الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال القرطبي (4 - 200):
"زعم بعض الكوفيين: أن هذه الآية ناسخة للقنوت، وليس هذا موضع نسخ" وكذا قال ابن حبان، والنووي، وابن القيم، وقد مضى بعض كلامهم، وسيأتي كلام الآخرين.
المذهب المرجوح:
وهو: أن الآية نهت عن لعن المعين، وهو مذهب معتبر، لولا أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن قتلة القراء، بتعيين قبائلهم:((اللهم العن رعلا وذكوان وعصية)) ولعن أعياناً من قريش كما مر سابقاً، وهذا اللعن كان بعد نزول الآية، فبطل ادّعاؤهم، لكن! هل يقال: إنه نهي عن تعيين الناس بأسمائهم، لا عن لعن جملة منهم؟ وفي هذا بعدٌ للمتأمل؛ لأنه لعن أعياناً كذلك.
المذهب الصحيح:
وهو أن الآية إنما أشارت إلى معنى دقيق، وهو: أن ليس لك يا محمد صلى الله عليه وسلم أمر في هدايتهم وإضلالهم، وأن لعنك لن يقدم
ضلالاً، ولن يبعد هدايةً، وأن الأمر كله بيد الله وحده، يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء.
قال القرطبي (4 - 199):
"قال علماؤنا: قوله عليه السلام: ((كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم)) استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به: وقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} تقريب لما استبعده، وإطماع في إسلامهم، ولما أطمع في ذلك قال صلى الله عليه وسلم:((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) (1).
قلت: ولا يستبعد أن يكون في الآية إشارة إلى أن على المسلم أن يتجنب الدعاء على معين، وألا يستبعد هداية الله لأحد مهما فعل، ومهما كفر، فقد تاب الله على هؤلاء المذكورين، وهداهم للإسلام.
فقد روى الترمذي (رقم 3005) بسند على شرط مسلم، عن ابن عمر رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة فنزلت، قال: وهداهم الله للإسلام)).
(1) البخاري (8 - 51) ومسلم (1792)
قال ابن حبان رحمه الله في صحيحه عند حديث رقم (1988)(5/ 327) من الإحسان:
"هذا الخبر قد يوهم من لم يمعن النظر في متون الأخبار، ولا يفقه في صحيح الآثار، أن القنوت في الصلوات منسوخ، وليس كذلك؛ لأن خبر ابن عمر الذي ذكرناه أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يلعن فلاناً وفلاناً، فأنزل الله:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} فيه البيان الواضح لمن وفقه الله للسداد، وهداه لسلوك الصواب، أن اللعن على الكفار والمنافقين في الصلاة غير منسوخ، ولا الدعاء للمسلمين، والدليل على صحة هذا، قوله: صلى الله عليه وسلم في خبر أبي هريرة: ((أما تراهم وقد قدموا؟ )) تُبَيِّنُ لك هذه اللفظة، أنهم لولا أنهم قدموا، ونجاهم الله من أيدي الكفار؛ لأثبت القنوت صلى الله عليه وسلم وداوم عليه، على أن في قول الله عز وجل:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]. ليس فيه البيان بأن اللعن على الكفار أيضا منسوخ، وإنما هذه الآية فيها الإعلام بأن القنوت على الكفار، ليس ما يغنيهم عما قضي عليهم أو يعذبهم، يريد: بالإسلام
يتوب عليهم، أو بدوامهم على الشرك يعذبهم، لا أن القنوت منسوخ بالآية التي ذكرناها".
قلت: وهذا هو الراجح، فإن المتأمل لهذه الآية:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} لا يجد فيها نهياً صريحاً، وإنما يجد أدباً رفيعاً، ومنهجاً قويماً، في معالجة قضية النصر والهزيمة، فإن الآية نزلت في سياق أُحد، وما حصل في أحد، فتأثر المسلمون لما حصل تأثراً بليغاً، وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن بعض الكافرين ويقول:((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم)) وكأنه صلى الله عليه وسلم قطع طريق الهداية على أولئك النفر الذين فعلوا ما فعلوا، وخشية أن يعتقد المسلمون أن السبب الأول والرئيس للهزيمة، هو: هؤلاء الملعونون، وليس مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والتنازع؛ أنزل الله:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} .
ثم ذكر الله بعد ذلك الأسباب الحقيقة الكامنة وراء الهزيمة.
فقال سبحانه:
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا
تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152]
فهذه هي الأسباب الحقيقية وراء هزيمتكم، فلا ينفعكم لعن فلان لجلب نصرٍ، ولا استبعاد الهداية عن فلان لدفع هزيمة.
ثم إن في دندنة المسلم بلعن الكافرين صرف عن المقصود الأول، وعن الحكمة البالغة من الهزيمة، وهي تربية النفس، وإعادة البناء، والتنبه إلى وحدة الصف، وأهمية ذلك في النصر.
قال القرطبي (4 - 200):
"زعم بعض الكوفيين أن هذه الآية ناسخة للقنوت، وليس هذا موضع نسخ، وإنما نبّه الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم على أن الأمر كلّه لله، يتوب على من يشاء، ويعجل العقوبة لمن يشاء".
قلت: ومما يدل على هذا المعنى الدقيق العظيم في الآية، ما أتبعها الله بقوله:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 129] وفي هذه الآية تعقيب ظاهر على قوله سبحانه:
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} أي أن ملكية السماوات والأرض وما فيها من المخلوقات، والبشر، وغيرهما، هي لله، وأن أفعال الله من غفران وتعذيب وغيرها، هي النافذة بحكمة وعدل.
ومهما يكن من أمر، فإن لعن الكفار، وتحميلهم نتائج الهزيمة وحدهم دون أنفسنا، لا ينفعان في تربية، ولا يعينان في إعداد، ولا يغنيان في شيء، فضلاً عن ما في ذلك من مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه قضية منهجية، جديرة بالتأمل والإنصاف من قبل بعض الجماعات الإسلامية، التي أشغلها لعن الكفار وأعمالهم، عن تربية أنفسهم وإعدادها.
ومن نافلة القول أن نقول: إن كيد أعداء الله لا يرد باللعن والسب، وحكاية ما هم عليه من الكيد والمكر، وما يفعلون بالمؤمنين، مما يوهن عزائمهم، ويثبط هممهم، وإنما يكون باتباع منهج القرآن وسنة رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم اللذين يعتمدان في بناء الفرد على الإيمان والتزكية، والعلم والتربية، مع الإشارة إلى الكفار وأعمالهم، والتحذير والحذر منهم بالجملة، على القاعدة
المنهجية:
"يفصل في أحوال المسلمين، ويجمل في أحوال الكافرين".
ثم إن في الآية معنى تربوياً آخر، وهو: أنه يخشى من لعن الكفار في مثل هذه المناسبة، أن يظن ضعاف الإيمان، والذين في قلوبهم مرض، أن الكفار إنما غلبوا المؤمنين بقوتهم وشدتهم لا بتقصير المسلمين أنفسهم، الأمر الذي يُضْعِف الإيمان بالله، وبأن النصر بيده سبحانه، ويصرف المؤمنين عن تربية أنفسهم، وسد ثغراتهم، فنزلت الآية:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} أي: أن الأمر بيده، والنصر بيده، والهزيمة بيده، والهداية بيده، والإضلال بيده.
وكذلك نُبّه الناسُ جميعاً، وضعافُ النفوس والإيمان بخاصّة، إلى هذا الأمر المهم بقوله سبحانه:
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} [الأنفال: 59] أي: حذار أن يخطر ببالك، أن الكفار غلبوا عجزاً من الله.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: {ولا تحسبن} يا محمد صلى الله عليه وسلم {الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا} أي: فاتونا، فلا
نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرتنا، وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا".
وهذا على قراءة {ولا تحسبن} .
وعلى قراءة: {وَلَا يَحْسَبَنَّ} أي: لا يخطر ببال الكفار أنفسهم، ولا يظنّوا -ولو مجرّد ظن- أنهم يغلبون المؤمنين قهراً لنا، وفواتاً منا، وعجزاً، كلاّ! بل هم تحت قدرتنا، وهزيمتهم سهلة علينا، ولكن لله حِكَم بالغة، ومقاصد سامية، لا يدركها كثير من الناس، إلا المؤمنين الموقنين.
وفي كل قراءة، معنى لطيف عند التأمل، وللمسألة تفصيل منهجي، ذكرناه في كتاب المنهاج يسر الله إنجازه.