المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) - المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود - جـ ٢

[السبكي، محمود خطاب]

فهرس الكتاب

- ‌(باب صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم)

- ‌(باب الوضوء ثلاثا ثلاثا)

- ‌(باب الوضوء مرتين)

- ‌(باب الوضوء مرّة مرّة)

- ‌(باب في الفرق بين المضمضة والاستنشاق)

- ‌(باب في الاستنثار)

- ‌(باب تخليل اللحية)

- ‌(باب المسح على العمامة)

- ‌(باب غسل الرجلين)

- ‌(باب المسح على الخفين)

- ‌(باب التوقيت في المسح)

- ‌(باب المسح على الجوربين)

- ‌(باب كيف المسح)

- ‌(باب في الانتضاح)

- ‌(باب ما يقول الرجل إذا توضأ)

- ‌(باب الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد)

- ‌(باب تفريق الوضوء)

- ‌(باب إذا شك في الحدث)

- ‌(باب الوضوء من القبلة)

- ‌(باب الوضوء من مس الذكر)

- ‌(باب في الوضوء من لحوم الإبل)

- ‌(باب الوضوء من مس اللحم النيء وغسله)

- ‌(باب في ترك الوضوء من مس الميتة)

- ‌(باب في ترك الوضوء مما مست النار)

- ‌(باب الوضوء من اللبن)

- ‌(باب الوضوء من الدم)

- ‌(باب في الوضوء من النوم)

- ‌(باب في الرجل يطأ الأذى)

- ‌(باب فيمن يحدث في الصلاة)

- ‌(باب في المذى)

- ‌(باب مباشرة الحائض ومؤاكلتها)

- ‌(باب في الإكسال)

- ‌(باب في الجنب يعود)

- ‌(باب الوضوء لمن أراد أن يعود)

- ‌(باب في الجنب ينام)

- ‌(باب من قال الجنب يتوضأ)

- ‌(باب الجنب يؤخر الغسل)

- ‌(باب في الجنب يقرأ القرآن)

- ‌(باب في الجنب يصافح)

- ‌(باب في الجنب يدخل المسجد)

- ‌(باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس)

الفصل: ‌(باب صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم)

بسم الله الرحمن الرحيم

(باب صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم)

لما فرغ من بيان أحكام المياه وما يتعلق بها شرع في بيان كيفية الوضوء، والصفة في الأصل مصدر وصف كوعد وهى المعنى القائم بالغير، والمراد بها هنا الكيفية.

(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ:«مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله الحلواني) بضم الحاء المهملة وسكون اللام نسبة إلى حلوان مدينة آخر العراق

(قوله عبد الرزاق) بن همام

(قوله معمر) بن راشد

(قوله الزهرى) هو محمد بن مسلم

(قوله الليثى) نسبة إلى الليث أحد أجداده

(قوله حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم (ابن أبان) بفتح الهمزة والموحدة المخففة ابن خالد بن عبد عمرو القرشى الأموى المدني أدرك أبا بكر. روى عن مولاه ومعاوية وعبد الله بن عمر، وعنه عروة بن الزبير والحسن البصرى وعطاء بن يزيد ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم وغيرهم، قال ابن سعد كان كثير الحديث ولم أرهم يحتجون بحديثه وذكره ابن معين في تابعى المدينة ومحدّثيهم ووثقه ابن حبان وقال ابن عبد البرّ كان أحد العلماء الجلة أهل الوجاهة والرأى والشرف

ص: 2

قدم البصرة فكتب عنه أهلها

(قوله مولى عثمان) أى معتق له كان من سبي عين التمر فابتاعه عثمان من المسيب من نجية فأعتقه، وفي هذا السند ثلاثة من التابعين حمران وعطاء وابن شهاب الزهرى يروى بعضهم عن بعض وهذا من لطائف الإسناد

(قوله عثمان بن عفان) بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقى مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في عبد مناف أبو عمرو أمير المؤمنين الملقب بذى النورين لأنه تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أسلم رابع أربعة في الإسلام، ومقامه عظيم فعن طلحة بن عبيد الله قال قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكل نبي رفيق ورفيقى في الجنة عثمان وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعظمه فعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت استأذن أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو مضطجع على فراش عليه مرط لى فأذن له وهو على حاله فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصلح عليه ثيابه وقال اجمعى عليك ثيابك فأذن له فقضى إليه حاجته ثم انصرف فقلت يا رسول الله لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان فقال يا عائشة إن عثمان رجل حييّ وإني خشيت إن أذنت له وأنا على تلك الحالة أن لا يبلغ إليّ حاجته أخرجه مسلم وفي رواية ألا أستحى ممن تستحى منه الملائكة، وكان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رجلا كريما فعن عبد الرحمن بن سمرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال جاء عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره فجعل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقلبها بيده ويقول ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين رواه الترمذى، وروى أيضا ما ملخصه أنه جهز جيش العسرة بستمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وقد اشترى بئر رومة بعشرين ألف درهم كانت ليهودى يبيع للمسلمين مائها. ولم يشهد عثمان بدرا بنفسه لأن زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت مريضة لكن ضرب له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسهم رجل وأجره فهو كمن شهدها وكذا لم يشهد بيعة الرضوان لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان بعثه إلى مكة فعن عثمان بن عبد الله بن موهب قال جاء رجل من أهل مصر يريد الحج فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء قالوا قريش قال فمن الشيخ فيهم قالوا عبد الله بن عمر فقال يا ابن عمر إني سائلك عن شئ فحدثني هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد قال نعم قال هل تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهدها قال نعم قال هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها قال نعم فقال الرجل الله أكبر ثم ولى فقال ابن عمر فتعال أبين لك أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه قال الله تعالى "ولقد عفا الله عنهم" وأما تغيبه

ص: 3

عن بدر فإنه كان تحته رقية بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكانت مريضة فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقم معها ولك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه، فبعث صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إلى مكة وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيده اليمنى على اليسرى وقال هذه لعثمان وكانت يسرى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعثمان خيرا من أيمانهم لهم ثم قال ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما للرجل اذهب بها الآن معك أخرجه البخارى والترمذى، وهو أحد العشرة الذين بشرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالجنة، فعن أبي موسى الأشعرى قال انطلقت مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فدخل حائطا للأنصار فقضى حاجته فقال لى يا أبا موسى أمسك علىّ الباب فلا يدخلنّ علَيَّ أحد إلا بإذن فجاء رجل يضرب الباب فقلت من هذا فقال أبو بكر فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن قال ائذن له وبشره بالجنة فدخل وبشرته بالجنة وجاء رجل آخر فضرب الباب فقلت من هذا فقال عمر فقلت يا رسول الله هذا عمر يستأذن قال افتح له وبشره بالجنة ففتحت الباب ودخل وبشرته بالجنة فجاء رجلا آخر فضرب الباب فقلت من هذا قال عثمان فقلت يا رسول الله هذا عثمان يستأذن قال افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح، ومناقبه كثيرة شهيرة. روى له عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة وأربعون ومائة حديث اتفق البخارى ومسلم على ثلاثة منها وانفرد البخارى بثمانية ومسلم بخمسة أحاديث. وروى عنه أبناؤه أبان وسعيد وعمرو وأنس بن مالك ومروان بن الحكم وزيد بن خالد الجهنى وعبد الله بن الزبير ومحمود بن لبيد وغيرهم. ولد في السنة السادسة بعد عام الفيل، وقتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلون من شهر ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة وصلى عليه جبير بن مطعم ودفن بحش كوكب. ولي الخلافه ثنتي عشرة سنة روى له الجماعة.

(معني الحديث)

(قوله توضأ) أى أراد الوضوء

(قوله فأفرغ على يديه) أى صب الماء على كفيه من أفرغت الماء إفراغا وفرغته تفريغا إذا صببته والفاء فيه للتعقيب أو لتفصيل ما أجمل في قوله توضأ وفي رواية للبخارى فأفرغ على كفيه، ويؤخذ منه أن الإفراغ عليهما معا وفي رواية أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، وفي نسخة فأفرغ على يده

(قوله فغسلهما) أى يديه معا على ما هو الظهر، ويحتمل أنه غسل كل واحدة منهما على حدة قال ابن دقيق العيد قوله غسلهما قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو مفترقتين. والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل

(قوله ثم تمضمض) وفي بعض النسخ مضمض، والمضمضة في اللغة تحريك الماء في الفم يقال مضمضت

ص: 4

الماء في فمى أي حركته فيه وتمضمضت فعلت ذلك، وشرعا أن يضع الماء في الفم ثم يديره ثم يمجه، والمبالغة فيها سنة، وأقلها أن يجعل الماء في فمه ولا يشترط إدارته على المشهور الذى قاله الجمهور (قال) النووى قال جماعة من أصحابنا تشترط إدارته قال ابن دقيق العيد قال بعض الفقهاء المضمضة أن يجعل الماء في فيه ثم يمجه فأدخل المج في حقيقة المضمضة فعلى هذا لو ابتلع الماء لم يكن مؤديا للسنة وهذا الذى يكثر في أفعال المتوضئين أعنى الجعل والمج. ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة لا أنه يتوقف تأدية السنة على مجه اهـ وليس في هذه الرواية ذكر عدد المضمضة، وسيأتى في رواية ابن أبى مليكة

(قوله استنثر) أى بعد أن استنشق لأن الاستنثار إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه ويطلق على الاستنشاق، قال في المصباح نثر المتوضئُ واستنثر بمعنى استنشق ومنهم من يفرق فيجعل الاستنشاق إيصال الماء والاستنثار إخراج ما في الأنف من مخاط وغيره ويدلّ عليه لفظ الحديث كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستنشق ثلاثا في كل مرة يستنثر وفى حديث إذا استنشقت فانثر اهـ (وقال) النووى قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدّثون الاستنثار إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وقال ابن الأعرابى وابن قتيبة الاستنثار هو الاستنشاق، والصواب الأول ويدلّ عليه الرواية الأخرى استنشق واستنثر فجمع بينهما اهـ (وقد) اختلف في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل على مذاهب (الأول) مذهب مالك والشافعى وأصحابهما أنهما سنتان في الوضوء والغسل، وذهب إليه من السلف الحسن البصرى والزهرى والحكم بن عتيبة وقتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصارى والأوزاعى والليث ابن سعد ومحمد بن جرير الطبرى والناصر من أهل البيت واستدلوا بقوله تعالى "فاغسلوا وجوهكم" وبحديث توضأ كما أمرك الله وليس في القرآن ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار (قال) النووى وهذا الحديث صحيح رواه أبو داود والترمذى وغيرهما وقال الترمذى حديث حسن وهو بعض حديث طويل أصله في الصحيحين قال وهو من أحسن الأدلة لأن هذا الأعرابى صلى ثلاث مرات فلم يحسنها فعلم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حينئذ أنه لا يعرف الصلاة التي تفعل يحضرة الناس وتشاهد أعمالها فعلمه واجباتها وواجبات الوضوء فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ كما أمرك الله ولم يذكر له سنن الصلاة والوضوء لئلا تكثر عليه فلا يضبطها فلو كانت المضمضة والاستنشاق واجبتين لعلمه إياهما فإنه مما يخفى لا سيما في حق هذا الرجل الذى خفيت عليه الصلاة التى تشاهد فكيف الوضوء الذى يخفى اهـ ملخصا، واستدلوا أيضا بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأبى ذرّ الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر حجج فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، قال أهل اللغة البشرة ظاهر الجلد، وداخل الفم والأنف

ص: 5

من الباطن لا من الظاهر فلا يجب غسله لأنه ليس من مسمى البشرة، قالوا والأوامر الواردة في الأحاديث بالمضمضة والاستنشاق محمولة على السنية جمعا بين الأدلة (الثاني) أنهما سنتان في الوضوء فرضان عمليان في الغسل وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى وزيد بن على واستدلوا بقوله تعالى "وإن كنتم جنبا فاطهروا" فإنه أمر بتطهير جميع البدن إلا ما تعذر إيصال الماء إليه، وداخل الفم والأنف لا يتعذر إيصال الماء إليه بخلاف الوضوء فإن الواجب فيه غسل الوجه وهو ما تقع به المواجهة وهى فيهما منعدمة. ويدلّ لهم أيضا ما رواه الدارقطني عن عائشة بنت عجرد في جنب نسى المضمضة والاستنشاق قالت قال ابن عباس يمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة، ورواه عنها من عدّة طرق وقال عائشة بنت عجرد لا يحتج بها اهـ ولا وجه للتفرقة بين الوضوء والغسل فيهما فإن ما احتجوا به من الآية مجمل بين بنحو حديث أبي ذرّ المتقدم وفيه إذا وجد الماء فليمسه بشرته وقد علمت أن البشرة ظاهر الجلد فلا تشمل داخل الفم والأنف (الثالث) أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة فيهما فإنها سنة وهو مذهب أبى ثور وأبي عبيد وداود الظاهرى وأبي بكر بن المنذر ورواية عن أحمد واستدلوا بما رواه الشيخان عن أبى هريرة مرفوعا إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر وسيأتي للمصنف في باب الاستنثار، وبما رواه الدارقطني عن ابن سيرين قال أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالاستنشاق في الجنابة ثلاثا، وقالوا إن المضمضة ثابتة بفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا بأمره بخلاف الاستنشاق فإنه ثابت بهما وفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يفيد الوحوب، وفي قولهم هذا نظر فقد روى الدارقطنى عن عائشة وسليمان بن موسى قالا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من توضأ فليتمضمض وليستنشق فلا وجه للتفرقة، وقد علمت أن الأوامر الواردة بالمضمضة والاستنشاق محمولة على السنية (الرابع) أنهما واجبتان في الوضوء والغسل لا يصحان إلا بهما وهو المشهور عن أحمد وهو مذهب ابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه ورواية عن عطاء والهادى والقاسم والمؤيد بالله واستدلوا بأدلة (منها) أنهما من تمام غسل الوجه فالأمر بغسله أمر بهما، وقالوا وهذا وإن كان مستبعدا في بادئ الرأى باعتبار أن الوجه في لغة العرب معلوم المقدار لكن يعضد دعوى دخولهما في الوجه أنه لا موجب لتخصصه بظاهره دون باطنه فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجها (فإن قلت) قد أطلق على خرق الفم والأنف اسم خاص فليسا في لغة العرب وجها (قلت) كذلك أطلق على الخدين والجبهة وظاهر الأنف والحاجبين وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة فلا تسمى وجها وهذا في غاية السقوط لاستلزامه عدم وجوب غسل الوجه (فإن قلت) يلزم على هذا وجوب غسل باطن العين (قلت) يلزم ذلك لولا اقتصار الشارع في البيان على غسل ما عداه، وقد بين

ص: 6

لنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما نزّل إلينا فداوم على المضمضة والاستنشاق ولم يحفظ أنه أخلّ بهما مرّة واحدة كما ذكره ابن القيم في الهدى، ولم ينقل عنه أنه غسل باطن العين مرة واحدة. على أنه قد ذهب إلى وجوب غسل باطن العين ابن عمر والمؤيد بالله. وروى في البحر عن الناصر والشافعى أنه يستحب، واستدل لهم بظاهر الآية (ومنها) ما تقدم عند الدارقطني من توضأ فليتمضمض وليستنشق، وما رواه أيضا عن أبى هريرة بلفظ أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالمضمضة والاستنشاق، ومنها حديث عائشة بلفظ إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذى لا بدّ منه رواه البيهقى من طريق عصام بن يوسف عن ابن المبارك عن ابن جريج عن سليمان بن يسار عن الزهرى عن عروة عنها "ومنها" ما أخرجه أحمد والشافعى وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي وأهل السنن من حديث، طويل عن لقيط بن صبرة وفيه وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما، وسيأتي للمصنف في باب في الاستنثار وفي رواية له إذا توضأت فمضمض قال الحافظ في الفتح إن إسنادها صحيح، وردّ في التلخيص ما أعلّ به حديث لقيط من أنه لم يرو عن عاصم بن لقيط بن صبرة إلا إسماعيل بن كثير وليس بشئ لأنه روى عنه غيره وصححه الترمذى والبغوى وابن القطان وقال النووى هو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذى وغيرهما بالأسانيد الصحيحة اهـ وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار. قال الحافظ في الفتح وذكر ابن المنذر أن الشافعى لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا بكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لا يعيد وهذا دليل فقهى فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء "وقال" في النيل إذا تقرر هذا علمت أن المذهب الحق وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار في الوضوء والغسل اهـ ببعض تصرف. لكن قد علمت مما تقدّم أن داخل الفم والأنف ليس من مسمى الوجه في لغة العرب لأن الوجه ما تقع به المواجهة فالأمر بغسل الوجه ليس أمرا بهما. ولا يقال إن إخراجهما من مسمى الوجه لتسميتهما باسم خاص بهما بل لعدم شموله لهما وأن مداومته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المضمضة والاستنشاق محمولة على الاستحباب كالأوامر الواردة بهما جمعا بين الأدلة، قال النووى ولأن في الوضوء غسل الكفين والتكرار وغيرهما مما ليس بواجب بالإجماع (فتبين لك مما ذكر) أن المذهب الأول هو الراجح. قال النووى في شرح مسلم وعلى أى صفة أوصل الماء إلى الفم والأنف حصلت المضمضة والاستنشاق وفي الأفضل خمسة أوجه (الأول) يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق منها (الثاني) يجمع بينهما بغرفة

ص: 7

واحدة يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا (الثالث) يجمع أيضا بغرفة ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يتضمض منها ثم يستنشق (الرابع) يفصل بينهما بغرفتين فيتمضمض من إحداهما ثلاثا ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا (الخامس) يفصل بست غرفات يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بلاث غرفات (والصحيح) الوجه الأول وبه جاءت الأحاديث الصحيحة في البخارى ومسلم وغيرهما. وأما حديث الفصل فضعيف فيتعين المصير إلى الجمع بثلاث غرفات كما ذكرنا لحديث عبد الله بن زيد في الكتاب "يعنى صحيح مسلم" واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مقدمة على الاستنشاق وعلى كل صفة وهل هو تقديم استحباب أو اشتراط فيه وجهان (أحدهما) اشتراط لاختلاف العضوين (والثانى) استحباب كتقديم يده اليمنى على اليسرى اهـ

(قوله ثم غسل وجهه ثلاثا) كذا في رواية الشيخين أى ثلاث مرات. وفي بعض النسخ وغسل وجهه. والأولى تدلّ على تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنثار. وحكمة تقديمهما اختبار طعم الماء بالفم وريحه بالأنف احتياطا للعبادة. والوجه من المواجهة وحدّه طولا من منابت شعر الرأس المعتاد إلى أسفل الذقن وعرضا من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن. وغسله فرض بالنص بلا خلاف وتثليث غسله قام الإجماع على سنيته

(قوله وغسل يده اليمنى إلى المرفق) وفي رواية الشيخين ثم غسل يديه قال في المصباح اليد مؤنثة وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع ولامها محذوفة وهي ياء والأصل يدى قيل بفتح الدال وقيل بسكونها اهـ لكنه سقط في الوضوء غسل ما وراء المرفق بالنص. والمرفق بفتح الميم وكسر الفاء وعكسه لغتان وهو موصل الذراع بالعضد. ولا خلاف في وجوب غسل اليدين للنص. ولم يخالف في وجوب غسل المرفقين إلا زفر وأبو بكر بن داود الظاهرى. فمن قال بالوجوب قال يحتمل أن تكون إلى في الآية بمعنى مع وإلى ذلك ذهب ثعلب وغيره من أهل اللغة محتجين بقوله تعالى "ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم" وعليه فدخول المرفق ظاهر. ويحتمل أن تكون للغاية كما قاله المبرّد والزجاج وغيرهما "قال" النووى وهو الأصح الأشهر وعليه فدخول المرفق ظاهر أيضا فإن الغاية تدخل في المغيا إذا كان اسم المغيا شاملا لهما كما هنا وتكون الغاية لإخراج ما بعدها، قال سيبويه والمبرّد ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه. وقد علمت أن اليد عند العرب من رؤوس الأصابع إلى المنكب حتى تيمم عمار إلى المنكب ولهذا لو قال بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه دخل الحدّ. ويكون المراد بالغاية إخراج ما وراء الحدّ في كون المراد بذكر المرفق إخراج ما وراءها، واستدلوا أيضا بحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أدار الماء على مرفقيه ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به رواه الدارقطني والبيهقى من حديث جابر مرفوعا وفيه القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد

ص: 8

ابن عقيل وهو متروك وقال أبو زرعة منكر وضعفه أحمد وابن معين وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات ولم يلتفت إليه في ذلك، وصرّح بضعف هذا الحديث المنذرى وابن الجوزى وابن الصلاح والنووى وغيرهم، وبما أخرجه مسلم من حديث أبى نعيم بن عبد الله قال رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد "الحديث" ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ، وبحديث وائل بن حجر في صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفيه وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفقين وبما رواه الطحاوى عن ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعا وفيه ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه (قال) الحافظ فهذه الأحاديث يقوّى بعضها بعضا وقد قال الشافعى في الأمّ لا أعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء (فعلى) هذا يكون زفر وأبو بكر محجوجين بالإجماع اهـ واستدلوا أيضا بأن غسل المرافق يتوقف عليه تمام الواجب فهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فيكون واجبا، ومن لم يقل بالوجوب نظر إلى أن الغاية بإلى لا تدخل في المغيا، لكن يقال عليه محله إذا لم يكن المغيا شاملا للغاية أما إذا كان شاملا لها فهى داخلة كما علمت، وعلى فرض عدم دخول الغاية في المغيا مطلقا فمحله ما لم تقم قرينة على دخولها، وقد قام الإجماع وفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على دخولها

(قوله ثم مسح رأسه) زاد ابن خزيمة في روايته عن ابن الطباع كله، وفى رواية للبخارى عن خالد بن عبد الله برأسه بزيادة الباء (قال) القرطبي الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها (قال) في الفتح دخلت الباء لتفيد معنى آخر وهو أن الغسل لغة يقتضى مغسولا به والمسح لغة لا يقتضى ممسوحا به فلو قال وامسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء فكأنه قال وامسحوا برءوسكم الماء فهو على القلب والتقدير امسحوا رءوسكم بالماء اهـ والمسح لغة إمرار اليد على الشئ (قال) في المصباح مسحت الشئ بالماء مسحا أمررت اليد عليه قال أبو زيد المسح في كلام العرب يكون مسحا وهو إصابة الماء ويكون غسلا يقال مسحت يدى بالماء إذا غسلتها وتمسحت بالماء إذا اغتسلت فالمسح مشترك بين معنيين اهـ بحذف وظاهر الحديث يدل على أنه مسح جميع رأسه لأن اسم الرأس حقيقة في العضو كله (قال) العيني الرأس مشتمل على الناصية والقفا والفودين اهـ والفود معظم شعر اللمة مما يلى الأذنين قاله ابن فارس، وقال ابن السكيت الفودان الضفيرتان، ونقل في البارع عن الأصمعى أن الفودين ناحيتا الرأس كل شق فود والجمع أفواد كذا في المصباح، هذا ومسح الرأس ثابت بالكتاب والسنة والإجماع (واختلف) الفقهاء في القدر الواجب فيه (فقالت) الحنفية في رواية الواجب ربع الرأس وفى رواية ثلاثة أصابع من أصابع اليد مستدلين بحديث المغيرة الذى رواه مسلم وغيره أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتي سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته، وقدّروا

ص: 9

الناصية بربع الرأس وقالوا إن الباء في قوله تعالى "وامسحوا برءوسكم" للتبعيض ويدلّ عليه اتفاق الجميع على جواز ترك القليل من الرأس في المسح والاقتصار على بعض وقالوا لا منافاة بين كونها للتبعيض هنا ومعناها الأصلى الذى هو الإلصاق لأنها تكون مستعملة للإلصاق في البعض المفروض، أفاده العينى (وقال) التحقيق في هذا الموضوع أن الباء للإلصاق فإن دخلت في آلة المسح نحو مسحت الحائط بيدى يتعدى إلى المحل فيتناول محله وإن دخلت في المحل نحو فامسحوا برءوسكم لا يتناول كل المحل فإذا لم يتناول كل المحل يقع الإجمال في قدر المفروض منه ويكون الحديث مبينا لذلك اهـ ومراده بالحديث حديث المغيرة المتقدم (وذهبت) الشافعية إلى أن الواجب ما يطلق عليه اسم المسح ولو شعرة واحدة أو بعض شعرة في حدّ الرأس يحيث لا يخرج الممسوح عنه لما صح من مسحه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لناصيته وعلى عمامته الدالين على الاكتفاء بمسح البعض إذ لم يقل أحد بخصوص الناصية، والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب أو الربع لأنها دونه ولأن الباء الداخلة في حيز متعدد كالآية للتبعيض وغيره كما في قوله تعالى "وليطوّفوا بالبيت العتيق" للإلصاق (وحكي) ذلك عن ابن عمر والحسن البصرى وسفيان الثورى وداود (وذهب) مالك وأحمد وجماعة إلى وحوب استيعاب المسح وهو الظاهر (وقال) بعض المالكية يكفى مسح الثلثين، وبعضهم يكفي مسح الثلث (واحتج) من قال بوجوب استيعاب المسح بحديث الباب لأن اسم الرأس حقيقة في العضو كله، وبما أخرجه ابن خزيمة عن إسحاق بن عيسى بن الطباع قال سألت مالكا عن الرجل يمسح مقدّم رأسه في وضوئه أيجزئه ذلك فقال حدثني عمر بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال مسح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في وضوئه من ناصيته إلى قفاه ثم ردّ يديه إلى ناصيته فمسح رأسه كله، وبقوله تعالى "وامسحوا برءوسكم" بجعل الباء زائدة (قال) الزرقاني في شرح الموطأ ولم ينقل عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على ناصيته وعمامته رواه مسلم. قال علماؤنا ولعل ذلك كان لعذر بدليل أنه لم بكتف بمسح الناصية حتى مسح على العمامة إذ لو لم يكن مسح كل الرأس واجبا ما مسح على العمامة، واحتجاج المخالف بما صح عن ابن عمر من الاكتفاء يمسح بعض الرأس ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك لا ينهض إذ المحتلف فيه لا يجب إنكاره وقول ابن عمر لم يرفعه فهو رأى له فلا يعارض المرفوع اهـ (وقال) ابن القيم لم يصح عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة. فأما حديث أنس الذى رواه أبو داود رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدّم رأسه ولم ينقض العمامة فمقصود أنس به أن النبى صلى الله تعالى عليه

ص: 10

وعلى آله وسلم لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه اهـ (وظاهر) الحديث أيضا الاقتصار في المسح على المرة الواحدة وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد مستدلين بحديث الباب وبما روى عن أبى حية قال رأيت عليا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُتوضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه مرة ثم غسل قدميه إلى الكعبين ثم قال أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رواه ابن ماجه والترمذى وصححه وبما أخرجه ابن ماجه أيضا عن عبد الله بن أبى أوفى قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا ومسح رأسه مرة، وروى نحوه من عدّة طرق. وبما رواه أحمد والمصنف كما يأتى عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ فذكر الحديث كله ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة (وقد) ورد التصريح بالمسح مرة واحدة في أحاديث كثيرة صحيحة للمؤلف وغيره (وما) رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفيه ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذى بدأ منه (لا يعدّ) تكرار اللمسح حيث لم يجدّد الماء اتفاقا، والخلاف في تكرار المسح بماء جديد يستأنف اغترافه (وذهب) الشافعى وعطاء وأكثر العترة إلى أنه يستحب تثليث المسح واحتجوا بما رواه مسلم وأبو داود عن عثمان أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا، وبالقياس على بقية الأعضاء، وأجابوا عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز (وأجاب) الحافظ في الفتح عن حديث تثليث الوضوء الذى يستدلّ به الشافعى على تثليث مسح الرأس بأن الحديث مجمل تبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر فيختص تثليث الوضوء المذكور في الحديث بالأعضاء المغسولة، وبأن المسح مبنى على التخفيف فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والدلك ليس بمشترط على الصحيح عند أكثر العلماء اهـ ببعض تصرّف (وقال) يحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعا بين الأدلة اهـ (وقال) في النيل الإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو المتعين لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة، وحديث من زاد على هذا فقد أساء وظلم الذى صححه ابن خزيمة وغيره قاض بالمنع من الزيادة على الوضوء

ص: 11

الذى قال بعده النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذه المقالة، كيف وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة ثم قال من زاد اهـ

(قوله ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا) قال ابن دقيق العيد قوله ثلاثا يدلّ على استحباب التكرار في غسل الرجلين ثلاثا، وبعض الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرجل كما في غيرها من الأعضاء وقد ورد في بعض الروايات فغسل رجليه حتى أنقاهما ولم يذكر عددا فاستدلّ به لهذا المذهب وأكد من جهة المعنى بأن الرجل لقربها من الأرض في المشى عليها تكثر فيها الأوساخ والأدران فيحال الأمر فيها على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد، والرواية التى ذكر فيها العدد زائدة على الرواية التى لم يذكر فيها، فالأخذ بها متعين، والمعنى المذكور لا ينافي اعتبار العدد فليعمل بما دل عليه لفظ الحديث اهـ (وظاهر) الحديث يدلّ على مشروعية غسل الرجلين (واختلف) في الواجب فيهما فذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة إلى وجوب الغسل واستدلوا بحديث الباب وبقوله تعالى "وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" بيان ذلك أن قوله وأرجلكم قرئَ بالنصب والخفض والقراءتان سبعيتان ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفها على الرأس ومحتملة للغسل بعطفها على المغسول فلا يخلو حينئذ القول من أحد معان ثلاثة، إما أن يقال إن المراد هما جميعا فيكون عليه أن يمسح ويغسل، أو يكون المراد أحدهما على وجه التخيير يفعل المتوضئ أيهما شاء، أو يكون ما يفعله هو المفروض وإليه ذهب الحسن البصرى وابن جرير والجبائى، أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على التخيير فلا سبيل إلى الأول لاتفاق الأئمة على خلافه ولا عبرة بقول بعض الظاهرية بوجوبهما لمخالفته الإجماع وكذا لا سبيل إلى الثاني إذ ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه فتعين الوجه الثالث ثم يحتاج بعد ذلك إلى طلب الدليل على المراد منهما فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدّى فرضه وأتى بالمراد وأنه غير ملوم على ترك المسح فثبت أن المراد الغسل أيضا فهو قد صار في حكم المجمل المفتقر إلى البيان فمهما ورد فيه من البيان عن الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من فعل أو قول علمنا أنه مراد الله تعالى من الآية، وقد ورد البيان عنه بالغسل قولا وفعلا، أما فعلا فهو ما ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غسل رجليه في الوضوء ولم تختلف الأئمة فيه، وأما قولا فما رواه ابن ماجه والطحاوى عن جابر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى وآله وسلم رأى في قدم رجل لمعة لم يغسلها فقال ويل للعراقيب من النار، وما رواه النسائى وابن ماجه وابن خزيمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رجلا أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا الخ وفيه

ص: 12

ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم وسيأتى للمصنف، وبما أخرجه الشافعى في مسنده أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لأعمى يتوضأ بطن القدم فجعل الأعمى يغسل بطن القدم، وما أخرجه البيهقى قال روينا في الحديث الصحيح عن عمرو بن عبسة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الوضوء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله تعالى (قال) البيهقى وفي هذا دلالة على أن الله تعالى أمر بغسلهما اهـ إذا علمت هذا تعلم أن الراجح غسل الرجلين في الوضوء (وذهبت) الإمامية من الشيعة إلى أن الفرض مسحهما واستدلوا بالآية وقالوا إن قراءة الجرّ محكمة في المسح لأن المعطوف يشارك المعطوف عليه في حكمه، وقالوا في قراءة النصب إن أرجلكم عطف على محل الرءوس لأنه مفعول واستبعدوا عطفه على الوجوه وقالوا إن فيه تعقيدا (وردّ) هذا بأن قراءة الجرّ ليست للعطف على الرءوس وإنما هو للمجاورة نظير قوله تعالى (إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم) بجرّ أليم على المجاورة ليوم وإن كان صفة لعذاب، أو لأنها عطفت على الرءوس لا لأن تمسح بل لأجل تخفيف الغسل لأنها مظنة الإسراف المنهيّ عنه، على أن المسح يستعمل بمعنى الغسل يقال مسح على أطرافه إذا توضأ، أو بأن الجرّ محمول على حالة اللبس للخف والنصب على الغسل عند عدم الخفّ (قال) في الفتح قال أبو بكر بن العربى ما ملخصه: بين القراءتين تعارض ظاهر والحكم فيما ظاهره التعارض أنه إن أمكن العمل بهما وجب وإلا عمل بالقدر الممكن، ولا يتأتى الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد في حالة واحدة لأنه يؤدّى إلى تكرار المسح لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضى التكرار فبقى أن يعمل بهما في حالين توفيقا بين القراءتين وعملا بالقدر الممكن اهـ واستدلوا أيضا بحديث رفاعة بن رافع عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، رواه الدارقطني وهو ضعيف قال ابن القطان في إسناده يحيى بن على بن خلاد وهو مجهول، وعلى تقدير صحته فيقال فيه ما قيل في العطف في الآية، وبما جاء عن عبد الله بن زيد أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ ومسح بالماء على رجليه رواه ابن أبى شيبة وابن خزيمة وهو ضعيف أيضا قال أبو عمر إسناده لا تقوم به حجة، وقال الجوزجانى هذا حديث منكر، واستدلوا بأحاديث أخر منها ما هو ضعيف ومنها ما هو مصروف عن ظاهره (قال) النووى ذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئُ مسحهما ولا يجب المسح مع الغسل ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتدّ به في الإجماع اهـ (وقال) الحافظ في الفتح لم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف الغسل إلا عن عليّ وابن عباس

ص: 13

وأنس وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك (قال) عبد الرحمن بن أبى ليلى أجمع أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور (وادّعى) الطحاوى وابن حزم أن المسح منسوخ اهـ

(قوله مثل وضوئى هذا) وفي رواية لمسلم نحو وضوئى هذا، ومثل بكسر الميم وسكون المثلثة، والفرق بينه وبين نحو أن مثل يقتضى ظاهرها المساواة من كل وجه إلا في الوجه الذى يقتضى التغاير بين الحقيقتين يحيث يخرجهما عن الوحدة، ونحو لا تقتضى ذلك

(قوله ثم صلى ركعتين) أى على جهة الاستحباب، وقالت الشافعية هذه الصلاة سنة مؤكدة

(قوله لا يحدّث فيهما نفسه) من التحديث، وفي الترمذى لا يحدّث نفسه بشئ من أمور الدنيا، أما ما يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة كالتدبر في معاني الآيات المتلوّة والتسابيح فلا بدّ منه لأن به تمام الخشوع والثواب وكذا ما لا يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة لما روى عن عمر أنه قال إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، ولو عرض له حدث فأعرض عنه فبمجرّد إعراضه عفى عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقرّ لما رواه الشيخان والأربعة عن أبي هريرة مرفوعا إن الله تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به (قال) الحافظ المراد به ما تسترسل النفس معه ويمكن المرء قطعه لأن قوله يحدّث يقتضى تكسبا منه. فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذز دفعه فذلك معفو عنه (ونقل) القاضى عياض عن بعضهم أن المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلا ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في الزهد بلفظ لم يسرّ فيهما "وردّه" النووى فقال الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة المستقرة نعم من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلا أعلى درجة بلا ريب اهـ (وقال) ابن دقيق العيد الخواطر والوساوس الواردة على النفس قسمان "أحدهما" ما يهجم هجما يتعذر دفعه عن النفس "والثاني" ما تسترسل معه النفس ويمكن قطعه ودفعه فيمكن حمل الحديث على هذا دون الأول لعسر اعتباره ويشهد لذلك لفظة "يحدّث نفسه" فإنه يقتضى تكسبا منه وتفعلا لهذا الحديث ويمكن أن يحمل على النوعين معا لأن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق بالتكاليف، والحديث إنما يقتضى ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب ومن لا فلا وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه، نعم لا بدّ أن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول أعني الوصف المترتب عليه الثواب المخصوص، والأمر كذلك فإن المتجرِّدين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم وعمرها تحصل لهم تلك الحالة، وحديث النفس يعمّ الخواطر المتعلقة بالدنيا والخواطر المتعلقة بالآخرة والحديث محمول والله أعلم على ما يتعلق بالدنيا إذ لا بدّ من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة كالفكر في معاني المتلوّ

ص: 14

من القرآن العزيز والمذكور من الدعوات والأذكار، ولا نريد بما يتعلق بأمر الآخرة كل أمر محمود أو مندوب إليه فإن كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة فإدخاله فيها أجنبى عنها

(قوله غفر الله له ما تقدّم من ذنبه) الذنب الإثم والمعصية فإن توعد عليه كان كبيرا وإلا فصغيرا (وظاهر) الحديث يعمّ غفران الصغائر والكبائر لكن خصه العلماء بالصغائر لما رواه مسلم عن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذبوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله، فهذا صريح في الذنوب الصغائر، وحديث الباب مطلق فحملوا المطلق على المقيد (قال) الحافظ في الفتح هو في حق من له كبائر وصغائر، من ليس له إلا الصغائر كفرت عنه ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بقدر ما لصاحب الصغائر ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك اهـ ومثله لابن دقيق العيد "فإن قيل" إذا كان الوضوء وحده مكفرا للصغائر كما في حديث عثمان الآخر الذى فيه "خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره" فما الذى يكفره الوضوء مع صلاة النافلة كما في حديث الباب وإذا كانت هذه مكفرة أيضا فما الذى تكفره المكتوبات "فجوابه" أن جميع ما ذكر صالح للتكفير فإن صادف بشئ منها شيئا من الذنوب المذكورة كفره وإلا كفر بقدرها من الكبائر فإن لم يوجد شئ من الصغائر ولا من الكبائر زيد، في حسناته كما تقدّم.

(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب غسل الكفين ثلاثا في ابتداء الوضوء سواء أقام من النوم أم لا، وعلى أن المستحب تثليث الغسل ولو في الرجلين، وعلى أن التعليم بالفعل مطلوب لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم، وعلى الترغيب في الإخلاص في الصلاة، وعلى التحذير من التفكر في أمور الدنيا في أثنائها لما يترتب عليه من حرمان الثواب أو عدم القبول، وعلى أنه يطلب من المعلم أن يدلل على فعله أو قوله ليكون أدعى إلى القبول. وعلى أنه يطلب صلاة ركعتين عقب الوضوء (قال) النووى في شرح مسلم وفي الحديث استحباب صلاة ركعتين فأكثر عقب كل وضوء وهو سنة مؤكدة قال جماعة من أصحابنا ويفعل هذه الصلاة في أوقات النهى وغيرها لأن لها سببا واستدلوا بحديث بلال رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ المخرّج في صحيح البخارى أنه كان متى توضأ صلى وقال إنه أرجى عمل له ولو صلى فريضة أو نافلة مقصودة حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك اهـ والجمهور على أن تلك الصلاة من السنن غير المؤكدة وأنها لا تفعل في أوقات النهى حملا لأحاديث النهى على إطلاقها، ودلّ الحديث أيضا على أن الحسنات يذهبن السيئات. وعلى الحث على فعل الطاعات لأنها وسيلة إلى حصول الغفران والرحمات. وعلى الترتيب بين أعضاء الوضوء لما فيه من التعبير بثمّ المقتضية له (واختلف) العلماء في حكم الترتيب فذهبت الشافعية إلى وجوبه في الأركان

ص: 15

مستدلين بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يتوضأ إلا مرتبا ولو لم يجب لتركه في وقت بيانا للجواز كما في التثليث، وبما صح من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابدءوا بما بدأ الله به رواه النسائى هكذا بلفظ الأمر، ورواه مسلم بصيغة الخبر بلفظ نبدأ بما بدأ الله به، وهو شامل للوضوء وإن ورد في الحج فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأنه تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات وتفريق المتجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة وهى هنا وجوب الترتيب لا ندبه بقرينة الأمر في الخبر المذكور، ولأن العرب إذا ذكرت متعاطفات بدأت بالأقرب فالأقرب فلما ذكر فيها الوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين دلت على الأمر بالترتيب وإلا لقال فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برءوسكم واغسلوا أيديكم وأرجلكم (وبوجوب) الرتيب قال أبو عبيد وقتادة وأبو ثور وإسحاق بن راهويه وحكي عن عثمان وابن عباس وهو رواية عن على والمشور عن أحمد إلا أنه قال بوجوبه أيضا بين المضمضة والاستنشاق لأنهما من تمام غسل الوجه عنده، وأما تقديمهما عليه فسنة "وذهب" مالك وأبو حنيفة والثورى والحسن البصرى وابن المسيب وعطاء والزهرى والنخعى والأوزاعي وربيعة والمزنى وداود إلى عدم الوجوب وقالوا لا ينتهض الترتيب بثمّ في الحديث على الوجوب لأنه من لفظ الراوى، وغايته أنه وقع من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على تلك الصفة، والفعل بمجرّده لا يدلّ على الوجوب، نعم قوله في آخر الحديث "من توضأ مثل وضوئى هذا الخ" يشعر بترتب المغفرة على وضوء مرتب على هذا الترتيب أما أنه يدلّ على الوجوب فلا. واستدلوا أيضا بقوله تعالى "فاغسلوا وجوهكم الآية" فعطف أعضاء الوضوء بعضها على بعض بالواو، والواو في كلام العرب تقتضى الجمع دون الترتيب. وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع المسنونة فهو مستحب عند مالك كترتيب السنن بعضها مع بعض وسنة عند الشافعية والحنفية "قال" ابن رشد وسبب اختلافهم شيئان (أحدهما) الاشتراك الذى في واو العطف وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المرتبة بعضها على بعض وقد يعطف بها غير المرتبة وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة لا تقتضى نسقا ولا ترتيبا وإنما تقتضى الجمع فقط، وقال الكوفيون بل تقتضى النسق والترتيب فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضى الترتيب قال بإيجاب الترتيب ومن رأى أنها لا تقتضى لم يقل بإيجابه، والسبب الثانى اختلافهم في أفعاله عليه الصلاة والسلام هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب لأنه لم يرد عنه عليه الصلاة والسلام أنه توضأ قط إلا مرتبا، ومن حملها على الندب قال إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون والمفروض من الأفعال قال إن الترتيب الواجب إنما ينبغى أن يكون في الأفعال الواجبة ومن لم يفرق قال إن الشروط الواجبة قد تكون في الأفعال التى ليست واجبة اهـ والظاهر من

ص: 16

الأدلة الواردة في ذلك وجوب الترتيب بين الأعضاء الأربعة المذكورة في آية الوضوء ولا سيما حديث جابر المتقدّم فإنه عام ولا يقصر على سببه عند جمهور الأصوليين كما تقدّم وآية الوضوء مندرجة تحت هذا العموم، وأما الترتيب فيما عداها فسنة يدلّ لذلك ما رواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب قال أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مضمض واستنشق ثلاثا ثلاثا ثم مسح بأذيه ظاهرهما وباطنهما، فهو يدلّ على جواز تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه وأن تقديمهما عليه كما في حديث الباب للسنية لا للوجوب، وليس في حديث الباب ما يدلّ على وجوب النية والموالاة والدّلك، وفيها خلاف أيضا (أما النية) فذهبت المالكية والشافعية والعترة والليث وربيعة وإسحاق بن راهويه وأحمد إلى وجوبها في الوضوء والغسل كبقية العبادات واستدلوا بقوله تعالى "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" قالوا الإخلاص هو النية لأنه عمل من أعمال القلب وهو مأمور به، ودلت الآية على أن كل مأمور به يجب أن يكون منويا والوضوء مأمور به فتجب فيه النية، وبحديث "إنما الأعمال بالنيات" أى صحتها بالنيات، وبأنها طهارة تتعدّى محلّ موجبها فافتقرت إلى النية كبقية العبادات "وذهبت" الحنفية والثورى والأوزاعي إلى عدم وجوب النية في الوضوء والغسل وقالوا في الحديث تقديره كمال الأعمال أو ثوابها بالنيات لأنه الذي يطرد فإن كثيرا من الأعمال يوجد ويعتبر شرعا بدونها، وقالوا أيضا يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس فهو أولى، وقالوا إن إضمار الصحة يؤدّى إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد وهو ممتنع (أقول) الراجح الأول لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال فالحمل عليها أولى لأن ما كان ألزم للشئ كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ، وقولهم تقدير الثواب أولى فيه نظر لأن الأولى ما كان أكثر لزوما للحقيقة كما علمت وهو لا ينافي الثواب ودعواهم النسخ في الآية على تقدير الصحة غير مسلمة فإن الآية ليس فيها ذكر النية، والحديث أفاد وجوبها، والقرآن إذا لم يدلّ على وجوب شئ ودلت على وجوبه السنة لم يكن وجوبها ناسخا له وإن كان زائدا عليه، ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخا لبطل كثير من الأحكام ألا ترى الطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها وغيرها فهذه لم يدلّ عليها القرآن ودلت عليها السنة. على أن بعضهم استنبط من الآية وجوب النية في الوضوء فقال فيها إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها "قال" ابن رشد وسبب اختلافهم فيها هو تردّد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعنى غير معقولة المعنى وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة فإنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية. والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية. والوضوء فيه شبه من العبادتين

ص: 17

ولذلك وقع الخلاف فيه وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة اهـ والسنة المأثورة في النية أن تكون بالقلب ولا يطلب التلفظ بها خلافا لمن زعمه فإنه من المحدثات إذ لم يثبت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا عن أحد من أصحابه ولا الأئمة المجتهدين (قال) العلامة ابن عابدين في حاشيته ردّ المحتار على الدّرّ المختار: وفى الفتح لم ينقل عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه التلفظ بها لا في حديث صحيح ولا ضعيف وزاد ابن أمير حاج ولا عن الأئمة الأربعة. وتمامه في الأشباه في بحث النية اهـ (وقال) ابن القيم في الهدى ولم يكن صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم يقول في أول الوضوء نويت رفع الحدث ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه ألبتة ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف اهـ (وقال) في الإقناع وشرحه: والتلفظ بالنية في الوضوء والغسل وفي سائر العبادات بدعة ويكره الجهر بها وتكريرها (قال) الشيخ تقى الدين اتفق الأئمة على أنه لا يشرع الجهر بها وتكريرها بل من اعتاده ينبغى تأديبه (وقال) الجاهر بها مستحق للتعذير بعد تعريفه لا سيما إذا آذى به أو كرّره (وقال) الجهر بلفظ النية منهى عنه عند الشافعى وسائر أئمة المسلمين وفاعله مسئ وإن اعتقده دينا خرج من إجماع المسلمين ويجب نهيه ويعزل عن الإمامة إن لم ينته اهـ ملخصا "وأما" الموالاة وهي متابعة أعضاء الوضوء من غير تفرقة بينها بحيث يغسل العضو الثانى قبل جفاف الأول مع اعتدال الزمان والمزاج والهواء ففيها خلاف أيضا "فذهب" أحمد والأوزاعي وعبد العزيز بن أبى سلمة من المالكية والشافعى في القديم إلى الوجوب مطلقا. وبه قال مالك لكن قيده بالذكر والقدرة "وذهبت" العترة والحنفية إلى أن الموالاة سنة وهو قول الشافعى في الجديد، واستدلوا بما رواه ابن عمر عن أبي بكر وعمر قالا جاء رجل وقد توضأ وبقى على ظهر قدمه مثل ظفر إبهامه لم يمسه ماء فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ارجع فأتمّ وضوءك ففعل رواه الدارقطني من طريق الوازع بن نافع وقال هو ضعيف. قالوا لفظ التمام يدلّ على الإتيان باللمعة المتروكة فقط وإلا لقال له أعد الوضوء، وصح عن ابن عمر التفريق ولم ينكره أحد عليه. وسيأتي بيان ذلك شافيا في باب تفريق الوضوء إن شاء الله تعالى "وأما الدّلك" وهو إمرار اليد على العضو مع الماء أو بعده فذهب مالك وأصحابه والمزنى من أصحاب الشافعى إلى وجوبه في الوضوء والغسل مستدلين بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعائشة في الغسل ادلكي جسدك بيدك. والأمر للوجوب ولا فرق على المذهب بين الوضوء والغسل. وبأنه من مسمى الغسل أو شرط فيه قاله الحطاب والنفراوى (وقال) مالك في المدوّنة في الجنب يأتي النهر فينغمس فيه انغماسا وهو ينوى الغسل من الجنابة ثم يخرج قال لا يجزئه وإن نوى الغسل إلا أن يتدلك. قال وكذلك الوضوء أيضا (قلت) أرأيت إن أمرّ يديه على بعض جسده ولم يمرّهما على جميع الجسد

ص: 18

(قال) مالك لا يجزئه ذلك حتى يمرّهما على جميع جسده كله ويتدلك اهـ (وذهبت) الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة. واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الواردة في صفة الوضوء والغسل التي ليس فيها التصريح بالدّلك (أقول) الاحتياط المحافظة على الدلك ليكون على البراءة المتيقنة

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والنسائى والدارقطني والبيهقى

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمْرَانُ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَقَالَ فِيهِ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ هَكَذَا، وَقَالَ:«مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا كَفَاهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الصَّلَاةِ.

(ش) أراد المصنف بذكر هذا بيان أن الحديث السابق رواه عن حمران مولى عثمان أبو سلمة بن عبد الرحمن كما رواه عنه عطاء بن يزيد غير أن عطاء لم يذكر في روايته تثليث مسح الرأس ولا قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من توضأ دون هذا كفاه، وذكر قوله ثم صلى ركعتين الخ وأما أبو سلمة فذكر في روايته تثليث مسح الرأس ومن توضأ دون هذا كفاه ولم يذكر صلاة الركعتين.

(رجال الحديث)

(قوله عبد الرحمن بن وردان) بفتح الواو وسكون الراء هو أبو بكر الغفارى المكي المؤذن. روى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وسعيد المقبرى وأنس بن مالك وعنه أبو عاصم ومروان بن معاوية، قال ابن معين صالح وقال أبو حاتم لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني ليس بالقوىّ. روى له أبو داود، وفي هذا السند ثلاثة من التابعين عبد الرحمن وأبو سلمة وحمران يروى بعضهم عن بعض.

(معنى الحديث)

(قوله فذكر نحوه الخ) أى ذكر أبو سلمة عن حمران حديث عطاء بن يزيد السابق ولم يذكر في حديثه المضمضة والاستنشاق كما ذكرهما عطاء، وفي بعض النسخ الاستنثار بدل الاستنشاق، وتقدّم أن الرواة إذا اختلفوا عن الصحابى في فضية واحدة يعمل برواية من زاد إذا كان ثقة

(قوله وقال فيه الخ) أى قال أبو سلمة في روايته ومسح رأسه ثلاثا الخ فزاد لفظة ثلاثا وبهذه الزيادة أخذت الشافعية فقالوا إن السنة في مسح الرأس أن يكون ثلاثا (قال) العينى وهذا عندنا محمول على المسح ثلاثا بماء واحد وهو مشروع عندنا على ما روى عن أبي حنيفة اهـ، وقد

ص: 19

علمت في الحديث السابق أن الروايات الكثيرة الصحيحة مصرّحة بأن المسح مرة واحدة فيحمل هذا على بيان جواز تثليث مسح الرأس جمعا بين الروايات (قال) ابن السمعاني اختلاف الروايات يحمل على التعدد فيكون مسح تارة مرة وتارة ثلاثا وليس في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد اهـ من الفتح، على أن في هذا الحديث مقالا فإن في سنده عبد الرحمن بن وردان وقد ضعفه غير واحد كما تقدم، وكذا كل روايات تثليث المسح لا تخلو من مقال كما مرّ (قال) ابن القيم في الهدى والصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكرّر مسح رأسه بل كان أذا كرّر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس هكذا جاء عنه صريحا ولم يصح عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خلافه ألبتة بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح كقول الصحابي توضأ ثلاثا ثلاثا وكقوله مسح برأسه مرّتين، وإما صريح غير صحيح كحديث البيلماني عن أبيه عن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من توضأ فغسل كفيه ثلاثا ثم قال ومسح برأسه ثلاثا، وهذا لا يحتج به وابن البيلماني وأبوه مضعفان وإن كان الأب أحسن حالا، وكحديث عثمان الذى رواه أبو داود أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسح رأسه ثلاثا اهـ وسيأتي للمصنف بعد الحديث الآتي تصحيح أحاديث الاقتصار على مسح الرأس مرة واحدة

(قوله ثم قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ هكذا الخ) أى قال عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ مثل وضوئى هذا وقال من توضأ دون هذا أى أقل منه بأن غسل بعض أعضائه مرة أو مرتين وبعضها ثلاثا أو كلها مرتين أو مرة كفاه ذلك "والحاصل" أن الواجب غسل الأعضاء مرة مرة حيث حصل بها التعميم والزيادة عليها سنة لأن الأحاديث الصحيحة وردت بالغسل ثلاثا ثلاثا ومرّة مرّة وبعضها مرتين وبعضها مرة، والاختلاف على هذه الصفة دليل الجواز في الكل وأن الثلاث هى الكمال

(قوله ولم يذكر أمر الصلاة) أى لم يذكر أبو سلمة في حديثه صلاة الركعتين بعد الوضوء وما يتعلق بهما من البشارة بالغفران كما ذكر عطاء في حديثه.

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، قال ثَنَا زِيَادُ بْنُ يُونُسَ، قال حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ الْمُؤَذِّنُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْوُضُوءِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ «فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ بِمِيضَأَةٍ فَأَصْغَاهَا عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ

ص: 20

غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخَذَ مَاءً فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، فَغَسَلَ بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُونَ عَنِ الْوُضُوءِ؟ «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله محمد بن داود) بن رزق بن داود بن ناجية أبو عبد الله روى عن ابن عيينة وابن وهب وزياد بن يونس وحمزة بن ربيعة وغيرهم. وعنه أبو داود وأبو يعقوب التميمي وأبو بكر بن أبى داود وغيرهم. وثقه أحمد بن شعيب والنسائى وقال صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال مستقيم الحديث. مات وهو ابن ست وثمانين سنة، سنة إحدى وخمسين ومائتين

(قوله الإسكندراني) بكسر الهمزة نسبة إلى الإسكندرية أكبر ثغر بالقطر المصرى على البحر الأبيض المتوسط

(قوله زياد بن يونس) بن سعيد الحضرمي أبو سلامة الإسكندرانى. روى عن مالك والليث ونافع بن عمر الجمحى ونافع بن أبى نعيم. وعنه محمد بن داود وأحمد بن سعيد الهمداني ويونس بن عبد الأعلى ومحمد بن سلمة المرادى وغيرهم، قال ابن حبان مستقيم الحديث أحد الأثبات الثقات وقال الحافظ ثقة فاضل. روى له أبو داود توفي سنة إحدى عشرة ومائتين

(قوله سعيد بن زياد المؤذن) مولى بنى زهرة. روى عن عثمان بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبد الله بن محمد وغيرهم. وعنه وكيع وزياد بن يونس وخالد بن مخلد. روى له أبو داود والنسائى. وثقه ابن حبان وقال في التقريب مقبول من السادسة

(قوله عثمان بن عبد الرحمن) بن عثمان بن عبيد الله أخو معاذ القرشى الحجازى. روى عن أبيه وأنس بن مالك وربيعة بن عبد الله وغيرهم. وعنه يحيى بن محمد وفليح بن سليمان وأبو بكر ابن المنكدر والضحاك بن عثمان وآخرون، قال أبو حاتم ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ هو ثقة من الخامسة وقال الدارقطني ليس بالقوى. روى له البخارى وأبو داود والترمذى

(قوله التيمى) نسبة إلى تيم أحد أجداده

(قوله ابن أبى مليكة) بضم الميم وفتح اللام هو عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة.

(معنى الحديث)

(قوله سئل عن الوضوء) بضم الواو أى عن كيفية الوضوء المشروعة

(قوله فقال رأيت عثمان الخ) أى قال ابن أبى مليكة أبصرت عثمان والحال أنه قد سئل عن كيفية الوضوء فطلب ماء ليتوضأ به. وفي بعض النسخ يسأل بصيغة المضارع والفاعل في الصيغتين مجهول

(قوله فأتى بميضأة) بكسر الميم وسكون المثناة التحتية وفتح الضاد المعجمة فهمزة فهاء وفي بعض النسخ بالميضأة (قال) في النهاية الميضأة بالقصر وكسر الميم وقد تمدّ مطهرة كبيرة يتوضأ

ص: 21

منها ووزنها مفعلة ومفعالة والميم زائدة اهـ

(قوله فأصغاها على يده) أى أمالها حتى سكب الماء على يده اليمنى فغسلها مع يده اليسرى ثلاثا كما في الرواية المتقدّمة فأصغى من الإصغاء وهو الإمالة

(قوله واستنثر ثلاثا) أى أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق

(قوله فمسح برأسه وأذنيه) فيه أنه مسح الأذنين بماء مسح به الرأس وهو حجة لأبى حنيفة على أن مسح الأذنين يكون بماء الرأس (وقد) اختلف في مسح الأذنين وفي تجديد الماء لهما (فذهبت) الحنفية إلى أن مسحهما سنة وأن يكون بماء الرأس ما دام في اليد بلل وإلا فيكون بماء جديد (وذهب) جمهور المالكية إلى أن مسحهما ظاهرهما وباطنهما سنة (وقال) ابن مسلمة والأبهرى إن مسحهما فرض (واختلفوا) في تجديد الماء لهما فقيل سنة وقيل مستحب (وقالت) الحنابلة يجب مسح ظاهرهما وباطنهما وتجديد الماء لهما سنة (وذهبت) الشافعية إلى أنه يسنّ مسح ظاهرهما وباطنهما بعد مسح الرأس وأن الأكمل تجديد الماء لهما. واستدلوا هم ومن وافقهم بحديث عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو ابن الحارث عن حبان بن واسع أن أباه حدّثه أنه سمع عبد الله بن زيد يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذى أخذ لرأسه رواه البيهقى وقال هذا إسناد صحيح، وحمله الأولون على أنه إنما أخذ لهما ماء جديدا لعدم بقاء بلل على اليد بعد مسح الرأس جمعا بينه وبين الروايات الكثيرة الدالة على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسح الرأس والأذنين بماء واحد (ومنه) تعلم ردّ قول ابن القيم في الهدى لم يثبت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه أخذ لهما ماء جديدا وإنما صح ذلك عن ابن عمر اهـ

(قوله فغسل بطونهما الخ) أى مسحهما ففيه إطلاق الغسل على المسح مجازا بقرينة السياق وبأنهما لا يغسلان بالإجماع (قال) ابن رشد قد شذّ قوم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه (وذهب) آخرون إلى أنه يمسح باطنهما مع الرأس ويغسل ظاهرهما مع الوجه، وقوله مرة واحدة حجة للجمهور على أن المسح لا يسنّ فيه التثليث خلافا للشافعية القائلين بسنيته.

(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من الجاهل أن يتعلم أمر دينه بالسؤال أو غيره وعلى أن المسئول عن علم يطلب منه الإجابة إذا كان عالما بما سئل عنه، وعلى أنه يطلب غسل اليد قبل إدخالها في الإناء، وعلى أنه يطلب غسل العضو اليمين قبل اليسار في الوضوء، وعلى أنه يطلب الترتيب في الوضوء، وتقدّم بيانه، وعلى أنه يطلب تثليث الأعضاء إلا الرأس والأذنين، وعلى أن الرجلين يغسلان لا يمسحان، وعلى أنه يطلب من المسئول أن يعتنى بأمر السائل إلى غير ذلك مما تقدم في الحديث أول الباب.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي.

ص: 22

(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " أَحَادِيثُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ مَرَّةً، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، وَقَالُوا فِيهَا: وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ "

(ش) أراد المصنف بهذا بيان أن الأحاديث الصحيحة الواردة عن سيدنا عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تدلّ على أن الوارد في مسح الرأس مرة واحدة بلا تثليث. وذلك أن رواة حديث وضوء عثمان ذكروا صفة وضوئه وبينوا أنه ثلث الغسل في كل عضو مغسول وأنه مسح الرأس ولم يذكروا عنه فيه عددا. وهذا يدلّ على أن المصنف يرى أن حديث عبد الرحمن بن وردان السابق الذى فيه ومسح رأسه ثلاثا ضعيف لما تقدّم من أن عبد الرحمن بن وردان فيه مقال. وكذا ما سيأتى للمصنف عن عامر بن شقيق وفيه ومسح رأسه ثلاثا ضعيف أيضا فإن عامر بن شقيق متكلم فيه كما سياتى "وبهذا" تعلم سقوط ما اعترض به على المصنف من أنه كيف يدّعى أن أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة مع أنه روى التثليث عن عثمان من طريقين صحيحين طريق عبد الرحمن بن وردان وطريق عامر بن شقيق. ولا حاجة لما أجاب به الحافظ في الفتح بأنه يحمل قول أبى داود على إرادة استثناء الطريقين اللذين ذكرهما فكأنه قال كلها تدلّ على أن مسح الرأس مرة واحدة إلا هذين الطريقين فإنه لا يتمشى إلا على صحة هذين الطريقين وقد علمت ضعفهما

(قوله لم يذكروا عددا الخ) أى لم يذكر رواة أحاديث عثمان عددا في مسح الرأس كما ذكروا عدد الغسل في باقى الأعضاء فدلّ ذلك على أن مسح الرأس كان مرة واحدة لأنه لو ثبت فيه التثليث لفعله عثمان ولحكى عنه، وقد ورد التصريح بأن مسح الرأس مرة واحدة في عدّة أحاديث صحيحة تقدم بعضها وسيأتى البعض ومنها ما أخرجه الدارقطنى بسنده إلى عمر بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومى حدّثنى جدّى عن عثمان بن عفان أنه خرج في نفر من أصحابه حتى جلس على المقاعد فدعا بوضوء فغسل يديه ثلاثا وتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه مرة واحدة وغسل رجليه ثلاثا ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ.

(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا عِيسَى، أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، أَنَّ عُثْمَانَ «دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى

ص: 23

الْيُسْرَى، ثُمَّ غَسَلَهُمَا إِلَى الْكُوعَيْنِ»، قَالَ:«ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا» ، قَالَ:«وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» ، وَقَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِثْلَ مَا رَأَيْتُمُونِي تَوَضَّأْتُ» ، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَأَتَمَّ.

(ش)(رجال الحديث)

(قوله عيسى) بن يونس

(قوله عبيد الله يعنى ابن أبي زياد) بالتصغير وفي بعض النسخ عبد الله بالتكبير أبو الحصين المكي. روى عن أبى الزبير ويعقوب ابن إبراهيم وأبي الطفيل وشهر بن حوشب والقاسم بن محمد وغيرهم، وعنه أبو عاصم ويحيى بن سعيد ووكيع وسفيان الثورى وأبو حنيفة وغيرهم. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. قال العجلى ثقة وقال ابن معين ضعيف وقال أحمد صالح الحديث وقال النسائى ليس بالقوى وقال أبو حاتم ليس بالقوى ولا بالمتين هو صالح الحديث يكتب حديثه وقال أبو داود أحاديثه مناكير وقال ابن عدى لم أر له شيئا منكرا. توفي سنة خمسين ومائة

(قوله عبد الله بن عبيد بن عمير) بن قتادة الليثى المكي أبو هاشم. روى عن أبيه وابن عمر وعائشة وثابت البنانى والحارث بن عبد الله وغيرهم، وعنه الزهرى وابن جريج والأوزاعي وعكرمة بن عمار وعطاء بن السائب. وثقه أبو حاتم وقال يحتج بحديثه وقال أبو زرعة والعجلى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حزم لم يسمع من عائشة وقال البخارى في التاريخ لم يسمع من أبيه شيئا. مات سنة ثلاث عشرة ومائة

(قوله عن أبى علقمة) المصرى مولى بنى هاشم. روى عن عثمان وابن مسعود وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم، وعنه عطاء العامرى وصالح بن أبي مريم وأبو الزبير وشراحيل المعافرى وجماعة. قال أبو حاتم أحاديثه صحاح وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلى تابعى ثقة وقال ابن يونس كان قاضى إفريقية وكان أحد الفقهاء.

(معنى الحديث)

(قوله فتوضأ) أى شرع في الوضوء، وهذا مجمل فصله بما بعده

(قوله ثم غسلهما إلى الكوعين) تثنية كوع وهو طرف العظم الذى يلي رسغ اليد المحاذى للإبهام وهما عظمان متلاصقان في الساعد أحدهما أدقّ من الآخر وطرفاهما يلتقيان عند مفصل الكف فالذى يلى الخنصر يقال له الكرسوع والذى يلى الإبهام يقال له الكوع

(قوله قال ثم مضمض الخ) أى قال أبو علقمة ثم تمضمض واستنشق عثمان ثلاثا وذكر أن عثمان غسل سائر الأعضاء التى تغسل في الوضوء ثلاثا ثلاثا

(قوله ومسح برأسه) هذه الرواية مطلقة لم تقيد بعدد فتحمل على الواحدة كما ورد في الرواية الصحيحة

ص: 24

وتقدم بسط ذلك

(قوله ثم غسل رجليه) أى ثلاثا ثلاثا إلى الكعبين كما هو ثابت في الروايات الصحيحة، وخصهما بالذكر مع دخولهما في قوله وذكر الوضوء ثلاثا لبيان أن فرضهما الغسل لا المسح كما قد يتوهم

(قوله ثم ساق نحو حديث الزهرى وأتمّ) أى ذكر عبيد الله بن أبى زياد بسنده إلى أبى علقمة نحو حديث الزهرى عن عطاء بن يزيد المتقدم أول الباب وهو أتمّ من حديث الزهرى وغرض المصنف بهذا الإشارة إلى أن هذه الرواية وإن كانت ضعيفة لضعف عبيد الله بن أبي زياد لكنها تقوّت بموافقتها رواية الزهرى الصحيحة، وإنما أرجعنا ضمير ساق إلى عبيد الله لأنه من طبقة الزهرى إذ بين كل منهما وبين عثمان رجلان وهذه الرواية أخرجها الدارقطنى عن عثمان بن عفان أنه دعا يوما بوضوء ثم دعا ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى وغسلها ثلاثا ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه فأنقاهما ثم قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ مثل هذا الوضوء الذى رأيتمونى توضأته ثم قال من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه ثم قال أكذلك يا فلان قال نعم ثم قال أكذلك يا فلان قال نعم حتى استشهد ناسا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال الحمد لله الذي وافقتموني على هذا

(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ جَمْرَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ «غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا» ، ثُمَّ قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا»

(ش) هذه الرواية أخرجها الدارقطنى تامة بسنده إلى شقيق بن سلمة قال رأيت عثمان توضأ فمضصض واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وخلل لحيته ثلاثا وغسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا ومسح رأسه ثلاثا وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال رأيت رسول الله صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل هذا

(رجال الحديث)

(قوله هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادى المعروف بالحمال أبو موسى البزاز الحافظ. روى عن يزيد بن هارون ووهب بن جرير وأبى داود، الطيالسي وابن عيينة وأبى أسامة وغيرهم. وعنه أبو زرعة والبصرى ومسلم والنسائى والترمذى وابن ماجه وغيرهم. وثقه النسائى والدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم صدوق وقال الحربي لو كان الكذب حلالا لتركه تنزها. ولد سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، وتوفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين

(قوله إسراءيل) بن يونس

(قوله عامر بن شقيق بن جمرة)

ص: 25

الأسدى الكوفي. روى عن شقيق بن سلمة، وعنه السفيانان وشعبة وشريك وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم ليس بالقوى وقال النسائى ليس به بأس وضعفه ابن معين

(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ قَالَ: تَوَضَّأَ ثَلَاثًا فَقَطْ

(ش) أراد المصنف بهذا بيان أن وكيع بن الجرّاح الثقة قد روى الحديث السابق عن إسراءيل بن يونس مقتصرا على ذكر التثليث في الأعضاء المغسولة ولم يذكر تثليث مسح الرأس وقد خالفه يحيى بن آدم حيث ذكر في الحديث تثليث مسح الرأس، وقد تقدم أن يحيى بن آدم ثبت حجة ما لم يخالف من فوقه كوكيع فيكون حديثه ضعيفا، وخالف وكيعا أيضا مصعب بن المقدام وعبد الله بن نمير، فقد أخرج الدارقطني بسنده إليهما الحديث عن إسراءيل عن عامر بن شقيق عن أبى وائل قال رأيت عثمان بن عفان يتوضأ فغسل يديه ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ومضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل ذراعيه ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ثم غسل قدميه ثلاثا ثم خلل أصابعه وخلل لحيته ثلاثا حين غسل وجهه ثم قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل كالذى رأيتمونى فعلت لفظهما سواء حرفا بحرف (قال) موسى بن هارون وفي هذا الحديث موضع فيه عندنا وهم لأن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنشاق وقد رواه عبد الرحمن بن مهدى عن إسراءيل بهذا الإسناد فبدأ فيه بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، وتابعه أبو غسان مالك بن إسماعيل عن إسراءيل فبدأ فيه بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه وهو الصواب اهـ

(قوله توضأ ثلاثا قط) بفتح القاف، وفي نسخة فقط وهي بمعنى حسب أى قال وكيع في روايته توضأ عثمان ثلاثا فقط ولم يفصل كما فصل يحيى عن إسراءيل بقوله غسل ذراعيه ثلاثا ومسح رأسه ثلاثا.

(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: أَتَانَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدْ صَلَّى فَدَعَا بِطَهُورٍ، فَقُلْنَا مَا يَصْنَعُ بِالطَّهُورِ وَقَدْ صَلَّى مَا يُرِيدُ، إِلَّا أن يُعَلِّمَنَا، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْتٍ «فَأَفْرَغَ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى يَمِينِهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا، ثُمَّ جَعَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَرِجْلَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا» ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ وُضُوءَ

ص: 26

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَهُوَ هَذَا»،

(ش)(رجال الحديث)

(قوله أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله

(قوله خالد بن علقمة) الهمداني أبو حية. روى عن عبد خير، وعنه زائدة والثورى وأبو الأحوص وشعبة وأبو حنيفة وكثيرون، وثقه ابن معين والنسائى وقال أبو حاتم شيخ

(قوله عبد خير) ويقال اسمه عبد الرحمن ابن يزيد أو يحمد ويقال ابن بجيد أبو عمارة الهمدانى الكوفي. روى عن أبي بكر الصديق وابن مسعود وعائشة وعلى وزيد بن أرقم، وعنه ابنه المسيب وأبو إسحاق السبيعى والحكم بن عتيبة والشعبى وغيرهم، وثقه ابن معين والنسائى والعجلى وذكره ابن حبان في الثقات أسلم زمن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يرو عنه ولم تصح له صحبة وهو من كبار أصحاب علىّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عاش فوق مائة وعشرين سنة وذكره أحمد في الأثبات عن عليّ وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعى أهل الكوفة.

(معنى الحديث)

(قوله أتانا علىّ) أى في منازلنا، وفي رواية النسائى أتينا علىّ بن أبى طالب أى في منزله

(قوله ما يريد إلا أن يعلمنا) وفي نسخة إلا ليعلمنا أى ما يريد علىّ بوضوئه أمرا من الأمور إلا تعليمنا كيفية وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالفعل لكونه أبلغ فالاستثناء من العموم، وهذا جواب عن الاستفهام والمجيب هو البعض المسئول، أو أنهم بعد أن خطر ببالهم السؤال خطر ببالهم الجواب

(قوله وطست) بالجر يحتمل أنه عطف تفسير فيكون المراد بالإناء الطست، أو أن العطف للمغايرة فيكون الطست غير الإناء، والمعنى أنه أتى بالماء في قدح أو إبريق أو نحو ذلك ليتوضأ منه، وأتى بطست ليتساقط فيه الماء السائل من أعضاء الوضوء، والاحتمال الثاني هو الأولى لأن الأصل في العطف أن يكون للمغايرة والطست بفتح الطاء أصلها طس فأبدل أحد السينين تاء لثقل اجتماع المثلين لأنه يقال في الجمع طساس مثل سهم وسام وفي التصغير طسيسة وجمعت أيضا على طسوس باعتبار الأصل وعلى طسوت باعتبار اللفظ وهي مؤنثة (ونقل) عن بعضهم التذكير والتأنيث فيقال هو الطسة والطست وهي الطسة والطست (وقال) الزجاج التأنيث أكثر كلام العرب وجمعها طسات على لفظها (وقال) السجستاني هى أعجمية معربة ولهذا قال الأزهرى هي دخيلة في كلام العرب لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربية اهـ وحكى طشت بالشين المعجمة وهو من آنية النحاس

(قوله واستنثر) المراد من الاستنثار هنا الاستنشاق لما في رواية النسائى ثم تمضمض واستنشق

(قوله ثلاثا) راجع لكلّ من مضمض واستنثر

(قوله فضمض ونثر إلخ) أى مضمض واستنشق من الكف اليمنى الذى يأخذ فيه الماء، وفي رواية النسائى من الكف الذى يأخذ به الماء، أما الاستنثار

ص: 27

فباليسرى لما في رواية للنسائى والدارمى من طريق زائدة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علىّ أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ففعل هذا ثلاثا

(قوله ثم غسل يده اليمنى) أى إلى المرفق، وفي نسخة بالواو بدل ثم أى غسل اليد اليمنى أولا ثم اليسرى ثانيا كما تقدم في رواية عطاء

(قوله من سرّه أن يعلم الخ) يعنى من أراد أن يفرح بمعرفة كيفية وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فليعلم أنه مثل وضوئى هذا، فالسرور الفرح يقال سرّه يسرّه سرورا بالضم إذا أفرحه والاسم السرور بالفتح والمسرّة منه وهو ما يسرّ الإنسان والجمع المسارّ.

(فقه الحديث) في الحديث زيادة على ما تقدّم دليل على أنه يطلب من أهل العلم أن يعلموا الجاهلين بدون طلب منهم، وعلى أن معرفة آثار الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أعظم النعم التي يفرح المؤمن بها.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي والنسائى والدارقطنى وابن حبان والترمذى وقال حديث حسن صحيح، وأخرج الدارمى وأحمد نحوه.

(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: صَلَّى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْغَدَاةَ، ثُمَّ دَخَلَ الرَّحْبَةَ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتَاهُ الْغُلَامُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْتٍ، قَالَ:«فَأَخَذَ الْإِنَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، وَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ الإناء بيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثلاثاً ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَتمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا» ، ثُمَّ سَاقَ قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ، «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخِّرَهُ مَرَّةً» ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ.

(ش)(رجال الحديث)

(قوله الحسين بن على) بن الوليد الكوفى المقرئُ أبو عبد الله أحد الأئمة. روى عن فضيل بن عياض والأعمش وجعفر بن برقان وإسراءيل بن موسى وغيرهم، وعنه يحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة وجماعة قال أحمد ما رأيت أفضل منه وقال العجلى وعثمان بن أبى شيبة وابن معين ثقة زاد العجلى كان صحح الكتاب، ولد سنة تسع عشرة ومائة. وتوفي سنة ثلاث أو أربع ومائتين

ص: 28

(قوله

(ص) الجعفى) بضم الجيم وسكون العين المهملة نسبة إلى جعفى بن سعد أبى حيّ باليمن

(قوله زائدة) بن قدامة

(قوله الهمدانى) بسكون الميم نسبة إلى همدان شعب عظيم من قحطان

(معنى الحديث)

(قوله صلى على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُالغداة) أى صلاة الصبح

(قوله ثم دخل الرحبة) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة محلة بالكوفة كما في القاموس، وفي رواية الدارقطني جلس علىّ بعد ما صلى الفجر في الرحبة

(قوله قال فأخذ الإناء بيده اليمنى الخ) أى قال عبد خير فأخذ عليّ الإناء الخ، وفي بعض النسخ ثم أخذ الإناء يبده اليمنى، وفي رواية الدارقطني فأخذ بيمينه الإناء فأكفأه على يده اليسرى ثم غسل كفيه ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى ثم غسل كفيه فعله ثلاث مرّات قال عبد خير كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات

(قوله ثم ساق قريبا من حديث أبى عوانة) أى ذكر زائدة بن قدامة حديثا قريبا من حديث أبى عوانة بين فيه ما بعد غسل الكفين إلى مسح الرأس، ولفظه كما في الدارقطني ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرّات ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فغسل وجهه ثلاث مرّات ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرّات ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاث مرّات ثم أدخل يده اليمنى في الإناء حتى غمرها الماء ثم رفعها بما حملت من الماء ثم مسحها بيده اليسرى

(قوله قال ثم مسح رأسه مقدّمه الخ) أى قال زائدة في حديثه ثم مسح على رأسه مقدّمه بضم الميم وفتح الدال المهملة المشددة، والمراد أنه عمم رأسه بالمسح بدأ بمقدّم الرأس إلى القفا ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذى بدأ منه كما ذكر في الروايات الأخر، وفيه تصريح أيضا بأن مسح الرأس كان مرّة واحدة

(قوله ثم ساق الحديث نحوه) أى ذكر زائدة تمام حديثه وهو ما بعد مسح الرأس نحو بقية حديث أبى عوانة، ولفظه كما في الدارقطني ثم صبّ بيده اليمنى على قدمه اليمنى ثلاث مرّات ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرّات ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى ثلاث مرات ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرّات ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فغرف بيده فشرب ثم قال هذا طهور نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أحب أن ينظر إلى طهور نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهذا طهوره.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارمى والدارقطني وابن حبان والبزار وأخرج النسائى نحوه وأخرجه البيهقي بأتمّ منه عن عبد خير أن عليا أتى بوضوء أو أتى بإناء فيه ماء فأفرغ على يديه من الإناء فغسلهما ثلاثا قبل أن يدخل يده في الإناء فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ففعل ذلك ثلاثا ثم أدخل يده في الإناء فغسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى ثلاث مرّات إلى المرفق ثم غسل يده اليسرى ثلاث مرّات إلى المرفق

ص: 29

ثم أدخل يده اليمنى في الإناء حتى غمرها الماء فرفعها بما حملت من الماء ثم مسحها بيده اليسرى ثم مسح رأسه بيديه كلتيهما مرّة ثم صبّ بيده اليمنى ثلاث مرّات على قدمه اليمنى ثم غسلها بيده اليسرى ثم صبّ بيده اليمنى على قدمه اليسرى ثلاث مرّات ثم غسلها بيده اليسرى ثم قال هذا طهور رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمن أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهذا طهوره.

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ عُرْفُطَةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ خَيْرٍ، قال رَأَيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ «أُتِيَ بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ مَعَ الِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

(ش)(رجال الحديث)

(قوله شعبة) بن الحجاج

(قوله قال سمعت مالك بن عرفطة) بضم العين المهملة وسكون الراء وضم الفاء وفتح الطاء المهملة، وظاهر المصنف أن شعبة روى هذا الحديث عن مالك بن عرفطة لكن اتفق الحفاظ كالترمذى والنسائى وغيرهم على وهم شعبة في تسمية شيخه بمالك بن عرفطة وقالوا إنما هو خالد بن علقمة، قال النسائى في سننه بعد روايته لهذا الحديث هذا خطأ والصواب خالد بن علقمة ليس مالك بن عرفطة اهـ وقال الترمذى روى شعبة هذا الحديث عن خالد بن علقمة فأخطأ في اسمه واسم أبيه فقال مالك بن عرفطة والصحيح خالد بن علقمة اهـ على أن أبا داود نفسه ذكر ما يفيد خطأ شعبة في تسمية شيخه في هذا الحديث بمالك بن عرفطة (وقال) الحافظ في تهذيب التهذيب ذكر أبو داود في السنن في رواية أبى الحسن بن العبد عنه أن أبا عوانة قال يوما حدثنا مالك بن عرفطة فقال له عمرو الأغضف هذا خالد بن علقمة ولكن شعبة يخطئُ فيه فقال أبو عوانة هو في كتابي خالد ابن علقمة ولكن قال لى شعبة هو مالك بن عرفطة قال أبو داود حدثنا عمرو بن عون حدثنا أبو عوانة حدثنا مالك بن عرفطة قال أبو داود وسماعه "أى عمرو بن عون" قديم قال وحدثنا أبو كامل حدثنا أبو عوانة حدثنا خالد بن علقمة قال أبو داود وسماعه "أى أبى كامل" متأخر كأنه "أى أبا عوانة" رجع إلى الصواب، وقال البخارى وأحمد وأبو حاتم وابن حبان في الثقات وهم شعبة في تسميته حيث قال مالك بن عرفطة اهـ.

(معنى الحديث)

(قوله ثم أتى بكوز) بضم الكاف ما له عروة من أواني الشرب جمعه كيزان وأكواز وكوزة بوزن عنبة مثل عود وعيدان وأعواد وعودة وما لا عروة له يسمى كوبا بالضم وجمعه أكواب

(قوله ثم تمضمض مع الاستنشاق

ص: 30

الخ) أى جمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة (قال) ابن القيم في الهدى: وكان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة وتارة بغرفتين وتارة بثلاث وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ نصف الغرفه لفمه ونصفها لأنفه ولا يمكن في الغرفة إلا هذا، وأما الغرفتان والثلاث فيمكن فيهما الفصل والوصل إلا أن هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان الوصل بينهما كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة فعل ذلك ثلاثا، وفي لفظ تمضمض واستنثر ثلاث غرفات، فهذا أصح ما روى في المضمضة والاستنشاق ولم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح ألبتة اهـ وتقدم بسط ذلك

(قوله وذكر الحديث) وفى نسخة وذكر هذا الحديث أى ذكر شعبة بقية الحديث وهو كما في البيهقى وغسل وجهه ثلاثا بيد واحدة وغسل ذراعيه ثلاثا ووضع يده في التور ثم مسح برأسه وأقبل بيديه على رأسه ولا أدرى أدبر بهما أم لا وغسل رجليه ثلاثا ثم قال من سرّه أن ينظر إلى طهور النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهذا طهوره، وتمامه في النسائى من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة عن مالك بن عرفطة وفيه ثم مضمض واستنشق بكفّ واحدة ثلاث مرّات وغسل وجهه ثلاثا وغسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا وأخذ من الماء فمسح برأسه وأشار شعبة مرّة من ناصيته إلى مؤخر رأسه ثم قال لا أدرى أردّهما أم لا وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال من سرّه أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهذا طهوره اهـ وتقدم عن النسائى وغيره أن الصواب خالد بن علقمة بدل مالك بن عرفطة.

(فقه الحديث) والحديث يدل زيادة على ما تقدم على جواز الجلوس على الكراسى، وعلى مشروعية الجمع بين المضمضة والاستنشاق بماء واحد.

(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وكذا النسائى من طريقين.

(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا رَبِيعَةُ الْكِنَانِيُّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَسُئِلَ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ:«وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» ، ثُمَّ قَالَ:«هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله أبو نعيم) بضم النون وفتح العين المهملة هو

ص: 31

الفضل بن عمرو الملقب بدكين الكوفي الملائى الأحول الحافظ، روى عن الأعمش ومالك والثورى وزهير بن معاوية وجعفر بن برقان وغيرهم، وعنه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو حاتم وأبو زرعة وابن معين وآخرون، قال أحمد كان ثقة عارفا بالحديث وقال يعقوب بن سفيان أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان وقال إذا مات أبو نعيم صار كتابه إماما إذا اختلف الناس فزعوا إليه وكان يعرف في حديثه الصدق وقال يعقوب بن شيبة ثقة ثبت صدوق وقال ابن معين ما رأيت محدّثا أصدق من أبى نعيم وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث حجة وقال أحمد بن صالح ما رأيت محدّثا أصدق من أبي نعيم وكان يدلس. ولد سنة ثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثماني عشرة ومائتين

(قوله ربيعة) ابن عتبة ويقال ابن عبيد الكوفي. روى عن عطاء بن أبى رباح والمنهال بن عمرو، وعنه مروان بن معاوية والوليد بن قاسم وعبد الله بن رجاء وغيرهم، وثقه ابن معين وأبو نعيم والعجلى ولم يرو له المصنف إلا هذا الحديث وقال أبو حاتم شيخ وذكره ابن حبان في الثقات

(قوله الكناني) بكسر الكاف بعدها نون منسوب إلى كنانة بطن من كليب

(قوله المنهال بن عمرو) الأسدى الكوفي. روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن الحنفية وسعيد ابن جبير وعبد الرحمن بن أبى ليلى وغيرهم، وعنه شعبة والحجاج بن أرطاة ومنصور بن المعتمر وميسرة بن حبيب وآخرون، قال ابن معين والنسائى والعجلى ثقة وقال الدارقطنى صدوق وذكره ابن حبان في الثقات

(قوله زرّ بن حبيش) بكسر الزاى وتشديد الراء وحبيش بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة ابن حباشة بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة ابن أوس بن بلال وقيل هلال الأسدى أبو مريم الكوفي. روى عن عمر وعثمان وعلى وعائشة وحذيفة وغيرهم، وعنه إبراهيم النخعى وعلى بن ثابت والشعبي وأبو إسحاق الشيبانى وجماعة، وثقه ابن معين وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال العجلى كان ثقة وهو من أصحاب على وعبد الله. توفي سنة إحدى وثمانين ومائة

(قوله فذكر الحديث الخ) أى ذكر زرّ بن حبيش حديث وضوء علىّ وقال في حديثه ومسح على على رأسه حتى لما يقطر أى فلم يقطر الماء فحتى بمعنى الفاء ولما بمعنى لم والمراد أنه مسح رأسه مسحا خفيفا فلم يقطر الماء من رأسه، ففيه استحباب تخفيف المسح وعدم المبالغة فيه، وبعضهم أبقى لما على حقيقتها فجعل منفيها متوقع الحصول وعليه فيكون عبارة عن كونه مسح مسحا مبالغا فيه حتى كاد يقطر الماء من رأسه.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي قال الحافظ في التلخيص والحديث أعله أبو زرعة بأنه إنما يروى عن المنهال عن أبى حية عن علىّ اهـ أى فتكون روايته عن زرّ غير معروفة

ص: 32

وقال ابن القطان لا أعلم لهذا الحديث علة.

(ص) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، ثَنَا فِطْرٌ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ «تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً» ، ثُمَّ قَالَ:«هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي أبو هاشم المعروف بدلوية بفتح الدال المهملة وضم اللام المشدّدة. روى عن هشيم وعبد الله بن إدريس ووكيع ومروان ابن معاوية وآخرين، وعنه البخارى وأبو داود والترمذى والنسائى وأحمد وأبو حاتم وابن خزيمة وغيرهم، قال أبو حاتم صدوق وقال النسائى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني ثقة مأمون وقال أبو إسحاق الأصبهانى ليس على بسيط الأرض أحد أوثق من زياد بن أيوب، ولد سنة ست وستين ومائة. وتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين

(قوله الطوسى) نسبة إلى طوس بلد بنيسابور على مرحلتين

(قوله عبيد الله بن موسى) بن أبى المختار العبسى أبو محمد الكوفي. روى عن هشام بن عروة والثورى وابن جريج والأعمش والأوزاعي وآخرين، وعنه البخارى وأبو حاتم ووكيع بن الجراح وأحمد وابن معين وإسحاق بن راهويه وكثيرون، وثقه ابن معين والعجلى وأبو حاتم وقال ابن سعد كان ثقة صدوقا كثير الحديث وكان تشيع ويروى أحاديث في التشيع منكرة وضعف بذلك عند كثير من الناس وقال يعقوب بن سفيان شيعىّ منكر الحديث، ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائتين

(قوله فطر) بكسر الفاء وسكون الطاء المهملة ابن خليفة القرشى أبو بكر الكوفي من صغار التابعين. روى عن أبى وائل وعمرو بن حريث وأبى إسحاق السبيعى وعاصم بن بهدلة وشرحبيل بن سعد وآخرين وعنه أبو نعيم والسفيانان وابن المبارك ووكيع وأبو أسامة وغيرهم، وثقه ابن سعد وأحمد وقال صالح الحديث وقال العجلى ثقة حسن الحديث وقال الساجى كان ثقه وليس بمتقن وقال الجوزجانى كان غير ثقة لأنه كان فيه تشيع قليل وقال الدارقطني زائغ ولم يحتج به البخارى. توفى سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومائة

(قوله عن أبى فروة) هو مسلم بن سالم النهدى المعروف بالجهنى الكوفى. روى عن أبى الأحوص وعبد الله بن يسار وآخرين، وعنه أبو عوانة والسفيانان وشعبة وغيرهم، وثقه ابن معين وقال أبو حاتم صالح الحديث ليس به بأس وذكره

ص: 33

ابن حبان في الثقات

(قوله عبد الرحمن بن أبى ليلى) بن بلبل ببن أحيحة بن الجلاح الأنصارى أبو عيسى الكوفى. روى عن عثمان وعلى وحذيفة ومعاذ بن جبل وابن مسعود وابن عمر وغيرهم من الصحابة، وعنه ابنه عيسى ومجاهد بن جبر والمنهال بن عمرو والشعبي والأعمش وجماعة، قال عبد الملك بن عمير لقد رأيت عبد الرحمن في حلقة فيها نفر من الصحابة منهم البراء يسمعون حديثه وينصتون له وقال عبد الله بن الحارث ما ظننت أن النساء ولدن مثله وتقدم شرح الحديث وفقهه، ولم يذكر في هذه الرواية غسل الرجلين لكنه معلوم من الأحاديث الأخر، وتفرّد المصنف بالحديث. قال الحافظ في التلخيص سنده صحيح.

(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَأَبُو تَوْبَةَ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، ح وحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ «تَوَضَّأَ فَذَكَرَ وُضُوءَهُ كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» ، قَالَ:«ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» ، ثُمَّ قَالَ:«إِنَّمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ طُهُورَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله أبو توبة) الربيع بن نافع و (أبو الأحوص) سلام ابن سليم

(قوله عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمدانى السبيعى بفتح السين المهملة الكوفى أحد التابعين، روى عن على بن أبى طالب والبراء بن عازب والمغيرة بن شعبة وعدى بن حاتم وزيد بن أرقم وآخرين، وعنه قتادة وسليمان التيمى والأعمش وشريك وابن عيينة وغيرهم، قال أبو حاتم وابن معين والنسائي والعجلي ثقة وقال ابن حبان في الثقات كان مدلسا وقال الحافظ اختلط في آخر عمره وسمع منه ابن عيينة بعد ما اختلط، توفى سنة ست أو ثمان وعشرين ومائة

(قوله عن أبى حية) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية هو ابن قيس الهمدانى الوداعي يقال اسمه عمر بن نصر ويقال عمرو بن الحارث، روى عن على بن أبي طالب وعبد خير. وعنه أبو إسحاق السبيعى، قال الذهبى لا يعرف، تفرّد عنه أبو إسحاق وقال ابن المدينى وأبو الوليد مجهول وقال أبو زرعة لا يسمى وصحح خبره ابن السكن وغيره وذكره ابن حبان في الثقات وسماه عمرو بن عبد الله ووثقة ابن نمير.

(معنى الحديث)

(قوله فذكر وضوءه كله الخ) أى ذكر أبو حية أن عليا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ غسل كل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا ثم مسح رأسه يعنى مرة كما في أكثر الروايات الصحيحة

(قوله إلى الكعبين) تثنية كعب العظم الناتئُ عند ملتقى الساق والقدم وقيل إنه العظم الذى في

ص: 34

ظهر القدم عند معقد الشراك وقيل هو المفصل بين الساق والقدم والصحيح الأول يؤيده حديث النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصف في الصلاة قال فرأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه، لأن إلزاق الرجل كعبه بكعب صاحبه إنما يتأتى على القول الأول دون الثاني

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى والنسائى وفيهما ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم.

(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ عَلِيٌّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ أَهْرَاقَ الْمَاءَ فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَتَيْنَاهُ بِتَوْرٍ فِيهِ مَاءٌ، حَتَّى وَضَعْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلَا أُرِيكَ كَيْفَ كَانَ يَتَوَضَّأُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:«فَأَصْغَى الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَهَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ جَمِيعًا، فَأَخَذَ بِهِمَا حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى قَبْضَةً مِنْ مَاءٍ، فَصَبَّهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ فَتَرَكَهَا تَسْتَنُّ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَظُهُورَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ جَمِيعًا فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى رِجْلِهِ، وَفِيهَا النَّعْلُ فَفَتَلَهَا بِهَا، ثُمَّ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ» قَالَ: قُلْتُ: وَفِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِي النَّعْلَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: وَفِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِي النَّعْلَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: وَفِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِي النَّعْلَيْنِ

(ش)(رجال الحديث)

(قوله الحرّاني) بفتح الحاء المهملة والراء المشددة نسبة إلى حرّان مدينة بالجزيرة بين دجلة والفرات

(قوله محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانه) بضم الراء وتخفيف الكاف القرشى، روى عن عبيد الله الخولاني وسالم بن عبد الله وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم، وعنه عمرو بن دينار وحصين بن عبد الرحمن وابن إسحاق وآخرون، وثقة ابن

ص: 35

معين وأبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث، توفي سنة إحدى عشرة ومائة. روى له أبو داود وابن ماجه

(قوله عبيد الله الخولانى) ابن الأسود ويقال ابن الأسد. روى عن عثمان بن عفان وميمونة وابن عباس وزيد بن خالد الجهنى وعنه محمد بن طلحة وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهما. ذكره ابن حبان في الثقات وهو من رواة الصحيحين والنسائى، و (الخولاني) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو نسبة إلى خولان قبيلة بالشام.

(معنى الحديث)

(قوله دخل عَلَىَّ عَلِىُّ الخ) وفي النسخة المصرية دخل عَلَىَّ يعنى عَلِىَّ ابن أبى طالب، وهى غير واضحة، وفي رواية أحمد دخل عَلَىَّ عَلىٌّ بيتى

(قوله وقد أهراق الماء) أى والحال أن عليا قد أهراق الماء، والمراد بالماء هنا البول ففى رواية أحمد وقد بال، وقيل المراد به الماء الذى استنجى به علىّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وأهراق بفتح الهمزة وسكون الهاء فعل ماض والمضارع منه يهريق بسكون الهاء تشبيها له بأسطاع يسطيع كأن الهمزة زيدت عوضا عن حركة الياء التى كانت في الأصل المبدلة ألفا ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيا وقيل إن الهاء زائدة

(قوله فأتيناه بتور) بفتح المثناة من فوق وسكون الواو إناء صغير من نحاس أو حجارة كما تقدم

(قوله حتى وضعناه بين يديه) أى فوضعناه أمامه فحتى عاطفة بمعنى الفاء

(قوله قلت بلى) نفى للنفى الذى قبلها فكأنه قال أرني ذلك

(قوله واستنثر) أى استنشق وأخرج الماء من الأنف بعد الاستنشاق أو أن المراد بالاستنثار الاستنشاق

(قوله ثم أدخل يديه الخ) وفى رواية مسلم ثم أدخل يده وكذا في أكثر روايات البخارى، وفي رواية له أيضا عن ابن عباس ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى، فهذه أحاديث في بعضها يده وفى بعضها يديه وفي بعضها يده وضم إليها الأخرى ويجمع بين هذه الأحاديث بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك في مرات فهى دالة على جواز الأمور الثلاثة وأن الجميع سنة

(قوله فأخذ بهما حفنة) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء يعنى ملء الكفين معا والجمع حفنات مثل سجدة وسجدات وفعله حفن يحفن من باب ضرب

(قوله فضرب بها على وجهه) أى وجهه فعلى زائدة، وفي رواية أحمد وابن حبان فصكّ بها، وهذا يقتضى أنه لطم وجهه بالماء، والظاهر أن المراد أفاض ذلك الماء على وجهه وليس المراد بالضرب اللطم

(قوله ثم ألقم إبهاميه الخ) أى جعل الإبهامين في الأذنين كاللقمة في الفم وهو الظاهر (قال) في النيل وبه استدلّ الماوردى على أن البياض الذى بين الأذن والعذار من الوجه كما هو مذهب الشافعية (وذهب) أكثر الحنفية إلى وجوب غسله مطلقا. وقال أبو يوسف يجب غسله على الأمر دون

ص: 36

الملتحى (وللمالكية) في البياض الذى فوق وتد الأذن أربعة أقوال (أحدها) وجوب الغسل مطلقا. وهو مشهور المذهب (ثانيها) عدم وجوبه مطلقا (ثالثها) وجوبه على الأمر دون الملتحى (رابعها) سنية الغسل مطلقا بخلاف البياض الذى تحت الوتد فقالو يجب غسله مطلقا (قال) ابن تيمية في الحديث حجة لمن رأى أن ما أقبل من الأذنين من الوجه اهـ (وقال) النووى فيه دلالة لما كان ابن شريح يفعله فإنه كان يغسل الأذنين ويمسحهما أيضا منفردتين عملا بمذاهب العلماء، وهذه الرواية فيها تطهيرهما مع الوجه ومع الرأس اهـ (وقال) في المرقاة قال ابن حجر والأولى غسلهما مع الوجه ومسحهما مع الرأس خروجا من الخلاف، وفيه أنه لم يعرف في الشرع جمع عضو واحد بين الغسل والمسح وأيضا وجود المسح بعد الغسل عبث ظاهر اهـ

(قوله ثم الثانية ثم الثالثة) أى فعل في الغسلة الثانية والثالثة مثل ما فعل في الأولى

(قوله ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة الخ) أى أخذ علىّ كفا من ماء على أعلى جبهته وتركه يسيل على وجهه، والقبضة بضم القاف وفتحها ما قبضت عليه من شئ يقال أعطاه قبضة من سويق أو تمر أى كفا منه، والناصية أعلى الجبهة، وتستن تسيل وتنصبّ من سننت الماء إذا صببته صبا سهلا، وفي رواية أحمد ثم أرسلها تسيل (وظاهر) الحديث استحباب أخذ كف من ماء وصبه على الناصية بعد الفراغ من غسل الوجه لكمال الاستيعاب، لكن في فعله رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تأويلات للعلماء (فقال) النووى هذه اللفظة مشكلة فإنه ذكر الصبّ على الناصية بعد غسل الوجه ثلاثا وقبل غسل اليدين ظاهره أنها مرة رابعة في غسل الوجه وهذا خلاف إجماع المسلمين فيتأول على أنه كان قد بقى من أعلى الوجه شئ لم يكمل فيه الثلاث فأكمل بهذه القبضة اهـ (وقال) العراقى في تأويله: الظاهر أنه إنما صب الماء على جزء من الرأس وقصد بذلك تحقق استيعاب الوجه كما قال الفقهاء اهـ (وقال) السيوطى المراد بذلك ما يسنّ فعله بعد فراغ غسل الوجه من أخذ كف ماء وإسالته على جبهته اهـ (وقال) الشوكاني في شرح هذا الحديث فيه استحباب إرسال غرفة من الماء على الناصية لكن بعد غسل الوجه لا كما يفعل العامة عقيب الفراغ من الوضوء اهـ وفيه أن ما يفعله العامة يدلّ له ما رواه الطبرانى في معجمه الكبير بسند حسن عن الحسن بن على أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا توضأ فضل ماء حتى يسيله على موضع سجوده، وأخرجه أيضا أبو يعلى في مسنده من رواية حسين بن على، ولا منافاة بينه وبين حديث الباب لاحتمال أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل كلا منهما

(قوله وظهور أذنيه) أى مسح ظهرى أذنيه فالمراد بالجمع ما فوق الواحد، وبهذا استدلّ الشعبى على أن ظاهر الأذنين من الرأس وباطنهما من الوجه

(قوله وفيها النعل) جملة حالية من الرجل، والنعل ما وقيت به القدم من الأرض من نحو الحذاء والتاسومة وهى مؤنثة وجمعها أنعل ونعال مثل سهم وأسهم وسهام

(قوله ففتلها بها) أى لوى رجله بالحفنة التي صبها عليها ليصل الماء إلى أسفلها وجوانبها

ص: 37

وفتل من باب ضرب، وفي بعض النسخ فغسلها بها والضمير الأول راجع إلى الرجل والثاني إلى الحفنة ويجوز رجوع الثانى إلى النعل فتكون الياء بمعنى في أى فتل رجله في النعل، والمراد أن الحفنة من الماء عمت ظاهر القدم وباطنه فيكون غسلا كما ورد مصرّحا به في الروايات الكثيرة الصحيحة، وزعم بعضهم أن معنى قوله فتلها بها أنه مسح قدمه ونعله بتلك الحفنة واستدلّ به على أن الواجب في الرجلين في الوضوء المسح لا الغسل وهو مردود بالروايات الكثيرة المصرّح فيها بالغسل فيتعين حمل هذه الرواية عليها (قال) العينى قوله ففتلها أى فتل النعل بتلك الحفنة من الماء ومعنى فتلها أدار بيده فوق القدم وتحت النعل (واحتج) بهذا الحديث الروافض ومن ذهب مذهبهم في إباحة المسح على الرجلين في الطهارة من الحدث (واحتج) بذلك أيضا بعض أهل الكلام منهم الجبائى في أن المرء مخير بين غسل الرجل ومسحها وحكي ذلك عن محمد بن جرير (والجواب) عن الحديث أن فيه مقالا قال الترمذى سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه وقال ما أدرى ما هذا وعلى تقدير ثبوت الحديث يحتمل أن تكون تلك الحفنة من الماء قد وصلت إلى ظاهر القدم وباطنه وإن كان في النعل ويدلّ على ذلك قوله فغسلها بها كما هو في بعض النسخ، والحفنة من الماء ربما كفت مع الرفق في مثل هذا، ولو كان أراد المسح على بعض القدم لكان يكفيه ما دون الحفنة، وعن عائشة لأن تقطعا أحب إلىّ من أن أمسح على القدمين من غير خفّ، وعن عطاء والله ما علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسح على القدمين اهـ باختصار (وقال) ابن القيم في تهذيب السنن هذا الحديث من الأحاديث المشكلة جدّا وقد اختلف مسالك الناس في دفع إشكاله فطائفة ضعفته منهم البخارى والشافعى قال والذى خالفه أكثر وأثبت منه (المسلك الثاني) أن هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بأحاديث الغسل وكان ابن عباس يذهب إليه أولا ففي الدارقطني عن عبيد الله بن عقيل أن علىّ بن الحسن أرسله إلى الرّبيع بنت معوّذ يسألها عن وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرت الحديث وقالت ثم غسل رجليه قالت وقد أتاني ابن عمّ لك (تعنى ابن عباس) فأخبرته فقال ما أجد في الكتاب إلا غسلين ومسحين ثم رجع ابن عباس عن هذا لما بلغه غسل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجليه وأوجب الغسل فلعل حديث علىّ وابن عباس كان في أول الأمر ثم نسخ (المسلك الثالث) أن الرواية عن علىّ وابن عباس مختلفة فروى عنهما هذا وروى عنهما الغسل كما رواه البخارى في الصحيح عن عطاء بن يسار عن ابن عباس فذكر الحديث وقال في آخره أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله اليسرى، فهذا صريح في الغسل، ثم ذكر أحاديث كثيرة صريحة في غسل الرجلين ثم قال قالوا والذى روى أنه رشّ عليهما في النعل هو هشام بن سعد وليس بالحافظ فرواية الجماعة أولى من

ص: 38

روايته، على أن الثورى وهشاما رويا ما يوافق الجماعة عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال ألا أريك وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فتوضأ مرّة مرّة ثم غسل رجليه وعليه نعله. وأما حديث علىّ فقال البيهقى روينا من أوجه كثيرة عن علىّ أنه غسل رجليه في الوضوء ثم ساق منها حديث عبد خير وحديث زر بن حبيش وحديث أبى حية (إلى أن قال) قالوا وإذا اختلفت الروايات عن علىّ وابن عباس وكان مع أحدهما رواية الجماعة فهى أولى (المسلك الرابع) أن أحاديث الرش والمسح إنما هى وضوء تجديد للطاهر لا طهارة رفع حدث بدليل ما رواه شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة قال سمعت النزّال بن سبرة يحدّث عن علىّ أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر ثم أتى بكوز من ماء فأخذ منه بحفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه ثم قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال وإن ناسا يكرهون الشرب قائما وإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم صنع كما صنعت وقال هذا وضوء من لم يحدث رواه البخارى بمعناه (قال) البيهقي في هذا الحديث الثابت دلالة على أن الحديث الذى روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المسح على الرجلين إن صح فإنما عني به وهو طاهر غير محدث، وعن عبد خير عن علىّ أنه دعا بكوز من ماء ثم توضأ وضوءا خفيفا ومسح على نعليه ثم قال هكذا فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما لم يحدث وفي رواية للطاهر ما لم يحدث (وفي هذا) دلالة على أن ما روى عن على في المسح على النعلين إنما هو في وضوء متطوّع به لا في وضوء واجب عليه من حدث يوجب الوضوء (المسلك الخامس) أن مسحه رجليه ورشه عليهما لأنهما كانا مستورين بالجوربين في النعلين (المسلك السادس) أن الرجل لها ثلاثة أحوال (حالة) تكون في الخفّ فيجب مسح ساترها (وحالة) تكون حافية فيجب غسلها وحالة تكون في النعل وهي حالة متوسطة بين كشفها وبين سترها بالخفّ فأعطيت حالة متوسطة من الطهارة وهى الرش فإنه بين الغسل والمسح وحيث أطلق لفظ المسح عليها في هذه الحالة فالمراد به الرش لأنه جاء مفسرا في الرواية الأخرى (المسلك السابع) أنه دليل على أن فرض الرجلين المسح (وحكي) عن داود الجوارى وابن عباس وحكي عن ابن جرير أنه مخير بين الأمرين، فأما حكايته عن ابن عباس فقد تقدمت، وأما حكايته عن ابن جرير فغلظ بين وهذه كتبه وتفسيره كلها تكذّب هذا النقل عنه وإنما دخلت الشبهة لأن ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة يوافقه في اسمه واسم أبيه (وبالجملة) فالذين رووا وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مثل عثمان وأبى هريرة وعبد الله بن زيد وكثيرين لم يذكر أحد منهم ما ذكر في حديث على وابن عباس مع الاختلاف المذكور عليهما اهـ باختصار

(قوله قال قلت الخ) الضمير فيهما راجع إلى عبيد الله الخولاني أى قال عبيد الله

ص: 39

الخولاني لابن عباس أفعل هذا برجليه حال كونهما في النعلين، وإنما كرّرها عبيد الله الخولاني ثلاثا لتعجبه من فعل علىّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الذى وصفه له ابن عباس من ضرب الماء على الرجل التي فيها النعل، ويحتمل رجوع الضمير في قال وقلت لابن عباس كما جاء في بعض الروايات قال ابن عباس فسألت عليا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فقلت وفي النعلين قال وفي النعلين

(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على ما كانت عليه الصحابة من الحرص على بيان ومعرفة آثار الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعلى أن ضرب الوجه بالماء في الوضوء مشروع خلافا لمن قال بكراهته، ولذا ذكر ابن حبان الحديث تحت ترجمة استحباب صكّ الوجه بالماء للمتوضئ عند غسل الوجه (وذهبت) الحنفية والمالكية والشافعية إلى كراهة ذلك وأجابوا عن الحديث بأنه متكلم فيه وعلى فرض صحته في حمل الضرب فيه على صبّ الماء على الوجه كما تقدم. ويدلّ لذلك أن جميع من حكوا وضوءه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يذكروا فيه الضرب، وعلى مشروعية وضع قبضة من الماء على الناصية بعد غسل الوجه تسيل عليه ولا تعدّ غسلة رابعة، وعلى أنه يمسح ما أقبل من الأذنين مع الوجه ويمسح ما أدبر منهما مع الرأس (وإليه) ذهب إسحاق بن راهويه (وذهب) الحسن بن صالح والشعبي إلى أنه يغسل ما أقبل منهما مع الوجه ويمسح ما أدبر منهما مع الرأس (وذهب) الزهرى وداود إلى أنهما من الوجه فيغسلان معه (ويردّه) حديث الأذنان من الرأس رواه أحمد والترمذى وابن ماجه عن أبى أمامة وسيأتى للمصنف قبيل باب الوضوء ثلاثا (وذهب) من عداهم إلى أنهما من الرأس فيمسحان معها. وعلى أن غسل الرجلين داخل النعلين جائز. وعلى جواز تكرار السؤال عن الشئ المستغرب.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد بن حنبل والبيهقى وقال في التلخيص رواه البزّار وقال لا نعلم أحدا روى هذا هكذا إلا من حديث عبيد الله الخولاني ولا نعلم أن أحدا رواه عنه إلا محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فيه، وأخرجه ابن حبان من طريقه مختصرا اهـ. وقال المنذرى في هذا الحديث مقال اهـ يعنى لأن فيه محمد بن إسحاق وهو ضعيف إذا عنعن كما في المصنف وقال الترمذى سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه وقال ما أدرى ما هذا. اهـ ولكن قد تقدم عن الحافظ أن ابن إسحاق صرح فيه بالسماع، وقد صرح ابن إسحاق أيضا في رواية أحمد بالتحديث، وفي الجوهر النقى في كتاب الإمام أن ابن إسحاق صرّح بأنه حدّثه في رواية يعقوب الدورقى عن ابن علية عنه فسلم الحديث من احتمال التدليس اهـ. وما نقله الحافظ عن البزّار لا يقتضى إلا غرابة الحديث والغرابة لا تقتضى الضعف.

ص: 40

(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ شَيْبَةَ، يُشْبِهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدِ عن ابْنِ جُرَيْجٍ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِيهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا "

(ش) غرض المصنف بذكر هذين التعليقين بيان أن عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج روى عنه حديث على كلّ من حجاج بن محمد وعبد الله بن وهب غير أنهما اختلفا في الرواية عنه فحجاج بن محمد روى عنه مسح الرأس مرّة واحدة وهو أقوى لأنه يشبه حديث علىّ المتقدم فإن فيه أن بعض الرواة روى مسح الرأس مرّة وبعضهم لم يذكر العدد. وابن وهب خالف تلك الروايات وروى عنه مسح الرأس ثلاثا وهى رواية ضعيفة لمخالفتها الروايات الصحيحة وأيضا فإن ابن وهب مدلس يروى حديث ابن جريج عن محمد بن عليّ بالعنعنة ولا يذكر شيبة شيخ ابن جريج فروايته لا تقاوم رواية حجاج بن محمد. ورواية حجاج قد أخرجها النسائي موصولة قال أخبرنا إبراهيم بن الحسن قال أنبأنا حجاج قال قال ابن جريج حدثنى شيبة أن محمد ابن علىّ أخبره قال أخبرنى أبى عليّ أن الحسن بن علىّ قال دعانى أبي عليّ بوضوء فقرّبته له فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرّات قبل أن يدخلهما في وضوئه ثم مضمض ثلاثا واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاث مرّات ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم اليسرى كذلك ثم مسح برأسه مسحة واحدة ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثا ثم اليسرى كذلك ثم قام قائما فقال ناولني فناولته الإناء الذى فيه فضل وضوئه فشرب من فضل وضوئه قائما فعجبت فلما رآني قال لا تعجب فإنى رأيت أباك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصنع مثل ما رأيتنى صنعت وأما رواية ابن وهب فقد وصلها البيهقى في سننه الكبرى قال أخبرنا أبو الحسن علىّ بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا عباس بن الفضل ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا ابن وهب عن ابن جريج عن محمد بن علىّ بن حسين عن أبيه عن جدّه عن عليّ أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثا وغسل يديه ثلاثا ومسح برأسه ثلاثا وغسل رجليه ثلاثا وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ هكذا قال ابن وهب ومسح برأسه ثلاثا وقال فيه حجاج عن ابن جريج ومسح برأسه مرّة. هذا وشيبة بن نصاح بكسر النون وتخفيف الصاد المهملة ابن سرجس المحزومى المدني القارئُ مولى أم سلمة زوج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتى به إليها وهو صغير فمسحت رأسه ودعت له بالخير والصلاح، روى عن خالد بن مغيث ومحمد ابن على وعبد الرحمن بن الحارث وغيرهم. وعنه محمد بن إسحاق وابن جريج وسعيد بن أبى هلال

ص: 41

وغيرهم، قال الدراوردى كان ابن نصاح قاضيا بالمدينة، ووثقة النسائي وابن معين والواقدى وقال كان قليل الحديث. مات سنة ثلاثين ومائة

(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ - وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ -: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ، «فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»

(ش)(قوله عن أبيه) هو يحيى بن عمارة بن أبي حسن

(قوله قال لعبد الله بن زيد) أفادت رواية المصنف أن القائل لعبد الله بن زيد هو يحيى بن عمارة وكذا رواية الشافعى في الأم عن مالك ورواية الإسماعيلى عن أبى خليفة عن القعنبى عن مالك. وهذا خلاف ما ورد في الروايات الأخر كراوية محمد بن الحسن الشيباني (قال) في الموطأ عن مالك حدّثنى عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سحنون في المدوّنة (وقال) معن بن عيسى في روايته عن عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع أبا حسن وهو جد عمرو بن يحيى قال لعبد الله بن زيد فإن هذه الروايات تفيد أن السائل لعبد الله بن زيد هو أبو حسن وفى رواية للبخارى أخبرنا مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد الخ (قال) الحافظ في الفتح قوله أن رجلا هو عمرو بن أبى حسن كما سماه المصنف في الحديث الذى بعد هذا من طريق وهيب عن عمرو بن يحيى (وقد) اختلف رواة الموطأ في تعيين هذا السائل وأما أكثرهم فأبهمه، والذى يجمع هذا الاختلاف أن يقال اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصارى وابنه عمرو وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن فسألوه عن صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتولى السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن فحيث نسب السؤال إلى عمرو كان على الحقيقة ويؤيده رواية سليمان بن بلال عند البخارى في باب الوضوء من التور قال حدثنى عمرو بن يحيى عن أبيه قال كان عمى يعنى عمرو بن أبى حسن يكثر الوضوء فقال لعبد الله بن زيد أخبرني فذكره وحيث نسب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه كان

ص: 42

الأكبر وكان حاضرا وحيث نسب السؤال ليحيى بن عمارة فعلى المجاز أيضا لكونه ناقل الحديث وقد حضر السؤال، ووقع في رواية مسلم عن محمد بن الصباح عن خالد الواسطى عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال قيل له توضأ لنا فذكره مبهما، وفى رواية الإسماعيلى من طريق وهب بن بقية عن خالد المذكور بلفط قلنا له، وهذا يؤيد الجمع المتقدم من كونهم اتفقوا على سؤاله لكن متولى السؤال منهم عمرو بن أبى حسن، ويزيد ذلك وضوحا رواية الدراوردى عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عمرو بن أبى حسن قال كنت كثير الوضوء فقلت لعبد الله بن زيد فذكر الحديث أخرجه أبو نعيم في المستخرج اهـ

(قوله وهو جدّ عمرو بن يحيى) أى أن عبد الله ابن زيد جدّ عمرو بن يحيى لأمه لأنه ابن بنته قاله العينى وصاحب الكمال ومن تبعه (قال) الحافظ هو غلط لأن ابن سعد ذكر أن أم عمرو بن يحيى حميدة بنت محمد بن إياس بن البكير وقال غيره هي أم النعمان بنت أبي حية اهـ وفي الموطأ حدثنى يحيى عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم وهو جدّ عمرو بن يحيى الخ قال ابن عند البر قوله وهو جدّ عمرو بن يحيى كذا لجميع رواة الموطأ وانفرد به مالك ولم يبابعه عليه أحد فلم يقل أحد إن عبد الله بن زيد جدّ عمرو (قال) ابن دقيق العيد هذا وهم قبيح من يحيى بن يحيى أو غيره وأعجب منه أن ابن وضاح سئل عنه وكان من الأئمة في الحديث والفقه فقال هو جدّه لأمه ورحم الله من انتهى إلى ما سمع ووقف دون ما لم يعلم، وكيف جاز هذا على ابن وضاح والصواب في المدوّنة التي كان يقريها ويرويها عن سحنون وهي بين يديه ينظر فيها كل حين، قال وصواب الحديث مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد، وهذا الرجل هو عمارة ابن أبى حسن وهو جدّ عمرو بن يحيى قاله الزرقانى (فتحصل) من كلامهم أن عبد الله بن زيد ليس جدّا لعمرو بن يحيى لا من جهة أمه ولا من جهة أبيه خلافا لظاهر المصنف.

(معنى الحديث)

(قوله هل تستطيع أن ترينى إلخ) إنما سأله ذلك لأنه أبلغ في التعليم وسبب الاستفهام ما قام عند يحيى بن عمارة من احتمال أن يكون عبد الله بن زيد نسى ذلك لبعد العهد

(قوله فأفرغ على يديه الخ) وفي رواية للبخارى فأكفأ بهمزتين، وفي أخرى فكفأ بفتح الكاف أى أمال الإناء وصبّ على يديه

(قوله فغسل يديه) يعنى كفيه، وفي بعض الروايات يده بالإفراد وهو مفرد مضاف يعمّ اليدين جميعا. وليس في رواية المؤلف ذكر عدد، وفى رواية البيهقى فغسل يديه مرتين مرتين، وفي رواية وهيب وسليمان بن بلال عند البخارى ورواية الدراوردى عند أبي نعيم ورواية خالد بن عبد الله عند مسلم ذكر الثلاث وفي رواية مالك والبخارى عن عبد الله بن زيد ذكر المرتين. ويجمع بين هذه الروايات بحمل رواية المصنف المطلقة على الروايات المقيدة فيكون رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ غسل مرّتين

ص: 43

أو ثلاثا، والظاهر ترجيح الثلاث لقوّتها بكثرة طرقها المعوّل عليها "ولا" يقال يحمل فعل المرّتين والثلاث على واقعتين "لأن" المخرج واحد والأصل عدم تعدّد الواقعة، وقد ذكر مسلم من طريق بهز عن وهيب أنه سمع حديث الثلاث مرتين من عمرو بن يحيى إملاء فتأكد ترجيح روايته

(قوله ثم تمضمض واستنثر ثلاثا) ثم هنا للترتيب في الحكم خلافا لمن قال إنها للترتيب في الإخبار ولمن قال إنها بمعنى الواو، والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس وقد يطلق الاستنثار على الاستنشاق، وفى رواية للبخارى ثم تمضمض واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات

(قوله ثم غسل يديه مرّتين مرّتين) أى أفرد كل واحدة منهما بالغسل مرّتين وكرّر مرتين لئلا يتوهم أن المرّتين لكلتا اليدين لكل مرة واحدة فالتكرار للتأسيس لا للتوكيد لأن المنقول في العربية أن أسماء الأعداد والمصادر والأجناس إذا كرّرت كان المراد حصولها مكرّرة لا التأكيد فإنه قليل الفائدة ولا يحسن حيث يكون للكلام محمل غيره، ولم تختلف الروايات عن عمرو ابن يحيى في غسل كل يد مرّتين لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ وفيه وغسل اليمنى ثلاثا ثم الأخرى ثلاثا فيحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرح الحديثين غير واحد، وعلى فرض اتحاد الواقعة فرواية التثليث أرجح لكثرة الروايات فيها مع قوّتها (قال) النووى في شرح مسلم فيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء وغسل بعضها ثلاثا وبعضها مرّتين وهذا جائز والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك ولكن المستحب التثليث وإنما كانت مخالفتها من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض الأوقات بيانا للجواز كما توضأ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّة مرّة في بعض الأوقات بيانا للجواز وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن البيان واجب عليه "فإن قيل" البيان يحصل بالقول "قلنا" بالفعل أوقع في النفوس وأبعد من التأويل اهـ

(قوله فأقبل بهما وأدبر) قد اختلف في كيفية الإقبال والإدبار على ثلاثة أقوال (الأول) أن يبدأ بمقدّم رأسه الذى يلى الوجه فيذهب إلى القفا ثم يردّهما إلى المكان الذى بدأ منه وهو مبتدأ الشعر من حدّ الوجه وهذا هو ظاهر قوله بدأ بمقدّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه الخ وهو مذهب مالك والشافعى وفيه أن هذه الصفة تخالف ظاهر قوله فأقبل بهما وأدبر لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال "وأجيب" بأجوبة منها أن الواو لا تقتضى الترتيب فالتقدير أدبر وأقبل، يدلّ عليه قول المصنف بدأ بمقدم رأسه الخ "وما" رواه البخارى عن عبد الله بن زيد وفيه تم أخذ بيده ماء فمسح به رأسه فأدبر به وأقبل "ومنها" أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية التي تنسب إلى ما يقبل إليه ويدبر عنه والمؤخر محلّ يمكن أن ينسب إليه الإقبال والإدبار "ومنها" حمل قوله أقبل على البداءة بالقبل وأدبر على البداءة بالدّبر

ص: 44

فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه وهو أحد قولين للأصوليين في تسمية الفعل هل يكون بابتدائه أو انتهائه (القول الثانى) أنه يبدأ بمؤخر رأسه ويمرّ إلى جهة الوجه ثم يرجع إلى المؤخر محافظة على ظاهر لفظ أقبل وأدبر فالإقبال إلى مقدّم الوجه والإدبار إلى ناحية المؤخر. وقد وردت هذه الصفة في الحديث الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدأ بمؤخر رأسه لكن يردّ هذه الصفة قوله بدأ بمقدّم رأسه الذى ذكر بيانا للإقبال والإدبار ويحمل حديث البداءة بالمؤخرّ على تعدّد الحالات لبيان الجواز، على أن حديث البداءة بالمقدّم أكثر وأصح وأجود إسنادا من حديث البداءة بالمؤخر كما ذكره الترمذى (القول الثالث) أنه يبدأ بالناصية ويذهب إلى ناحية الوجه ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس ثم يعود إلى ما بدأ منه وهو الناصية ولعل قائل هذا قصد المحافظة على قوله بدأ بمقدّم رأسه مع المحافظة أيضا على ظاهر لفظ أقبل وأدبر لأنه إذا بدأ بالناصية صدق أنه بدأ بمقدّم رأسه وصدق أنه أقبل أيضا لأنه ذهب إلى ناحية الوجه وهو القبل، ويردّه أيضا قوله بدأ بمقدّم رأسه الخ فإنه جعله بادئا بالمقدّم إلى غاية الذهاب إلى قفاه، ومقتضى الصفة الثالثة أنه بدأ بمقدّم الرأس غير ذاهب إلى قفاه بل إلى ناحية وجهه أفاده ابن دقيق العيد، والظاهر أن هذا من العمل المخير فيه وأن المقصود من ذلك تعميم الرأس بالمسح (قال) النووى قوله ثم مسح رأسه بيديه الخ هذا هو المستحب باتفاق العلماء فإنه طريق إلى استيعاب الرأس ووصول الماء إلى جميع شعره، قال أصحابنا وهذا الردّ إنما يستحب لمن كان له شعر غير مضفور أما من لا شعر على رأسه أو كان شعره مضفورا فلا يستحب له الردّ إذ لا فائدة فيه وليس في هذا الحديث دلالة لوجوب استيعاب الرأس بالمسح لأن الحديث ورد في كمال الوضوء لا فيما لا بدّ منه اهـ باختصار، والتفرقة بين من له شعر وبين من لا شعر له لم نقف على ما يؤيده من الأحاديث فالظاهر عدم التفرقة، وتقدم الخلاف في ذلك وأن المذهب القوى وجوب استيعاب المسح

(قوله بدأ بمقدّم رأسه الخ) هو عطف بيان لقوله أقبل وأدبر ومن ثمّ لم تدخل الواو (قال) في الفتح الظاهر أن قوله بدأ الخ من الحديث وليس مدرجا من كلام مالك اهـ والقفا بالقصر وحكى مدّه مؤخر العنق يذكر ويؤنث وجمعه على التذكير أقفية وعلى التأنيث أقفاء مثل أرجاء قاله ابن السرّاج، وقد يجمع على قفيّ وعن الأصمعي أنه سمع ثلاث أقف (قال) الزّجاج التذكير أغلب (وقال) ابن السكيت مذكر وقد يؤنث وألفه واو ولهذا يثنى على قفوين اهـ مصباح

(قوله ثم ردهما الخ) ليستوعب جهتى الشعر بالمسح، والمشهور عند من أوجب التعميم أن الأولى واجبة والثانية سنة.

(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب غسل اليدين في ابتداء الوضوء، وعلى استحباب تثليث المضمضة والاستنشاق، وعلى جواز غسل بعض الأعضاء ثلاثا والاقتصار في البعض

ص: 45

الآخر على مرّتين، وعلى جواز الاستعانة في إحضار ماء الوضوء من غير كراهة، وعلى أن التعليم بالفعل أفضل منه بالقول، وعلى طلب استيعاب مسح الرأس، وعلى سنية البداءة بمقدّمها وعلى سنية المسح باليدين جميعا.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك والبخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وابن حبان.

(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ:«فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ» يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.

(ش)(قوله خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان

(قوله بهذا الحديث إلخ) أى حدثنا مسدد عن خالد بالحديث الذى رواه مالك عن عمرو بن يحبي لكن في رواية خالد فمضمض واستنشق من كفّ واحدة فزاد لفظ من كفّ واحدة أى أنه جمع المضمضة والاستنشاق من كفّ واحدة من الماء، وفي بعض النسخ من كفّ واحد بناء على أن الكف تذكر والمعروف في اللغة أنها مؤنثة (قال) في المصباح الكف من الإنسان وغيره أنثى (قال) ابن الأنبارى وزعم من لا يوثق به أن الكفّ مذكر ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم كفّ مخضب فعلى معنى ساعد مخضب وجمعها كفوف وأكفّ مثل فلس وفلوس وأفلس (قال) الأزهرى الكفّ الراحة مع الأصابع سميت بذلك لأنها تكفّ الأذى عن البدن اهـ

(قوله يفعل ذلك) وفي نسخة ففعل ذلك أى الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كفّ واحدة ثلاث مرّات بثلاث غرفات، يدل عليه ما في رواية الصحيحين فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات من ماء

(قوله ثم ذكر نحوه) أي ذكر خالد نحو حديث مالك المذكور، ولفظه عند البيهقي من طريق خالد بن عبد الله قال حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال قلنا له توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فدعا بماء فأفرغ على كفيه فغسلهما ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فتمضمض واستنشق من كفّ واحدة يفعل ذلك ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه إلى المرفقين مرّتين مرّتين ثم أدخل يده فمسح برأسه فأقبل بهما وأدبر مرّة ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.

(فقه الحديث) والحديث يدل على أن المضمضة والاستنشاق يستحب أن يكونا بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل غرفه وإليه ذهب بعض الأئمة (قال) الترمذى بعد رواية هذا الحديث قال بعض أهل العلم المضمضة والاستنشاق من كفّ واحدة يجزئُ. وقال بعضهم

ص: 46

تفريقهما أحب إلينا (وقال) الشافعى إن جمعهما في كفّ واحدة فهو جائز وإن فرّقهما فهو أحبّ إلينا اهـ وقد سبق إيضاح ذلك.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والبيهقى والدارمي والترمذى وقال حديث عبد الله بن زيد حسن غريب وروى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث عن عمرو بن يحيى ولم يذكروا هذا الحرف أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مضمض واستنشق من كفّ واحدة وإنما ذكره خالد بن عبد الله وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث اهـ

(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ حَبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيَّ، يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ وُضُوءَهُ، وَقَالَ:«وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا»

(ش) ساق المصنف هذه الرواية لما فيها من زيادة لم توجد في غيرها وهي قوله في مسح الرأس بماء غير فضل يديه وفى غسل الرجلين حتى أنقاهما.

(رجال الحديث)

(قوله عمرو بن الحارث) بن يعقوب بن عبد الله الأشج أبو أمية الأنصارى مولى سعد بن عبادة الفقيه أحد الأئمة. روى عن الزهري وعمرو بن شعيب وزيد بن أسلم وعمرو بن دينار وقتادة وآخرين. وعنه مالك والليث وصالح بن كيسان وأسامة بن زيد وآخرون، قال أبو زرعة لم يكن له نظير في الحفظ في زمانه ووثقة النسائي وابن سعد وابن معين والعجلى وقال ابن حبان كان من الحفاظ المتقنين وقال أحمد كان عمرو عندي ثقة ثم رأيت له مناكير يروى عن قتادة أشياء يضطرب فيها ويخطئُ. ولد سنة أربع وتسعين. ومات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة. روى له الجماعة

(قوله حبان) بفتح الحاء المهملة وبالموحدة المشدّدة (ابن واسع) ابن حبان الأنصارى المازنى. روى عن أبيه وعبد الله بن زيد، وعنه عمرو بن الحارث وعبد الله ابن لهيعة، ذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له مسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذى وصحح حديثه

(قوله حدّثه أن أباه إلخ) أى حدّث حبان عمرا أن أباه واسعا حدّث ابنه حبان أنه سمع عبد الله بن زيد يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ فذكر عبد الله وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وذكر مسلم الحديث بتمامه بلفظ أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فمضمض ثم استنثر ثم غسل وجهه

ص: 47

ثلاثا ويده اليمنى ثلاثا والأخرى ثلاثا ومسح برأسه بماء غير فضل يديه وغسل رجليه حتى أنقاهما، وقوله بماء غير فضل يديه أى مسح رأسه بماء جديد لا ببقية ماء يديه (قال) العينى فيه دلالة على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به اهـ وهو غير مسلم لأن غاية ما استفيد من الحديث أنه جدّد الماء لمسح الرأس، وكونه لعدم طهورية البلل الذى كان باقيا بيده لا يؤخذ منه (قال) النووى ولا يستدلّ بهذا الحديث على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس ولا يلزم من ذلك اشتراطه، وقد تقدم بيان ما في الماء المستعمل من المذاهب مستوفى.

(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أنه يطلب تجديد الماء لمسح الرأس، وعلى أنه يطلب غسل الرجلين حتى تزول عنهما الأوساخ ولو زاد على ثلاث مرات.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم بلفظ تقدم وأخرجه الترمذى عن عبد الله بن زيد بلفظ أنه رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه وقال حسن صحيح وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ وأنه مسح رأسه بماء غَبَرَ (أى بقى) من فضل يديه، ورواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح لأنه قد روى من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخذ لرأسه ماء جديدا والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدا اهـ كلام الترمذى. وأخرجه البيهقي عن عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذى أخذ لرأسه وقال وهذا إسناد صحيح.

(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا حَرِيزٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِيُّ، سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِيَّ، قَالَ:«أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله أبو المغيرة) هو عبد القدوس بن الحجاج الخولانى الحمصى. روى عن صفوان بن عمرو وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعى ويزيد بن عطاء وجماعة وعنه ابن معين وعبد الله الدارمى وسلمة بن شبيب ومحمد بن يحيى الذهلى وغيرهم، قال الدارقطنى

ص: 48

والعجلى ثقة وقال النسائى ليس به بأس وقال أبو حاتم كان صدوقا وذكره ابن حبان في الثقات توفى سنة اثنتي عشرة ومائتين. روى له الجماعة

(قوله حريز) بفتح الحاء المهملة وكسر الرّاء وسكون المثناة التحتية آخره زاى ابن عثمان بن جبر بن أبى أحمر بن أسعد الحمصى أبو عون ويقال أبو عثمان الرحبى الحميرى. روى عن عبد الله بن بسر وراشد بن سعد وعبد الرحمن بن ميسرة وسعيد بن مرثد وآخرين. وعنه الوليد بن مسلم وبقية وإسماعيل بن عياش وأبو المغيرة الخولانى ويحيى القطان وغيرهم، قال أحمد ثقة ثقة ليس بالشام أثبت منه ووثقه العجلى وابن معين وقال معاذ بن معاذ لا أعلم أنى رأيت أحدا بالشام أفضله عليه وقال أبو حاتم حسن الحديث ولا أعلم بالشام أثبت منه وهو ثقة متقن. ولد سنة ثمانين. وتوفى سنة ثلاث وستين ومائة روى له الجماعة إلا النسائى

(قوله عبد الرحمن بن ميسرة) بفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح السين المهملة أبو سلمة الحمصى. روى عن أبى أمامة الباهلى وأبى راشد الحبرانى وجبير بن نفير والعرباض ابن سارية، وعنه ثور بن يزيد وحريز بن عثمان، قال أبو داود شيوخ حريز كلهم ثقات وقال العجلى تابعى ثقة وقال على ابن المدينى مجهول لم يرو عنه غير حريز. روى له أبو داود وابن ماجه

(قوله الحضرمى) بفتح الحاء المهملة والراء وسكون الضاد المعجمة بينهما منسوب إلى حضرموت بلد بأقصى اليمن

(قوله المقدام) بكسر الميم وسكون القاف (بن معد يكرب) بن عمرو ابن معد يكرب أبو يحيى وقيل أبو كريمة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعة وأربعون حديثا. وروى عن خلد بن الوليد ومعاذ بن جبل وأبي أيوب الأنصارى وآخرين، وعنه شريح بن عبيد وخالد بن معدان وحبيب بن عبيد الشعبى، وهو صحابى خلافا لمن نفى صحبته فقد أخرج البغوى من طريق أبي يحيى بن سليم الكلاعي قال قلنا للمقدام بن معد يكرب يا أبا كريمة إن الناس يزعمون أنك لم تر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال بلى والله لقد رأيته ولقد أخذ بشحمة أذني وإني لأمشي مع عمّ لي ثم قال لعمي أترى أنه يذكره وسمعته يقول يحشر ما بين السقط إلى الشيخ الفاني يوم القيامة أبناء ثلاثين سنة "الحديث" توفي سنة ست أو سبع وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة

(قوله الكندى) بكسر الكاف وسكون النون نسبة إلى كندة قبيلة من اليمن.

(معنى الحديث)

(قوله فتوضأ الخ) أي شرع في الوضوء وقوله فغسل كفيه الخ تفصيل للوضوء المشروع فيه

(قوله ثم تمضمض الخ) يدلّ على أن الترتيب بين السنن والفرائض في الوضوء غير واجب لأن فيه تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه والذراعين (قال) الشوكانى الحديث يدلّ على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين وحديث عثمان وعبد الله بن زيد الثابتان في الصحيحين وحديث علىّ الثابت عند أبى داود

ص: 49

والنسائى وابن ماجه وابن حبان والبزار وغيرهم مصرّحة بتقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه واليدين، والحديث من أدلة القائلين بعدم وجوب الترتيب (قال) النووى إنهم يتأولون هذه الرواية على أن لفظة ثمّ ليست للترتيب بل لعطف جملة على جملة، لكن لا يخفى عليك أن هذا التأويل وإن نفع القائل بوجوب الترتيب في حديث الباب وما بعده فهو يجرى في دليله الذى عارض به حديثى الباب أعنى حديث عثمان وعبد الله بن زيد وعلىّ فلا يدلّ على تقديم المضمضة والاستنشاق كما لا يدلّ هذا على تأخيرهما فدعوى وجوب الترتيب لا تتم إلا بإبراز دليل عليها يتعين المصير إليه وقد عرّفناك في شرح حديث عثمان عدم انتهاض ما جاء به مدّعي وجوب الترتيب على المطلوب، نعم حديث جابر عند النسائى في صفة حج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابدءوا بما بدأ الله به بلفظ الأمر وعند مسلم بلفظ الخبر يصح الاحتجاج به على وجوب الترتيب لأنه عام لا يقصر على سببه عند الجمهور كما تقرّر في الأصول، وآية الوضوء مندرجة تحت ذلك العموم اهـ (وقال) بعضهم هذه رواية شاذة لا تعارض الروايات المحفوظة التى فيها تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقدّم بيان الاختلاف في ذلك وأن الظاهر وجوب الترتيب بين الأعضاء المذكورة في الآية وعدمه في غيرها

(قوله ظاهرهما وباطنهما) بالجرّ بدل من أذنيه، وظاهرهما ما يلى الرأس وباطنهما ما يلى الوجه، وكيفية مسحهما أن يدخل سبابتيه في صماخى أذنيه ويمرّهما على باطن الأذنين ويمرّ إبهامه على ظاهرهما، يدلّ لذلك ما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما وفيه فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما "الحديث" وصححه ابن خزيمة وابن منده، وما رواه أيضا النسائى بلفظ ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه، وما رواه ابن ماجه أيضا بلفظ مسح أذنيه فأدخلهما السبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما (وحديث) الباب ظاهر في أنه لم يأخذ للأذنين ماء جديدا بل مسح الرأس والأذنين بماء واحد، وتقدّم بيان المذاهب في ذلك.

(فقه الحديث) والحديث يدلّ بظاهره زيادة على ما تقدّم على جواز تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الذراعين، وقد علمت ما فيه، وعلى أنه يجوز مسح الأذنين بماء مسح الرأس، وبه قال أبو حنيفة والثورى، وعلى أن السنة مسح ظاهر الأذنين وباطنهما جميعا.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه والبيهقى مختصرا والضياء في المختاره وكذا رواه أحمد بزيادة وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا.

ص: 50

(ص) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْطَاكِيُّ - لَفْظُهُ - قَالَا: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ، وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» ، قَالَ مَحْمُودٌ: قَالَ: أَخْبَرَنِي حَرِيزٌ

(ش)(رجال الحديث)

(قوله يعقوب بن كعب) بن حامد أبو بوسف الحلبى. روى عن وكيع وعيسى بن يونس وعبد الله بن وهب وأبى معاوية الضرير وآخرين. وعنه أبو داود وعبد العزيز بن سليمان وإبراهيم بن يعقوب وكثيرون، قال العجلى ثقة رجل صالح صاحب سنة ووثقه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات و (الأنطاكي) بفتح الهمزة نسبة إلى أنطاكية من بلاد الشام

(قوله لفظه) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أى هذا لفظه. ويحتمل أن يكون بالنصب فيكون مفعولا لمحذوف تقديره حدثنا يعقوب لفظه

(قوله الوليد بن مسلم) الدمشقى الأموى مولاهم أبو العباس. روى عن الثورى والأوزاعي والليث بن سعد وابن جريج وابن عجلان وغيرهم وعنه الليث بن سعد من شيوخه وأحمد بن حنبل وهشام بن عمار وإسحاق بن راهويه وابن المدينى وكثرون، وثقه العجلى ويعقوب بن شيبة وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال ابن مسهر يدلس. وكان من ثقات أصحابنا وقال أحمد كان كثير الخطأ اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع وكانت له منكرات منها حديث عمرو بن العاص لا تلبسوا علينا ديننا. ولد سنة تسع عشرة ومائة. وتوفى سنه أربع وتسعين ومائة بذى المروة منصرفه من الحج. روى له الجماعة

(معنى الحديث)

(قوله فلما بلغ مسح رأسه الخ) نص على كيفية مسح الرأس لأنها مظنة الخفاء

(قوله فأمرّهما حتى بلغ القفا) أى أمرّ يديه إلى أن وصل القفا وهو كما تقدم مؤخر العنق ثم أعادهما إلى المكان الذى منه بدأ وهو مقدّم الرأس، وهذه الرواية صريحة في البدأ ممقدّم الرأس في المسح

(قوله قال محمود الخ) أى قال محمود بن خالد في روايته قال الوليد أخبرني حريز بن عثمان فصرّح الوليد بالإخبار عن حريز في رواية محمود فارتفعت مظنة التدليس عنه الناشئة من العنعنة الواقعة في رواية يعقوب

(رفقه الحديث) والحديث يدل على طلب تعميم صحح الرأس. وعلى أنه يبتدأ في المسح بمقدّم الرأس كما تقدم بيانه.

ص: 51

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى.

(ص) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَهِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ قَالَ:«وَمَسَحَ بِأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا» ، زَادَ هِشَامٌ «وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله هشام بن خالد) بن يزيد بن مروان الأزرق أبو مروان السلامى الدمشقى. روى عن الوليد بن مسلم وبقية بن الوليد ومروان بن معاوية وشعيب بن إسحاق وخالد بن يزيد وغيرهم. وعنه بقىّ بن مخلد ومحمد بن وضاح وأبو داود وابن ماجه وأبو حاتم وقال صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وذكره أبو زرعة الدمشقي في أهل الفتوى بدمشق. ولد سنة أربع وخمسين ومائة. وتوفي سنة تسع وأربعين ومائتين

(قوله المعنى) أى أن محمود ابن خالد وهشام بن خالد اتفقا على رواية معنى الحديث واختلفا في لفظه.

(معنى الحديث)

(قوله قال قال ومسح بأذنيه الخ) أى قال المقدام بن معد يكرب رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ ومسح أذنيه باطنا وظاهرا وزاد هشام أى في روايته وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه بصيغة الجمع أى أطراف أصابعه، وفى بعض النسخ أصبعيه بالتثنية، وعلى نسخة الجمع فالمراد به ما فوق الواحد لأنه أدخل في كل أذن أصبعا وهما السبابتان كما تقدم، والصماخ بكسر الصاد المهملة وفي لغة بالسين وآخره خاء معجمة خرق الأذن وقيل هو الأذن نفسها والجمع أصمخة مثل سلاح وأسلحة.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وابن ماجه والطحاوى قال في التلخيص إسناده حسن

(ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ الْمُغِيرَةُ بْنُ فَرْوَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ، تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ اغتَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ، أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله مؤمل) وزن محمد (بن الفضل) بن مجاهد أبو سعيد روى عن محمد بن سلمة ومروان بن معاوية الفزارى وعيسى بن يونس ومحمد بن شعيب

ص: 52

وآخرين، وعنه محمد بن يحيى الذهلى وأبو حاتم الرازى وأبو شعيب الحراني وأبو داود الحبرانى، قال أبو حاتم ثقة رضا وذكره ابن حبان في الثقات. توفى سنة تسع وعشرين ومائتين روى له النسائى

(قوله الحرّانى) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء نسبة إلى حرّان مدينة بالجزيرة

(قوله عبد الله بن العلاء) بن زبر بفتح الزاى وسكون الموحدة ابن عمرو الدمشقى. روى عن سالم بن عبد الله ونافع مولى ابن عمر والزهرى ومكحول وغيرهم، وعنه محمد بن شعيب والوليد ابن مسلم ومروان بن محمد وأبو مسهر وآخرون، قال دحيم هو ثقة جدّا ووثقة ابن معين وأبو داود والدارقطنى وقال أبو حاتم يكتب حديثه وذكره ابن حبان في الثقات. توفى سنة أربع وستين ومائة وهو ابن تسع وثمانين سنة. روى له الجماعة إلا مسلما

(قوله أبو الأزهر المغيرة بن فروة) بفتح الفاء وسكون الراء الثقفى الدمشقى. روى عن معاوية بن أبى سفيان ومالك بن هبيرة وواثلة بن الأسقع، وعنه عبد الله بن العلاء ويحيى بن الحارث وسعيد بن عبد العزيز، روى له أبو داود ووثقه ابن حبان

(قوله يزيد بن أبى مالك) هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبى مالك الفقيه الهمدانى قاضى دمشق. روى عن أبى أيوب الأنصارى وأنس بن مالك وعطاء بن أبى رباح وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة والتابعين وعنه سعيد بن أبى عروبة والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وآخرون، قال أبو حاتم هو من فقهاء الشام ثقة وقال الدارقطنى هو من الثقات وذكره ابن حبان في الثقات، ولد سنة ستين وتوفى سنة ثلاثين ومائة. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه

(قوله معاوية) بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى الأموى أبو عبد الرحمن، أسلم هو وأخوه وأبوه عام الفتح ودعا له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "فعن" أبى رهم السماعي أنه سمع العرباض بن سارية يقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب، وأخرج الترمذى عن أبي إدريس الخولانى قال لما عزل عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عمير بن سعد عن حمص ولى معاوية فقال الناس عزل عميرا وولى معاوية فقال عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لا تذكروا معاوية إلا بخير فإنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول اللهم اهده، وأخرج أيضا عن عبد الرحمن بن أبي عميرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال لمعاوية اللهم اجعله هاديا مهديا واهده، وكان عمر إذا نظر إليه قال هذا كسرى العرب، وذكر ابن سعد عن المدائنى قال نظر أبو سفيان إلى معاوية وهو غلام فقال إن ابنى هذا لعظيم الرأس وإنه لخليق أن يسود قومه فقالت هند قومه فقط ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة، ولما احتضر قال يا بنى إنى صحبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فخرج لحاجة فاتبعته بإداوة فكسانى أحد ثويبه الذى كان على جلده فخبأته لهذا

ص: 53

اليوم، وأخذ رسول الله على الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أظفاره وشعره ذات يوم فأخذته وخبأته لهذا اليوم فإذا أنا متّ فاجعل هذا القميص دون كفني مما يلى جلدى وخذ ذلك الشعر والأظفار فاجعله في فمى وعلى عينى ومواضع السجود مني فإن نفع شيء فذاك وإلا فإن الله غفور رحيم، وتولى الإمارة عشرين سنة والخلافة عشرين سنة. توفي بدمشق يوم الخميس لثمان بقين من شهر رجب سنة تسع وخمسين أو ستين وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، روى له الجماعة.

(معنى الحديث)

(قوله توضأ للناس إلخ) أى توضأ وضوءا مثل وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الذى رآه

(قوله اغترف غرفة) أى بيده اليمنى كما يدلّ عليه ما بعده والغرفة بفتح الغين المعجمة المرّة الواحدة وبالضم اسم للمغروف باليد

(قوله فتلقاها بشماله الخ) أى أخذ تلك الغرفة بيده اليسرى ووضعها على وسط رأسه فسال الماء من رأسه أو قارب السيلان شك ابن أبى مالك فيه وعمم رأسه بالمسح. والوسط بفتح الواو والسين المهملة ما تساوت أطرافه وقد يراد به ما يكتنف من حوانبه ولو من غير تساو أما الوسط بالسكون فبمعنى بين ويكون فيما هو متفرّق الأجزاء غير متصل كالناس والدوابّ تقول قعدت وسط الناس بالسكون أى بينهم بخلاف المتحرّك فيكون في متصل الأجزاء كالرأس والدار ويقال كل منهما يقع موقع الآخر. والقطر السيلان يقال قطر يقطر من باب نصر وتقاطر سال نقطة بعد نقطة.

(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز نقل الماء من اليد اليمنى إلى اليسرى ووضعه وسط الرأس، وعلى طلب تعميم الرأس بالمسح مع المبالغة فيه ويمكن الاستدلال به على إجزاء غسل الرأس عن المسح لقوله في الحديث حتى قطر الماء وأن المقصود وصول الماء أو البلل إلى ظاهر الشعر ولا يتوقف على إمرار اليد عليها.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وكذا الطحاوى بلفظ أن معاوية أراهم وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدّم رأسه ثم مرّ بهما حتى بلغ القفا ثم ردّهما إلى المكان الذى منه بدأ.

(ص) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ:«فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بِغَيْرِ عَدَدٍ»

(ش)(قوله بهذا الإسناد) أى المذكور من عبد الله بن العلاء إلى معاوية، وفي بعض النسخ في هذا الإسناد ففى بمعنى الباء

(قوله فتوضأ الخ) أى معاوية للناس كما رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ وغسل كلّ عضو ثلاثا ثلاثا وذكر غسل الرجلين ولم يذكر عددا فهو صادق بالمرّة والمرّتين والثلاث (واستدلّ) بالحديث من قال إن غسل الرجلين

ص: 54

لا يتقيد بعدد بل المدار على الإنقاء وإزالة ما فيها من الأوساخ، وهو استدلال غير تام لأنه قد جاء في أكثر الروايات أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غسلهما ثلاثا ثلاثا فترجح.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرحه أحمد من طريق على بن بحر قال ثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن العلاء أنه سمع يزيد بن أبى مالك وأبا الأزهر يحدّثان عن وضوء معاوية يريهم وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فتوضأ ثلاثا ثلاثا وغسل رجليه بغير عدد

(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، يَأْتِينَا فَحَدَّثَتْني أَنَّهُ قَالَ:«اسْكُبِي لِي وَضُوءًا» ، فَذَكَرَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَتْ فِيهِ: فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَوَضَّأَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً، وَوَضَّأَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ يبدأ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ، ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا، وَوَضَّأَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ

(ش)(رجال الحديث)

(قوله بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشى مولاهم أبو إسماعيل العابد البصرى أحد الحفاظ. روى عن حميد الطويل ومحمد المنكدر ويحيى بن سعيد وقرّة ابن خالد وخالد الحذاء وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل وأبو أسامة وأبو الوليد الطيالسي وعثمان ابن أبي شيبة وعليّ بن المدينى وآخرون، قال أبو حاتم وأبو زرعة والنسائى ثقة وقال أحمد إليه المنتهى في التثبت بالبصرة وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث صاحب سنه وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وعدّه ابن معين في أثبات شيوخ البصريين. توفى سنة ست وثمانين ومائة روى له الجماعة

(قوله الرّبيع) بضم الراء المشددة وفتح الموحدة وكسر المثناة التحتية المشدّدة (بنت معوّذ) بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الواو المشدّدة (ابن عفراء) بفتح العين المهملة وسكون الفاء وراء وألف تأنيث ممدودة أم معوّذ الأنصارية كانت من المبايعات تحت الشجرة وغزت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "فقد" أخرج البخارى والنسائى وأبو مسلم الكجى من طريق بشر بن المفضل عن خالد بن ذكوان عن الرّبيع بنت معوّذ قالت كنا نغزو مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ونسقى القوم ونخدمهم ونردّ القتلى والجرحى إلى المدينة وهذا لفظ أبي مسلم، وفى رواية البخارى نسقى الماء ونداوى الجرحى. لها أحد وعشرون

ص: 55

حديثا. روى عنها نافع مولى ابن عمر وأبو سلمة وسليمان بن يسار وعبد الله بن محمد وخالد بن ذكوان وغيرهم. روى لها البخارى حديثين واتفق هو ومسلم على واحد، روى لها أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه.

(معنى الحديث)

(قوله اسكبى لى وضوءا) أى صبى لى ماء أتوضأ به، واسكبى بضم الكاف من باب نصر أمر من السكب وهو الصبّ يقال سكب الماء سكبا وسكوبا انصبّ وسكبه غيره صبه

(قوله فذكرت الخ) أى ذكرت الرّبيع كيفية وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت فغسل كفيه ثلاثا ووضأ بتشديد الضاد المعجمة أى غسل وجهه ثلاثا ومضمض واستنشق، واقتصر فيهما على المرّة الواحدة، وأخرهما عن غسل الوجه على ما هو الظاهر لبيان الجواز وإن كانت الواو لا تقتضى ترتيبا، ومسح برأسه مرتين مرّة للبدء ومرّة للردّ بدأ بمؤخر رأسه منتهيا إلى مقدّمه ثم بمقدّمه إلى مؤخرّه، وعدّت الرّبيع الإقبال مرّة والإدبار أخرى نظرا لظاهر الفعل وإلا فهى مسحة واحدة لما علمت من قوله في حديث عبد الله بن زيد المتقدم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر وقوله في حديث المقدام وضع كفيه على مقدّم رأسه فأمرّهما حتى بلغ القفا ثم ردّهما إلى المكان الذى منه بدأ أن الغرض استيعاب الرأس بالمسح لا التكرار فكذلك ما هنا، وتقدّم أن الروايات الكثيرة الصحيحة أن المسح مرّة واحدة وقد ورد المسح مرّة واحدة عن الربيع أيضا في حديثها الثالث الآتى وقد أخرجه الترمذى وقال حديث الربيع (يعنى حديث المسح مرّة واحدة) حسن صحيح وقد روى من غير وجه عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه مسح برأسه مرّة واحدة والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه رعلى آله وسلم ومن بعدهم اهـ (وظاهر) هذه الرواية أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدأ بمؤخر رأسه وهو مناف لما ثبت في الروايات الكثيرة الصحيحة من أنه كان يبدأ بمقدّم رأسه (وأجيب) عنه بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدأ بمؤخرّ الرأس في بعض الأوقات لبيان الجواز فلا منافاة (قال) السيوطى احتج به من يرى أنه يبدأ في مسح الرأس بمؤخره ثم بمقدّمه اهـ (وأجاب) ابن العربى عنه على مذهب الجمهور بأنه تحريف من الراوى بسبب فهمه فإنه فهم من قوله فأقبل بهما وأدبر أنه يقتضى الابتداء بمؤخر الرأس فصرّح بما فهم منه وهو مخطئ في فهمه (وقال) الشوكاني في شرح هذا الحديث يمكن أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل هذا لبيان الجواز مرّة وكانت مواظبته على البداءة بمقدّم الرأس وما كان أكثر مواظبة عليه كان أفضل، والبداءة بمؤخرّ الرأس محكية عن الحسن بن حىّ ووكيع بن الجرّاح قال أبو عمر بن عبد البرّ قد توهم بعض الناس في حديث عبد الله بن زيد في قوله ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر أنه بدأ بمؤخرّ

ص: 56

رأسه وتوهم غيره أنه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيديه وأدبر وهذه ظنون لا تصح، وقد روى عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه ولا يصح، وأصح حديث في هذا الباب حديث عبد الله ابن زيد، والمشهور المتداول الذى عليه الجمهور البداءة من مقدّم الرأس إلى مؤخرّه اهـ

(قوله وهذا معنى حديث مسدد) أى قال أبو داود هذا الحديث الذى رويته عن مسدد رويته بالمعنى لكونى غير حافظ لجملة ألفاظه، ورواية الحديث بالمعنى جائزة للعارف لا سيما إن نسى اللفظ

(فقه الحديث) والحديث يدلّ بظاهره زيادة على ما تقدّم على جواز البدء في مسح الرأس من المؤخر على ما فيه، وعلى أنه طلب من الإمام أن يكون متواضعا يتألف رعيته بما يدخل السرور عليهم ومنه أن يأتيهم في بيوتهم، وعلى أنه يطلب منه أن يعلمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وكذا الترمذى مختصرا من طريق بشر بن المفضل وقال هذا حديث حسن وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادا وقال حديث عبد الله بن زيد أصح شئ في هذا الباب وأحسن وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق اهـ وأخرجه أحمد أيضا، قال الحافظ في التلخيص حديث الرّبيع له طرق وألفاظ مدارها على عبد الله ابن عقيل وفيه مقال اهـ

(ص) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، يُغَيِّرُ بَعْضَ مَعَانِي بِشْرٍ، قَالَ فِيهِ:«وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله إسحاق بن إسماعيل) الطالقانى أبو يعقوب البغدادى روى عن ابن عيينة وأبى أسامة وأبى معاوية ومحمد بن فضيل ووكيع وجماعة. وعنه يعقوب ابن شيبة وأبو يعلى وإبراهيم بن إسحاق الحربى والبغوى وغيرهم، قال ابن معين أرجو أن يكون صدوقا ووثقه الدارقطني وقال ابن حبان كان من ثقات أهل العراق ومتقنيهم توفى في رمضان سنة ثلاثين ومائتين

(قوله ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل نسب إلى جدّه

(قوله بهذا الحديث الخ) أى حدثنا سفيان بن عيينة بهذا الحديث المذكور حال كونه يغير بعض معاني حديث بشر بن المفضل المذكور آنفا (والحاصل) أن حديثى سفيان بن عيينة وبشر بن المفضل اتحدا في أكثر المعنى واختلفا في بعضه فإن سفيان قال في حديثه وتمضمض واستنثر ثلاثا وبشرا قال مضمض واستنشق مرّة. وهذه الرواية أخرجها ابن ماجه مختصرا ولفظه عن الرّبيع بنت معوّذ بن عفراء أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا.

ص: 57

(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ، مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ كُلِّ نَاحِيَةٍ، لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ، لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله الليث) بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمى مولى عبد الرحمن بن خالد الإمام الحافظ. روى عن يزيد بن أبى حبيب وعطاء بن أبى رباح ونافع مولى ابن عمر وهشام بن عروة والزهرى ويحيى بن سعيد وكثيرين، وعنه محمد بن عجلان وهشام ابن سعد وهما من شيوخه وابن المبارك والوليد بن مسلم وأبو الوليد الطيالسى وابن وهب وطوائف، قال ابن سعد قد اشتغل بالفتوى في زمانه وكان ثقة كثير الحديث صحيحه وقال أحمد ما في المصريين أثبت من الليث وما أصح حديثه وهو ثقة لكن في أخذه سهولة وقال الأزدى صدوق إلا أنه كان يتساهل وقال يحيى بن بكير ما رأيت فيمن رأيت مثل الليث وما رأيت أكمل منة كان فقيها عربىّ اللسان يحسن القراءت والنحو والحديث والشعر وقال ابن حبان كان من سادات أهل زمانه فقها وورعا وعلما وفضلا وسخاء وقال ابن خراش صدوق صحيح الحديث وبالجملة فهو إمام جليل مشهور. ولد سنة أربع وتسعين بقرقشندة بلد على نحو أربع فراسخ من مصر وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة. روى له الجماعة.

(معنى الحديث)

(قوله توضأ عندها) وكان هذا منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمحضر زوجها أو أحد محارمها إذ لم يثبت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخلو بامرأة أجنبية بل نهى عن الخلوة بها

(قوله فمسح الرأس الخ) الفاء عاطفة على محذوف أى قالت الرّبيع في بيان كيفية وضوئه غسل كفيه الخ فمسح رأسه من قرن الشعر أى مبتدئا من قرن الشعر وفى نسخة فرق الشعر، وفى رواية أحمد من فوق الشعر. وقرن الشعر جانبه أو أعلاه أو الضفيرة منه، قال في التوسط أراد بالقرن أعلى الرأس إذ لو مسح من أسفل لزم تغير الهيئة وقد قالت لا يحرّك الشعر عن هيئته أو أراد بالقرن مقدّم الرأس أى ابتدأ المسح من المقدم مستوعبا جميع جوانبه إلى منصبّ شعره الذى هو مؤخر رأسه

(قوله كل ناحية الخ) أى في كل ناحية من نواحي الشعر مستوعبا مسح الرأس طولا وعرضا منتهيا في المسح لمنصبّ الشعر، والمنصب بضم الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة المكان الذى ينحدر إليه الشعر وهو أسفل

ص: 58

الرأس من كل ناحية مأخوذ من انصباب الماء وهو انحداره من أعلى إلى أسفل، والمراد أنه كان يبتدئُ المسح من أعلى الرأس منتهيا إلى أسفله ولا يحرّك شعره عند المسح يفعل ذلك في كل ناحية على حدتها وإلا كان منافيا لقوله لا يحرّك الشعر عن هيئته لأن المسح مرّة واحدة لا بدّ فيه من تحريك شعر أحد الجانبين (قال) ابن رسلان وهذه الكيفية مخصوصة بمن له شعر طويل إذ لو ردّ يده عليه ليصل الماء إلى أصوله ينتفش ويتضرّر صاحبه بانتفاشه وانتشار بعضه، ولا بأس بهذه الكيفية للمحرم فإنه يلزمه الفدية بانتشار شعره وسقوطه (وروى) عن أحمد أنه سئل كيف تمسح المرأة ومن له شعر طويل كشعرها فقال إن شاء مسح كما روى عن الرّبيع وذكر الحديث ثم قال هكذا ووضع يده على وسط رأسه ثم جرّها إلى مقدّمه ثم رفعها فوضعها حيث بدأ منه ثم جرّها إلى مؤخره اهـ.

(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب تعميم الرأس بالمسح مع مسح كل ناحية منها مسحا مستقلا مبتدئا بالأعلى. وهذا محمول على الجواز وإلا فقد سبق في الروايات الكثيرة الصحيحة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يبتدئُ بالناصية وينتهى إلى القفا، على أن هذا الحديث مروى من طريق عبد الله بن عقيل وفيه مقال.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقى.

(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا بَكْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، أَنَّ رُبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ، أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ قَالَتْ: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله بكر يعنى ابن مضر) بن محمد بن حكيم المصرى أبو محمد مولى ربيعة بن شرحبيل. روى عن جعفر بن ربيعة ويزيد بن الهاد وعمرو بن الحارث وغيرهم. وعنه عبد الله بن وهب وعبد الله بن صالح ويحيى بن بكير وابن القاسم وطائفة. وثقة ابن معين وأحمد بن حنبل وقال ليس به بأس. ولد سنة مائة. وتوفي يوم عرفة سنة ثلاث أو أربع وسبعين ومائة. روى له البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود والنسائى، والظاهر أن هذه العناية من أبى داود

(قوله عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن الربيع إلخ) كذا في أكثر النسخ وفي نسخة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبيه وهى غلط قال الحافظ في تهذيب التهذيب وفي بعض النسخ من سنن أبى داود حديث عبد الله بن عقيل عن أبيه عن الرّبيع بنت

ص: 59

معوَذ في الوضوء وهو وهم وفي باقى الروايات عن عبد الله عن الرّبيع ليس فيه عن أبيه وكذا في رواية الترمذى وهو الصواب اهـ.

(معنى الحديث)

(قوله ومسح ما أقبل إلخ) بيان لكيفية مسح الرأس أى مسح مقدّم الرأس ومؤخره والمراد أنه استوعب الرأس كله بالمسح

(قوله وصدغيه) عطف على ما في قوله ما أقبل، وهو تثنية صدغ بضم الصاد وسكون الدال المهملتين ما بين العين والأذن ويسمى أيضا الشعر المتدلى على هذا الموضع صدغا أفاده في المصباح (وقال) ابن الملك هو الشعر الذى بين الأذن وبين الناصية من كل جانب من جانبي الرأس وهو الأنسب بالمقام ومما يخرج عن حدّ الوجه الصدغان وهما جانبا الأذن يتصلان بالعذارين من فوق اهـ. وعلى ما في المصباح يكون مسح صدغيه تكميلا لمسح الرأس لا لأنهما منه بل هما من الوجه

(قوله مرة واحدة) لا ينافي ما تقدم عنها من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسح رأسه مرّتين لما ذكر من أنها اعتبرت الإقبال مرّة والإدبار أخرى نظرا لظاهر الفعل وإلا فهى مسحة واحدة لعدم تجديد الماء (ونقل) عن بعض السلف أنه قال لا خلاف بين تكرير المسح والمسحة الواحدة لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وضع يده على يافوخه أولا ثم مدّ يده إلى مؤخرّ رأسه ثم إلى مقدّم رأسه ولم يفصل يده من رأسه ولا أخذ الماء ثلاث مرّات فمن نظر إلى هذه الكيفية قال إنه مسح مرّة واحدة ومن نظر إلى تحريك يده قال إنه كرّر المسح اهـ.

(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية مسح الصدغين والأذنين مع الرأس، وعلى أن مسحهما يكون بماء الرأس. وعلى أن المسح في الجميع يكون مرّة واحدة

(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه الترمذى وقال حسن صحيح وأخرجه البيهقي

(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله عبد الله بن داود) بن عامر بن الرّبيع أبو محمد البصرى الهمداني الشعبى أصله كوفي نزل البصرة بالخريبة محلة بها. روى عن هشام بن عروة والأعمش والأوزاعي وابن جريج وغيرهم، وعنه الحسن بن صالح من شيوخه ومسدد ومحمد ابن بشار وسفيان بن عيينة وابن المثنى وآخرون، قال ابن معين ثقة مأمون وقال أبن سعد كان ثقة عابدا وقال أبو حاتم كان يميل إلى الرأى وكان صدوقا. ولد سنة إحدى وعشرين ومائة. وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى له الجماعة إلا مسلما.

(معنى الحديث)

(قوله من فضل ماء إلخ) أى بقية ماء كانت في يده. ورواية الدارقطني

ص: 60

توضأ ومسح رأسه ببلل يديه. وفى رواية له عنها قالت كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأتينا فيتوضأ فمسح رأسه بما فضل في يديه من الماء ومسح هكذا ووصف ابن داود قال بيديه من مؤخر رأسه إلى مقدّمه ثم ردّ يديه من مقدّم رأسه إلى مؤخرّه اهـ وهو يدل لمن قال بعدم وجوب تجديد الماء لمسح الرأس كالحنفية "قال" الحلبى في شرح المنية ولو توضأ ومسح ببلة بقيت على كفيه بعد الغسل يجوز مسحه لأن البلة الباقية بعد الغسل غير مستعملة إذ المستعمل فيه ما سال على العضو وانفصل عنه، ولو مسح رأسه ثم مسح خفيه ببلة بقيت بعد المسح لا يجوز مسحه على الخفّ لأن البلة الباقية بعد المسح مستعملة لأن المستعمل فيه ما أصاب الممسوح اهـ (وذهب) أكثر العلماء إلى وجوب تجديده لحديث عبد الله بن زيد الصحيح المتقدم وقياسا على بقية الأعضاء (وأجابوا) عن حديث الباب بأن ابن عقيل فيه مقال ومن ثمّ اختلف الحفاظ في الاحتجاح بحديثه وأن في حديثه هذا اضطرابا فقد أخرج ابن ماجه من طريق شريك عن عبد الله بن عقيل عن الرّبيع بنت معوّذ قالت أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بميضأة فقال اسكبى فسكبت فغسل وجهه وذراعيه وأخذ ماء جديدا فمسح به رأسه مقدّمه ومؤخره. وتقدم أيضا أن الروايات الكثيرة الصحيحة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأخذ لرأسه ماء جديدا فيصار إليها (وقال) النووى يحتمل أن الفاضل في يده من الغسلة الثالثة والأصح عندنا أن المستعمل في نفل الطهارة باق على طهوريته. وتأوله البيهقى على أنه أخذ ماء جديدا وصبّ نصفه ومسح رأسه ببلل يديه ليوافق ما في حديث عبد الله بن زيد ومسح برأسه بماء غير فضل يديه.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطنى.

(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ، فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي حُجْرَيْ أُذُنَيْهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله إبراهيم بن سعيد) أبو إسحاق الجوهرى البغدادى الطبرى الحافظ روى عن أبى أسامة وابن عيينة ووكيع والواقدى وأبى صالح الفرّاء وآخرين. وعنه أبو حاتم وموسى بن هارون وابن أبى الدنيا ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وكثيرون، وثقه النسائى والخطيب وقال كان مكثرا ثبتا صنف المسند ووثقه ابن حبان والدارقطنى. قيل توفى سنة تسع وأربعين ومائتين

(قوله الحسن بن صالح) بن صالح بن حىّ الهمداني الثورى الكوفى أبو عبد الله

ص: 61

الفقيه العابد. روى عن عمرو بن دينار وابن أبى عروبة وسلمة بن كهيل وسماك بن حرب وعاصم الأحول وجماعة. وعنه علي بن الجعد ووكيع وابن المبارك ويحيى بن آدم وأبو نعيم وغيرهم، قال أبو حاتم ثقة حافظ متقن وقال ابن معين ثقة مأمون وقال أبو زرعة اجتمع فيه إتقان وفقه وعبادة وزهد وقال ابن حبان كان فقيها ورعا من المتقشفة الخشن وممن تجرّد للعبادة ورفض الرياسة على تشيع فيه وقال ابن سعد كان فقيها حجة صحيح الحديث كثيره وكان متشيعا وقال أبو نعيم ما رأيت أفضل من الحسن بن صالح. توفي سنة تسع وستين ومائة. روى له الجماعة إلا البخارى.

(معنى الحديث)

(قوله فأدخل أصبعيه الخ) الفاء عاطفة على محذوف أى فمسح رأسه وأدخل طرفي أصبعيه السبابتين بعد مسح رأسه في صماخى أذنيه (قال) في المرقاة قال الرافعى تقديم اليمنى على اليسرى إنما هو في عضوين يعسر غسلهما دفعة واحدة كاليدين والرجلين أما الأذنان فلا يستحب البداءة فيهما باليمنى لأن مسحهما معا أهون اهـ

(قوله في جحرى أذنيه) تثنية جحر بضم الجيم وسكون الحاء المهملة هو الثقب.

(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية إدخال الأصبعين في اللأذنين بعد مسح الرأس في الوضوء.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي وابن ماجه.

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، وَمُسَدَّدٌ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ - وَهُوَ أَوَّلُ الْقَفَا، وَقَالَ مُسَدَّدٌ - ومَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ» ، قَالَ مُسَدَّدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ يَحْيَى فَأَنْكَرَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وسَمِعْت أَحْمَدَ، يَقُولُ:«ابْنَ عُيَيْنَةَ زَعَمُوا كَانَ يُنْكِرُهُ، وَيَقُولُ إِيشْ هَذَا طَلْحَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله عبد الوارث) بن سعيد

(قوله ليث) بن أبى سليم بن زنيم أبو بكر الكوفي القرشى مولاهم. روى عن مجاهد وعكرمة وأبي إسحاق السبيعى وعطاء بن أبي رباح وطاوس وأبى الزبير المكي وكثيرين. وعنه الثورى وشعبة وأبو الأحوص وزائدة

ص: 62

ابن قدامة وشريك وغيرهم، تركه أحمد وقال مضطرب الحديث وقال الدارقطنى صاحب سنة يخرّج حديثه إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء ومجاهد وطاوس حسب وقال ابن حبان قد اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتى عن الثقات ما ليس من حديثهم تركه يحيى بن القطان وابن مهدى وابن معين وقال الحاكم أبو عبد الله مجمع على سوء حفظه وقال البزّار كان أحد العباد إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب في حديثه وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا وإلا فلا نعلم أحدا ترك حديثه وقال الساجى صدوق فيه ضعف سيئُ الحفظ كثير الغلط وتركه ابن معين وقال منكر الحديث وكان صاحب سنة وحديثه ثابت في السنن لكنه قليل وقال النووى في تهذيب الأسماء اتفق العلماء على ضعفه. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. روى له الجماعة إلا النسائي

(قوله طلحة بن مصرّف) بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة ابن عمرو بن كعب أبو محمد الهمداني الكوفى أحد الثقات. روى عن عبد الله بن أبى أوفى وزيد ابن وهب وأبى صالح السمان وأنس بن مالك وسعيد بن جبير وغيرهم. وعنه ابنه محمد وأبو إسحاق السبيعى وشعبة ومالك بن مغول والأعمش وآخرون، وثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلى وابن سعد وقال عبد الله بن إدريس ما رأيت الأعمش أثنى على أحد أدركه إلا على طلحة بن مصرّف أدرك أنسا ولم يسمع منه وقال أبو معشر ما ترك بعده مثله. مات سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة

(قوله عن أبيه) هو مصرّف بن عمرو بن كعب وبه جزم إبن القطان ويقال إنه ابن كعب بن عمرو الكوفى. روى عن أبيه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مسح الرأس. وعنه ابنه طلحة. روى له أبو داود قال أبن القطان مصرّف مجهول

(قوله عن جدّه) أى جدّ طلحة وهو عمرو بن كعب أو كعب بن عمرو. روى له أبو داود وقد اختلف في صحبته وأكثر المحدّثين على أن له صحبة.

(معنى الحديث)

(قوله حتى بلغ القذال) أى أمرّ يديه على رأسه من مقدّمه إلى أن بلغ القذال فحتى غائية والقذال بفتح القاف والذال المعجمة كسحاب جماع مؤخر الرأس وجمعه قذل وأقذلة

(قوله وهو أول القفا) تفسير من أحد الرواة للقذال فهو مدرج والكلام على تقدير مضاف أى وهو ملاصق أول القفا فلا يقال إن ظاهره يفيد أن القذال وأول القفا واحد وهو مؤخر الرأس فيكون غير موافق لما يؤخذ من اللغة من أن القفا مؤخر العنق كما تقدّم. وفى رواية أحمد أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدّم العنق. وفى رواية الطحاوى في شرح معانى الآثار مسح مقدّم رأسه حتى بلغ القذال من مقدّم عنقه

(قوله وقال مسدّد الخ) أى قال في روايته ومسمح رأسه مبتدئا المسح من مقدّمه منتهيا إلى مؤخره واستمرّ المسح بإمرار يديديه حتى أخرجهما من تحت جانب أذنيه، والمراد الجانب الذى

ص: 63

يلى الرأس المعبر عنه بظاهر الأذن، والمعنى أنه مسح إلى مؤخر رأسه حتى مرّت يداه على ذلك الجانب (ورواية) مسدد هذه لا تدلّ على استحباب مسح الرقبة خلافا لما زعمه بعضهم لأن فيها مسح الرأس من مقدّمه إلى مؤخرّه لا غير، وأما المعتاد بين الناس من أنهم يمسحون الرقبة بعد فراغهم من مسح الرأس فقد اختلف العلماء فيه (فذهب) إلى استحبابه أبو حنيفة وأصحابه والبغوى وبعض أصحاب الشافعى والهادى والقالسم والمؤيد بالله والمنصور بالله مستدلين بما سيأتي (وذهب) الجمهور إلى عدم استحبابه قائلين إنه لم يثبت من طريق صحيح ولا حسن. أما حديث مسح الرقبة أمان من الغلّ يوم القيامة فقد قال ابن الصلاح هذا الخبر غير معروف عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل هو من قول بعض السلف (وقال) النووى في شرح المهذب هذا حديث موضوع ليس من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يصح عنه فيه شيء قال وليس هو بسنة بل بدعة ولم يذكره الشافعى ولا جمهور الأصحاب وإنما قاله ابن قاص وطائفة يسيرة ذكره الحافظ في التلخيص. وقال وتعقبه ابن الرفعة بأن البغوى من أئمة الحديث وقد قال باستحبابه ولا مأخذ لاستحبابه إلا خبر أو أثر لأن هذا لا مجال للقياس فيه اهـ قال ولعلّ مستند البغوى في استحباب مسح القفا ما رواه أحمد وأبو داود وذكر حديث الباب وفي آخره من رواية أحمد حتى بلغ القذال وما يليه من مقدّم العنق وضعف إسناده بالليث قال في النيل ونسب حديث الباب ابن سيد الناس في شرح الترمذى إلى البيهقى أيضا قال وفيه زيادة حسنة وهي مسح العنق فانظر كيف صرحّ هذا الحافظ بأن هذه الزيادة المتضمنة لمسح العنق حسنة "ثم قال" قال المقدسى وليث متكلم فيه وأجاب عن ذلك بأن مسلما قد أخرج له اهـ ومما تقدّم تعلم أن قول النووى مسح الرقبة ليس هو بسنة بل بدعة لا وجه له كيف وقد روى أبو عبيد في كتاب الطهور بسنده عن موسى بن طلحة قال من مسح قفاه مع رأسه وقى الغلّ يوم القيامة. قال الحافظ في التلخيص فيحتمل أن يقال هذا وإن كان موقوفا فله حكم الرفع لأن هذا لا يقال من قبل الرأي فهو على هذا مرسل اهـ وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان بسنده إلى محمد ابن عمرو الأنصارى عن أنس بن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ مسح عنقه ويقول قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من توضأ ومسح عنقه لم يغلّ بالأغلال يوم القيامة غير أن محمد بن عمرو الأنصاري ضعيف وروى ابن فارس بإسناده عن فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من توضأ ومسح بيديه على عنقه وقي الغلّ يوم القيامة وقال هذا أن شاء الله حديث صحيح، قال الحافظ في التلخيص بين ابن فارس وفليح مفازة فينظر فيها اهـ (وقال) في النيل ورواه في التجريد عن علي عليه السلام من طريق محمد بن الحنفية في حديث طويل وفيه أنه لما مسح رأسه مسح عنقه وقال له بعد فراغه من الطهور افعل كفعلي هذا. وبجميع هذا تعلم أن

ص: 64

قول النووى مسح الرقبة بدعة وأن حديثه موضوع مجازفة، وأعجب من هذا قوله لم يذكره الشافعى ولا جمهور الأصحاب وإنما قاله ابن قاص وطائفة يسيرة فإنه قال الرويانى من أصحاب الشافعى في كتابه المعروف بالبحر قال أصحابنا هو سنة اهـ (أقول) وإنما لم يأخذ الجمهور بالآثار التى وردت في مسح الرقبة لأنها لم تثبت من طريق ينتهض للاحتجاح به (قال) ابن القيم في الهدى لم يصح عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مسح العنق حديث ألبتة

(قوله قال مسدد فحدّثت به الخ) أى حدّثت بالحديث المذكور يحيى بن سعيد القطان بعد ما حدّثنى به عبد الوارث فأنكره وقال لا أصل له لجهالة مصرّف بن عمرو وأنكر أن يكون لجدّ طلحة صحبة ولذا قال عبد الحق هذا إسناد لا أعرفه (وقال) النووى طلحة بن مصرّف أحد الأئمة الأعلام تابعىّ احتج به الستة وأبوه وجدّه لا يعرفان لكن أثبت الصحبة لجدّ طلحة عبد الرحمن بن مهدى وابن أبى حاتم وأبو داود

(قوله سمعت أحمد يقول ابن عيينة زعموا الخ) أى قال الناس الذين سمعوا من ابن عيينة أنه كان ينكر الحديث، فزعم بمعنى قال وتستعمل كثيرا فيما هو مشكوك فيه أو فيما لا أصل له وقوله أنه كان ينكره مفعول لزعم وجملة زعم خبر المبتدأ وهذه الجملة فيها تقديم وتأخير والأصل يقول أحمد زعم الناس أن ابن عيينة كان ينكر هذا الحديث، وفى بعض النسخ سمعت أحمد يقول ابن عيينة كان ينكره فقوله ابن عيينة مبتدأ خبره كان ينكره والجملة في محل نصب مفعول زعم التي هى معترضة بينهما

(قوله أيش هذا) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وكسر الشين المعجمة أصلها أى شئ هذا فخففت الياء وحذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال وجعلا كلمة واحدة وهو استفهام إنكارى أى لا شيء هذا الحديث لأنه يرويه طلحة عن أبيه عن جدّه وهما لا يعرفان كما تقدم عن النووى، وفى صحبة جدّه خلاف ويؤيد صحبته قوله في الحديث رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وما يأتي في بيان الفرق بين المضمضة والاستنشاق من قوله دخلت على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يتوضأ.

(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب تعميم مسح الرأس، وعلى أن ما تحت ظاهر الأذن يمسح مع الرأس.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والطحاوى بألفاظ مختلفة وأخرجه ابن ماجه والبيهقي من طريق حفص بن غياث عن ليث عن طلحة عن أبيه عن جدّه أنه أبصر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين توضأ مسح رأسه وأذنيه وأمرّ يديه على قفاه. ورواه عبد الوارث عن ليث بن أبى سليم فقال مسح رأسه حتى بلغ القذال وهو أول القفا ولم يذكر الإمرار

(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ

ص: 65

عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» ، قَالَ:«وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله يزيد بن هارون) بن وادى ويقال ابن زاذان بن ثابت السلمى مولاهم أبو خالد الواسطى أحد الأعلام الحفاظ المشهورين. روى عن سليمان التيمى وعاصم الأحول ويحيى بن سعيد الأنصارى والحمادين والثورى وكثيرين. وعنه أبو قدامة وأحمد بن حنبل وقتيبة وابن معين وابن المدينى وإسحاق بن راهويه وآخرون، قال أحمد كان حافظا متقنا وقال أبو حاتم ثقة إمام صدوق لا يسأل عن مثله وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وقال ابن المدينى من الثقات ما رأيت أحفظ منه وقال مؤمل بن إهاب سمعت يزيد يقول ما دلست قط إلا حديثا واحدا عن عون فما بورك فيه وقال ابن معين ليس من أصحاب الحديث لأنه لا يميز ولا يبالى عمن روى. ولد سنة سبع عشرة ومائة، ومات سنة ست ومائتين. روى له الجماعة

(قوله عباد) بفتح العين المهملة والموحدة المشددة (ابن منصور) أبو سلمة البصرى قاضيها. روى عن أبى رجاء العطاردى والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق وأيوب السختيانى وهشام بن عروة وغيرهم وعنه ابن وهب ووكيع والثورى وشعبة ويحيى القطان وأبو داود الطيالسى، قال العجلى لا بأس به يكتب حديثه وقال ابن معين ليس بشئ يرى بالقدر وقال أحمد كانت أحاديثه منكرة وكان يدلس وكان قدريا وقال البزّار روى عن عكرمة أحاديث ولم يسمع منه وقال ابن سعد ضعيف عندهم وله أحاديث منكرة وقد ضعفه غير واحد وقال ابن القطان ثقة لا ينبغى أن يترك حديثه لرأى أخطأ فيه يعنى القدر، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائة. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه

(قوله عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومى القرشي المكي. روى عن ابن عمر وأبى هريرة وغيرهم. وعنه عمرو بن دينار وابن طاوس وقتادة وأيوب وحماد بن سلمة وابن جريج وطائفة. وثقه ابن معين والنسائى والبخارى وأبو حاتم وابن سعد وذكره ابن حبان في الثقات وقال أحمد لم يسمع من ابن عباس. روى له مسلم والأربعة

(قوله سعيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية ابن هشام الكوفي الأسدى مولاهم الفقيه أحد الأئمة الأعلام. روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن مغفل وأنس بن مالك وغيرهم. وعنه أبو إسحاق السبيعى ومالك بن دينار والزهرى والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني وآخرون، قال جعفر بن أبى المغيرة كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفنونه يقول أليس فيكم ابن أمّ الدهماء يعنى سعيد بن جبير وقال عمرو بن ميمون لقد مات ابن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه وقال ابن معين لم يصح

ص: 66

أنه سمع من أبى هريرة وقال البزار لم يسمع من أبى موسى الأشعرى وقال الطبرى ثقة إمام حجة، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين في شعبان وهو ابن تسع وأربعين سنة، قال عتبة مولى الحجاج حضرت سعيد بن جبير حين أتى به الحجاج بواسط فجعل الحجاج يقول له ألم أفعل بك ألم أفعل بك فيقول بلى قال فما حملك على ما صنعت من خروجك علينا قال بيعة كانت علىّ قال فغضب الحجاج وصفق بيديه وقال فبيعة أمير المؤمنين كانت أسبق وأولى وأمر به فضربت عنقه، قال خلف بن خليفة عن أبيه فلما بان رأسه قال لا إله إلا الله لا إله إلا الله ثم قالها الثالثة فلم يتمها روى له الجماعة.

(معنى الحديث)

(قوله رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) هذه جملة في محل رفع خبر لأن المحذوفة مع اسمها أى أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم

(قوله فذكر الحديث الخ) أى ذكر ابن عباس حديث وضوئه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنه غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا ومسح رأسه مرّة واحدة.

(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه أحمد (قال) في النيل وأعله الدارقطني وتعقبه أبو الحسن ابن القطان فقال ما أعله به ليس علة وإنه إما صحيح أو حسن.

(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادٌ، ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَقُتَيْبَةُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَذَكَرَ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَمْسَحُ الْمَاقَيْنِ» ، قَالَ: وَقَالَ: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» ، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: يَقُولُهَا: أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَوْ مِنْ أَبِي أُمَامَةَ - يَعْنِي قِصَّةَ الْأُذُنَيْنِ - قَالَ قُتَيْبَةُ: عَنْ سِنَانٍ بن أَبِي رَبِيعَةَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ كُنْيَتُهُ أَبُو رَبِيعَةَ.

(ش)(رجال الحديث)

(قوله سليمان بن حرب) بن بجيل الأزدى أبو أيوب البصرى نزل مكة وكان قاضيها أحد الأعلام الحفاظ. روى عن شعبة ووهيب بن خالد وجرير بن حازم والحمادين وسليمان بن مغيرة وغيرهم. وعنه يحيى القطان وهو أكبر منه وأحمد بن حنبل

ص: 67

وإسحاق بن راهويه ويعقوب بن شيبة وأبو حاتم وأبو زرعة وآخرون، قال النسائى ثقة مأمون وقال أبو حاتم إمام من الأئمة وكان لا يدلس وقط وظهر من حديثه نحو من عشرة آلاف حديث وما رأيت في يده كتابا قط وقال يعقوب بن شيبة كان ثقة ثبتا صاحب حفظ. توفي في ربيع الثاني سنة أربع وعشرين ومائتين وكان مولده سنة أربعين ومائة. روى له الجماعة

(قوله سنان) بكسر السين وتخفيف النون ابن ربيعة الباهلى البصرى أبو ربيعة. روى عن أنس بن مالك وثابت البناني وشهر بن حوشب. وعنه الحمادان وعبد الله بن بكر وعبد الوارث ابن سعيد، قال ابن معين ليس بالقوى وقال أبو حاتم شيخ مضطرب الحديث وقال ابن عدىّ أرجو أنه لا بأس به. روى له البخارى وأصحاب السنن إلا النسائى

(قوله شهر بن حوشب) الأشعرى مولى أسماء بنت يزيد أبو سعيد الشامى. روى عن مولاته وابن عباس وابن عمر وأبى سعيد الخدرى وعائشة وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين. وعنه قتادة وثابت البناني والحكم بن عتيبة وعاصم بن بهدلة وخالد الحذاء وكثيرون، وثقه العجلى وابن معين وأحمد ويعقوب بن سفيان وقال النسائى ليس بالقوىّ وقال أبو زرعة لا بأس به وقال البخارى حسن الحديث وقال الساجى ليس بالحافظ وقال ابن حبان كان ممن يروى عن الثقات المعضلات وعن الأثبات المقلوبات وقال ابن حزم ساقط وقال ابن عدىّ لا يحتج بحديثه ولا يتدين به. توفي سنة إحدى أو اثنتين ومائة. أخرج له الجماعة إلا البخارى

(قوله عن أبي أمامة) اسمه صدىّ بالتصغير ابن عجلان بن واثلة بن رباح بن الحارث بن معين بن مالك الباهلى سكن حمص صحابيّ مشهور له خمسون ومائتا حديث. روى البخارى منها خمسة أحاديث ومسلم ثلاثة. روى عن عمر وعثمان وعلىّ وأبي عبيدة ومعاذ وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وطائفة. وعنه رجاء بن حيوة ومحمد بن زياد الألهاني والقاسم بن عبد الرحمن وشرحبيل بن مسلم ومكحول وأبو غالب وغيرهم، قال ابن سعد سكن الشام وأخرج الطبرانى ما يدلّ على أنه شهد أحدا لكن بسند ضعيف وقال الحسن بن رافع في فضائل الصحابة بسنده إلى يوسف بن حزن الباهلى سمعت أبا أمامة الباهلى يقول لما نزلت "لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" قلت يا سول الله أنا ممن بايعك تحت الشجرة قال أنت مني وأنا منك. وروى أبو يعلى من طريق أبى غالب عن أبى أمامة قال بعثني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى قوم فانتهيت إليهم وهم يأكلون الدم فقالوا هلمّ قلت إنما جئت أنهاكم عن هذا فنمت وأنا مغلوب فأتانى آت بإناء فيه شراب فأخذته وشربته فكظنى بطني فشبعت ورويت ثم قال لهم رجل منهم أتاكم من سراة قومكم فلم تتحفوه فأتوني بلبن فقلت لا حاجة لى به وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم. مات سنة ست وثمانين قاله الحافظ في الإصابة، وقوله فكظني أى

ص: 68

جهدنى وغلبنى بطني

(معنى الحديث)

(قوله ذكر إلخ) أى أن أبا أمامة ذكر كيفية وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله كما في رواية البيهقي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ومسح برأسه وقال الأذنان من الرأس وكان يمسح الماقين

(قوله يمسح الماقين) أى يدلكهما، وفى رواية أحمد كان يتعاهد الماقين تثنية ماق بألف بعد الميم ويقال فيه مأق بهمزة ساكنة ومؤق بالهمز وموق بدونه، وموق العين طرفها الذى يلى الأنف وما يلى الأذن يسمى لحاظا ويقال لكل من الطرفين ماق ويطلق الماق أيضا على مجرى الدمع (قال) في القاموس موق العين مجرى الدمع منها أو مقدّمها أو مؤخرّها اهـ قال الطيبى إنما مسحهما على الإستحباب مبالغة في الإسباغ لأن العين قلما تخلو من قذى ترميه من كحل وغيره أو رمص فيسيل فينعقد على طرف العين ومسح كلا الطرفين أحوط لأن العلة مشتركة اهـ

(قوله قال وقال الأذنان من الرأس) أى قال شهر بن حوشب وقال أبو أمامة كما صرّح به في رواية الدارقطني، ويحتمل أن يكون فاعل قال الأولى أبا أمامة وفاعل قال الثانية النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو صريح رواية البيهقى المذكورة آنفا ورواية ابن ماجه ولفظه عن أبى أمامة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الأذنان من الرأس وكان يمسح رأسه مرّة وكان يمسح الماقين اهـ فعلى الأول يكون قوله الأذنان من الرأس موقوفا، وعلى الثانى مرفوعا والمراد أنهما من الرأس حكما من حيث إنهما يمسحان معه بمائه ولا يؤخذ لهما ماء جديد (وهو) مذهب الحنفية والثورى والهادى وابن المسيب وعطاء والحسن وابن سيرين وغيرهم مستدلين بحديث الباب وبما أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن زيد قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأذنان من الرأس (قال) العينى هذا أمثل إسناد في الباب لاتصاله وثقة رواته، وبما تقدّم للمصنف عن ابن عباس وفيه أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة، وبما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس قال الأذنان من الرأس قال ابن القطان إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته، وبما أخرجه الطحاوى بسنده إلى أبى أمامة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فمسح أذنيه مع الرأس وقال الأذنان من الرأس (وقال) مالك وأحمد وأبو ثور والمؤيد بالله إن الأذنين من الرأس لكن يطلب تجديد الماء لهما محتجين بحديث عبد الله بن زيد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فمسح أذنيه بماء غير الماء الذى مسح به الرأس أخرجه الحاكم من طريق حرملة عن ابن وهب (قال) الحافظ في التلخيص إسناده ظاهره الصحة وأخرجه البيهقى من طريق عثمان الدارمى عن الهيثم بن خارجة عن ابن وهب بلفظ فأخذ لأذنيه ماء خلاف

ص: 69

الماء الذى أخذه لرأسه وقال هذا إسناد صحيح اهـ لكن ذكر الشيخ تقىّ الدين ابن دقيق العيد في الإمام أنه رآه في رواية ابن المقرى عن ابن قتيبة عن حرملة بهذا الإسناد ولفظه ومسح رأسه بماء غير فضل يديه لم يذكر الأذنين قلت وكذا هو في صحيح ابن حبان عن ابن سلم عن حرملة وكذا رواه الترمذى عن علىّ بن خشرم عن ابن وهب (وقال) عبد الحق ورد الأمر بتجديد الماء للأذنين من حديث نمران بن جارية عن أبيه عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وتعقبه) ابن القطان بأن الذى في رواية جارية بلفظ أخذ للرأس ماء جديدا رواه البزّار والطبراني، وفي الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه اهـ كلام الحافظ (وقال) في بلوغ المرام بعد ذكر حديث عبد الله بن زيد وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ ومسح برأسه بماء غير فضل يديه وهو المحفوظ اهـ (وأجاب) القائلون بأنهما يمسحان بماء الرأس بما تقدم من إعلال هذا الحديث قالوا فيوقف على ما ثبت في مسحهما مع الرأس كما في حديث ابن عباس والرّبيع وغيرهما (قال) ابن القيم لم يثبت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه أخذ لهما ماء جديدا وإنما صح ذلك عن ابن عمر اهـ من النيل (وقال) الشعبي والحسن بن صالح وإسحاق ما أقبل من الأذنين فمن الوجه يغسل معه وما أدبر فمن الرأس يمسح معه مستدلين بما تقدّم للمصنف من حديث علىّ الذى علم فيه ابن عباس وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفيه ثم أدخل يديه في الإناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه "إلى أن قال" ثم مسح رأسه وظهور أذنيه (وأجاب) عنه الجمهور بأن في الحديث مقالا كما تقدم وعلى فرض صحته فليس فيه دليل على الفرق بين مقدّم الأذن ومؤخرها فإن غاية ما فيه أنه أدخل إبهاميه في أذنيه وهو إنما يفيد مسح المقدّم لا غسله (وقال) الشافعى إن الأذنين عضوان مستقلان يمسحان على انفرادهما (وحكي) عن ابن عمر والحسن وعطاء وأبى ثور واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد المتقدم قالوا إنه صريح في أنهما ليستا من الرأس إذ لو كانتا منه لما أخذ لهما ماء جديدا كسائر أجزاء الرأس وقد علمت ما فيه (وقال) الزهرى وداود إنهما من الوجه فيغسلان معه واحتجا بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول في سجوده سجد وجهى للذى خلقه وشقّ سمعه وبصره فأضاف السمع إلى الوجه كما أضاف إليه البصر (وردّ) بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يمسحهما ولم ينقل عنه غسلهما مع كثرة رواة صفة وضوئه، وبأن الإجماع منعقد على أن المتيمم لا يلزمه مسحهما ولو كانتا من الوجه للزم غسلهما في الوضوء ومسحهما في التيمم، أما إضافة السمع إلى الوجه فلأدنى ملابسة لا لأنه جزء منه (وبهذا) تعلم أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن الأذنين من الرأس ويمسحان بمائه (وقال) الترمذى العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه

ص: 70

وعلى آله وسلم ومن بعدهم على أن الأذنين من الرأس وبه يقول سفيان الثورى وابن المبارك وأحمد وإسحاق

(قوله يقولها أبو أمامة) أى قالها ففيه التعبير بالمضارع بدلا عن الماضى استحضارا للحال الماضية والضمير عائد على قوله الأذنان من الرأس فليست هذه الجملة من قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، قال الدارقطنى بعد رواية هذا الحديث قال سليمان بن حرب الأذنان من الرأس إنما هو قول أبى أمامة فمن قال غير هذا فقد بدّل

(قوله لا أدرى هو من قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى فيكون مرفوعا أو من قول أبى أمامة فيكون موقوفا تردّد حماد وإنما نشأ تردّده من احتمال أن يكون وقال عطفا على كان فيكون من كلامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أى كان يغسل الوجه ويمسح الماقين ولم يوصل الماء إلى الأذنين وقال هما من الرأس فيمسحان بمسحه، واحتمال أن يكون عطفا على قال الأولى التى هي قبل كان فيكون من قول أبى أمامة أى قال الراوى ذكر أبو أمامة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يغسل الوجه ويمسح الماقين وقال الأذنان من الرأس، وقد تقدّم وسيأتى ما هو صريح في أنه مرفوع وأنه الراجح

(قوله يعنى قصة الأذنين) هذا التفسير من قتيبة

(قوله قال قتيبة عن سنان الخ) أى قال في روايته عن سنان أبى ربيعة وأما سليمان بن حرب ومسدّد فقالا في روايتهما سنان بن ربيعة، وقد بين المصنف بقوله وهو ابن ربيعة الخ أن الخلاف لفظي لأن سنانا كنيته أبو ربيعة واسم والده ربيعة، وفي بعض النسخ إسقاط قوله قال أبو داود الخ.

(فقه الحديث) والحديث يدلّ زيادة على ما تقدم على أنه يطلب تعاهد الماقين أثناء الوضوء وعلى أن الأذنين يمسحان بماء الرأس وبه أخذ الجمهور كما تقدم بيانه.

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وكذا ابن ماجه والطحاوى في شرح معانى الآثار بلفظ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فمسح أذنيه مع الرأس وقال الأذنان من الرأس، وأخرجه الترمذى وقال هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم، وأخرجه الدارقطنى أيضا وقال رفعه وهم والصواب أنه موقوف وقال أيضا عن دعلج بن أحمد أنه قال سألت موسى بن هارون عن هذا الحديث قال ليس بشئ فيه شهر بن حوشب وشهر ضعيف والحديث في رفعه شك. وأخرج حديث أبى أمامة هذا من أربع طرق مرفوعا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن محمد بن زياد الزيادى والهيثم بن جميل ومعلى بن منصور ومحمد بن أبى بكر كلهم عن حماد بن زيد عن سنان عن شهر عن أبى أمامة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال أسند هؤلاء عن حماد وخالفهم سليمان بن حرب وهو ثقة حافظ وقال في موضع آخر وقد وقفه سليمان بن حرب عن حماد بن زيد وهو ثقة ثبت وكلامه في غير موضع

ص: 71