الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ادعاء بعضهم النسخ:
زعم بعض أهل العلم أن القنوت منسوخ (1)، وذكروا شبهاً على ذلك، وهي:
الشبهة الأولى:
ما ورد عن جمع من الصحابة، ومنهم أنس، وابن مسعود رضي الله عنهما:"أنه - أي: النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً ثم تركه".
فإن الاستدلال بهذا العموم والإبهام، لا يستقيم لهم على نسخ سنّة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة فعلها، حتى بعد تركه القنوت على قتلة القرّاء.
وقول بعض الصحابة صلى الله عليه وسلم: "ثم تركه" لا يفيد أبداً أن هذا يعني النسخ، ومتى كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم لفعل فعله يعني النسخ؟ !
(1) هم بعض الحنفية من أهل الكوفة، انظر زاد المعاد لابن القيم (1/ 274).
وغاية ما يعني فعله صلى الله عليه وسلم لأمر، وتركه أحياناً: مشروعية فعله وتركه.
ومعني قولهم: "ثم تركه" أي: قنت شهراً -لحادثة بئر معونة- ثم توقف عن القنوت في تلك الحادثة، لا لأنه منع القنوت ونسخه للأبد.
وإذا كان الترك نسخاً؟ ! فهل كل ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل أمر فعله كان منسوخاً؟ ! ألم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة التراويح جماعة، فهل صارت منسوخة؟ ! وجاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توقف، فهل يعني هذا نسخ الجهاد؟ ! إن غاية ما يفهم من الترك جوازه، وهذا القول هو الظاهر البين، الذي دلت عليه أحاديث القنوت ورواياته، والقول بذلك أخذ بجميع النصوص، وتوفيق بينها، وذلك خير من دعوى النسخ.
وكذلك قال معظم الأئمة. (1)(2)
ثم إن دعوى النسخ مردودة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم استمر بالقنوت.
(1) البخاري (764) ومسلم (676).
(2)
راجع الموسوعات الحديثية الفقهية كالاستذكار لابن عبد البر، والمصنفين لعبد الرزاق وابن أبي شيبة، والأوسط لابن المنذر، ونيل الأوطار للشوكاني.
وبفعل الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاته، دون منازع البتة، وقد مرت تلك الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة، وستمر إن شاء الله.
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: "لأقربن لكم صلاة رسول الله"(1) وقنوت عمر، وابن عباس، وابن مسعود، رضي الله عنهم وغيرهم.
فلو كان منسوخاً لقال بذلك ولو صحابي واحد.
ثم إن علة القنوت هي الدعاء للمؤمنين، أو على الكافرين:"كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد"(2) وهذه العلة قائمة ما دام على وجه الأرض المسلمون والكافرون، وإذا شرع أمر، أو جاء حكم لعلة دائمة، فلا يصار إلى النسخ أبداً.
(1) البخاري (764) ومسلم (676).
(2)
رواه ابن خزيمة في صحيحه (620، 619).