الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الإسلام1. والقسامة وقد حكم بها "الوليد بن المغيرة" كذلك2، و"تحريم الخمر" وقد حكم بهذا التحريم جملة حكام، منهم: "الوليد بن المغيرة" و"عبد المطلب"، و"المنع من نكاح المحارم"، و"النهي عن قتل الموءودة"، وتحريم الزنا، وأن لا يطوف إنسان بالبيت عريان، وتنسب هذه الأحكام إلى عبد المطلب3.
وذكر أهل الأخبار أن أول من ورَّث البنات في الجاهلية، فأعطى البنت سهمًا والابن سهمين "ذو المجاسد اليشكري"4.
وأنا إذ أذكر الأحكام التي حكمها حكام الجاهلية، فاتبعت عندهم، لا أقصد أنها صارت أحكامًا عامة، مشت بين جميع العرب، فكلام مثل هذا، هو كلام مغلوط، لا يمكن أن يقال، على الرغم من التعميم الذي يذكره أهل الأخبار، مثل قولهم:"وكانوا يقطعون يد السارق اليمنى ويصلبون قاطع الطريق5". وقولهم: "وكانوا يغتسلون من الجنابة"6، وأمثال ذلك. فقد عودنا أهل الأخبار على هذا التعميم، الذي أخذوه من أفواه الرواة دون نقد ولا تمحيص. وآية ذلك أنهم يعودون فيناقضون أنفسهم وما قالوه في مواضع أخرى، مما يدل على أنهم نسوا ما قالوه سابقًا، ولم يفطنوا إلى هذا التناقض، ولم يحاولوا نقد الروايات. ولهذا فحكمنا في هذه الأمور، هو أن الأحكام المذكورة هي رأي واجتهاد، قد يتبعه بعض وقد يخالفه بعض آخر، يكون أتباعه في الموضع الذي عاش فيه الحاكم فأحكامهم لهذا أحكام محلية، قد تصير عرفًا، إذا انتزعت من صميم الواقع ومن عقلية المحيط.
1 المعارف "ص240".
2 المعارف "ص240"، بلوغ الأرب "1/ 323 وما بعدها"، المحبر "327".
3 بلوغ الأرب "1/ 323 وما بعدها".
4 المحبر "324".
5 المحبر "327".
6 المحبر "319".
القضاء بعكاظ:
وكانت سوق عكاظ مجتمعًا للتقاضي في الأمور المهمة عند الجاهليين. حتى الشعر كانوا يتقاضون فيه، يعرض شاعر شعره على الحكم، ويعرض شاعر آخر
منافس له شعره عليه. ثم يسمعان رأي الحكم في أيهما أشعر. وذكر أن القضاء بعكاظ كان لبني تميم. وقد جمعت تميم الموسم إلى ذلك. وكان ذلك يكون في أفخاذها كلها. ويكون الرجلان يليان هذا من الأمرين جميعًا، عكاظ على حدة والموسم على حدة. فكان من اجتمع له الموسم والقضاء "سعد بن زيد مناة بن تميم"، ثم تولى ذلك "حنظلة بن زيد بن مناة"، ثم تولاه "ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم"، ثم "مازن بن مالك بن عمرو بن تميم"، ثم "ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة"، ثم "معاوية بن شريف بن جُروة بن أسيد بن عمرو بن تميم"، ثم "الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة"، ثم "صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد"، ثم "سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة".
فكان سفيان آخر تميمي اجتمع له الموسم والقضاء بعكاظ. فمات سفيان، فافترق الأمر، فلم يجتمع الموسم والقضاء لأحد منهم حتى جاء الإسلام، فكان "محمد بن سفيان بن مجاشع" يقضي بعكاظ. فصار ميراثًا لهم. فكان آخر من قضي بينهم الذي وصل إلى الإسلام "الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان".
وأجاز بالموسم بعد "صلصل بن أوس"، "العلاق بن شهاب بن لأي" من بني "عُوافة بن سعد بن زيد مناة". فكان آخر من أفاض بهم "كرب بن صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة"1. وله يقول أوس بن مغراء القريعي:
ولا يريمون في التعريف موقفهم
…
حتى يقال: أجيزوا آل صفوانا2
ويتبين مما تقدم، أن القضاء بعكاظ كان حقًّا من حقوق "تميم" لا ينازعهم في ذلك منازع. إذا هلك قاض أخذ مكانه ابنه أو رجل آخر من الأسرة التي اختصت بالقضاء بين الناس، والتي كان لها أمر "الحكومة"، فنحن هنا إذن أمام أناس تخصصوا بأمور القضاء بين الوافدين إلى عكاظ، ممن كان عندهم أمر معضل، ثم يريدون حله وفضه. ولا بد لمثل هذا الحاكم من أن يكون محترم الجانب، مهاب المكانة، واقفًا على الأحساب والأنساب وأحوال الناس وعلى الأعراف حتى يحترم قراره ويطاع.
1 وقيل: "صفوان بن الحارث"، ابن هشام "77".
2 المحبر "181 وما بعدها".
ولا بد وأن يكون لتميم نفوذ في هذه الأرضين، أكسبها حق الحكومة بعكاظ، ولا بد أن يكون نفوذ بمكة وعند قريش، جعل لها الموسم. فرئاسه الموسم، من الرئاسات الكبيرة ذات الشأن عند قريش ومن هم في جوارهم، ولا يعقل تسليمها لتميم لو لم يكن لها نفوذ سابق بمكة وصلات شديدة بقريش. صلات تتجلى بالتصاهر الموجود بين قريش وتميم. ومن يدري فلعل تميمًا كانوا بمكة، ثم ارتحلوا عنها إلى مواضع أخرى؟
ولا أستبعد احتمال جلوس الحكام في الأسواق الأخرى للحكم بين الناس فيما يقع بينهم من خلاف. في أمور السوق من بيع وشراء واختلاف على سلع، أو من تنافر أو من تخاصم وتنازع. فهذه الأسواق هي مواسم يلتقي فيها من يتعامل بها من الناس، فيجدون فيها فرصة لحلّ ما بينهم من خلاف، فيلجئون إلى من يكون في السوق من الحكام، للحكم بينهم. وقد يتولى الفصل في الخصومات الناشئة عن التعامل والتبايع حكّامُ السوق، وهم الذين يتحكمون في السوق، ويشرفون عليها ويتقولون جبايتها والمحافظة على أرواح من يحضرها من الناس.
وقد تقع مظالم في هذه الأسواق وفي غيرها، فعلى الحكام أخذها من الظالم وإرجاع الظلامة إلى من وقعت عليه. والظلامة ما تطلبه عند الظالم1. ويطالب المظلوم بظلامته مطالبة أهل الثأر بثأرهم، ويعدون الظلم نقصًا يلحق بمن وقع الظلم عليه. وإذا لم ينصف لجأ إلى أهله وأبناء عشيرته لنصرته ومعاونته على أخذ حقه من المظالم، فكانت الأسواق من المجتمعات المناسبة للنظر في المظالم.
1 تاج العروس "8/ 384".