المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

لأنها أصبر وأبقى في الجهد1. ويعبر عن الجرح بـ"زسخنت" "زخنة"، وبـ"زسخن" - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ١٠

[جواد علي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد العاشر

- ‌الفصل الرابع والخمسون:‌‌ الغزووأيام العرب

- ‌ الغزو

- ‌الخيل:

- ‌الجمل:

- ‌أيام العرب:

- ‌الفروسية:

- ‌الخيل:

- ‌الفصل الخامس والخمسون: الحروب

- ‌مدخل

- ‌المحاربون:

- ‌التحصينات:

- ‌الفصل السادس والخمسون: في الفقه الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌العدل:

- ‌سقوط المسؤولية

- ‌إزالة الضرر:

- ‌الولاية:

- ‌الفصل السابع والخمسون: الاحوال الشخصية

- ‌مدخل

- ‌النكاح:

- ‌القاعدة العامة في الازدواج:

- ‌الصداق:

- ‌أنواع الزواج:

- ‌نكاح الضيزن:

- ‌نكاح المتعة:

- ‌نكاح البدل:

- ‌نكاح الشغار:

- ‌نكاح الاستبضاع:

- ‌نكاح الظعينة:

- ‌أمر الجاهلية في نكاح النساء:

- ‌تعدد الزوجات:

- ‌الطلاق:

- ‌الرجعة:

- ‌الحيض:

- ‌العدة:

- ‌النفقة:

- ‌النسب:

- ‌التبني:

- ‌الزنا:

- ‌كسب الزانية:

- ‌الوصية:

- ‌الإرث:

- ‌العصبة:

- ‌إرث النساء:

- ‌ميراث السائبة:

- ‌الفصل الثامن والخمسون: الملك والاعتداء عليه

- ‌الملكية:

- ‌الشفعة:

- ‌الرق:

- ‌زوال الرق:

- ‌الإباق:

- ‌الكتابة:

- ‌العتق:

- ‌الأموال الثابتة:

- ‌الجرائم:

- ‌القتل:

- ‌قتل القاتل:

- ‌القتل الخطأ:

- ‌السجن:

- ‌الجلد:

- ‌الخلع والطرد:

- ‌التغريب:

- ‌الدية:

- ‌العاقلة:

- ‌الذحل:

- ‌الشدخ:

- ‌التعقبة

- ‌الأشناق:

- ‌الحمالة:

- ‌السعاة:

- ‌القسامة:

- ‌الحيوان المؤذي:

- ‌السرقة:

- ‌قاطع الطريق:

- ‌الصلح:

- ‌المال:

- ‌التمليك:

- ‌العمري:

- ‌حرمة الأماكن المقدسة:

- ‌الحبوس:

- ‌اللقطة:

- ‌الركاز:

- ‌الفصل التاسع والخمسون: العقود والالتزامات

- ‌مدخل

- ‌البيوع:

- ‌الفصل الستون: حكم العرب

- ‌مدخل

- ‌القضاء بعكاظ:

- ‌فهرس: الجزء العاشر

الفصل: لأنها أصبر وأبقى في الجهد1. ويعبر عن الجرح بـ"زسخنت" "زخنة"، وبـ"زسخن"

لأنها أصبر وأبقى في الجهد1.

ويعبر عن الجرح بـ"زسخنت""زخنة"، وبـ"زسخن" عن فعل يجرح، وذلك في العربية الجنوبية2.

1 نهاية الأرب "9/ 365 وما بعدها".

2 Jamme 649، 687، Mahram، P.435

ص: 119

‌التحصينات:

وتدافع بعض المستوطنات، مثل: قرى الريف والمدن، عن نفسها بإنشاء تحصينات تقيها من هجمات عدوّ ما. وتشمل هذه التحصينات حفر خندق، وإقامة أسوار، وإنشاء أبراج وحصون وآطام وأمثال ذلك. وقد كانت مدينة الطائف ذات سور حصين، تغلق أبوابه آناء الليل وأيام الخطر، وقد تحصنت به ثقيف يوم حاصرهم الرسول. وقد عثر على آثار أسوار في خرائب مدن اليمن، تدل على أن تلك المدن كانت مسورة محصنة، وقد عثر على آثار قلاع وحصون وأبراج في تلك الأسوار على مسافات وأبعاد معينة تشير إلى أنها كانت لتحصين السور وللدفاع عنه ولضرب الأعداء عند محاولتهم الدنو منه.

وتعرف أبراج السور المقامة لحمايته ولتقويته ولضرب العدو منه بـ"فنوت" في العربيات الجنوبية، ويطلق العبرانيون هذه اللفظة على مثل هذا البرج أيضًا1.

ويقال للحصن والبرج: "مكدل""مجدل" في العبرانية2. وبهذا المعنى ترد اللفظة في عربيتنا كذلك. وقد ذكر علماء اللغة أن الاجتدال: البنيان، وجاء في عشر للأعشى:

في مجدل سد بنيانه

يزل عنه ظفر الطائر3

وتستعين القرى بالمجادل في الدفاع عن نفسها. وتكوّن أبراج مراقبة أيضًا، يراقب منها العدو، وتكون مواضع دفاع لأهل القرى، أو العاشر، حيث لا أسوار

1 Smith، Dictionary Of The Bible. I، P.334، 615

2 Ency. Bibli.، I، P.834، Hastings، I، P.358

3 في الصحاح "شيد"، اللسان "11/ 105""صادر"، "حصون المدينة"، الطبري "2/ 573".

ص: 119

تحمي ولا خنادق تعيق العدو من التقدم1.

ويعبر عن تحصين المواضع وتقويتها لتتمكن من الدفاع عن نفسها بلفظة "تمنع" في السبئية، أي: إكساب الموضع مناعة2.

ولم يكن في وسع الحكومات أو الإمارات والمشيخات تحصين كل المستوطنات والقرى لما يتطلب ذلك من جهد ومال. ولقلة عدد سكان هذه الأماكن قلة تجعل من الصعب عليهم أن يقوموا وحدهم بإنشاء حصون، وإقامة تحصينات وبناء أسوار وحفر خنادق. ولذلك احتمى سكان أمثال هذه المستوطنات بحصون الإقطاعيين الذين أقاموها لحماية ممتلكاتهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، وبوسائل دفاع أخرى لا تكلفهم كثيرًا لضمان سلامتهم وسلامة أموالهم ومقتنياتهم في السلم والحرب.

أما المستوطنات الكبيرة، من درجة مدينة، فإنها تحاط في الغالب بأسوار لها أبواب تغلق في الليل، فلا يسمح بالدخول أو الخروج منها، ويحافظ عليها، ولا سيما في أثناء الخطر، حرّاس يسهرون عليها لمنع أي عدو طامع في المدينة من الوصول إليها. ويقال لهذه المدن "هكر""هجر" في العربيات الجنوبية. فحيث ترد لفظة "هكر" في المسند فإنما تعني مدينة ذات أحياء وسكان كثيرين، ولها أسوار في الغالب تحميها من هجمات الأعداء.

وتعبر العبرانية عن المدينة المحصنة المحاطة بسور، بلفظة "عر"، وذلك لتمييزها عن المدن المحصنة بحصون، والتي يقال لها:"عر مبصر" Ir Mibsar، وعن القرية التي يقال لها:"حصر""حصور" و"قره""قريت"، وتكون غير مسورة3. أما "العر" في العربية الجنوبية فبمعنى "حصن"، وموضع محصن. وتطلق اللفظة على المواضع المحصنة بعر، أي: حصن، أي: في معنى قريب من المعنى الوارد في العبرانية4. وتذكر كتب اللغة أن العرار: القتال، وأن العرة الشدة في الحرب5. فللفظة صلة بالقتال إذن. ويوجد موضع يقع في

1 Smith، Dictionary. I، P.615

2 Jamme 643، Mahram، P.450

3 Roland De Vaux، Ancient Israel، London، 1961، P.229، Smith، Dictionary، I، 333.

4 South Arabian Inscription، P.445

5 اللسان "4/ 556"، "صادر".

ص: 120

ملتقى طرق يقع في "وادي مسيلة" يسمى "حصن العرّ بُني على مرتفع صخري بارز كان حصنًا مهمًّا لحماية الأرضين المحيطة به، ولحماية القوافل التي تمر بهذا الوادي المهم1. ولا تزال بقايا هذا الحصن باقية، وقد أقيمت جدره من حجارة صلدة نضدت بعضها فوق بعض تنضيدًا جيدًا، وقد صقلت الأحجار صقلًا يدل على مهارة، وقد تألف الحصن من غرف كثيرة، ويبلغ طوله "90" مترًا، وبه آثار معبد، وآبار لاستخراج الماء منها للشرب وللاستعمال2.

ويعبر عن المانع الذي يحول بين العدو وبين الدنو من المكان الذي يريده بـ"حيل" في العبرانية3. أي: "الحائل" ويراد به الخندق4. وقد ورد في كتب اللغة أن "الحيل" الماء المستنقع في بطن وادٍ5. و"الحائل" هو المانع، أي: الحاجز الذي يحجز أهل الموضع الذي تحصن الناس به عن عدوهم، وهو سور أو خندق أو أي شيء آخر يتخذ للدفاع عن النفس.

ومن بين الحوائل والموانع التي استعملها الجاهليون لصد العدو من الزحف على بلادهم أو التسلل إلى أرضهم سد الممرات الجبلية والأودية ومفارق الطرق المهمة؛ ببناء جدر وأسوار لتحول بين المرور والتسلل إلا بأمر وتخويل، ويكون المرور عندئذ من الأبواب المخصصة للعبور فقط. ومن أمثلة ذلك سد "أُبنة""لبنة" الذي أقيم في وادي "أبنة" ليسد الطريق على القادمين أو الذاهبين من "شبوة" إلى ميناء "قنا""قنى""قانة" Cane المهم6. وقد بُني عند مضيق يبلغ عرضه "180"مترًا، أما ارتفاعه فجعل حوالي خمسة أمتار، فأما ثخنه فحوالي المترين. وقد بُني بحجارة مصقولة صقلًا جيدًا، ورصفت رصفًا حسنًا وربط بينها ملاط قوي شد الأحجار شدًّا. وقد جعل له باب عرضه خمسة أمتار يمكن غلقها بإحكام، ولزيادة مقاومتها توضع صفوف من الأحجار الثقيلة خلفها أيام الخطر، فتسد بها وتكون وكأنها قد سدت بجدار قوي سميك. وهناك آثار جدر أخرى

1 Grohmann، S. 154.

2 V. Wissmann، Hadramout، P.152، Grohmann، S. 154

3 Ency، Bibli، I.P.615

4 Smith، Dictionary، I. P.615

5 اللسان "11/ 196".

6 "على ساحل بحر الهند مما يلي بلاد العرب قرب ميفع"، تاج العروس "10/ 305""قنى".

ص: 121

أقيمت لغايات مماثلة تقع في "وادي العروس""وادي عروس" وفي "عنصاص" ويرجع تأريخها إلى حوالي القرن الثالث قبل الميلاد1.

وتختلف الأسوار من حيث المتانة والتحصينات والمواد التي تبنى بها باختلاف قدرة المدن المالية، فبعضها ذات أسوار ثخينة متينة، لها تحصينات قوية، يحتمي بها المدافعون لمقاومة المهاجمين، ولرميهم بمعدات المقاومة، لها مزاغل وفتحات ينظر منها المدافعون إلى أعدائهم، فإذا اقتربوا من السور، رموهم بالسهام وبالحجارة وبالمواد المشتعلة، وسكبوا عليهم الماء الحار أو الزيت المغلي إذا أرادوا إحداث ثغرة فيه أو قلع الأبواب وكسرها.

وعند أبواب المدن أو أبواب المعابد أو المباني العامة أو الشعاب، تكون رحاب، يتخذها سكان المدن مواضع يبيعون فيها ويشترون وأماكن للتجمع. وتعرف الواحدة بـ"رحبة" وتسمى "رحبوت" و"رحب" في العبرانية2. وفيها تعقد الاجتماعات العامة، ويتجمع الناس لسماع الأخبار، وفيها تنفذ الأحكام العامة، مثل: تنفيذ أحكام الإعدام والإعلان بالمجرمين. وتكون مرابد تنعقد فيها الأسواق أيام الأسبوع. أو في أيام خاصة منه، أو في السنة.

وأبواب المدة المسورة، هي المنافذ الوحيدة التي يدخل منها الناس ويخرجون.

وتختلف في السعة، فلبعضها أبواب واسعة في كلٍ منها مصراعان، ولبعضها مصراع واحد. وتكون ثخينة متينة. وقد تُقوى بكسوتها بطبقة من حديد أو من معدن آخر، ليكون في إمكانها مقاومة المهاجمين، فلا تتحطم وتنهار بسرعة، ولا تأكلها النار. وتغلق بمغاليق متينة. تُقوى بحجارة وبأخشاب متينة عند حدوث خطر ما. وأما المجازات التي تلي الأبواب وتؤدي إلى الرحاب، فهي مختلفة الأشكال، ويحتمي بها المدافعون أيام الخطر، لسدها، ولشد أزر الأبواب على الوقوف صامدة أمام المهاجمين. وقد يواجه الباب، جدار متين، يجل المجاز على هيئة غرفة، يخرج الناس ويدخلون في ركن من أركانها يربط بين المجاز والرحبة المؤدية إلى الشعاب. وذلك ليكون من العسير على المهاجمين الولوج في المدينة عند تمكنهم من تحطيم الأبواب، وقد يُقوى الباب ببرج يُبنى فوقه، يكمن فيه المقاومون، لرمي العدو ولإلحاق الأذى به إذا ما حاول مهاجمة الباب.

1 Grohmann، S. 155

2 Smith، Ency. Bibli.، I، P.335

ص: 122

وتسدّ منافذ شعاب المدن بأبواب كذلك، لتقي من في الشعاب من أخطار الأشرار والمعتدين. وتغلق هذه الأبواب في الليالي. وقد تحاط الشعاب بسور يمنع الناس من الدخول إلى الشعب إلا من الباب المؤدي إليه. وفي المدن الملكية، تحاط قصور الملوك ومخازنهم ومداخرهم بأسوار قوية تحميهم من المعتدين. وقد تُبنى قلاع في مواضع مرتفعة من المدن، أو على تلال صناعية ليقاوم منها الناس عند انهيار المقاومة الخارجية، فتكون بذلك آخر وسائل المقاومة قبل الاستسلام.

أما القرى، فيدافع عنها بحصون وآطام وبمجادل وذلك لفقر أهلها وعدم تمكنهم من إقامة سور قوي يحمي القرية. وقد كان يهود الحجاز الساكنون في شمال المدينة، قد حصنوا قراهم بآطام يلجئون إليها ويحتمون بها أيام الخطر. وقد عرفت هذه الحصون عندهم بـ"آطام" وواحدها "أطم". وأما القرية، فهي "قرية" في العبرانية، وتسمى بـ"قريتا Keritha في لغة بني إرم1.

ويقال للحصن "الأجم" والجمع "آجام"، وقد ورد ذكر الأجم في شعر لامرئ القيس.

وتيماء لم يترك بها جذع نخلة

ولا أجمًا إلا مشيدًا بجندل2

ويقال للحصن: "الأطم" كذلك، والجمع آطام. ولا تزال آثار آطام جاهلية باقية في الحجاز وفي نجد وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب وفي "وادي الحفر" بنجد، ويعرف بـ"حضر بني حسين"، آثار قصور وآطام جاهلية وآبار كثيرة3.

وذكر بعض علماء اللغة أن الآطام: القصور والحصون، وخصصها بعض آخر بالدور المسطحة السقوف. وقد اشتهر "الأبلق"، وهو حصن "السموأل بن عادياء" في التأريخ، وهو في تيماء. وورد اسمه في شعر للأعشى مدح به السموأل4. وكانت الأوس والخزرج تتمنع بالآطام، وتحارب عليها، وقد أرخت بحرب وقعت فيما بينهم بها، فقالوا: "عام الآطام"، وقد أخربت في أيام

1 Smith Dictionary، I، P.333، Ency. Bibli.، I، P.833

2 شمس العلوم، الجزء الأول، القسم الأول "ص58".

3 صحيح الأخبار "1/ 132".

4 شمس العلوم، الجزء الأول، القسم الأول "ص186".

ص: 123

عثمان1. ويقال للأطم: الأجم أيضًا2.

فكانت الآطام هي وسائل الدفاع عند أهل يثرب، إذ لم يكن حولها سور يحميها من غزو الأعداء. فكانوا إذا حوصروا أو وقع غزو عليهم، لجئوا إلى آطامهم يتحصنون بها ويقذفون من أعاليها بما عندهم من وسائل دفاع لمنع العدو من الدنو منهم ولإلحاق الأذى به. وهي جملة آطام تملكها البيوتات العريقة وسادات الشعاب المكونة ليثرب والقائمة على أساس التقسيم العشائري3.

والآطام بيوت السادات ورؤساء القوم، يلجأ إليها الناس للدفاع عن أنفسهم وعنها وقت الخطر. ويظهر من شعر أوس بن مغراء السعدي:

بَثَّ الجنود لهم في الأرض يقتلهم

ما بين بصرى إلى آطام نجران4

أي: نجران كانت ذات آطام كذلك.

وذكر أن باليمن حصن يعرف بأطم الأضبط، وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة. كان أغار على أهل صنعاء وبنى بها أطمًا. ونسبوا له شعرًا، من هذا الشعر الذي يحمل طابع العصبية القبلية، والحقد على اليمن.

يذكر فيه أنه شفى نفسه من "ذوي يمن"، بالطعن في اللبات والضرب، وأباح بلدتهم، وأقام حولًا كاملًا يسبي، وبنى أطمًا في بلادهم ليثبت تغلبه عليهم، وليكون أمارة على قهره لهم5.

وقد اشتهر أطم "الضاحي" بالمدينة. وهو أطم بناه "أحيحة بن الجلاح" من سادات يثرب بـ"العصبة" في أرضه التي يقال لها: "القنانة"6.

وكان دفاع أهل الحيرة عن مدينتهم وفق هذه الخطة أيضًا. فقد كانت المدينة "قصورًا" كل قصر لعائلة كبيرة، هو مسكن لها، وهو مخزن ومستودع

1 التنبيه والإشراف "176".

2 الطبري "2/ 568".

3 الطبري "2/ 575"، تاج العروس "8/ 187"، "أطم".

4 اللسان "12/ 19"، "أطم".

5 اللسان "12/ 19"، "أطيم"، وفي الشعر ضعف وتكلف، وهو من الموضوعات. وضعه المتعصبون على اليمن. وفي أغلب هذا النوع من الشعر، ضعف وتكلف وطابع الصنعة ظاهر عليه.

6 تاج العروس "10/ 217"، "ضحى".

ص: 124

وحصن تتحصن به عند وقوع خطر على المدينة. وبه مواضع في أعلى القصر لرمي الأعداء، ويلجأ أتباع أصحاب القصور إلى هذه القصور أيضًا للمساهمة في الدفاع عنها وفي حماية أنفسهم من الأذى. ولما حاصرالمسلمون الحيرة. كان حصارهم لها هو حصار قصورها، فكانوا يحاربون القصورحتى غلب المسلمون أهلها فاستسلمت عندئذ لهم.

ولحماية السور ولمنع العدو من الوصول إليه والدنو منه، يحفر خندق حوله، ليمنع الغزاة والمحاربين من الوصول إليه. يحفرعميقًا وعريضًا جهد الإمكان، فعلى عرضه ومقاومته تتوقف مقاومته للعدو. ولما حاصر المشركون المدينة، أمر الرسول بحفر خندق حولها، ليمنع المشركين من الوصول إليها. وقد ذكر أن سلمان الفارسي، هو الذي أشار على الرسول بحفر الخندق، بعد أن تباحث مع أصحابه في الوسائل التي يجب اتخاذها لحماية المدينة، وزعم أهل الأخبار أن أهل الحجاز لم يكن لهم علم بالخنادق، وأن المسلمين كانوا في قلق شديد وخوف من تغلب قريش عليهم، فذكر سلمان لهم طريقة أهل بلاده في الدفاع عن مدنهم، فأخذوا برأيه. فلما رأت قريش الخندق، عجزت عن اقتحامه، ونجت يثرب منهم به. وزعموا أيضًا أن لفظة الخندق، وهو لفظة معربة من الفارسية، وإذا أخذنا برأي هؤلاء أصحاب الأخبار، وجب اعتبار تأريخ دخولها إلى العربية منذ هذا الحادث إذن. ويطلق العبرانيون لفظة "حيل"، أي: حائل على الخندق1.

وأنا أشك كثيرًا في موضوع جهل أهل مكة والمدينة بأمور الخنادق، وفي قصة أن "سلمان الفارسي" كان أول من علم المسلمين حفرالخنادق؛ وذلك لأن أهل اليمن كانوا قد أحاطوا مدنهم بالخنادق لتعوق المهاجمين عن بلوغ الأسوار، كما أن أهل فلسطين كانوا يحيطون مدنهم بالخنادق أيضًا، وقد كان لأهل الحجاز اتصال وعلاقات بالمكانين وبالعراق أيضًا، وقد زاروا مدنًا أحيطت بالخنادق، فلا يعقل أن يكونوا على غفلة من أمرها، والظاهر أن الرسول كان قد جمع أصحابه حين داهمه المشركون ليستشيرهم بصورة عاجلة في كيفية الدفاع عن "يثرب" بعد أن هددها الكفار، فبيّن كل صحابي رأيه، وكان من رأي "سلمان"

1 Smith، Dictionary، I ، P.6.15

ص: 125

حفر خندق ليحول بينهم وبين دخول المدينة، فأخذ الرسول برأيه، وحفر الخندق، وبه سميت المعركة "معركة الخندق". فصوّر "سلمان الفارسي"، وكأنه أول من علم أهل الحجاز حفر الخنادق.

ويظن أن لفظة "خبزت" التي ترد في النصوص المعينية وغيرها إنما تعني "خنادق" ومنخفضات صنعت لحماية الأسوار والمتاريس والقلاع حتى تمنع العدو والمهاجمين من الدنوّ منها1.

وتؤدي لفظة "صحفت" معنى خندق أيضًا2. وربما تؤدي معنى حاجز مائي يملأ بالماء حتى يمنع المهاجمين من الدنو إلى الموضع المحصن.

وقد كان الأغنياء وأهل القرى والمدن يستخدمون رقيقهم في الدفاع عنهم.

وقد كان أهل مكة مثلًا قد جعلوا من أحابيشهم قوة عسكرية تحارب معهم وتقاتل عنهم بأسلحتهم وبطريقة قتالهم التي ألفوها في بلادهم، مثل القتال بالحراب، أو الرمي بالنشاب، وقد عرف هؤلاء بالأحابيش. ولعلهم استخدموا الرقيق الأبيض المجلوب من بلاد الروم ومن أماكن أخرى في تنظيم أمور الدفاع وإدارة القتال لخبرتهم ودرايتهم في أساليب القتال المدنية، كالذي فعله الرسول من استشارته سلمان الفارسي في أمر الدفاع عن المدينة يوم حاصرتها قريش، فكان أن أشار عليه بحفر خندق حولها يعوق تقدم قريش من المدينة، ففعل كما يشير إلى ذلك أهل السير والأخبار.

والمصانع: الأبنية، وقد وردت "مصانع" في الآية الكريمة:{وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} 3. بمعنى الحصون المنيعة، و"مصنعت" "مصنعة"، في الحميرية بمعنى حصن. وذلك كما في هذه الجملة المقتبسة من نص "أبرهة" المدوّن على سد مأرب: "مصنعت كدر"، أي:"حصن كدر"4. ولا تزال لفظة "مصنعة" مستعملة حتى اليوم في العربية الجنوبية في معنى قلعة وحصن5. وقد اشتهرت حمير بمصانعها.

1 نقوش خربة معين "ص2".

2 نقوش خربة معين "ص5".

3 الشعراء، الآية 129.

4 راجع السطر "21" من النص، والجمع "مصنع"، أي:"مصانع" في السبئية:

Jamme 578، 629، Mahram، P، 440

5 Hadramaut، P.63

ص: 126

والمصانع: القرى1. ويظهر أنها إنما دعيت بذلك لوجود المصانع بها. واحدتها: مصنعة. أي: حصن. يدافع به عن المتجمعين حوله.

و"القلعة" على ما يظهر من أقوال علماء اللغة، الحصن على الجبل، والحصن الممتنع في جبل، والحصن المشرف2. تُبنى في المواضع المرتفعة لتشرف على ما تحتها، ولتراقب العدوّ، وتكون بها حامية، وقد يتحصن بها أهل الموضع عند دنو خطر عليهم، فيصعب على العدو الوصول إليهم، لوعورة الأرض وامتناع القلعة، وتسلط من فيها على من يريد بلوغهم، بما يمطرونه به من أسلحة الدفاع.

و"الحصن" ما يتحصن به، يتخذ في مواضع حصينة، مثل: المرتفعات وعلى الأنهار وعند الآجام، لزيادة حصانته، وقد يتخذ في مواضع خطرة مكشوفة ليدافع عنها، فيحصن بتحصينات قوية من سور متين وجدر سميكة ومتاريس وأبراج، لتصد من يريد مهاجمته. وتكون الحصون برية وبحرية3. ولا تزال آثار حصون جاهلية قائمة في مواضع من جزيرة العرب، صنع بعض منها من "اللبن" والطين، وذلك في البوادي وفي المواضع التي لا تتوفر بها الحجارة، والمواضع الفقيرة التي صعب على أهلها بناء حصونهم من الآجر.

و"البرج": الحصن، وقيل: بروج سور المدينة والحصن: بيوت تُبنى على السور؛ وقد تسمى بيوت تُبنى على نواحي أركان القصر بروجًا4. وتكون البروج مرتفعة. وقد تُبنى منفردة، ولكن الأغلب بناؤها على الأسوار. والكلمة من الألفاظ المعربة عن اليونانية5.

1 اللسان "8/ 211"، "صنع". قال ابن مقبل:

أصوات نسوان أنباط بمصنعة

بجدن للنوح واجتبن التبابينا

تاج العروس "5/ 422 وما بعدها"، الصحاح "3/ 124"، القاموس "3/ 53".

2 اللسان "8/ 280 وما بعدها"، "قلع"، تاج العروس "5/ 480". "قلع"، الصحاح "3/ 1271".

3 تاج العروس "9/ 179"، "حصن"، اللسان "13/ 119"، "حصن"، القاموس "4/ 214"، جمهرة اللغة، للأزدي "2/ 165".

4 اللسان "2/ 212 وما بعدها"، تاج العروس "2/ 7"، "برج"، القاموس "1/ 185"، الصحاح "1/ 299".

5 غرائب اللغة "254".

ص: 127

وكان يهود الحجاز قد ابتنوا الحصون والآطام، للدفاع عن أنفسهم وأموالهم في السلم والحرب. فكانوا يخزنون فيها أموالهم وحصادهم وثمرهم وكل غال ثمين عندهم، وكانوا يدخلون إليها عند الظلام، فينامون فيها، خشية غزو أحد لهم، واعتداء غريب عليهم. فإذا طلع الصبح، خرجوا إلى مزارعهم ومواضع عملهم للاشتغال فيها إلى وقت المغيب، وكانوا يدخلون إليها حيواناتهم كذلك خشية سلبها ونهبها. أما في الغزو وفي القتال، فكانوا يعتصمون بها ويقذفون مهاجمهم بالصخور والحجارة وبوسائل الدفاع الأخرى من أعالي الحصون ومن الأبراج المشيدة فوقها. وقد وردت في كتب السير والتأريخ أسماء عدد من حصون اليهود في خيبر وفي أماكن أخرى وذلك في غزوات الرسول ليهود1.

ويعبر عن الحراس الذي يحرسون شيئًا ويدافعون عنه، مثل: حراس الحصون والقلاع وأبواب المدن أو حرس الضباط والكبار بلفظة "مسجت""مسكت""مسكة" في السبئية. أي: في معنى "الماسكة"، وأما المفرد فـ"مسج""مسك"، أي: الماسك2.

وقد استعمل الجاهليون آلات القذف والرمي، وآلات الهدم الثقيلة في حروبهم كما يفعل الناس لهذا العهد. وهي آلات تبدو بسيطة مضحكة بالنسبة إلى آلات الخراب والتدمير المستعملة في الزمن الحاضر. قد يخجل الإنسان من التحدث عنها لأبناء هذا الزمان، ولكننا حين نتحدث عن الماضي وعن الأناس الماضين، فإننا لا نتحدث عنهم كما نتحدث عن أناس زماننا ولا نقيس إنتاجهم على إنتاجنا، وذلك لوجود فارق دقيق هو فارق الزمن. وهذا الفارق هو التطور الكبير الذي يقع للإنسان كلما تقدم به الزمان ومرت عليه التجارب والاختبارات التي يطور الإنسان بها نفسه دومًا ويزيد في علمه علمًا جديدًا لم يكن معروفًا عند القدماء.

وسيأتي زمان تكون فيه اختراعات القرن العشرين، الاختراعات التي نفخر بها اليوم، ألاعيب أطفال بالنسبة إلى اختراعات ذلك الوقت، واختراعات ذلك الزمان ألاعيب أطفال بالنسبة إلى من يأتي بعدهم، وهكذا إلى آخر الزمان. ولهذا لا نستطيع قياس الماضي على الحاضر بما أوجده من اكتشافات واختراعات على هذا

1 السيرة الحلبية "2/ 41".

2 Jamme 649، Mahram، P.440

ص: 128

النحو. وإنما نتحدث عن الماضي على أنه مرحلة من مراحل التطور البشري، ودور مستمر لهذا التأريخ الذي لا نعرف مبدأه ولا منتهاه.

وفي جملة هذه الآلات، الدبابة، وهي عبارة عن خشبة ثقيلة تعلق من وسطها ببرج من خشب مقام على عجلات ليمكن تحريكه نحو الهدف المراد هدمه أو سحبه منه أو نقله إلى أي مكان آخر. وقد غطى رأس الخشبة المتجه نحو الخارج، أي: الرأس المتخذ للهدم، بغطاء من الحديد، ليكون سريعًا فعالًا في هدم المكان الذي يوجه إليه. ويقوم أشخاص يكمنون في الدبابة بتحريك الخشبة نحو الهدف، وذلك بتحريكها نحو الأمام والخلف بقوة، لتحدث ثغرة فيه ويختفي هؤلاء تحت ستار مثل سقف من خشب أو من جلود، ليحميهم من الحجارة أو السهام أو النيران أو المواد الساخنة التي يرميها المدافعون عليهم، لمنعهم من الاقتراب من السور، ومن هدمه. وقد أشير إلى هذه الدبابات في فتح المسلمين لخيبر وفي حصار الطائف، فذكر أن اليهود كانوا قد اختزنوا في حصن الصعب من حصون النطاة في بيت فيه تحت الأرض منجنيق ودبابات1. وذكر أن المسلمين لما كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر منهم تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالًا2.

وقد يكتفي المحاربون بسحب خشبة ضخمة نحو السور تحمل بعد ذلك على الأكتاف، فيضرب بها السور، ثم يتراجع حاملوها قليلًا ثم يتقدمون ليضربوا بها السور، وهكذا إلى أن يتمكنوا من إحداث ثغرة فيه. و"القفع"، ضبر تتخذ من خشب يمشي بها الرجال إلى الحصون في الحرب. وقيل: هي الدبابات التي يقاتل تحتها3.

واستخدم "الكبش" في القتال، استخدم في اليمن بصورة خاصة، استخدم سلاحًا من الأسلحة الثقيلة في قتال المدن والجيوش النظامية، وهو من خشب مكسو

1 السيرة الحلبية "3/ 41"، نهاية الأرب "18/ 59"، تاج العروس "2/ 295"، "الكويت"، اللسان "1/ 371".

2 ابن هشام "4/ 127 وما بعدها".

3 اللسان "8/ 289"، "قفع".

ص: 129

بجلود البقر مدبوغة بالقرظ، أو من جلود الإبل، يحتمي به المحاربون المشاة في هجومهم على الأعداء المتحصنين.

وقد وردت لفظة "كبش" في قول الشاعر "الحارث بن حلزة اليشكري":

حول قيس مستلئمين بكبش

قرظي كأنه عبلاء

وفسرت لفظة "الكبش" المذكورة بـ"السيد"1، وهو تفسير أرى أن فيه تكلفًا واضحًا وبعدًا من المعنى، وأن الصواب هو أنها: الآلة الحربية المذكورة، وأن الشاعر أراد ببيته المذكور وصف جماعة "قيس بن معديكرب" الذين كانوا ملتفين حوله، مستلئمين بكبش من جلود سميكة غليظة مدبوغة بالقرظ، مرتفع عال حتى علباء، أيك هضبة من ارتفاعه. والكبش بالنسبة للأعراب من الأسلحة التي يقل استعمالها عندهم، وهي من الأسلحة المانعة المؤثرة، ولذلك ذكرها الشاعر في شعره. وقد جاء بها "قيس" من اليمن ولا شك2.

ومن آلات القذف والرمي إلى مسافات، المنجنيق، ويوضع فوق الأسوار لاستخدامه في رمي العدو المتقدم نحو الحصن، أو في السفن لرمي سفن الأعداء، أو في الأبراج أو في الخطوط الأمامية لرمي الأعداء المهاجمين. فهو في مقام المدفعية لعهدنا. وقد ورد في أخبار حصار المسلمين للطائف أن الرسول رمى أهل الطائف بالمنجنيق، وكان أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق على إحدى روايات أهل الأخبار3. وورد أن اليهود كانوا يستعملون المنجنيق في الدفاع عن حصونهم4.

ويرجع بعض أهل الأخبار تأريخ استعمال المنجنيق في الجاهلية إلى "جذيمة الأبرش"، فهم يذكرون أنه أول من رمى بالمنجنيق5.

والعرّادة من آلات الحرب كذلك، وهي صغيرة شبه المنجنيق6.

1 شرح المعلقات السبع، للزوزني "ص164""دار صادر"، تاج العروس "4/ 341"، "كبش"، اللسان "6/ 338"، "كبش"، الصحاح "3/ 1017".

2 المعاني الكبير "4/ 79".

3 ابن هشام "4/ 128"، نهاية الأرب "18/ 59".

4 السيرة الحلبية "3/ 41".

5 الروض الأنف "2/ 303".

6 اللسان "3/ 288"، نهاية الأرب "18/ 59".

ص: 130

وقد عرف السور بالحائط كذلك. والحائط هو ما يحيط بالشيء. وقد دعي سور الطائف بحائط الطائف في بعض كتب السير؛ وذلك لأنه يحيط بالمدينة. وقد كانت به أبواب تغلق في الليل. ولما اقترب منه المسلمون رماهم المدافعون عنه بالسهام، وكانوا يكمنون فوقه فقتل أناس من المسلمين1. ويكون أعلى الجدار الخارجي عاليًا وبه فجوات صغيرة ليكمن وراءه المدافعون ولينظروا من خلال هذه الفجوات الأعداء، وليرموهم منها، ويبنى السور سميكًا في أسفله، ثم يقل سمكه في أعلاه وذلك ليكون من الصعب على المهاجمين إحداث فتحة فيه أو هدمه. ويكون عرضه في أعلاه كافيًا لاختباء المدافعين ولمرورهم بسهولة. وتُبنى أبراج في العادة فوقه للمراقبة ولرمي الأعداء، يختلف عددها باختلاف المدن، وباختلاف استطاعة البلدة وما تتخذه من وسائل لحماية نفسها من الأعداء.

ولحمل أهل المدن والقرى المحصنة على الاستسلام يتخذ المهاجمون أساليب الحيل ووسائل مختلفة للتضييق عليهم، وفي جملة ذلك قطع المياه عن المكان المحاصر إن كان الماء في خارجه. وذلك بسد المجرى وتخريب الآبار والإحاطة بالماء لمنع الناس من الدنوّ منه. وبحرق المزارع والبساتين الواقعة في خارج المكان المحاصر، أو بقطع أشجارها، وبأخذ الغلات، وبقطع كل اتصال للمكان بالخارج، وبالتشدد في ذلك حتى يضطر المحاصرون إلى الاستسلام أو عقد صلح مع المهاجمين. وقد كانت خطة حرق المزارع والبساتين من أهم العوامل المؤثرة على المحاصرين.

وذلك نظرًا للخسائر المادية التي تلحقهم والتي لا يمكن تعويضها إلا بجهود وبأتعاب السنين2.

ولجأ المحاربون الجاهليون إلى سياسة حبس الميرة عن القبائل أو القرى والمدن لإخضاعهم وإجبارهم على ترك المقاومة والاستسلام3. يفعلون ذلك كما تفعل الدول الحديثة في مقاطعة بعض الحكومات في الحرب وفي السلم لإجبارها على ترك سياستها أو على الاستسلام. وقد قاطعت قريش بني هاشم حينما دخلوا في الشعب لإجبارهم على ترك الرسول وخذلانه على نحو ما هو معروف.

1 ابن هشام "4/ 127"، اللسان "7/ 279"، القاموس "2/ 185".

2 Smith، Dictionary، I، P.1724

3 الأغاني "16/ 76".

ص: 131

كما وجهوا خططهم السوقية نحو النقاط الضعيفة من مواضع الدفاع للمكان الذي يراد الاستيلاء عليه، مثل: الأبواب والثلم التي قد تكون في الأسوار أو الحصون للاستفادة منها في مهاجمته. والأبواب، هي من أهم الأهداف بالنسبة للمهاجم، لذلك، تتخذ مختلف الوسائل للتغلب عليها، برميها بالنار، أو بالحجارة، أو بضربها بالدبابات والأقفاع. أو باستخدام السلالم أو الحبال لارتقاء المواضع المنخفضة من السور، كما يركن إلى حفر الأنفاق تحت السور، للدخول منها إلى الموضع المحاصر، وقد يعمد إلى صنع تل من تراب، أو إلى تكويم أحجار بعضها فوق بعض، أو بناء مرتفع يصل إلى علوّ السور أو أعلى منه، ليرمي منه الأحجار والقذائف على المحاصرين، فيكون في إمكان المهاجمين، مهاجمة السور من الأرض بارتقائه من الموضع المقابل للمرتفع، أو بعمل ثقب فيه، يدخل المهاجمون منه إلى الداخل، وبذلك ينقل المهاجم الحرب إلى داخل الموضع المحاصر ويتمكن من التغلب عليه.

أما النظم العسكرية عند أهل اليمن، فكانت على هذا النحو: الملك، هو القائد الأعلى للجيش، والرئيس الأعلى له، يعلن الحرب، ويأمر بعقد الصلح، ويعين القادة الذين يتولون إدارة القتال، لضمان النصر، وهو الذي يأمر القبائل بتقديم الجنود، على مقدار ما اتفق عليه.

وقد يقوم الملك نفسه بقيادة الجيوش وإجراء العمليات الحربية، وقد يترك ذلك إلى قواده، يقومون بها ويديرونها بحسب علمهم وخبرتهم بالحروب. والقائد هو "قسد"، أي:"قاسد" في لغتهم. وقد يعبر عنه بـ"اسد" في بعض الأحيان. إلا أن هذه اللفظة تعني "الجندي" و"الجنود" في الغالب.

وكان على المحارب أن يهيئ له سلاحه، فإذا لم يكن لديه هذا السلاح منح مالًا لشرائه به، يتعهد بإعادته فيما بعد1. وكان على القبيلة أن تهيئ المقاتلين اللازمين للقتال، وترسلهم إلى جبهات القتال للقتال مع الجنود الآخرين.

ولسنا نعلم كيف كان يقاتل العرب الجنوبيون، وكيف كانوا يضعون خططهم الحربية في التغلب على العدو، لعدم تعرض كتابات المسند لذلك، فلم يرد إلينا نص ما في هذا الموضوع.

1 Handbuch I، S. 137

ص: 132

ويعبر عن الصلح بلفظة "سلم" وهي في معنى "سلم" في عربيتنا. فالسلم هو الصلح الذي يلي الحرب بعد الانتهاء منها، كما أنه السلم في الأوقات الأخرى، أي: الأوقات الاعتيادية1.

ويعبر عن الحذر من العدو بلفظة "حذر"، وهي تؤدي معنى الدفاع كذلك، فـ"حذر" تعني دافع ضد عدو2. وإذا سار شخص ما خلف زعيم أو قائد، يقال لذلك "تبع" و"تبعو"3 بمعنى سار مع القائد وساروا في حرب مثلًا، وتقدم أو تقدموا نحو العدو.

ويعبر عن التراجع والانسحاب بلفظة "ضويم""ضوى"، وتعني الهزيمة كذلك4. وهي نقيض معنى "متسك" التي تعني التمسك بالشيء والاستيلاء عليه.

و"امتسك بـ"5. ويعبر عن الهزيمة بلفظة "سحت" كذلك6. كما يعبر عنها بلفظة "تشوع"7.

وقد يتبع المحاربون طريقة حرب العصابات، وذلك بأن ينقسم الجيش إلى أحزاب وفلول مستقلة تنتشر في أماكن متباعدة، وتقاتل بمفردها أو تتعاون فيما بينها عند الحاجة، وهي تحمي نفسها بالالتجاء إلى المواضع الطبيعية الحصينة، مثل: المستنقعات والأدغال والجبال وأطراف الممرات الوعرة، وذلك لكي تخفي نفسها عن العدو فلا يراها إلا وهي مباغتة له. ويقال للعصابة هذه:"حزب" في السبئية، وأما الجمع فـ"احزب"8.

وتتبع الطريقة المذكورة عندما يواجه عدو عدوًّا يرى أنه لا يستطيع الوقوف أمامه ومحاربته، أو في حالة التريث والانتظار إلى ساعة مجيء مدد وعون، أو في

1 راجع النص الموسوم بـ

Glaser 481، Rhodokanakis، Stud.، Ii، S. 15، 55، Jamme 556، 557، 576، 577، 643، 652، Mahram، P.443

2 راجع الجملة الثالثة من نص أبنة.

Mahram، P.436، Jamme 649، 720

3 Mahram، P.436، Jamme 649، 720

4 Rhodokanakis، Stud.، Ii، S. 53

5 Rhodokanakis، Stud.، Ii، S. 52

6 Jamme 578، 643، Mahram، P.443

7 Jamme 649، Mahram، P.450

8 Jamme 574، 576، 577، 585، Mahram، P.436

ص: 133

حالات الهزيمة. فتشتت القوات المغلوبة قواتها إلى "أحزاب" وتشغل جيش العدو المتفوق عليها بجبهات عديدة لغاية إرباكه وإضعاف قوته، وتبقى تحارب حرب عصابات حتى ترى رأيها الأخير، فتقرر الصلح أو الاستسلام وقد تجمع فلولها ثانية وتظهر مرة أخرى في ميدان قتال جديد، ففي كتابات المسند أمثلة كثيرة من هذا القبيل.

وقد وردت في النصوص المعينية لفظة "غزتس" بمعنى غزوة، كما في هذه الجملة:"غزتس عم مسبا"1، بمعنى "في غزوته مع المسبين". ويظهر أن هذا النص قد دوّن في غزاة قام بها صاحب النص، وقد أخذوا معهم جماعة من السبي. وهذا النص هو من النصوص المعينية التي عثر عليها في مدائن صالح.

ويقال للحواجز التي يضعها المحاربون في شوارع المدينة أو في الطرق أو التي يقيمونها في ساحات المعارك لإعاقة حركات العدو: "حجزت"، أي:"حاجزة"2.

ولا تقتصر عمل هذه الحواجز على الأغراض العسكرية وحدها بالطبع، بل تقام لأغراض عديدة أخرى، مثل: الحواجز التي تقام لحجز المواشي والحيوانات وما شابه ذلك.

ولا يشترط بالطبع في الحواجز أن تكون عالية مرتفعة أو قائمة عريضة، فقد تكون منخفضة وعندئذ تكون على هيأة موانع لإعاقة الإنسان أو الحيوان من المرور. وقد تكون خندقًا يحفر حول المدينة أو حول مكان يراد حمايته ومحافظته من التطاول عليه. فيقف هذا الخندق حاجزًا مانعًا يمنع الجنود والجيوش من التقدم نحو الهدف أو المدينة أو الموضع الذي يراد الاستيلاء عليه، ويقال له عندئذ:"خبزت" وبهذا المعنى عرف في كتب اللغة، فقد ورد في القاموس المحيط "خ ب ز ":"خبز" الرهل والمكان المنخفض المطمئن من الأرض3.

وقد بنى اليمانيون حصونهم في الهضاب والمرتفعات والجبال، ليكون من السهل الدفاع عنها. وحول هذه الحصون وبحمايتها بنى الناس بيوتهم، فتحولت هذه الأماكن المحماة بالقلاع والحصون إلى مواضع حصينة تدافع عن نفسها وترمي من

1 Rep. Epigr. 3604

2 راجع الفقرة الثانية من النص: Glaser 1150، Halevy 192، 199

3 تاج العروس "4/ 32"، "خبز" اللسان "خ/ ب/ ز"، خليل يحيى نامي: نقوش خربة معين "الصفحة2".

ص: 134

يحاول الوصول إليها بالسهام وبوسائل الدفاع الأخرى، فيتكبد المهاجم خسائر، ويلاقي صعوبات كبيرة في الوصول إليها. ويقال لمثل هذه الحصون والقلاع:"محفدن" و"محفدم" والأُولى معرفة والثانية منكرة1.

وتزود الحصون بكل وسائل الدفاع وما يحتاج إليه أصحابها والمدافعون عنها من ماء وزاد ووسائل دفاع. ولهذا نجد في الحصون آبارًا ومخازن للمياه، ليستفيد منها المدافعون2، ولا يتمكن المهاجمون من منع الماء عنهم. أما الزاد، فيخزن في العادة في مخازن خاصة لهذه الغاية أيضًا. وأما وسائل الدفاع فتكون بإنشاء أبراج فوق أسوار الحصن، يكمن فيها المدافعون لرمي العدو منها، وببناء فتحات صغيرة رفيعة لمراقبة العدو منها، ولرميه بالسهام.

ومن وسائل الدفاع التي لجأ إليها أهل العربية الجنوبية لإعاقة المحاربين من التقدم نحو هدفهم، إنشاء حواجز على هيئة جدر تُبنى في المضايق والممرات، بحيث إذا وصل إليها العدو لم يتمكن من الاستمرار في سيره نحو عدوه، فينهال عليه حماة تلك الحواجز بالحجارة والسهام وما شاكل ذلك من أسلحة.

وترى بقايا مثل هذه الجدار في مواضع عديدة من اليمن وحضرموت حتى اليوم. ومن جملة ما عثر عليه بقايا جدار أقيم في وادي "لبنا" شمال ميناء حضرموت القديم "قنا" قانه" "قني". أقامه حكّام حضرموت المكربون قبل القرن الرابع قبل الميلاد، وذلك لحماية حضرموت من غزوات الحميريين وغيرهم. وعثر على بقايا جدار في القسم الجنوبي من "وادي بيحان"، وعلى بقايا جدار آخر يقع في "وادي أنصاص" جنوب "شبوة"، وذلك لحمايتها من الغارات3.

والنصر ضد الهزيمة. وترادفها لفظة "شرح" في اللهجات العربية الجنوبية، كما في هذه الجملة "يوم شرح سبا"، أي:"يوم نصر سبأ"4.

وبعد انتهاء الحرب توزع الغنائم بين المحاربين المنتصرين، ويعطى الرئيس إذا

1 "تعلى محفدن يهر"، أي:"تعلية حصن يهر" خربة معين، النقش4.

2 ابن المجدرر: صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز "2/ 173".

3 Beitrage، S. 44، 46

4 Rep. Epigr. Vii، Ii. P 276، Nu: 4624

ص: 135

غنم الجيش معه "المرباع" أي: ربع الغنيمة1. وقد رده الإسلام خمسًا، بنزول الأمر بالخمس في القرآن الكريم2.

وإذا وقع أحد في أيدي عدو وأسر فيقال له عندئذ: "أسير". ويعبر عنه بـ"اخذ" في السبئية في حالة المفرد، وبـ"اخذتم""أخذت""اخذيت" في حالة الجمع2. وتطلق هذه اللفظة على الأسرى الذين يقعون في الأسر من دون قتال، وذلك عند اكتساح جيش أو غزاة جيش العدو أو مكان ما، فيؤخذ من فيه من ناس من غير قتال ولا مقاومة. فهم مثل الغنائم التي تقع في أيدي الغزاة والمحاربين يؤخذون دون قتال. أما الذين يؤخذون بعد مقاومة وبقتال، فيقال لهم:"سبيم"، أي:"سبي"، بمعنى "مسبي". وأما الجمع فـ"اسبى"، أي: سبايا. وأما الإسباء فيعبر عنه بـ"يسبيو"، وتعني "يسبي" و"يسبون"3.

وكانوا يكبّلون أيدي الأسرى والسبي بـ"الكبل". القيد من أي شيء كان، وذلك لاحتباسهم حتى لا يهربوا. وقد ذكر بعض علماء العربية "أن الكبل غير عربي. وقد صرح به أقوام"4. ولفظة "كبل" هي "كبلو" Keblo و"كيبل" Kebel في لغة بني إرم وفي العبرانية، أي: "القيد"5. وقد كانوا يكتّفونهم بالحبال وبكل شيء يكون عندهم يشد به وثاق الأسير، فلا يفلت من آسره. و"الكتاف" الحبل6. و"الوثاق" ما يشد به كالحبل وغيره7. كما كانوا يكتّفون الأسرى بالقدّ. والقد السير الذي يقدّ من جلد، فتشد به أطراف الأسير شدًّا شديدًا حتى لا يتمكن من الهروب.

ولما بعث رسول الله خيلًا قبل نجد، فجاءت بـ"ثمامة من أثال الحنفي" سيد أهل اليمامة مأسورًا، أمر به رسول الله، فربطوه بسارية من سواري المسجد ثم منّ عليه فأطلقوه وأسلم؛ لأنه لم يكن في زمن الرسول سجن. فكانوا يحبسون

1 شرح ديوان لبيد "ص30"، العقد الفريد "3/ 342 وما بعدها"، تاج العروس "5/ 339"، "ربع".

2 Jamme 576، 578، 635، Mahram، P.427، South Arabian Inscriptions، 649، 665، 549.

3 Mahram، P.443

4 تاج العروس "8/ 93"، "كبل".

5 غرائب اللغة "203"، Hastings، A Dictionary Of The Bible، Ii، P.5

6 تاج العروس "6/ 229"، "كتف".

7 تاج العروس "7/ 73"، "وثق".

ص: 136

الأسير في المسجد أو في الدهليز حيث أمكن. فلما كان زمن "علي بن أبي طالب" أحدث السجن بالكوفة، وكان أول من أحدثه في الإسلام1. وذكر أن "ثمامة" كان عرض لرسول الله، فأراد قتله، فلما قبض عليه أسلم، فلما أسلم قدم مكة معتمرًا، فقال: "والذي نفسي بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة، وكانت ريف أهل مكة، حتى يأذن رسول الله". ورجع إلى اليمامة ومنع الميرة عن قريش. وقد ثبت على إسلامه، لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم فرآها عليه ناس من "بني قيس بن ثعلبة"، فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه فقتلوه2. وكان له عم اسمه "عامر بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة الحنفي". وقد دخل في الإسلام3.

ويسبق المبشرون الجيش المنتصر بزف خبر النصر للحكام وللناس. يسرعون بأقصى ما يمكنهم من السرعة لنقل النبأ، ولنيل جوائز البشرى. وهي "البشارة" ما يعطاه المبشر4. ويعبر عن البشرى بـ"تبشرت" في العربية الجنوبية، أي: "التبشرة"، ويقوم الـ"هبشر"، أي: المبشر بإبلاغ البشرى لمن يراد إيصالها إليه.

ويعبر عما يقع في أيدي المغيرين أو المحاربين أو الغزاة أو المنتصرين من أموال بـ"مهرج"، أي: غنيمة حرب، وذلك للمفرد وبـ"مهرجت""مهرجة" في حالة الجمع، أي: غنائم5.

وتطلق هذه اللفظة على الغنائم التي تؤخذ بقتال وبعد مقاومة، أما الغنائم التي يحصل عليها المحاربون بعد القتال وبعد الهزيمة التي تنزل بالمغلوب، فيقال لها:"غنم" و"غنم" وذلك في المفرد، أي: للغنيمة الواحدة، وأما في حالة التعبير عن الجمع فيقال:"غنمت"، أي: غنائم6.

ونظرًا إلى ما للمنزلة الاجتماعية من أهمية كبيرة في المجتمع العربي، لذلك كان

1 صحيح مسلم "5/ 158".

2 الإصابة "1/ 204"، "رقم 961".

3 الإصابة "2/ 241"، "رقم "4390".

4 تاج العروس "3/ 44"، "بشر".

5 Mahram، P.439

6 Mahram، P.445

ص: 137

الشريف يسأل من يريد أسره عن اسمه ونسبه، حتى إذا وجد أنه من العبيد والموالي أبى الاستسلام له؛ لأن في استسلام الرجل لمن هو دونه في المنزلة والمكانة مذلة كبرى وإهانة، ولهذا كان الرجل الذي يشعر أنه في وضع حرج وأنه مأسور لا محالة يبقى يراوغ خصمه ويحاول الإفلات منه ومن أسره جهد إمكانه حتى آخر نفس له، وقد يسأل شخصًا آخر يرى عليه إمارة الوجاهة والشرف بأن يأسره خشية الفضيحة والعار ومن وقوعه أسيرًا في يد عبد جلف، أو صعلوك لا مكانة له في المجتمع. ومن ذلك ما وقع لحاجب بن زرارة، إذا أدركه الزهدمان، فقالا له: استأسر وقد قدروا عليه، فقال: ومن أنتما؟ قالا: الزهدمان. فقال: لا أتستأسر اليوم لموليين. وبينما هم كذلك، إذ أدركهم مالك ذو الرقيبة بن سلمة من قشير، فقال لحاجب: استأسر، فقال: ومن أنت؟ قال أنا مالك ذو الرقيبة فقال: أفعل فلعمري ما أدركتني حتى كدت أكون عبدًا. فألقى إليه رمحه واعتنقه زهدم عن فرسه فصاح حاجب: وا غوثاه، ثم تخاصم مالك والزهدمان في شأن أسر حاجب، واجتمع القوم وحكموا حاجبًا في أمر من أسره، فاختار مالك، وحكم له؛ وذلك لأنه كان حرًّا شريفًا. ثم فك أسره، بأن أعطى فدية عن نفسه لمالك وفديتين أصغر منها إلى الزهدمين1.

ولم تكن "المثلة" بقتيل الحرب أو بالأسير محرمة من قوانين ذلك اليوم. فقد كانوا يمثلون بقتلى الحرب وبالأسرى بتقطيع أجزاء جسمهم، وتشويه الجسم. يفعلون ذلك بالأسير حتى يموت، وهو يشاهد أعضاءه تقطع قطعًا من جسمه. وفي "يوم الرقم" انهزم الحكم بن الطفيل في نفر من أصحابه، فيهم "خوّات بن كعب" حتى انتهوا إلى ماء يقال له: المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق الحكم بن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال في ذلك عُروة بن الورد:

عجبت لهم إذا يخنقون نفوسهم

ومقتلهم تحت الوغي كان أعذرا2

والقاعدة في الغزو والحروب والغارات، أن القاتل يأخذ سلب المقتول. يأخذ ما يجده عنده، وقد أقر ذلك في الإسلام، فجعل السلب للقاتل لا ينازعه في

1 الأغاني "10/ 37".

2 نهاية الأرب "15/ 364"، "يوم الرقم".

ص: 138

ذلك منازع، إن ثبت أنه هو القاتل1.

والحروب من أهم الموارد الممونة للرقيق عند الشعوب القديمة، وفي جملتهم الجاهليين. فقد كان المنتصر يتخذ من يقع في يده رقيقًا له، وإذا لم يمنّ عليه بالعفو، أو لم يتمكن المأسور من دفع فدية عن نفسه، صار عبدًا مملوكًا لمن وقع في يده، إن شاء باعه، وإن شاء احتفظ به رقيقًا، يخدمه ما دام عبدًا.

وقد عمد المحاربون إلى إحراق المغلوبين في بعض الأحيان. فقد جمع المنذر بن امرئ القيس أسرى في الحظائر ليحرقهم، فسمي أبا حوط الحظائر2.

وقد عرف بعض ملوك الحيرة بحرق من وقع في أيديهم من المغلوبين، أو بحرق مواضعهم وهم فيها؛ لذلك عرفوا بـ"محرق". وعقوبة الحرق من العقوبات المعروفة عند الأمم القديمة مثل: الرومان والعبرانيين، ينزلونها في المحاربين جزاءً لهم، وإخافة لغيرهم ودعاية لهم، حتى لا يتجاسر أحد فيعلن الثورة على المحرقين، فيحل عندئذ بهم عذاب التحريق3.

وكان بعض الأشخاص يقومون بالغارات بمفردهم أو بجمع من الناس، فيفاجئون الناس الآمنين أو رجال القوافل، ومن هؤلاء. شراحيل بن الأصهب، وكان كما يقول أهل الأخبار: أبعد العرب غارةً، كان يغزو من حضرموت إلى البلقاء في مائة فارس من بني أبيه، فقتله بنو جعدة. وكان قد أزعج قبائل معد وغيرها كما يظهر ذلك من شعر نابغة بني جعدة:

أرحنا معدًّا من شراحيل بعدما

أراها مع السبح الكواكب مظهرا

وعلقمة الحراب أدرك ركضنا

بذي الرمث إذا صام النهار وهجرا4

وقد يعمد المنتصر إلى أخذ رهائن من المغلوب لتكون رهنًا لديه بالطاعة والخضوع. فإذا خاس بعهده، تعرضت الرهينة للتهلكة. وتؤخذ الرهائن في أيام السلم أيضًا. يأخذها الملوك ممن يخشونهم ومن السادات لتكون ضمانًا لديهم بالطاعة وبعدم مسهم بمصالحهم. وقد عرف "الحارث بن علقمة بن كلدة بن

1 صحيح مسلم "5/ 149 وما بعدها".

2 المعارف "ص42".

3 Beeton، Dictionary Of Religion، Philosophy And Law، P.108

4 العقد الفريد "3/ 394".

ص: 139

عبد مناف بن عبد الدار بن قصي" بـ"الرهين"، "وإنما لقب به؛ لأنه كان رهينة قريش عند أبي يكسوم الحبشي، وولده النضر بن الحارث بن مسلمة الفتح. وأخوه النضر بن الحارث قتله عليّ، رضي الله تعالى عنه، بالصفراء بعد رجوعهم من بدر بأمر من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبنته قتيلة رثت أباها بالأبيات القافية، وليس فيها ما يدل على إسلامها"1.

وللطيرة أثر كبير في نظر الجاهليين في كسب الحرب وخسرانها، فقد رسخ في عقولهم أن لها تأثيرًا مباشرًا في الغزو والحروب، وأن كلمة طيبة تسمع ساعة الاستعداد للغزو، أو عطسة يعطسها إنسان، أو نعيب غراب ينعب ساعة الهجوم أو ما شاكل ذلك من علامات يتفاءل أو يتشاءم منها، تؤثر في مصير الغزو وتتحدث للغازين عن مصير ما سيقومون به. لذلك فقد كانوا ربما نبذوا الغزو إذا ظهر أمامهم ما يتطير منه، وكانوا ربما أسرعوا بالهجوم إن ظهر أمامهم ما يفسرونه بأنه يمن وتفاؤل وحث على الإقدام في العمل. ولم يكن هذا الاعتقاد من عقائد العرب وحدهم، فقد كانت الشعوب الأخرى تتطير كذلك. وتحسب للطيرة حسابًا عند شروعها بحرب. ونجد في الكتب القديمة قصصًا عن الطيرة وأثرها في الحروب عند اليونان والرومان والفراعنة والفرس.

ورسخ في عقول أهل الجاهلية أن في وسع الكهنة التنبؤ عن نتائج الغزو أو الحروب، لما للكهنة من اتصال بالأرباب وبالأرواح المخبرة عن المغيبات وعما سيقع في المستقبل. فكانوا لذلك يسألونهم في كثير من الأحايين عن رأيهم في غزو يريدون القيام به قبل الشروع به، حتى إذا باركه الكاهن قاموا به، وإلا تركوه2. ونجد في كتب الأدب وأهل الأخبار أخبارًا ترجع سبب هزيمة قوم أو سبب انتصارهم إلى مخالفة أولئك القوم لرأي كاهنهم، فكانت الهزيمة، وإلى العمل برأيه، فوقع من ثَمَّ لهم النصر؛ لأن للكهنة علم بالمغيبات.

1 تاج العروس "9/ 222"، "رهن".

2 الدينوري، عيون الأخبار "1/ 144"، "كتاب الحرب"، "في الطيرة والفأل".

ص: 140