الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السعاة:
وكانت العرب تسمي أصحاب الحمالات لحقن الدماء وإطفاء النائرة سعاة، لسعيهم في صلاح ذات البين، ومنه قول زهير:
سعى ساعيًا غيظ بن مرة، بعدما
…
تَبَزَّلَ ما بين العشيرة بالدم
والعرب تسمي مآثر أهل الشرف والفضل مساعي1.
1 اللسان "14/ 385 وما بعدها"، "سعا".
القسامة:
لا حكم بغير بينة تثبت بالدليل القاطع أن القاتل قتل القتيل. ولا يطالب بالقود إن لم يثبت أن القاتل قد قتل القتيل وأنه مسئول عن دمه.
أما إذا قُتل رجل في موضع أو بين قوم ولم يعرف قاتله، ويرى أولياء المقتول أن دم صاحبهم في أصحاب هذا الموضع أو القوم وأن القاتل بينهم، ولا تشهد على قتل القاتل إيّاه بينة عادلة كاملة، فيجيء أولياء المقتول فيدعون قِبل رجل أنه قتله ويدلون بلوث من البينة غير كاملة، وذلك أن يوجد المدعى عليه متلطخًا بدم القتيل في الحال التي وجد فيها ولم يشهد رجل عدل أو امرأة ثقة أن فلانًا قتله، أو يوجد القتيل في دار القاتل وقد كان بينهما عداوة ظاهرة قبل ذلك، فإذا قامت دلالة من هذه الدلالات سبق إلى قلب من سمعه أن دعوى الأولياء صحيحة، فيستحلف أولياء القتيل خمسين يمينًا، أن فلانًا الذي ادعوا قتله انفرد بقتل صاحبهم ما شركه في دمه أحد، فإذا حلفوا خمسين يمينًا استحقوا دية قتيلهم، فإن أبوا أن يحلفوا مع اللوث الذي أدلوا به حلف المدعى عليه وبريء. وإن نكل المدعى عليه عن اليمين خير ورثة القتيل بين قتله أو أخذ الدية من مال المدعى عليه.
وورد أن القسامة: "أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرًا على استحقاقهم دم صاحبهم إذا وجدوه قتيلًا بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين
أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا يكون فيهم صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية"1.
وورد: في "حديث عمر، رضي الله عنه: القسامة توجب العقل، أي: توجب الدية لا القود، وفي حديث الحسن: القسامة جاهلية، أي: كان أهل الجاهلية يدينون بها، وقد قررها الإسلام. وفي رواية: القتل بالقسامة جاهلية، أي: إن أهل الجاهلية كانوا يقتلون بها أو أن القتل بها أعمال الجاهلية"2.
وورد أن رسول الله "أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية"3.
وقد يحلف بعض الناس يمينًا، أي: يمين القسامة، ويدفع البعض الآخر ما يصيبه من الدية، بدلًا من القسم، بأن يؤدي الدية عوضًا عن اليمين لاعتقادهم أن من يحلف كاذبًا أصابه مكروه وشر4.
ومن أمثلة ما ذكره أهل الأخبار عن القسامة والعقوبة المعجلة التي تلحق بصاحب اليمين الكاذبة، ما ذكروه عن استئجار رجل من قريش، اسمه خداش بن عبد الله بن أبي قيس العامري في رواية، رجلًا من بني هاشم، فانطلق الأجير معه في إبله إلى الشام. فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال للأجير: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي، فأعطاه عقالًا، فشد به جوالقه. فلما نزلوا، عقلت الإبل، إلا بعيرًا واحدًا. فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال الأجير: ليس له عقال. قال المستأجر له: فأين عقاله؟ فحذفه بعصا، كان فيها أجله. فمرّ به رجل من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته. قال. هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم. قال: فكنت إذا شهدت الموسم فناد: يا آل قريش؟ فإذا أجابوك، فنادِ: يا آل بني هاشم؟ فإن أجابوك، فاسأل
1 اللسان "12/ 481""قسم" نيل الأوطار"7/ 36 وما بعدها"، تاج العروس "9/ 26 فما بعدها""قسم" المفردات "413"، القسطلاني "10/ 61".
2 اللسان "12/ 481".
3 صحيح مسلم "5/ 101".
4 صحيح مسلم "5/ 68 وما بعدها"، عمدة القارئ "16/ 266"، ابن حزم، المحلى "11/ 66 وما بعدها".
عن أبي طالب، فأخبره أن فلانًا قتلني في عقال. ومات المستأجر. فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب، فقال له: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنت القيام عليه، وتوفي، فوليت دفنه، قال أبو طالب: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينًا. ثم إن الرجل اليماني الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه، وافى الموسم، فقال: يا آل قريش؟ قالوا له: هذه قريش. قال: يا آل بني هاشم؟ قالوا: هذه بنو هاشم. قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب. قال له: أمرني فلان أن أبلغك رسالة: أن فلانًا قتله في عقال. فأخبره بالقصة، وخداش يطوف بالبيت، لا يعلم بما كان. فقام رجال من بني هاشم إلى خداش، فضربوه، وقالوا: قتلت صاحبنا، فجمد، وأتاه أبو طالب، فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل؛ فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به. فأتى قومه، فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم، قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا من اليمين وتعفو عنه برجل من الخمسين، ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان. ففعل. فأتاه رجل منهم، فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلًا أن يحلفوا مكان مئة من الإبل يصيب كل رجل بعيران. هذان بعيران، فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان، فقبلهما. وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا. ويذكر رواة هذا الخبر أنهم كذبوا في يمينهم، فما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف1.
وقد ذكر "السكري" القصة المذكورة، لكنه نسب القسامة فيها إلى "الوليد بن المغيرة". فذكر أنه لما أقبل أولئك الحي الذين كان "عامر" عهد إليهم بما عهد، وأخبروا "بني عبد مناف" خبر عامر. عمدوا إلى "خداش" فضربوه، وصاح الناس: الله الله يا بني عبد مناف. ثم تناهوا وتناصفوا، وصاروا في أمره إلى "الوليد بن المغيرة"، وهو يومئذ أسن قريش، فحكم بالقسامة. وذكر في ذلك أبيات شعر نسبها إلى "أبي طالب". وذكر أن
1 القسطلاني "6/ 181".