الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الثاني عشر بعد المائة علم استعارته
الاستعارة:
هي مجاز علاقته المشابهة وإنما سميت الاستعارة استعارة لأنه استعير المشبه به للمشبه وجعل هو إياه ادَّعَاء.
وهي أصلية وهي ما كان المستعار منه اسم جنس كأسد وأسامة
وشمس وإن لم يكن اسم جنس بأن كان في الفعل أو المشتقات من الاسم أو الحروف فهي تبعية لجريانها فيه يعني المشتق بعد جريانها في مصدره إن كان مشتقًا وفي متعلق معناه أن كان حرفًا فالتبعية تكون في الحروف وفي المشتقات وفي الأفعال
مثالها في المشتقات قولك قتل زيد عمروًا تريد بذلك أنه ضربه ضربًا شديدًا فشبه الضرب بالقتل واستغير له لفظ القتل فهذه الاستعارة تبعية
وأما الاستعارة في الحروف فالأصل مثلًا في من أن تكون للابتداء وإلى للانتهاء و (رب) للتعليل، فإذا جرت في موضع غير ما هي موضوعة له في الأصل كان ذلك استعارة وأنكر السكاكي الاستعارة التبعية ثم إن كلًا من الاستعارة الأصلية والتبعية تنقسم إلى أقسام لأنه إمّا أن يكون المستعار له حسيًا أو عقليًا فإن كان حسيًا فالاستعارة تحقيقية مثال ذلك في السحية قوله تعالى:{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] فالمستعار منه هو النار والمستعار له هو الشيب ووجه الشبه انبساط الشيب في الرأس ومشابهة بياضه لبياض النار.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99] فإن أصل الموج في حركة الماء فاستعمل في حركة الإنسان على سبيل الاستعارة والجامع سرعة الاضطراب وتتابعه.
ومن ذلك قول الله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} [التكوير: 18] استعير خروج النور من المشرق قليلًا قليلًا للنفس حيث أنه يخرج قليلًا قليلًا من الإنسان.
وإن كان عقليًا فالاستعارة تخييلية كقول الله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 6] أي دين الحق وملة الإسلام وهذا أمر عقلي استعير له الطريق والاستقامة لجامع الوصول إلى المطلوب والسهولة.
فهذه أربعة أقسام ثم إن كلًا من الأربعة الأقسام لا يخلو: إمّا أن يصحبه ما يلائم المستعار منه وتسمى استعارة مرشحة كقول الله تعالى: {أُولَئِكَ
الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16] فاستعير لاستبدال الضلالة بالهدى والشرى وأتى بما يلائم المستعار منه وهو الربح في التجارة أو ما يلائم المستعار له وتسمى استعارة مجردة كقول الله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [النحل: 112] فاستعير اللباس للجوع بعلاقة الغشيان والتعميم كما أنت اللباس يعم الجسد وأتى بما يلائم المستعار له وهو الطعم بلفظ الجوع والخوف.
والترشيح أبلغ من التجريد عند أهل البيان أو لا يصحبها شيء مما يلائم المستعار منه والمستعار له وتسمى مطلقة كقول الله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} [الأنبياء: 18] فاستعير لظهور الحق على الباطل القذف واستعير لإذهاب الباطل وإعدامه بالحق الدمغ ولم يذكر ما يلائم المستعار منه ولا المستعار له.
فهذه إثنا عشر قسمًا هذه استعارة أصلية تحقيقية مرشحة أو مجردة أو مطلقة وقس على ذلك.
ثم لها تفريعات تحلق بهذه الاثني عشر القسم وهي أن النظر في أحوال الاستعارة على ثلاثة أقسام: في المشبه والمشبه به ووجه الشبه فإنه لا يخلو إمّا أن يكون المشبه والمشبه به ووجه الشبه حسيًا مثل قول الله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] فإن المشبه به هو النار والمشبه سريان الشيب في الرأس ووجه الشبه انبساط الشيب في الرأس وسرعته وكل منهم محسوس فيقال في هذه استعارة تبعية تحقيقية مجردة لأنه أتى بما يلائم المستعار له وهو الشيب وقد يكون المستعار له والمستعار منه حسيان ووجه الشبه معقول كقول الله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)} [يس: 37] فالسلخ الذي هو كشط الجلد محسوس وكشف الضوء عن الليل محسوس أيضًا ووجه الشبه وهو ترتيب وجود الليل على انسلاخ النهار معقول كذا ذكر في تلخيص المفتاح وشروحه وعندي أنه ليس من هذا الباب بل وجه الشبه أيضًا في هذه الآية محسوس فإن بانسلاخ الجلد يظهر اللحم وبذهاب النهار يظهر الليل وهو أمر محسوس وترتب وجود الليل على ذهاب النهار أمر ظاهر محسوس والله أعلم.
وإنما الذي من هذا القبيل قول الله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24] فإنه شبه الإهلاك والذهاب بالحصاد ووجه
الشبه بينهما أمر عدمي وهو الإهلاك وقد يكون المستعار له والمستعار منه معقولًا ووجه الشبه كذلك كقول الله تعالى: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52] المستعار منه الرقاد والمستعار له الموت والجامع السكون وقد يكون المستعار منه محسوسًا والمستعار له معقول ووجه الشبه معقول كقول الله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112].
فالمستعار منه محسوس وهو الحبل والمستعار له الذي هو العقد معقول ووجه الشبه وهو الثبات معقول وقد يكون المستعار منه معقولًا والمستعار له محسوسًا ووجه الشبه معقولًا كقول الله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} [الحاقة: 11] المستعار منه التكبر وهو أمر عقلي والمستعار له زيادة الماء وهو أمر حسي ووجه الشبه الارتفاع والعلو وهو أمر عقلي ولها أي الاستعارة الأصلية والتبعية كما تقدم تقسيم آخر باعتبار طرفيها لأنه إن أمكن أن يجتمع طرفاها في شيء نحو قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] فإن المستعار منه: الحياة والمستعار له الهداية وهما ممكن الاجتماع في شيء وتسمى هذه الاستعارة وفاقية.
ولا يمكن اجتماعهما وتسمى عنادية ومن العنادية التهكمية والتلميحية وهما استعمال الشيء في ضده ونقيضه نحو قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ} [آل عمران: 21] فالبشارة تكون فيما يسر والإنذار فيما يضر واستعير التبشير في مقام التنذير تهكمًا وهما لا يجتمعان وكذلك قول الله تعالى: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] يعني الغوي السفيه تهكمًا ومن ذلك قول الله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)} [الدخان: 49].
وكذلك لها تفسير آخر باعتبار وجه الشبه لأنه إمّا أن يكون مبتذلًا معروفًا وتسمى استعارة عامية أو غريب لطيف فيسمى خاصية وأمّا الاستعارة التمثيلية فهي قسم برأسه وهي ما يكون وجه الشبه فيه منتزع من متعدد نحو قولهم إني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى فشبه حال المتردد في أمره بحال الشخص الذي يقدم رجلًا ويؤخر
أخرى وكقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران: 103] شبه المتمسك بعهد الله والتوثيق به وحمايته وحفظه ودفعه المكروه عمن يتمسك به والنجاة به بمن يتمسك بحبل وثيق مدَلًّى من محال عال يأمن به من يتمسك به ويحفظ به من الوقوع.
ثم إن تشبيه الهيئات إن كان على قاعدة الاستعارة فيسمى استعارة تمثيلية وإن كان على وجه التشبيه فيسمى تمثيلًا ومثاله في الاستعارة ما مر وأما مثله في التشبيه فكما مر في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} إلى آخر الآية [البقرة: 17] وقد يرد على هذه الاستعارة التمثيلية كثر مما ذكرناه في الأقسام السالفة وأمّا الاستعارة بالكناية فهو أن يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيءٍ من أركانه سوى المشبه ويؤتى بأمر مختص بالمشبه به فتسمى هذه استعارة بالكناية ويسمى المثبت للمشبه به استعارة تخيلية كقول القائل: وإذا المنية أنشبت أظفارها ............
شبه المنية بالسبع وحذف السبع وأتى بذكر المشبه به وذكر ما يلائم المستعار منه وهو الإنشاب والأظفار والاستعارة بالكناية ضد الاستعارة السابقة فإن في الأولى يذكر المشبه به ويجهل هو المشبه ادعاء كقولك: رأيت أسدًا يرمي فجعلت الرجل الشجاع أسدًا وحذفت المشبه وذكرت المشبه به والاستعارة بالكناية كقولك رأيت رجلًا له يد وأظفار لم تقلم فشبهت الرجل أيضًا بالأسد لكن حذفت الأسد وذكرت الرجل وأتيت بما يلائم الأسد ومن ذلك قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] شبه العهد بالحبل وحذف الحبل وأتى بالعهد وذكر ما يلائم الحبل وهو النقض والوثوق.