الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز مسّ الميتة، وعلى جواز ترك غسل اليد بعد مسها وعلى جواز الحلف لتحقيق الأمر وتأكيده بلا كراهة، وعلى بيان حقارة الدنيا وأنها لا يرغب فيها عاقل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبخارى في الأدب المفرد والبيهقي وكذا مسلم في كتاب الزهد
(باب في ترك الوضوء مما مست النار)
أى في بيان عدم نقض الوضوء بأكل ما أنضج بالنار. وفي بعض النسخ باب في ترك الوضوء مما مسته النار
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»
(ش)(قوله أكل كتف شاة) أى أكل لحم كتف شاة، والكتف بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية وفتحها وبكسر الكاف وسكون المثناة وتجمع على كتفة مثل قردة وأكتاف كأصحاب وهي عظم عريض خلف المنكب مؤنثة وتكون للناس وغيرهم من الدوابّ. وفى رواية للبخارى تعرّق أى أكل ما على العرق بفتح العين المهملة وسكون الراء العظم، وفي رواية مسلم أنه أكل عرقا أو لحما (قال) في الفتح وكان أكله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكتف الشاة في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عمّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ وقيل كان في بيت ميمونة خالة ابن عباس كما في رواية البخارى
(قوله ثم صلى ولم يتوضأ) وفي رواية ابن ماجه صلى ولم يمس ماء، والمراد هنا نفى الوضوء الشرعي (وبهذا الحديث) وأشباهه قد تمسك من قال بعدم الوضوء الشرعي مما مسته النار منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلى وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة وعائشة وأبو أمامة وكثيرون من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم (وذهبت) طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي بأكل ما مسته النار وهو مروى عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصرى والزهرى وأبى قلابة محتجين بأحاديث الباب الآتي ومنها حديث توضؤوا مما مست النار (وقال) الجمهور إنها منسوخة بأحاديث الباب
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم ومالك في الموطأ والطحاوى
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ الْمَعْنَى، قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ،
عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضِفْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ، قَالَ: فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، قَالَ: فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ، وَقَالَ:«مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ» وَقَامَ يُصَلِّي، زَادَ الْأَنْبَارِيُّ:«وَكَانَ شَارِبِي وَفَى فَقَصَّهُ لِي عَلَى سِوَاكٍ» أَوْ قَالَ: «أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ؟ »
(ش)(رجال الحديث)
(قوله مسعر) بن كدام
(قوله المعنى) أى أن حديثهما اتفق في المعنى وإن اختلف في اللفظ
(قوله جامع بن شداد) المحاربى الكوفي أحد الفضلاء. روى عن طارق بن عبد الله وصفوان بن محرز وأبى بردة بن أبى موسى وعبد الرحمن النخعى وغيرهم وعنه الأعمش ومسعر والثورى وشعبة وكثيرون، قال ابن معين والنسائى وأبو حاتم والعجلى ثقة وقال يعقوب بن سفيان ثقة متقن. قيل توفى سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة
(قوله المغيرة بن عبد الله) بن أبى عقيل الكوفى اليشكرى. روى عن أبيه والمغيرة بن شعبة وبلال بن الحارث والمعرور بن سويد. وعنه جامع بن شداد وعلقمة بن مرثد وأبو إسحاق السبيعى. وثقه ابن حبان والعجلى. روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله ضفت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) بكسر الضاد المعجمة من باب باع أى نزلت عنده ضيفا يقال ضفت الرجل وتضيفته إذا نزلت به وأضفته إذا أنزلته وتضيفنى إذا أنزلني والاسم الضيافة. والضيف يطلق على الواحد وغيره لأنه في الأصل مصدر ويجوز فيه المطابقة فيقال ضيف وضيفة وأضياف وضيفان
(قوله ذات ليلة) أى ذات ليلة فالإضافة بيانية ويحتمل أن لفظ ذات مقحم أى ضفته صلى الله تعالى عليه وعلى آلة وسلم في ليلة
(قوله فأمر بجنب) بفتح الجيم وسكون النون أى شق من لحم أو قطعة منه (قال) في المصباح الجنب والجانب والجنبة محرّكة شق الإنسان وغيره اهـ وفي النهاية الجنب القطعة من الشئ تكون معظمه أو شيئا كثيرا منه اهـ ويجمع على جنوب كفلس وفلوس
(قوله وأخذ الشفرة) بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء السكين العظيمة وتجمع على شفار مثل ظبية وظباء وشفرات مثل سجدة وسجدات
(قوله فجعل يحزّ لى بها) أى شرع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقطع لى بالسكين، يقال حزّه من باب ردّ واحتزّه أى قطعه والحزّة القطعة من اللحم تقطع طولا والجمع حزز مثل غرفة وغرف
(قوله فآذنه بالصلاة) بالمدّ أى أعلم بلال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدخول وقت الصلاة
(قوله
تربت يداه) أى التصقت بالتراب وهى كلمة تستعمل في الأصل في الدعاء بالفقر وقد لا يراد بها أصلها كما هنا (قال) الجوهرى ترب الشئ بكسر الراء أصابه التراب ومنه ترب الرجل افتقر كأنه لصق بالتراب يقال تربت يداك وهو على الدعاء أى لا أصبت خيرا اهـ (وقال) الخطابى تربت يداه كلمة تقولها العرب عند اللوم ومعناها الدعاء عليه بالفقر والعدم وقد يطلقونها في كلامهم وهم لا يريدون وقوع الأمر كما قالوا عقرى حلقي وثكلته أمه فإن هذا الباب لما كثر في كلامهم ودام استعمالهم له في خطابهم صار عندهم بمعنى اللغو كقولهم بلى والله ولا والله وذلك من لغو اليمين الذى لا اعتبار به ولا كفارة فيه ويقال ترب الرجل إذا افتقر وأترب بالألف إذا استغنى ومثل هذا قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعليك بذات الدين تربت يداك اهـ وإنما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك لأنه كان الأنسب لبلال أن لا يعجل بإعلامه بالصلاة وهو على الطعام مع الضيف بل كان ينبغى له الانتظار حتى يفرغ لكن لما أعلمه بها أسرع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالقيام تأدبا وامتثالا لأمر مولاه ومسارعة إلى طاعته، ولا يقال إن هذا مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء رواه البخارى، لأن هذا محمول على غير الإمام الراتب (قال) في الفتح واستدلّ البخارى بهذا الحديث "أى حديث الباب" على أن الأمر بتقديم العشاء على الصلاة خاص بغير الإمام الراتب اهـ (وأجيب) أيضا بأنه محمول على الصائم بخلاف حديث الباب (قال) الخطابى ليس هذا الصنيع من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمخالف لقوله إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء وإنما هو للصائم الذى قد أصابه الجوع وتاقت نفسه للطعام فأمر بأن يصيب من الطعام قدر ما يسكن شهوته لتطمئن نفسه في الصلاة ولا تنازعه شهوة الطعام وهذا فيمن حضره الطعام وهو متماسك في نفسه ولا يزعجه الجوع ولا يعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها اهـ ووافقه على ذلك جماعة
(قوله زاد الأنبارى وكان شاربى وفى) أى طال وهو من قول المغيرة بن شعبة، والشارب الشعر النابت على الشفة العليا ويقال شاربان باعتبار الطرفين وجمعه شوارب. واختلف في جانبيه وهما السبالان قيل هما من الشارب فيشرع قصهما وقيل من جملة اللحية، ووفى على وزن رمى وفى بعض النسخ وفاء بالمد. وفي بعضها وفيا أى طويلا يقال وفى الشئ بنفسه يفى بالكسر وفيا أى تمّ وكثر
(قوله فقصه لى على سواك) أى قطع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما ارتفع من شعر الشارب فوق السواك، وفى رواية البيهقى فوضع السواك تحت الشارب فقص عليه، وفي رواية البزّار عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبصر رجلا وشاربه طويل فقال ائتونى بمقصّ وسواك فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه
(قوله
أو قال أقصه الخ) شك من ابن الأنبارى في الزيادة التي قالها المغيرة والفرق بين لعبارتين أن الأولى تفيد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قصّ شاربه بالفعل على السواك والثانية تفيد أنه لم يقصه بل وعد بالقصّ ولم يبين أنه وقع أو لم يقع
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية الضيافة، وعلى أن الضيف يكرم بما يليق به على قدر طاقة المضيف، وعلى مشروعية خدمة الضيف، وعلى المبادرة إلى إحضار الطعام الذى يقدّم إليه، وعلى جواز قطع اللحم بالسكين وفي النهى عنه حديث ضعيف فإن ثبت خص بعدم الحاجة إلى القطع بالسكين لما فيه من التشبه بالأعاجم وأهل الترف بأن كان اللحم سهلا لتمام نضجه، وعلى مشروعية إعلام الإمام بحضور الصلاة، وعلى جواز الدعاء على من يستحقه، وعلى أن أكل اللحم لا ينقض الوضوء لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام للصلاة ولم يتوضأ، وعلى مزيد تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيث قص شارب أحد رعيته. وعلى مشروعية قصّ الشارب إذا طال: وعلى مشروعية وضع شئ تحت الشارب عند القص
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه والطحاوى في شرح معانى الآثار وذكره البيهقي مختصرا
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، ثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:«أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَتِفًا، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى»
(ش)(قوله ثم مسح بده يمسح) بكسر الميم وسكون السين المهملة كساء من الشعر جمعه مسوح وأمساح كحمل وحمول وأحمال، ومسح النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يده عقب الطعام مع دسومته ولم يغسلها مع أمره بغسل اليد قبل الطعام وبعده لبيان عدم وجوب الغسل
(قوله فصلى) أى ولم يتوضأ كما في الرواية السابقة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على عدم انتقاض الوضوء من أكل ما مسته النار، وعلى جواز الصلاة بعد الأكل بغير مضمضة ولا غسل، وعلى جواز مسح اليد بعد الطعام وأن غسلها ليس بواجب
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، ثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ انْتَهَسَ مِنْ كَتِفٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»
(ش)(رجال الحديث)
(قوله حفص بن عمر النمرى) بفتحتين ابن الحارث الحوضى، و (همام) ابن يحيى، و (قتادة) بن دعامة
(قوله يحيى بن يعمر) بضم الميم وفتحها القيسي الجدلى بفتح الجيم البصرى أبو سليمان المروزى قاضيها. روى عن ابن عباس وابن عمر وأبى هريرة وأبي سعيد الخدرى وعائشة وغيرهم من الصحابة. وعنه عبد الله بن بريدة وإسحاق بن سويد وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة وكثيرون. وثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائى وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من فصحاء أهل زمانه وأكثرهم علما باللغة مع الورع الشديد. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله انتهس) بالسين المهملة وفي نسخة انتهش بالشين المعجمة والنهس بالمهملة أخذ اللحم بأطراف الأسنان والنهش بالمعجمة أخذه بجميعها كذا في النهاية وقيل بالعكس
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه لا وضوء من أكل ما مسته النار، وعلى مشروعية تناول اللحم بالأسنان
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِيُّ، ثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ:«قَرَّبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا وَلَحْمًا فَأَكَلَ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»
(ش)(رجال الحديث)
(قوله إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم أبو إسحاق المصيصى روى عن الحارث بن عطية وحجاج بن محمد ومخلد بن يزيد. وعنه أبو داود والنسائى وموسى ابن هارون. قال أبو حاتم صدوق وكتب عنه ووثقه النسائى وابن حبان. مات سنة تسع وعشرين ومائتين و (الخثعمى) بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة نسبة إلى خثعم بن أنمار
(قوله محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهذير بالتصغير ابن عبد العزّى التيمى
أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام. روى عن عائشة وأبي هريرة وجابر وابن عمر وابن الزبير وأنس وطائفة. وعنه مالك بن أنس وابن جريج والزهرى وشعبة والسفيانان وآخرون، قال إبراهيم بن المنذر غاية في الحفظ والإتقان والزهد حجة وقال الحميدي حافظ، ووثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلى. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله ثم دعا بوضوء فتوضأ) يحتمل أن يكون وضوؤه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد أن أكل من الخبز واللحم لأجل الطعام الذى مسته النار ثم يكون ترك الوضوء منه في الصلاة الثانية ناسخا له، ويحتمل أن يكون وضوؤه أولا لأنه لم يكن على طهارة ثم بين بتركه الوضوء بعد هذا أن ما فعله أولا لم يكن لما مسته النار
(قوله ثم دعا بفضل طعامه) يحتمل أن هذا كان منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تشريعا لأمته وبيانا لجواز الأكل مرّتين في اليوم، ويحتمل أن الصلاة أدركتهم أثناء الطعام قبل أن يأخذ كفايته منه فدعا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالطعام بعد الصلاة ليستوفي الأكل، والأول أقرب لما رواه الترمذى عن محمد بن المنكدر عن جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل وأتته بقناع من رطب فأكل منه ثم توضأ للظهر وصلى ثم انصرف فأتته بعلالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ "والقناع الطبق والعلالة البقية" ولما أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار عن يد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال أتينا ومعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بطعام فأكلنا ثم قمنا إلى الصلاة ولم يتوضأ أحد منا ثم تعشينا ببقية الشاة ثم قمنا إلى صلاة العصر ولم يمسّ أحد منا ماء فظاهر هذين الحديثين أن الأكل كان مرّتين مستقلتين وليست الثانية تتميما للأولى
(قوله ولم يتوضأ) أى وضوءه للصلاة أخذا من السياق
(فقه الحديث) الحديث يدلّ على مشروعية ترك الوضوء من أكل ما مسته النار، وعلى جواز الأكل مرّتين في اليوم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك في الموطأ والطحاوي في شرح معاني الآثار والترمذى
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ أَبُو عِمْرَانَ الرَّمْلِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:«كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا اخْتِصَارٌ
مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ
(ش)(رجال الحديث)
(قوله موسى بن سهل) بن قادم نسائى الأصل. روى عن على بن عياش وآدم بن أبى إياس وحجاح بن إبراهيم الأزرق وسعيد بن أبى مريم وآخرين وعنه أبو داود والنسائى وأبو حاتم وابن خزيمة وجماعة، قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة إحدى أو اثنتين وستين ومائتين
(قوله على بن عياش) بالمثناة التحتية المشددة وبالشين المعجمة ابن مسلم الحمصى الألهانى أبو الحسن أحد الأثبات. روى عن شعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وثابت بن ثوبان ومعاوية بن يحيى وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخارى وأبو زرعة وآخرون، وثقه العجلى والنسائى وقال الدارقطنى ثقة حجة وقال ابن حبان كان متقنا. ولد سنة ثلاث وأربعين ومائة ومات سنة تسع عشرة ومائتين روى له الجماعة
(قوله شعيب بن أبى حمزة) دينار الأموى مولاهم أبو بشر الحمصى أحد الأثبات المشاهير. روى عن هشام بن عروة ونافع والزهرى ومحمد بن المنكدر ومحمد بن الوليد وغيرهم وعنه أبو إسحاق الفزارى والوليد بن مسلم وأبو اليمان وبقية بن الوليد وشريح بن يزيد وعلى بن عياش، قال الخليلى ثقة متفق عليه حافظ أثنى عليه الأئمة ووثقه النسائى وأبو حاتم والعجلى ويعقوب ابن شيبة وقال ابن معين هو من أثبت الناس في الزهرى، مات سنة ثنتين أو ثلاث وستين ومائة روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان آخر الأمرين ألخ) آخر مرفوع على أنه اسم كان وترك خبره ويجوز العكس وهذا إذا لم تعلم الرواية وإلا اتبعت، والأمران هما الوضوء مما مسته النار وترك الوضوء منه (وبهذا الحديث) احتج الجمهور على نسخ الوضوء مما مست النار
(قوله وهذا اختصار من الحديث الأول) أى أن حديث جابر المروى من طريق شعيب بن أبى حمزة مختصر من حديثه السابق المروى عنه من طريق ابن جريج عن محمد بن المنكدر. وقد فهم البيهقى أن المصنف أشار بهذا إلى أن هذا الحديث ليس ناسخا لطلب الوضوء مما مست النار ولا دلالة فيه على النسخ لأن المراد بآخر الأمرين آخرهما في هذه القصة لا مطلقا فلا يستدلّ به على النسخ لاحتمال أن يكون حديثا الباب الآتى ونحوهما مما يدلّ على وجوب الوضوء مما مست النار متأخرة عن هذه القصة ناسخة لترك الوضوء مما مست النار (وممن) قال بذلك أبو حاتم وابن حبان والزهرى وما قالوه مردود بإجماع الخلفاء الراشدين وأعلام الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم والأئمة من بعدهم على نسخ الوضوء مما مست النار بحديث الباب ونحوه. فعن محمد بن عمرو بن عطاء قال كنت مع ابن عباس في بيت ميمونة زوج النبي صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم فجعل يعجب ممن يزعم أن الوضوء مما مست النار ويضرب فيه الأمثال ويقول إنا نستحم بالماء المسخن ونتوضأ به وندهن بالدهن المطبوخ وذكر أشياء مما يصيب الناس مما قد مست النار ثم قال لقد رأيتنى في هذا البيت عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد توضأ ثم لبس ثيابه فجاءه المؤذن فخرج إلى الصلاة حتى إذا كان في الحجرة خارجا من البيت لقيته هدية عضو من شاة فأكل منها لقمة أو لقمتين ثم صلى وما مسّ ماء. قال ورواه مسلم في الصحيح عن أبى كريب عن أبى أسامة، وفيه دلالة على أن ابن عباس شهد ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال قال الزعفراني قال أبو عبد الله الشافعى وإنما قلنا لا يتوضأ منه لأنه عندنا منسوخ ألا ترى أن عبد الله بن عباس وإنما صحبه بعد الفتح يروى عنه أنه رآه يأكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ وهذا عندنا من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ أو أن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف، والثابت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه لم يتوضأ منه ثم عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبيّ بن كعب وأبى طلحة كل هؤلاء لم يتوضؤوا منه اهـ (وقال) أما الطريقة الأولى فإليها ذهب جماعة من العلماء واحتجوا بما احتج به الشافعى من رواية ابن عباس ثم برواية جابر بن عبد الله الأنصارى ومحمد بن مسلمة وأبى هريرة. أما حديث جابر فأخرجه بسنده عن محمد بن المنكدر عنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما مست النار. وأما حديث محمد بن مسلمة فأخرجه بسنده عنه قال أكل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مما غيرت النار ثم صلى ولم يتوضأ وكان آخر أمريه. وأما حديث أبى هريرة فأخرجه بسنده عنه أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ من ثور أقط ثم رآه أكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ومنه تعلم أن كون حديث الباب مختصرا مما قبله لا ينافي كونه ناسخا لطلب الوضوء مما مست النار لتبين أن هذه القصة هي أخر الأمرين واستمرّ العمل بعدها على ترك الوضوء، ويجوز أن يكون ترك الوضوء قبلها فإنه ليس فيها أن الوضوء الأول كان لسبب الأكل لاحتمال أن يكون للحدث. أما دعواهم نسخ ترك الوضوء فهى دعوى بلا دليل فلا تقبل (قال) الباجى وعلى ترك الوضوء مما مست النار جميع الفقهاء في زماننا وإنما كان الخلاف فيه في زمان الصحابة والتابعين ثم وقع الإجماع على تركه وقد روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأسانيد لا بأس بها أنه قال توضؤوا مما أنضجت النار (واختلف) أصحابنا في تأويل ذلك (فمنهم) من قال إنه لم يكن قطّ الوضوء مما أنضجت النار واجبا وإنما كان معناه المضمضة وغسل الفم على وجه الاستحباب (ومنهم) من قال قد كان واجبا ثم نسخ وتعلقوا في ذلك بما
رواه شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما مست النار اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على عدم وجوب الوضوء من أكل ما مسته النار كما تقدّم وعلى جواز نسخ بعض الأحكام
(من روى الحديث أيضا) رواه النسائى وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي (قال) الحافظ في التلخيص قال الشافعى في سنن حرملة لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل (وقال) البخارى في الأوسط ثنا على بن المديني قال قلت لسفيان إن أبا علقمة الفروى روى عن ابن المنكدر عن جابر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكل لحما ولم يتوضأ فقال أحسبنى سمعت ابن المنكدر قال أخبرني من سمع جابرا، ويشيد أصل حديث جابر ما أخرجه البخارى في الصحيح عن سعيد بن الحارث قلت لجابر الوضوء مما مست النار قال لا. وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة أخرجه الطبراني في الأوسط ولفظه أكل صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم آخر أمره لحما ثم صلى ولم يتوضأ اهـ قال النووى في شرح مسلم حديث جابر حديث صحيح اهـ
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: ابْنُ أَبِي كَرِيمَةَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ ثُمَامَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيدِيُّ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ رَجُلٍ، فَمَرَّ بِلَالٌ فَنَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجْنَا فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ عَلَى النَّارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ:«أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ» ، قَالَ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً، فَلَمْ يَزَلْ يَعْلُكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ
(ش)(رجال الحديث)
(قوله عبد الملك بن أبي كريمة) الأنصارى مولاهم أبو يزيد. روى عن أبي مالك وعمرو بن لبيد وعبيد بن ثمامة. وعنه شجرة بن عيسى المعافرى وعلى بن يزيد بن بهرام وابن السرح، قال سحنون كان ورعا صاحب أحاديث
ووثقه أحمد بن أبى خالد المقرى، روى له أبو داود هذا الحديث لا غير. قيل توفي سنة أربع ومائتين
(قوله عبيد بن ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم المصرى. روى عن عبد الله بن الحارث وعنه عبد الملك بن أبى كريمة، قال في التقريب مقبول من الخامسة. روى له أبو داود، و (المرادى) بضم الميم وتخفيف الراء نسبة إلى مراد أبى قبيلة من اليمن
(قوله عبد الله بن الحارث بن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاى بعدها همزة ابن عبد الله بن معديكرب (الزبيدى) مصغر، روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحاديث وسكن مصر فروى عنه المصريون منهم عبد الملك ابن أبى كريمة ومسلم بن يزيد الصدفي وعقبة بن مسلم التجيبى ويزيد إن أبى حبيب وغيرهم وكان قد عمى، وهو آخر من مات بمصر من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان وثمانين، قال أحمد بن محمد بن سلامة كانت وفاته بأسفل مصر بالقرية المعروفة بسفط القدور. وحكى الطبرى أنه كان اسمه العاصى فسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عبد الله. قال الحافظ في الإصابة ووقع لابن منده فيه خبط فاحش فإنه حكى عن ابن يونس أنه شهد بدرا وأنه قتل باليمامة وهذا أظنه في حق عمه محمية بن جزء اهـ. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله فسمعته الخ) عطف على قدم وهو من مقول عبيد بن ثمامة أى قدم عبد الله بن الحارث فسمعته يحدّث في مسجد مصر ولعله مسجد عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
(قوله لقد رأيتنى سابع سبعة) أى رأيت نفسي واحدا من سبعة لأن القاعدة أن فاعلا إذا صيغ من اسم العدد وكان مضافا إلى ما اشتق منه كرابع أربعة يكون معناه واحدا من أربعة وبعضا منها وإن أضيف إلى أقلّ مما اشتق منه كرابع ثلاثة كان معناه مصير الثلاثة أربعة
(قوله أو سادس ستة) شك من أحد الرواة ولعله عبيد بن ثمامة
(قوله فناداه الخ) أى أعلم بلال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدخول وقت الصلاة فخرج وخرجنا معه
(قوله وبرمته على النار) جملة وقعت حالا من الرجل، وقولهم إن النكرة لا يجئ الحال منها إلا بمسوّغ أغلبى، والبرمة بضم الموحدة وسكون الراء القدر مطلقا وهى في الأصل المتخذة من الحجر والجمع برم مثل غرفة وغرف وبرام أيضا بكسر الموحدة
(قوله أطابت برمتك) بهمزة الاستفهام أى أطاب ما في برمتك فهو من ذكر المحلّ وإرادة الحالّ وطيب ما فيها كناية عن نضجه
(قوله بأبى أنت وأمى) الجار متعلق بمحذوف أى أفديك بأبي وأمى وحذف هذا المقدّر تخفيفا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به ويجوز أن يكون الجار والمجرور في محل رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أى أنت مفدى بأبى وأمى وهي جملة زائدة على جواب الاستفهام والمقصود منها تعظيم الخاطب لا تنقيص حق الوالدين
(قوله فتناول منها بضعة الخ) بفتح الموحدة
أى أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قطعة من اللحم الذى في تلك البرمة لإدخال السرور على صاحبها وحلول البركة فيها، وفى نسخة فناوله منها بضعة فلم يزل يعلكها أى يمضغها إلى قبيل الإحرام بالصلاة، ويعلك من باب نصر وضرب والعلك بفتح العين وبكسرها كل صمغ يمضغ من لبان وغيره فلا يسيل وجمعه علوك وأعلاك
(قوله وأنا أنطر إليه) أى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وأتى عبد الله بن الحارث بهذه الجملة بعد الحديث ليفيد أنه متأكد منه وأن علمه به كان عن مشاهدة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية إعلام الإمام بالصلاه بعد الأذان، وعلى أنه يجوز للرجل أن يأكل من طعام غيره إذا علم رضا صاحبه، وعلى أنه ينبغى لكبير القوم أن يدخل السرور على بعض الرعية، وعلى أنه ينبغى للمرءوسين أن يخلصوا في المحبة لرئيسهم، وعلى جواز ترك غسل اليد مما مسته النار، وعلى أن أكل ما غيرته النار لا ينقض الوضوء، وعلى أن المضمضة للصلاة بعد الأكل ليست بواجبة، وعلى جواز الأكل في الطريق
(باب التشديد في ذلك)
أى في الوضوه الشرعي مما مسته النار بإيجابه، وفى نسخة إسقاط هذه الترجمة (واعلم) أن عادة المحدّثين أن يذكروا الأحاديث التى يرونها منسوخة ثم يعقبونها بالنواسخ ولذا أخر المصنف أحاديث هذا الباب لأنه ممن يرى أنها ناسخة لأحاديث الباب السابق الدالة على ترك الوضوء مما مست النار لكن قد علمت أن الحق ما عليه الجمهور من أن أحاديث الباب السابق ناسخة لأحاديث هذا الباب
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنِ الْأَغَرِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ»
(ش)(رجال الحديث)
(قوله يحيى) القطان و (أبو بكر) هو عبد الله بن حفص
(قوله الأغرّ) هو سلمان أبو عبد الله المدنى مولى جهينة. روى عن أبى هريرة وعبد الله بن عمرو وأبى الدرداء وأبى سعيد الخدرى وجماعة. وعنه الزهرى وزيد بن رباح وبكير بن الأشج وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عبد البرّ هو من ثقات تابعى أهل الكوفة ووثقه الذهلى وقال الواقدى كان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة.
(معنى الحديث)
(قوله الوضوء مما أنضجت النار) أى الوضوء واجب أو يجب مما أنضجت النار فالوضوء مرفوع على الابتداء والمراد بالوضوء الوضوء الشرعي لأن الحقائق الشرعية
في كلام الشارع مقدّمة على غيرها، وقدّر الخبر من مادّة الوجوب للأمر الآتي
(فقه الحديث) دلّ الحديث على وجوب الوضوء مما مست النار ويأتي تمام الكلام عليه في الحديث الذى بعده
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى عن أبى هريرة بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط قال فقال له ابن عباس يا أبا هريرة أتوضأ من الدّهن أتوضأ من الحميم قال فقال أبو هريرة يا ابن أخى إذا سمعت حديثا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا تضرب له مثلا، وأخرج نحوه الطحاوى أيضا في شرح معاني الآثار
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبَانُ، عَنْ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي أَلَا تَوَضَّأُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» أَوْ قَالَ: «مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ،
(ش)(رجال الحديث)
(قوله أبان) بن يزيد العطار
(قوله عن أبي سلمة) هو عبد الله ابن عبد الرحمن
(قوله أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة) بن الأخنس الثقفى. روى عن خالته أم حبيبة. وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وثقه ابن حبان. روى له أبو داود والنسائى
(قوله أم حبيبة) هي رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب أم المؤمنين الأموية، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتوفي فتزوجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سنة ست أو سبع قالت أم حبيبة رأيت في المنام كأن زوجى عبيد الله بن جحش بأسوإ صورة ففزعت فأصبحت فإذا به قد تنصر فأخبرته بالمنام فلم يحفل به وأكب على الخمر حتى مات فأتانى آت في نومى فقال يا أم المؤمنين ففزعت فما هو إلا أن انقضت عدّتى فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن فإذا هي جارية له يقال لها أبرهة فقالت إن الملك يقول لك وكلى من يزوّجك برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأرسلت إلى خالد بن سعيد ابن العاص بن أمية فوكلته فأعطيت أبرهة سوارين من فضة فلما كان العشىّ أمر النجاشي جعفر ابن أبى طالب فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال أما بعد فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كتب إلىّ أن أزوّجه أم حبيبة فأجبت وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ثم سكب
الدنانير فخطب خالد فقال قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وزوّجته أم حبيبة وقبض الدنانير وعمل لهم النجاشي طعاما فأكلوا قالت أم حبيبة فلما وصل إليّ المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارا قالت فردّتها علىّ وقالت إن الملك عزم علىّ بذلك وردّت علىّ ما كنت أعطيتها أوّلا ثم جاءتني من الغد بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت به معى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان ذلك قبل إسلام أبى سفيان وقدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طوته دونه فقال يا بنية أرغبت بهذا الفراش عنى أم بى عنه قالت بل هو فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك فقال لقد أصابك بعدى شرّ. روى لها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمسة وستون حديثا اتفق البخارى ومسلم على حديثين وانفرد مسلم باثنين. روى عنها أخواها معاوية وعتبة وابن أخيها عبد الله وعروة بن الزبير وأبو المليح وآخرون. توفيت بالمدينة سنة أربع وأربعين روى لها الجماعة
(معني الحديث)
(قوله فسقته قدحا من سويق) أى ملء قدح من سويق، والقدح إناء معدّ للشرب يروى اثنين أو ثلاثة ويطلق أيضا على الإناء الذى يؤكل فيه. والسويق ما يتخذ من الشعير أو القمح بعد قليه أو دقه وخلطه بماء أو عسل أو لبن
(قوله ألا توضأ) الهمزة للإنكار على ترك الوضوء الشرعي وتوضأ مضارع حذفت إحدى تاءيه أى لم لا تتوضأ وقد أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالوضوء مما مسته النار (وبهذا) الحديث استدلّ من قال بوجوب الوضوء مما مسته النار منهم عمر بن عبد العزيز والحسن البصرى والزهرى وأبو قلابة وأبو مجلز والمصنف (وأجاب) من ذهب إلى عدم وجوب الوضوء مما مسته النار عن هذه الأحاديث بأنها منسوخة بحديث جابر بن عبد الله وغيره المذكورة في الباب السابق (قال) النووى في شرح مسلم إن هذا الخلاف الذى حكيناه كان في الصدر الأول ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار اهـ (وقال) ابن حجر نقلا عن ابن بطال أمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالوضوء مما مسته النار لأنهم كانوا ألفوا في الجاهلية قلة التنظف فأمروا بالوضوء منه فلما تقرّرت النظافة في الإسلام وشاعت نسخ اهـ وما قيل من أن فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يعارض القول الخاص بنا ولا ينسخه محله إذا قام دليل علي الخصوصية ولا دليل عليه، على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد أقرّ أبا بكر وعمر على عدم الوضوء من أكل اللحم والخبز. فقد روى أحمد في مسنده عن جابر قال أكلت مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومع أبى بكر وعمر خبزا ولحما
وصلوا ولم يتوضؤوا. وروى ابن ماجه بسنده إلى جابر بن عبد الله قال أكل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وعمر خبزا ولحما ولم يتوضؤوا (وقال) ابن تيمية وهذه النصوص "يعنى الأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما مست النار" إنما تنفى الإيجاب لا الاستحباب ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للذى سأله أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، ولولا أن الوضوء من ذلك مستحبّ لما أذن فيه لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة اهـ وغرضه بذلك الإشارة إلى حمل أحاديث الأمر بالوضوء على الندب وأحاديث الترك على أنه ليس بواجب فلا نسخ وهذا ما جنح إليه الخطابى (وحكى) البيهقى عن عثمان الدارمى أنه لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح منها نظر إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فرجحنا به أحد الجانبين اهـ وارتضاه النووى في شرح المهذب كما تقدم. وروى الطبراني من طريق سليم بن عامر قال رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ولم يتوضؤا قال ابن حجر إسناد حسن. وقد ذكر الطحاوى في شرح معانى الآثار آثارا كثيرة مروية عن الخلفاء الراشدين وغيرهم دالة على عدم الوضوء (منها) ما جاء عن جابر من طريق همام قال حدثنا قتادة قال لى سليمان بن هشام إن هذا لا يدعنا "يعنى الزهرى" أن نأكل شيئا إلا أمرنا أن نتوضأ منه فقلت سألت عنه سعيد بن المسيب فقال إذا أكلته فهو طيب ليس عليك فيه وضوء فإذا خرج فهو خبيث عليك فيه الوضوء فقال ما أراكما إلا قد اختلفتما فهل بالبلد من أحد فقلت نعم أقدم رجل في جزيرة العرب قال من هو قلت عطاء فأرسل جئ به فقال إن هذين قد اختلفا علىّ فما تقول قال حدثنا جابر بن عبد الله أن أبا بكر الصديق أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ (ومنها) ما جاء عن إبراهيم التيمى أن ابن مسعود وعلقمة خرجا من بيت عبد الله في مسعود يريدان الصلاة فجيء بقصعة من بيت علقمة فيها ثريد ولحم فأكلا فمضمض ابن مسعود وغسل أصابعه ثم قام إلى الصلاة (ومنها) ما جاء عن إبراهيم أيضا عن أبيه عن ابن مسعود قال لأن أتوضأ من الكلمة المنتنة أحبّ إلىّ من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة (ومنها) ما روى عن أبى إسحاق السبيعى عن سعيد بن جبير قال دخل قوم على ابن عباس فأطعمهم طعاما ثم صلى بهم على طنفسة فوضعوا عليها وجوههم وجباههم وما توضؤوا (ومنها) ما رواه عن مجاهد قال قال ابن عمر لا تتوضأ من شئ تأكله (ومنها) ما رواه عن أبي غالب عن أبى أمامة أنه أكل خبزا ولحما فصلى ولم يتوضأ وقال الوضوء مما يخرح وليس مما يدخل (ومنها) ما رواه عن أنس بن مالك قال أكلت أنا وأبو طلحة وأبو أيوب الأنصارى طعاما قد مسته النار فقمت لأن أتوضأ فقالا لى أتتوضأ من الطيبات لقد جئت بها عراقية (قال) الطحاوى فهذا أبو طلحة وأبو أيوب قد صليا بعد أكلهما مما غيرت النار ولم يتوضآ وقد رويا عن رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم أنه أمر بالوضوء من ذلك فيما قد روينا عنهما في هذا الباب فهذا لا يكون عندنا إلا وقد ثبت نسخ ما قد رويا عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من ذلك عندهما فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما وجهه من طريق النظر فإنا قد رأينا هذه الأشياء التى قد اختلف في أكلها أنه ينقض الوضوء أم لا إذا مستها النار وقد أجمع أن أكلها قبل مماسة النار إياها لا ينقض الوضوء فأردنا أن ننظر هل للنار حكم يجب في الأشياء إذا مستها فينتقل به حكمها إليها فرأينا الماء القراح طاهرا تؤدّى به الفروض ثم رأيناه إذا سخن فصار مما قد مسته النار أن حكمه في طهارته على ما كان عليه قبل مماسة النار إياه وأن النار لم تحدث فيه حكما ينتقل به حكمه إلى غير ما كان عليه في البدء فلما كان ما وصفنا كذلك كان في النظر أن الطعام الطاهر الذى لا يكون أكله قبل أن تمسه النار حدثا إذا مسته النار لا تنقله عن حاله وتغير حكمه ويكون حكمه بعد مسيس النار إياه كحكمه قبل ذلك قياسا ونظرا على ما بينا وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الوضوء مما مسته النار وقد علمت أنه منسوخ أو محمول على الندب
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى والطحاوى في شرح معانى الآثار من عدة طرق وفى بعض النسخ بعد الحديث السابق زيادة "قال أبو داود في حديث الزهرى يا ابن أخى" أى أن الحديث روى من طريق محمد بن مسلم الزهرى وفيه يا ابن أخى بدل يا ابن أختى في رواية أبى سلمة، وكون أبى سفيان بن سعيد ابن أخى أم حبيبة محمول على عادة العرب من مناداة الصغير بقولهم يا ابن أخى أو وهم من بعض الرواة فإنه ابن أختها كما تقدم. وفي هذه الزيادة إشارة إلى طريق آخر للحديث فيه محمد بن مسلم الزهرى وقد ذكره النسائى قال أخبرنا الربيع بن سليمان ابن داود ثنا إسحاق بن بكر بن مضر حدثني بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى سفيان بن سعيد الأخنس أن أم حبيبة زوج النبي. صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالت له وشرب سويقا يا ابن أختى توضأ فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول توضؤوا مما مست النار اهـ ومثله في الطحاوى وقد أخرجاه بسندهما إلى الزهرى من طريق آخر وفي كل يا ابن أختى. ومنه تعلم أن ما في هذه الزيادة من قوله يا ابن أخى غير موافق لما ذكر ولعله تحريف من النساخ فإن الحديث الذى فيه يا ابن أخى ليس من طريق الزهرى بل من طريق يحيى بن أبى كثير قال حدثنى أبو سلمة أن أبا سعيد بن أبى سفيان بن المغيرة أخبره أنه دخل على أم حبيبة فدعت له بسويق فشرب ثم قالت يا ابن أخى توضأ فقال إني لم أحدث شيئا فقالت إن رسول الله صلى الله تعالى عليه