذهان شيء
…
متى احتاج النّهار إلى دليل
والبيت للمتنبي، ((ديوانه)):(3/ 92) مع الشرح المنسوب للعكبري.
(4)
في (س): ((تشرف أكثرهم)).
(5)
في (أ): ((أبو)).
(6)
في هامش (أ) و (ي):
((بل قيل أكثر من هذا، وأنّ كلّ معتزلي حنفي إلا قاضي القضاة. تمت)) مولانا أحمد بن عبد الله.
أقواله، وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه والمتابعة في المعارف لرسمه، وفي كلام علاّمتهم الزّمخشريّ:((وتّد الله الأرض بالأعلام المنيفة، كما وطّد الحنيفيّة بعلوم أبي حنيفة. الأئمة الجلّة الحنفية، أزمّة الملّة الحنيفيّة، الجود والحلم حاتميّ وأحنفيّ، والدّين والعلم حنيفيّ وحنفيّ)) (1).
وقد عقد الحاكم أبو سعد (2) فصلاً في فضل أبي حنيفة، وعلمه ذكره في كتابه ((سفينة العلوم)) (3) ، وقد أطبق أهل التّاريخ على تعظيمه، وأفرد بعضهم سيرته رضي الله عنه في كتاب سمّاه ((شقائق النّعمان في مناقب النّعمان)) (4): ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلاً ومن حلية العلم عاطلاً ما تطابقت جبال العلم من الحنفيّة على الاشتغال بمذاهبه، كالقاضي أبي يوسف، ومحمّد بن الحسن الشّيبانيّ، والطّحاويّ، وأبي (5) الحسن الكرخيّ، وأمثالهم وأضعافهم، فعلماء الطّائفة الحنفيّة في الهند، والشّام، ومصر، واليمن، والجزيرة، والحرمين، والعراقين منذ مئة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سنة، فهم ألوف لا ينحصرون، وعوالم لا يحصون
(1) انظر نحوه في ((أطوال الذهب)): (ص/51).
(2)
في (س): ((سعيد))!.
(3)
قال الزركلي في ((الأعلام)): (5/ 289): ((مخطوط في التاريخ، إلى زمانه، أربعة مجلدات كبار)) اهـ.
(4)
من تأليف جار الله الزمخشري (538)، ذكره في ((كشف الظّنون)):(ص/1056)، وسمّاه:((شقائق النّعمان في حقائق النّعمان)).
(5)
في (أ) و (ي): ((أبو)).
من أهل العلم /والفتوى، والورع والتّقوى، فكيف يجترىء هذا المعترض، ويجوّز عليهم أنّهم تطابقوا على الاستناد إلى عامّي جاهل لا يعرف أنّ الباء تجرّ ما بعدها، ولا يدري ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما هذا إلا كلام عامّي أو أعمى، يخبط من الجهل في ظلماً.
وهبك تقول هذا الصّبح ليل
…
أيعمى العالمون عن الضّياء (1)
وأمّا ما قدح به على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم باللّغة العربيّة فلا شكّ أنّ هذا كلام متحامل، متنكّب عن سبيل المحامل، فقد كان الإمام أبو حنيفة من أهل اللّسان القويمة (2) واللّغة الفصيحة.
وليس بنحويّ يلوك لسانه
…
ولكن سيلقيّ يقول فيعرب
وذلك لأنّه أدرك زمان العرب، واستقامة اللّسان، فعاصر جريراً والفرزدق، ورأى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين، وقد توفّي أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين من الهجرة (3) ، والظّاهر أنّ أبا حنيفة ما رآه وهو في المهد، بل رآه بعد التّمييز، يدلّ على ذلك
(1) البيت لأبي الطّيّب المتنبّي ((ديوانه)): (1/ 10) مع شرح العكبري والرواية فيه: وهبني قلت
…
وتكرر الشطر الأول في (أ).
(2)
في (ت): ((القوية)) وفي (س)((القديمة))!.
وانظر ((العواصم)): (2/ 86).
(3)
في هامش (ي) ما نصّه:
((أو قريب من هذا، وذكر العيني وغيره: أنّ أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- رأى ستة من الصحابة، واختلفوا في الأخذ عنهم)).
أنّ (1) أبا حنيفة كان من المعمّرين، وتأخّرت وفاته إلى سنة خمسين ومائة، وقد جاوز التسعين (2)
من العمر، وهذا يقتضي أنّه بلغ الحلم، وأدرك بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر الثّمانين [سنة](3) لأنّه عليه السلام توفّي بعد مضي عشر من الهجرة، وهذا يدلّ على تقدم أبي حنيفة وإدراكه زمان العرب، وهو أقدم الأئمة وأكبرهم سنّاً، فهذا مالك على تقدّمه توفّي بعده بنحو ثلاثين سنة، ولا شكّ أنّ تغيّر اللّسان في ذلك الزّمان كان يسيراً، وأنّه لم يشتغل في ذلك الزّمان بعلم اللّغة وفنّ الأدب أحد من مشاهير العلماء المتبوعين المعتمد عليهم في التّقليد، لعدم مسيس الحاجة إلى ذلك في ذلك العصر كما أشار إلى ذلك أبو السّعادات ابن الأثير في ديباجة كتابه:((النّهاية)) (4) ، وكما لا يخفي ذلك على من له أنس بعلم التّاريخ، فلو أوجبنا قراءة علم العربيّة في ذلك الزّمان على المجتهد لم نقتصر على أبي حنيفة، ولزم أن لا
(1) في (س): ((فدلّ على أنّ أبا .... )).
(2)
في (ي) و (س) وهامش (أ)، و ((العواصم)):(2/ 86): ((التسعين)) ، وفي (أ) و (ت):((السبعين)).
ولم أبق على ((التسعين)) لأنّه الصواب، وإنّما لأنّه كلام المؤلف رحمه الله، وقد ذكر المؤلّف في ((الأصل)):(2/ 86) أنه أخذ هذا عن أبي طالب ذكره في كتاب ((الأمالي)).
أقول: والصّواب أنّ أبا حنيفة لم يجاوز السبعين. قال الذهبي في الصحابة
…
توفي
…
في سنة خمسين ومائة. وله سبعون سنة)) اهـ.
(3)
في (أ): ((السنة))! وليست في (ي).
(4)
(1/ 5).
يصحّ احتجاج (1) علماء العربيّة بأشعار جرير والفرزدق، وهذا ما لم يقل به أحد، وإنّما اختلّ اللّسان الاختلال الكثير في حقّ بعض النّاس بعد ذلك العصر، وقد سلم من تغيّر اللّسان من لم يخالط العجم في الأمصار من خلّص العرب، وأدرك الزّمخشري كثيراً منهم ممن لزم البادية، وأكثر ما أسرع التّغيّر إلى العامّة ومن لا تمييز له، وقد قال الأمير العالم الحسين بن محمد في كتاب ((شفاء الأوام)): /إنّ الإمام يحيى بن الحسين رضي الله عنه كان عربيّ اللّسان حجازيّ اللّغة (2) من غير قراءة، وروى [علاّمة الشّيعة](3) عليّ بن عبد الله بن أبي الخير أنّه قرأ في العربيّة أربعين يوماً، وهذا وهو (4) توفي على رأس ثلاث مائة من الهجرة.
وأمّا سنة ثمانين من الهجرة، فليس أحد من أهل التّمييز يعتقد أنّ أهل العلم في ذلك الزّمان كانوا لا يتمكّنون من معرفة معاني كلام الله ورسوله إلا بعد ((قراءة في علم العربيّة، ولو كان ذلك منهم لنقل ذلك، وعرف شيوخ التّابعين فيه، وليت شعري من كان شيخ (5) علقمة بن قيس، وأبي مسلم الخولاني، ومسروق [بن] الأجدع، وجبير بن نفير، وكعب الأحبار، أو من كان شيوخ من بعدهم من
(1) في (س): ((استشهاد)).
(2)
في ((العواصم)): (2/ 87) و (ت): ((اللهجة)).
(3)
زيادة من (ي) و (س).
(4)
في (س): ((قد)).
(5)
العبارة في (س): ((من كانوا في ذلك شيوخ)).
التّابعين؟ كالحسن، وأبي الشّعثاء (1) ، وزين العابدين، وإبراهيم التّيميّ، والنّخعيّ، وسعيد بن جبير، وطاووس، وعطاء والشعبي ومجاهد، وأضرابهم، فما خصّ أبا حنيفة بوجوب تعلّم العربيّة، وفي أيّ المصنّفات البسيطة يقرأ في ذلك الزّمان؟.
وأمّا قوله: بأبا قبيس فالجواب عنه من وجوه:
الأوّل: أنّ هذا يحتاج إلى طرق صحيحة، والمعترض قد شدّد في نسبة الصّحاح إلى أهلها مع اشتهار سماعها، والمحافظة على ضبطها، فكيف بمثل هذا (2)؟!.
الثّاني: أنّه (3) إن ثبت بطرق صحيحة، فإنّه لم يشتهر، ولم يصحّ مثل شهرة صدور الفتيا، ودعوى الاجتهاد عن الإمام أبي حنيفة، وقد تواتر علمه وفضله، وأجمع عليه، وليس يقدح في المعلوم بالمظنون، بل بما لا يستحق أن يسمّى مظنوناً.
الثالث: أنّا لو قدّرنا أنّ ذلك صحّ عنه بطريق معلومة لم يقدح به لأنّه ليس بلحن بل هو لغة صحيحة، حكاها الفراء عن بعض العرب وأنشد:
إنّ أباها وأبا أباها
…
قد بلغا في المجد غايتاها (4)
(1) في (س): ((الشعث))!.
(2)
في (س):)) فكيف بهذه الرواية)).
(3)
في (أ): ((أنه الآن)) وضرب على كلمة ((الآن)) في (ي) وليست في (س).
(4)
اختلف في قائل هذا البيت، انظر:((شواهد العيني)): (1/ 133).
وهو شاهد للنّحاة في إعراب الأسماء الخمسة إعراب المقصور نحو فتى وعصى، مع استيفائها للشروط.
انظر: ((التصريح على التوضيح)): (1/ 65)، ((شرح ابن عقيل)):(1/ 51).