الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الشهاب محمود: ولما أنشد هذين البيتين بين يدي الملك الناصر صلاح الدين صاحب دمشق قال: لا تلوموه؛ فإنه لزمه لزوم أعمى.
فلما بلغ العز قول الملك الناصر قال: والله هذا أحلى من شعري. انتهى.
ومن شعره أيضاً:
ذهبت بشاشة ما عهدت من الجوى
…
وتغيرت أحواله وتنكرا
وسلوت حتى لو سرى من نحوكم
…
طيف لما حياه طيفي في الكرى
توفي صاحب الترجمة في شهر ربيع الآخر سنة ستين وستمائة، انتهى.
الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون
نيف 730هـ - 762هـ - 1329م - 1360م الحسن بن محمد بن قلاوون، السلطان الملك الناصر أبو المعالي - كنيته ولقبه ككنية أبيه ولقبه - ابن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي.
مولده في سنة نيف وثلاثين وسبعمائة، وأمه أم ولد.
أقيم في السلطنة بعد خلع أخيه المظفر سيف الدين حاجيِّ في بكرة يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
وجلس على تخت الملك، وضربت البشائر، وتم أمره، وطاوعته الممالك.
واستمر في السلطنة إلى أن وقع بينه وبين بعض الأمراء وحشة، وخلع من السلطنة بأخيه الملك الصالح صالح في أوائل شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وحبس مدة إلى أن أطلق، وأعيد إلى السلطنة بعد خلع أخيه الملك الصالح صالح في أوائل شهر شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وتم أمره، وعظمت مملكته، وطالت أيامه، وعمر في هذه السلطنة مدرسته التي لم يبن في الإسلام مثلها بالرميلة تجاه قلعة الجبل، وصرف عليها من الأموال ما يستحي من ذكره كثيرةً.
وكان كريم النفس، باراً لأهله وأقاربه، يميل إلى فعل الخير والصدقات.
وكان يحب أولاد الناس دون المماليك ولهذا طالت مدته لولا أنه قدم مملوكه يلبغا؛ فكان ذلك هو السبب لزوال دولته.
وأمَّر من أولاد الناس جماعة كثيرة، وكان غالب نواب القلاع بالبلاد الشامية في زمانه أولاد الناس، وكان في زمانه من أولاد الناس ثمانية من مقدمي الألوف بالديار المصرية، ثم أنعم على ولديه بتقدمتي ألف، فصارت الجملة عشرة، أما الثمانية، فهم: الأمير عمر بن أرغون النائب، وأسنبغا بن الأبو بكري، والأمير محمد بن طوغان، ومحمد بن بهادر رأس نوبة، ومحمد بن المحسني، وموسى بن أرقطاي، وأحمد بن آل ملك، وموسى بن الأزكشي. وجعل ابن القشتمري نائب حلب. وابن صبيح نائب صفد. وكان قد جعل نائب دمشق أمير على المارديني، ثم عزله.
ولامه بعض خواصه في تقدمة أولاد الناس على المماليك؛ فقال: والله لا لمحبة فيهم أقدمهم، لكن أفعل ذلك مصلحةً لي وللرعية وللبلاد، فأما مصلحتي، فإنهم لا يخرجون عن طاعتي، ومتى أرادوا ذلك نهاهم أقاربهم وحواشيهم عن ذلك؛ خوفاً على أملاكهم وأرزاقهم، بخلاف المماليك؛ فإنهم لا رأس مال لهم في مملكة من الممالك. وأما للرعية، فإن عندهم شبع نفس، وعدم طمع، وأيضاً خوفاً مني لا يظلمون أحداً. وللبلاد فلا شك أنهم أعرف بالأحكام والسياسة والأخذ بخواطر الرعية من المماليك. انتهى.
قلت: وكان له همة عالية، ومعرفة تامة، وله مآثر بمكة المشرفة، وعمر بها أماكن، واسمه مكتوب في الجانب الشرقي، وعمل في زمانه باب الكعبة الذي هو بابها الآن، وكسا الكعبة الكسوة التي هي اليوم في باطنها، وأشياء غير ذلك.
وكان كثير البر لأهل مكة إلى أن بلغه ما وقع لعسكره الذي كان بمكة ومقدمه الأمير قندش، وابن قرا سنقر من القتل والنهب وإخراجهما من مكة على أقبح وجه في آخر سنة إحدى وستين وسبعمائة. غضب على أهل الحجاز، وأمر بتجهيز عسكر كبير إلى الحجاز للانتقام من أهله، وعزم على أن ينزعها من أيدي الأشراف إلى الأبد، وكان يتم له ذلك بسرعة وسهولة، وفبينا هو في ذلك إذ وقع بينه وبين مملوكه يلبغا العمري الخاصكي الوقعة التي قتل فيها. وهو أن السلطان حسن كان قد خرج من القاهرة للصيد بكوم برا - وهي بليدة من قرى القاهرة - وكان قد تغير خاطره على مملوكه يلبغا المذكور، لكلام بلغه عنه؛ فركب في نفر قليل على أنه يكبس يلبغا في منزله.
وكان عند يلبغا خبرٌ من ذلك بطريق الدسيسة؛ فخرج يلبغا للقاء السلطان بجماعته وهم مستعدون للحرب؛ فلم يقدر السلطان حسن عليه، وهرب في جماعة يسيرة، وعدى النيل من وقته في ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة؛ فتبعه يلبغا، وحصل بينه وبين ابن المحسني وقشتمر المنصوري وقعة
ببولاق انكسر فيها يلبغا مرتين حتى ردف يلبغا الأمير ألجاي اليوسفي وغيره، وتكاثروا على ابن المحسني.
كل ذلك وابن المحسني يهزمهم كرة بعد أخرى إلى أن صار يلبغا في جمع موفور، وأرسل في الدس يسأل ابن المحسني ويعده بكل خير، ولا زال به حتى كف عن قتاله، وذهب إلى حال سبيله، ولما طلع الملك الناصر إلى قلعة الجبل، وأعاق يلبغا ابن المحسني عن حضوره إلى القلعة في إثره دار رَمَق السلطان حسن، وألبس مماليكه المقيمين بالقلعة؛ فلم يجدوا خيولاً؛ فإن خيل السلطان كانت في الربيع، فضاقت حيلته.
فلما سبح المسبح ركب السلطان حسن ومعه أيدمر الدوادار، ولبسا لبس العرب؛ ليتوجها إلى الشام، فلقيهما بعض المماليك، فأنكروا عليهم، ثم قبضوا عليهم، وأحضروهم إلى بيت الأمير شهاب الدين الأزكشي أستادار العالية كان، فمسكهما وأحضرهما الأمير شهاب الدين إلى عند يلبغا، فكان ذلك آخر العهد بالسلطان حسن رحمه الله ولم يعلم له خبر ولا أثر، وذلك في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
وكان عمره يوم قتل نيفاً على ثلاثين سنة تقريباً.
وكانت مدة سلطنته الثانية ست سنين وسبعة أشهر، وسلطن يلبغا من بعده الملك المنصور محمد بن الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وصار يلبغا مدبر مملكته ومعه الأمير طيبغا الطويل وهما من عتقاء الملك الناصر حسن، فوفيا حقوق التربية لأستاذهما المذكور.
وكان الملك الناصر حسن ملكاً شجاعاً، كريماً، حازماً، ذا شهامة، وحرمة، وصرامة، وهيبة.
وكان عالي الهمة، جيد التدبير، كثير الصدقات. ومما يدل على علو همته عمارته لمدرسته بالرميلة.
وصفته: كان للطول أقرب، أشقر، وبوجهه نمش مع كيس، وكان قد رسم أن تعمل له خيمة عظيمة؛ فعملت، وضربت بالحوش السلطاني من قلعة الجبل، فكانت من الحسن إلى الغاية.
وفيها يقول الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة:
حوت خيمة السلطان كل عجيبةً
…
فأمسيت فيها باهتاً أتعجب
لساني بالتقصير فيها مقصرٌ
…
وإن كان في أطنابها بات يطنب
وكان رحمه الله مغرماً بالنساء والخدام، واقتنى من الخدام ما لم يقتنه أحد من ملوك الترك قبله، وكان إذا سافر يستصحب النساء معه؛ لكونه لم يكن له ميل إلى الشباب كعادة الملوك من قبله، وفي قصته مع يلبغا ومحبته للنساء يقول بعض الأدباء:
لما أتى للعاديات وزلزلت
…
حفظ النساء وما قرا للواقعة
فلأجل ذاك الملك أضحى لم يكن
…
وأتى القتال وفصلت بالقارعة
لو عامل الرحمن فاز بكهفه
…
وبنصره في عصره في السابعة
من كانت القينات من أحزابه
…
عطعط به الدخان نار لامعة
تبت يدا من لا يخاف من الدعا
…
في الليل إذ يغشى يقع في النازعة
وخلف الملك الناصر حسن من الأولاد عشرة وهم: أحمد، وقاسم، وعلي، واسكندر، وشعبان، وإسماعيل، ويحيى، وموسى، ويوسف، ومحمد. وستاً من البنات، وخلف من الذهب العين والخيول والقماش شيئاً كثيراً إلى الغاية، استولى يلبغا على جميع ذلك.