الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب البيع
والنظر في خمسة أطراف:
الطرف
الأول: في صحته وفساده
، [وفيه أربعة أبواب](1).
الباب الأول في أركانه
قوله: والوجه أن يقال: البيع مقابلة مال بمال. انتهى.
وما ذكره رحمه الله إن كان حدًا للبيع اللغوى فليس بجامع، بل الصواب أن يقول: مقابلة شيء بشيء كما قاله الماوردى، ليدخل ما ليس بمال كالكلب ونحوه. وإن كان حدًا للبيع الشرعي فيرد عليه أمور:
[منها](2): القرض كما لو قال: خذ هذا بمثله، وكذلك الإجارة أيضًا، فإن الحد صادق عليهما وليسا ببيع ولهذا لا ينعقدان بلفظ البيع.
فإن توهم [متوهم](3) أن المال لا يطلق على المنفعة، واستند في الجواب عن الإجارة إليه.
قلنا: فيلزم أن لا يكون أيضًا جامعًا لأنه [لا](4) يجوز أن يجعل الثمن منفعة.
وأيضًا فقد صرح هو في كتاب الوصية بدخول منفعة في المال فقال: الأموال تنقسم إلى: أعيان ومنافع. هذا لفظه.
(1) زيادة من جـ.
(2)
في أ، ب أحدها.
(3)
سقط من جـ.
(4)
سقط من جـ.
ومنها أن المقابلة المطلقة ليس فيها دلالة على المقصود أصلًا، فإنه لم يتعرض لكونها في عقد، ولا أن ذلك العقد يقتضى انتقال الملك، ثم إنه لابد أن يقول على الوجه المأذون فيه ونحو هذا.
قوله: ثم أحد الأركان الصيغة وهي الإيجاب من جهة البائع بأن يقول: بعت أو اشتريت أو ملكت، وفي ملكت وجه منقول عن "الحاوى" انتهى كلامه.
لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" هل الوجه في نفي الانعقاد به بالكلية أو في نفي صراحته فقط؟ وكلام الماوردى يقتضى فيه خلافًا، فإنه قسم الألفاظ إلى ما يصح به العقد، وإلى ما لا يصح به وإلى ما اختلف فيه.
ثم قال: ومن المختلف فيه قول البائع قد ملكتك، فيه لأصحابنا وجهان.
أحدهما: يصح العقد به لأن حقيقة البيع تمليك المبيع بالعوض، فلا فرق بين ذلك وبين قوله: بعتك.
والوجه الثاني وهو الصحيح: لا يصح العقد به لعلتين.
إحداهما: أن التمليك هو حكم البيع وموجبه فاحتاج إلى تقديم العقد ليكون التمليك بعقبة.
والثانية: أن لفظ التمليك يحتمل البيع ويحتمل الهبة على العوض، فصار من جملة الألفاظ المحتملة.
قوله: وسواء تقدم قول البائع: بعته أو قول المشترى: اشتريت، فيصح البيع في الحالتين. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" والتمثيل لتقديم اللفظ الصادر من المشترى باشتريت يشعر بأن لفظ القبول لا يجوز تقديمه، وبه صرح الإمام فقال: والقبول في الحقيقة ما لا يتأتى الابتداء به كقوله: قبلت.
فأما ما يتأتى فيه ذلك كقوله: ابتعت ونحوه، فذاك قائم مقام القبول. هذا كلامه.
واقتصر ابن الرفعة في "الكفاية" هنا عليه.
قوله: وعن ابن سريج تخريج قول للشافعى أنه يكتفي بها أي: بالمعاطاة في المحقرات وذكروا لمستند التخريج صورًا.
منها لو عطب الهدى في الطريق فغمس النعل الذى قلده بها في الدم وضرب بها صفحة سنامه هل يجوز للمارين الأكل منه؟ فيه قولان:
ومنها لو قال لغيره: اغسل هذا الثوب فغسله، وهو ممن يعتاد الغسل بالأجرة هل يستحق الأجرة؟
فيه خلاف سيأتى في موضعه.
ومنها لو قال لزوجته: إن أعطيتنى ألفًا فأنت طالق، فوضعته بين يديه، ولم تتلفظ بشئ فإنه يملكه ويقع الطلاق.
وفي الاستشهاد بهذه الصور نظر. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: في بيان النظر الذى أشار إليه الرافعي رحمه الله فنقول: قال في "المطلب": أما جواز الأكل من الهدى فلأن الأكل مباح للضيفان بالتقديم، وأيضًا فلأنه انحصر الحال فيه في دلالة [الفعل](1) ولا يلتحق به ما لم ينحصر الحال فيه.
نعم نظير الهدى ما إذا عدم النطق، ونحن نقول بانعقاد البيع في تلك الحالة بالإشارة المفهمة قولًا واحدًا.
وأما مسألة الغسال فلأن مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يستحق شيئًا، والذهاب إلى الاستحقاق ليس قولًا حتى يخرج منه إلى هنا قول بل هو وجه لبعض الأصحاب.
(1) في جـ: النعل.
وأما مسألة الإعطاء فإن الملك فيه لم يستند إلى مجرد الوضع، بل إلى اللفظ السابق.
وأجاب في "المطلب" عن النظر المذكور في الأخيرة بأن اللفظ وإن كان موجودًا من جانب الزوج فليس من جانب المرأة والحالة هذه لفظ أصلًا، ونحن إذا اعتبرنا اللفظ اعتبرناه من الجانبين.
قال: وبهذا يظهر أن التخريج منها أظهر من الصورتين الأخيرتين، ووقع في بعض نسخ الرافعي هنا مخالفة للنسخة التى نقلت منها بالنسبة إلى عود النظر إلى جميع الصور أم إلى بعضها؟ واقتصر الرافعي في "الشرح الصغير" على الاستناد في التخريج إلى مسألة الغسال.
الأمر الثاني: أن الأصحاب قد ذكروا للتخريج صورة رابعة، وهي أظهر مما ذكره الرافعي، وهي ما إذا قلّد هديه، هل يصير منذورًا بمجرد التقليد؟
فيه قولان، وقد ذكر النووي في "الروضة" هذه الصورة، واقتصر عليها فأدخلها في كلام الرافعي فافهمه، وتفطن له.
وقال بعضهم: لعله خرجه من كل ما أخذ الشافعي فيه بالعرف كحمل الهدية والإذن في دخول الدار وغيرهما، وهو تخريج متجه أيضًا.
قوله: المسألة الثانية: ولو قال: بعني، فقال البائع: بعتك. نظر إن قال بعد ذلك: اشتريت أو قبلت. انعقد لا محالة، وإلا فوجهان في رواية بعضهم، وكذلك أورده المصنف هاهنا، وقولان في رواية آخرين.
وكذلك أورده في النكاح ثم قال: وعن أحمد روايتان كالقولين. انتهى كلامه.
والصحيح عند الرافعي أن الخلاف وجهان. كذا صرح به في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: فوجهان ويقال: قولان. انتهى.
ولم يصرح في "المحرر" بشيء، بل عبر بالأصح، وليس له في التعبير به
اصطلاح.
واختلف كلام النووي في ذلك فصحح في "شرح المهذب" و"الروضة" أنه وجهان، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي مع أن الرافعي لم يصرح بشئ، بل أول كلامه، وآخره يشعر برجحان أنهما قولان وجزم في "المنهاج" بأن الخلاف قولان وهو الصواب فإن الغزالى في كتاب النكاح من "الوسيط" نقلهما قولين منصوصين فقال: ونص في البيع على قولين. هذا لفظه.
واعلم أن الغزالى هاهنا في "البسيط" قد حكى الخلاف قولين.
وأما حكايته وجهين فهو في "الوسيط" و"الوجيز" خاصة فاعلمه، فإن كلام الرافعي يوهم خلافه.
قوله: ولو قال: سلطتك عليه بألف فهل هو من الكنايات أم لا؟ اختلفوا فيه. انتهى.
والأصح أنه كناية. كذا صححه النووي في "الزيادات"
قوله: فإن قلنا: ينعقد بالكتب فالشرط أن يقبل المكتوب إليه كما اطلع على الكتاب على الأصح ليقترن القبول بالإيجاب بحسب الإمكان. انتهى كلامه.
لم يبين الوجه المقابل للأصح، وقد بينه في الباب الثاني من كتاب الطلاق، فإنه رجح أيضًا هناك انعقاد البيع بالكتابة وأنه يشترط أيضًا القبول لورود الكتاب ثم قال ما نصه: وفي وجه لا يشترط ذلك، ويراعى التواصل اللائق بين المتكاتبين، وقد أشرنا إلى ذلك كله في أوائل البيع. هذا لفظه.
واستفدنا منه أن ذلك الوجه هو الذى أشار إليه هنا، وقد ذكر الرافعي في النكاح أنا إذا صححنا انعقاده بالمكاتبة فيكفي وقوع القبول في مجلس الخبر وسأذكره في موضعه إن شاء الله تعالى لكلام فيه ينبغي الوقوف عليه.
وإذا قيل بذلك في النكاح لزم القول به في البيع بطريق الأولى، وحينئذ فيصح أن تكون الإشارة إلى هذين الوجهين.
قوله: وفي مسودات بعض أئمة طبرستان تفريعًا على انعقاد البيع بالمكاتبة أنه لو قال: بعت دارى من فلان وهو غائب، فلما بلغه الخبر قال: قبلت ينعقد لأن النطق أقوى من الكتابة وقال أبو حنيفة: لا ينعقد. انتهى كلامه.
والذى تلخص أي: من كلامه وكلام النووي أن الراجح في هذه المسألة هو المنع، وسأذكر ذلك في كتاب النكاح في الكلام على الصيغة فاعلمه.
قوله: نعم. لو قال: بعت من فلان وأرسل إليه رسولًا بذلك وأخبره به فقبل انعقد كما لو كاتبه. انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد أسقطها النووي من "الروضة".
قوله: وذكر في "الوسيط" أن الظاهر انعقاد البيع المقيد بالإشهاد بالكتابة إذا [توفرت](1) قرائن الأحوال وأفادت التفاهم. انتهى.
وما نقله عن الغزالى وأقره عليه ذكر مثله أيضًا النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وأنكره ابن الرفعة في "المطلب" فقال: إنه مخالف لكلام الأئمة.
قوله من "زياداته": قال الغزالى في "فتاويه": لو قال: باعك الله أو أقالك الله فهو كناية. انتهى ملخصًا.
هذه المسألة ذكر الرافعي نظيرها في الكلام على كنايات الطلاق، وحكى فيها وجهين من غير ترجيح فقال: فيما إذا أسند الطلاق إلى الله تعالى، أو أسند العتق أو الإبراء فقال مثلًا: أبرأك الله أنه صريح عند العبادي، وكناية عند البوشنجي، وهذه المسألة مثلها.
(1) في جـ: قويت.
قوله: وكلام الغزالي يقتضى اعتبار الصيغتين فيما إذا باع الرجل مال ولده من نفسه أو بالعكس، وفيه وجهان ربما نوجههما في غير هذا الموضع، انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يصرح أيضًا في "الشرح الصغير" بتصحيح. والأصح: أنه لابد منهما ففي "المحرر" و"المنهاج" اشتراط الصيغتين من غير تفصيل. وصرح بتصحيحه أيضا في "شرح المهذب" وهو المذكور في "الحاوى الصغير" وذكر الماوردي في باب الحجر وجهًا ثالثًا أنه لا حاجة إلى لفظ بالكلية، بل ينعقد بالرضى، وهو قوي.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف له شرط نقله الرافعي في باب الهبة عن الإمام وأقره عليه فقال بعد حكاية هذين الوجهين: قال الإمام: وموضع الوجهين في القبول ما إذا أتى بلفظ مستقل كقوله: اشتريت لطفلى أو اتهبت له أما إذا قال: قبلت البيع والهبة، فلا يمكن الاقتصار عليه بحال.
قوله في أصل "الروضة" في الوجهين المتقدمين وسيأتيان إن شاء الله تعالى بفروعهما في باب الخيار. انتهى.
وهذا الذى قاله من ذكرهما في باب الخيار ليس كذلك، نعم ذكر تفاريع وجه الصحة من غير تعرض إلى خلاف فيه، ولعل السبب في قول النووي ذلك أن الرافعي قال فيه وجهان ربما نوجههما في غير هذا الموضع فرأى النووي تفريع الصحة في باب الخيار فظن أن الرافعي ذكرهما أيضًا: نعم ذكرهما الرافعي في باب الحجر.
قوله: يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول ولا يتخللهما كلام أجنبى .. إلى آخره.
اعلم أن الحكم بالبطلان عند تخلل الكلام الأجنبى فيه كلام يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في النكاح.
قوله في "الروضة": ولو مات المشترى بين الإيجاب والقبول ووارثه حاضر فقبل فالأصح المنع، وقال الداركى: يصح. انتهى كلامه.
وتعبيره هنا بالأصح يقتضى قوة الخلاف، وليس كذلك فقد قال الماوردى والمحاملي: إن الداركى خالف فيه الإجماع.
وقال في "شرح المهذب" ما نصه: وبالبطلان قطع الأصحاب في كل الطرق، وحكى الرويانى وجهًا أنه يصح قبول الوارث، وهذا شاذ باطل. هذا لفظه، وهو في غاية التباين.
قوله: ويشترط موافقة القبول للإيجاب، ثم قال: ولو قال بعتك هذا بألف فقال: قبلت نصفه بخمس مائة ونصفه بخمس مائة قال في "التتمة": يصح العقد لأنه تصريح بمقتضى الإطلاق، ولك أن تقول إشكالًا سيأتى القول في أن تفصيل الثمن من موجبات تعدد الصفقة.
وإذا كان كذلك فالبائع هاهنا أوجب بيعة واحدة والقابل قبل بيعتين لم يوجبهما البائع. انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الروضة" وينبغى أن يتفطن إلى أن الرافعي قد ساق مقالة صاحب "التتمة" مساق الأوجه الضعيفة، لأنه نقله عنه بعد أن قرر اشتراط مطابقة القبول للإيجاب في المعنى، وهو منتف هاهنا، لكن في "شرح المهذب" أن الظاهر الصحة، وقد علمت مدرك هذا الوجه ومدرك مقابله.
وهذه المسألة لها أصل يستند إليه ذكره الرافعي في كتاب النكاح في الكلام على الموانع قبل الفصل الرابع المعقود للكفر فقال فيما إذا جمع بين حرة وأمة في عقد واحد إن نكاح الأمة يبطل، ويصح نكاح الحرة على الصحيح.
وموضع الخلاف فيما إذا قال: زوجتك هذه وهذه بكذا، فقال: قبلت نكاحهما.
فأما إذا قال: زوجتك بنتى هذه، وزوجتك بأمتى هذه فقال: قبلت نكاح بنتك، وقبلت نكاح أمتك، فنكاح البنت صحيح بلا خلاف.
ثم قال: ولو فصل المزوج وقال الزوج: قبلت نكاحهما، أو جمع المزوج وفصل الزوج فهو كما لو فصلا جميعًا، أو كما لو جمعا جميعًا؟ وجهان أصحهما الأول. انتهى.
قوله: وفي "فتاوى القفال" أنه لو قال: بعتك بألف درهم فقال: اشتريت بألف وخمسمائة صح البيع، وهو غريب. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا النقل عن القفال إنما ساقه الرافعي أيضًا مساق الأوجه الضعيفة فاعلم ذلك، وقد صرح بمسألة القفال في الباب الثاني من أبواب الوكالة قبيل الكلام على ما إذا وكله في شراء شاة فاشترى شاتين، وجزم بالبطلان وكذا جزم به أيضًا في كتاب الخلع في الكلام على جعله طلاقًا، وجزم به الإمام والقاضي الحسين كان في كتاب الخلع والماوردى هنا، والهروى في "الإشراف" ولم يقف النووي هنا على شئ من هذه النقول، ولم يتفطن لكونه سيق مساق الأوجه الضعيفة، ورأى أن المتوجه هو البطلان، فأجاب به تفقهًا، أعنى في "شرح المهذب" فقال: الظاهر فساد العقد، وإذا قلنا بالصحة صح بالألف فقط ولغى ذكر الخمسمائة كما أشار إليه الإمام.
ولو ابتدأ المشترى فأجاب البائع بأنقص أو ضم معه عينًا أخرى فهو نظير المسألة، وقد ذكرهما الرافعي في الطريق الثاني من الباب الرابع من كتاب الخلع، وصحح البطلان.
وقيل: يصح بما أجاب به البائع منهما، وقيل فيما إذا ضم عينًا أخرى أنه يصح ولكن في المسئول.
الأمر الثاني: أن هذا النقل الذى نقله الرافعي عن "فتاوى القفال" وتبعه
عليه النووي في "الروضة" وغيرها غلط، ففي "فتاوى القفال" التصريح بعكسه فقال: مسألة إذا قال بعتك هذا الثوب بألف درهم مؤجلة إلى شهر بشرط خيار الثلاث، فقبل أن يفرع هو قال المشترى اشتريت، فإن ذلك لا يجوز ما لم يتم أخر حرف من كلامه، وعلى هذا لو قال: زوجتك ابنتى بألف مؤجلة إلى شهر. فقبل قبل أن يفرع هو من آخر حرف من هذا الكلام قال: قبلت فإن ذلك لا يصح ولا ينعقد النكاح لأنه من باب الإيجاب والاستيجاب كالبيع، ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذا بألف، فقال: اشتريته بألف وخمسمائة، لا ينعقد البيع أما إذا وكل وقال بع هذا بألف فباع بألف وخمسمائة جاز، ولو وكله أن يزوج ابنته بألف فروج بخمس مائة، فإن النكاح لا ينعقد.
كذا قال الشيخ رحمه الله بخلاف ما لو قال: للولى: زوجنى من فلان بألف، فزوج بخمسمائة فإن النكاح ينعقد، ولها مهر المثل. هذا كلام القفال في "الفتاوى" بحروفه ومن نسخة معتمدة كانت لابن الصلاح وعليها خطه نقلت.
ذكر ذلك بعد نحو ستة أوراق من أول الكتاب من "الفتاوى" التى ليست مرتبة.
نعم ذكر أعنى: القفال بعد هذا بدون الورقتين كلاما يوهم خلافه، فقال: مسألة إذا قال: بعنى هذا بألف درهم.
فقال: بعتك بخمس مائة، صح ولا يحتاج أن يقول: قبلت، وكذا لو قال: بعتك بألف.
فقال: اشتريت بألف وخمسمائة، جاز إن وجد البيع مرة أخرى. هذه عبارته.
فلم يقتصر على الحكم بالجواز. بل جعل الجائز وجدان المبيع مرة غير
هذه، وأشار بذلك إلى اشتراط القبول بعده، فلم يقف الرافعي على المسألة السابقة ووقف على هذه ذاهلًا عن اللفظ المذكور في آخرها وهو عجيب.
نعم استغراب الرافعي له يدل على عظم قدره.
قوله: في "أصل الروضة": فرع: لو قال: بعتك بألف. فقال: قبلت، صح قطعًا بخلاف النكاح فإنه يشترط فيه على رأى أن يقول: قبلت نكاحها احتياطًا للأبضاع. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف قد ذكره أيضًا في "شرح المهذب" بعبارة هى أصرح من هذه فقال: يصح البيع بلا خلاف.
هذا لفظه، وليس كما ذكره من نفي الخلاف، وقد أعادها الرافعي في كتاب النكاح في الكلام على الصيغة، وحكى عن الحناطى أنه نقل فيها وجهين، وذكره أيضا النووي في "الروضة" ولم يصرح الرافعي هنا بدعوى القطع.
الثاني: أن هذا الكلام ليس فيه تصريح بأن (قبلت) وحدها من الصرائح أو الكنايات؟ وقد ذكر الرافعي في كتاب النكاح ما يدل على أنها كناية، فقال فيما إذا قال: قبلت ولم يقل: "تزويجها" ولا "نكاحها" ما نصه: وأصح الطرق أن المسألة على قولين: أحدهما: الصحة، لأن القبول ينصرف إلى ما أوجبه فكان كالمعاد لفظا.
وأظهرهما: المنع، لأن لم يوجد منه التصريح بواحد من لفظى الإنكاح والتزويج والنكاح لا ينعقد بالكنايات. هذا لفظه، وهو صريح في أن للتقدير الواقع بعد (قبلت) ألحقه هناك بالكنايات فيكون أيضًا كناية هنا وهو المدعى.
فإن قيل: بل هو صريح للتقدير.
قلنا: المقدر إن كان كالملفوظ به حتى تصير (قبلت) هنا صريحًا كقبلت البيع فيكون المقدر في النكاح أيضا كالملفوظ به حتى تصير (قبلت) صريحًا كقبلت النكاح، وحينئذ فينعقد النكاح به، وإن لم يكن المقدر كالملفوظ به، بل تكون (قبلت) وحدها ملحقًا بالكنايات حتى لا ينعقد بها النكاح، فيلزم أن تكون (قبلت) وحدها في البيع كناية فالقول به في أحدهما دون الآخر تحكم لا دليل عليه، بل هى مسألة واحدة أخذت طرفًا من اللغة وطرفًا من العقل.
قوله: ويعتبر في المتعاقدين التكليف .. إلى آخره.
أهمل من شروطهما شرطًا آخر، وهو الاختيار فإن بيع المكره بغير حق لا يصح، وقد استدركه في "الروضة" وأهمل أيضا عدم الحجر للاحتراز عن السفيه ونحوه، وعبر في "المنهاج": بالرشيد، وهو تعبير فاسد كما نبهت عليه في شرحى له.
قوله: من "زياداته": ولا يصح بيع السكران ولا شراؤه على المذهب، وإن كان غير مكلف كما تقرر في كتب الأصول، وسنوضحه في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن سلب التكليف عن السكران قد تكرر منه في غير موضع وهو كلام ساقط فإن الصحيح عند الفقهاء أن السكران كالصاحى في تصرفاته سواء كانت تنفعه كقبول الهدية والوصية وغيرهما، أو تضره كالطلاق وكذلك موجبات الحدود ونحوها، وهذا هو معنى التكليف، غير أن الأصوليين صححوا أنه ليس مكلفًا حتى أنه يعامل معاملة غير المكلفين في إبطال أثر هذه الأشياء كلها سواء كانت له أو عليه، فخلط النووي طريقة
الفقهاء بطريقة الأصوليين، فإنه نفي التكليف عن السكران ومع ذلك حكم بصحة تصرفاته وهما طريقان لا يمكن الجمع بينهما. وليت شعري ما الذي فهمه من معنى التكليف حتى أنه نفاه عن السكران مع القول بتنفيذ تصرفاته سواء كانت له أو عليه ومؤاخذته بما صدر منه حتى تقام عليه الحدود والتعازير وتوجب عليه الكفارات، ويحكم بالطلاق والعتاق إلى غير ذلك، نعم إبطال الصلاة ونحوها كفقدان النية وهو واضح.
الأمر الثاني: أن الشافعي قد نص على أنه مكلف على عكس ما قاله النووي، كذا نقله عنه الرويانى في كتاب الصلاة، ورأيته أيضًا منصوصًا عليه في "الأم" في باب طلاق السكران فقال ما نصه: فإن قال قائل فهذا مغلوب على عقله والمريض والمجنون مغلوب على عقله قيل المريض مأجور ويكفر عنه بالمرض مرفوع عنه القلم إنها ذهب عقله، وهذا آثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم فكيف يقاس من عليه العقاب بمن له الثواب. انتهى كلامه.
واعلم أن هذا النص يدل على فائدة حسنة فلنذكرها وإن كانت أجنبية عما نحن فيه ثم نعود إلى ما نحن فيه، فنقول: اعلم أن الشيخ عز الدين قد ذكر في "القواعد الكبرى" أن المصائب ليس فيها بنفسها أجر.
فقال: وظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور على مصيبته وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب بمباشرة أو تسبب قال الله تعالى: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (1) والمصائب ليست منها، بل إن صبر فله أجر الصابرين، وإن رضى فله أجر الراضيين. هذا كلامه، والنص المتقدم عن الشافعي يرد عليه فإنه حكم بأجره مع زوال عقله، ومن المعلوم انتفاء الصبر والرضى في تلك الحالة.
الأمر الثالث: أن ما ادعاه من إيضاحه في كتاب الطلاق ليس الأمر فيه
(1) سورة النمل (90).
كذلك، بل ذكره هناك بعبارة تدل على أنه أضعف إيرادًا وأكثر فسادًا وسنذكره هناك فراجعه.
قوله: ولو فتح الصبى بابًا وأخبر بإذن أهل الدار في الدخول أو أوصل هدية وأخبر عن إهداء مهديها نظر إن انضمت إليه قرائن تفيد العلم جاز الاعتماد، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا بقوله، وإن لم تنضم فإن كان عارمًا غير مأمون لم يعتمد، وإلا فطريقان: أصحهما القطع بالقبول.
والثانى على وجهين في قبول روايته. انتهى ملخصا.
اعلم أن النووي رحمه الله قد ذكر المسألة في باب الوكالة واقتصر فيها على طريقة الوجهين وهي الطريقة التى ضعفها في هذا الباب وذكرها أيضًا من زوائده في باب الهبة، وقال: إنه يعتمد على قوله بالاتفاق فاختلف كلامه فيها من ثلاثة أوجه.
والعارم بالعين والراء المهملتين قال الجوهرى: وصبي عارم من العرام بالضم في شرس يعنى سيء الخلق كثير الخلاف، وقد عرم يعرم ويعرم أى بالضم والفتح عرامة بالفتح أيضًا.
قوله: لكن لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا ففي صحته قولان:
أصحهما: أنه لا يصح.
ولو اشترى مصحفًا أو شيئًا من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ففيه طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأظهرهما: القطع بالبطلان.
والفرق أن العبد يمكنه الاستتابة، دفع الذل عن نفسه. . . . إلى آخره. انتهى.
فيه [أمران](1):
(1) في جـ: أمور.
[أحدهما](1): ذكر النووي أن الخلاف في بيع العبد والمصحف و [كتب الفقه](2) إنما هو في صحة العقد. وأما التحريم فلا خلاف في ثبوته، كذا نبه عليه النووي في "الزيادات" و"شرح المهذب".
وما قاله مردود، ففي "الإيضاح" للصيمرى بالنسبة إلى كتب الفقه ما يخالفه فقال: وأما إذا اشتروا كتب الفقه والطب والنحو، فلا حرج عليهم.
وزعم بعض أصحابنا أن النصرانى إذا ابتاع كتاب المزنى كان كمن ابتاع مصحفًا، والصحيح خلافه.
الأمر الثاني: أن ما صححه من طريقة القطع في المصحف وما بعده قد تابعه عليه في "الروضة".
ثم إنه جزم في "المنهاج" من زياداته بطريقة القولين وكذلك في باب الأحداث من "شرح المهذب"، ولم يصحح هنا شيئًا من الطريقين.
قوله: وامتنع الماوردى في "الحاوى" من إلحاق كتب الحديث والفقه بالمصحف، وقال: إن بيعها منه صحيح لا محالة. انتهى كلامه.
والذى نقله "الحاوى" وتابعه عليه في "الروضة" هو مذكور فيه في هذا الباب، لكنه في كتاب عقد الذمة [فقال] (3): فصل في كتب الحديث فقال: إن كان المذكور فيها سيرته وصفته فالأمر كذلك أي: من الجواز قطعًا وإن كان فيها كلامه من أمره ونهيه وأحكامه ففي البيع وجهان.
قوله في أصل "الروضة": فرع.
يجوز أن يستأجر الكافر مسلمًا على عمل في الذمة، ويجوز أن يستأجر عينه على الأصح، حرًا كان أو عبدًا.
(1) في جـ: أحدها.
(2)
سقط من جـ.
(3)
سقط من جـ.
فعلى هذا هل يؤمر بإزالة ملكه عن المنافع بأن يؤجره مسلمًا؟
وجهان، قطع الشيخ أبو حامد بأنه يؤمر. انتهى كلامه.
فيه أمرأن:
أحدهما: أن حكاية الخلاف في جواز الإجارة لم يصرح به الرافعي، وإنما حكى الخلاف في الصحة، ولا يلزم من الصحة الجواز، وقد نقدم في الشراء ما يوضحه أيضًا.
الأمر الثاني: أن الصحيح من الوجهين الأخيرين أنا نأمره بالإزالة، كذا صححه النووي في "شرح المهذب".
وللماوردي في المسألتين تفصيل حسن ذكره في باب الحكم بين المهاديين فقال: والصحيح عندى أن الإجارة إن كانت معقودة على عمل يعمله الأجير في يد نفسه وراثة كالخياطة صحت وإن كانت كالخرمة فلا.
فإن صححنا الإجارة فإن كان مما يعمله الأجير في يد نفسه أخذ بعمله، وإن كان في يد المستأجر وناشئًا عن أمره أمرناه بإجارته.
وقال في باب كراء الإبل: إنه إذا لم ينقلها الكافر من نفسه إلى مسلم، وإلا فسخها الحاكم عليه.
قوله من زياداته: وإذا صححنا إجارة عينه فهى مكروهة. نص عليه الشافعي. انتهى.
وما نقله عن الشافعي من كراهته، ولم يحك فيه خلافًا يشكل على الرهن، فإنا إذا صححنا رهن المسلم والمصحف من الكافر ففي تحريمه وجهان ذكرهما النووي في "الروضة" من "زياداته" واقتضى كلامه أن التحريم أرجح لكون القائلين به أكثر.
وأيضًا فقد جزم بتحريم شراء المسلم وغيره كما تقدم على القول
بالصحة.
ولهذا قال الصميرى في "الإيضاح" في باب تبديل أهل الذمة: إنهم حملوا الكراهة في كلام الشافعي هنا على التحريم.
قوله: ولا خلاف في جواز إعارته منه. انتهى.
وليس الأمر كما قال من نفى الخلاف، فقد جزم الشيخ في "المهذب" و"التنبيه" بالتحريم، وكذلك الجرجاني، وقد استدرك النووي في "الروضة" عليه ذلك.
واعلم أن ما سبق من أنه إذا استأجره مسلمًا وصححنا الإجارة يجبر على نقلها لغيره بأن يؤجرها كما قاله في "الروضة" بشكل يجوز إعارته ليخدمه، واستعماله فيها، فإنه إذا جاز بلا عوض فبالعوض أولى لأنه حينئذ يكون عاملًا لنفسه. ومعنى الإمتهان موجود في الصورتين.
والفرق من جهة المعنى غير واضح.
قوله: وإذا باع الكافر عبدًا مسلما بثوب فوجد بالثوب عيبًا رده، وهل له استرداد العبد؟
فيه وجهان: أظهرهما على ما ذكره صاحب "الكتاب" أن له ذلك. انتهى ملخصًا.
وما رجحه الغزالى هو الراجح؛ فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين.
والنووي في "الروضة" و"شرح المهذب": إنه الصحيح.
قوله: ولو وكل المسلم كافرًا ليشترى له عبدًا مسلمًا فإن سمى الموكل في الشراء صح وإلا [فإن قلنا يقع الملك للوكيل أولًا لم يصح](1).
(1) سقط من أ، ب.
قإن قلنا: يقع للموكل صح. انتهى.
وهذا الذى ذكره من الجواز عند تسميته [إذا قلنا بالمذهب أنه يقع](1) للموكل ابتداء، فذكر قبل كتاب الصداق في نظيره نقلًا عن البغوى ما يخالفه، فإنه جزم بأنه لا يجوز أن يوكل المسلم كافرًا في قبول نكاح المسلمة، وتبعه في "الروضة" عليه، ونقله في "الروضة" إلى الباب الرابع في بيان الأولياء، وزاد على ذلك فذكره أيضا من "زوائده" في أوائل الوكالة جازمًا به، وستعرف الموضعين في بابيهما.
ولا شك أن البضع لا يقع للوكيل بلا خلاف فأقل مراتبه أن يكون نظير ما إذا صرح بالسفارة، أو قلنا: لا ينتقل.
وكونه نكاحًا لا أثر له لاسيما وصحة الشراء من الوكيل شرطها توجه الخطاب إليه بأن يقول: بعتك. حتى لو قال: بعت موكلك لم يصح.
وأما التزويج فشرط صحته من الوكيل صرفه عنه بأن يقول: زوجت موكلك، فإن قال: زوجتك لم يصح.
لا جرم أن الإمام قال في كتاب الخلع: إنه يجوز توكيل الكافر في إيجاب مسلمة على المذهب الظاهر.
ويؤخذ من تجويز الإمام ذلك تجويزه في القبول بطريق الأولى.
وذكر الإمام أيضًا في كتاب الوصية عند الكلام في الوصية يزوجه وارثه لأجنبى ما حاصله: أنه إذا اشترى زوجته بطريق الوكالة لغيره وقلنا: إن الملك ينتقل للوكيل ثم الموكل لا ينفسخ النكاح.
قوله في أصل "الروضة": فرع.
لو اشترى كافر مرتدًا فوجهان لبقاء علقة الاسلام كالوجهين في قتل المرتد بالذمى. انتهى كلامه.
(1) سقط من جـ.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح من الوجهين في الشراء هو عدم الصحة. كذا صححه هو في "شرح المهذب" وعبر بالأصح فاعلمه.
وهذا الكلام مذكور هنا قد ذكره الرافعي أيضا، وهو يشعر بصحة البيع لأن الصحيح في المسألة المشبهة بها هو وجوب القصاص.
الأمر الثاني: أن الخلاف في إيجاب القصاص ليس هو وجهين كما قاله هنا، بل هو قولان كما جزم به هو والرافعي في كتاب الجنايات.
وهذا الاعتراض لا يتوجه على الرافعي لأنه لم يصرح بقولين ولا وجهين، بل عبر بلفظ الخلاف فغيره النووي إلى ما تراه.
قوله: إذا كان في ملك الكافر عبد فأسلم لم يزل ملكه عنه، ولكن لا يقر في يده، بل يؤمر بإزالة ملكه عنه.
ثم قال: ولا تكفي الحيلولة.
نعم [لا تكفي](1) الكتابة في أظهر الوجهين. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد جعل الخلاف وجهين أيضًا، ثم خالف في "شرح المهذب" فقال: وفي الكتابة قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما، وحكاهما إمام الحرمين والغزالي وجماعة وجهين: أصحهما باتفاقهم الاكتفاء بها.
هذا لفظه.
والصواب أنهما قولان فقد نص عليهما الشافعي في "الأم" في كتابة النصراني فقال: ولو أن نصرانيًا ابتاع عبدًا مسلمًا، أو كان له عبد نصراني
(1) في جـ: تكفي.
فأسلم ثم كاتبه بعد إسلام العبد على دنانير أو دراهم أو شيء تحل كتابة المسلمين عليه أو لا تحل ففيها قولان.
أحدهما: أن الكتابة باطلة لأنها ليست بإخراج له عن ملكه.
ثم قال: والقول الثاني أن النصرانى إذا كاتب عبده المسلم بشئ يحل فالكتابة جائزة، فإن عجز بيع عليه، وكذا إذا اختار التعجيز بيع عليه. هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
فثبت أن الخلاف في الاكتفاء قولان منصوصان، ومراد الشافعي هنا في القول الثاني بالجائز هو الاكتفاء به بدليل قوله: فإن عجز بيع عليه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من أن الحيلولة لا تكفي، وأنه لابد من إزالة الملك يستثنى منه ما إذا كان قد دبره قبل إسلامه، فإنه لا يكلف إزالة ملكه عنه في أصح القولين، بل تكفي الحيلولة لما فيه من مصلحة العتق. هكذا ذكره [الرافعي في التدبير حكمًا وتعليلًا.
فأما إذا وقع التدبير] (1) بعد الإسلام ففي الاكتفاء به وجهان نقلهما الإمام في باب المهادنة عن صاحب "التقريب"، ونقلها أيضًا في "الذخائر"، وجزم الرافعي في الشرحين بأنها لا تكفي. وذكر ذلك في باب الكتابة، استدل به للقائل بأن الكتابة لا تكفي في إبقاء المسلم على ملك الكافر فقال: الكتابة لا تزيل الملك فصار كما لو دبره أو علق عتقه بصفة.
وقد ذكر المسألتين في "المحرر" فقال: ولو كان للكافر عبد مسلم فدبره ينقض تدبيره، ويباع عليه، وإن دبر عبده الكافر ثم أسلم العبد ولم يرجع السيد عن التدبير فينقص التدبير ويباع أو ينزع من يده، ويصرف كسبه إلى سيده؟ فيه قولان: أحسنهما الثاني. هذا لفظه.
وتبعه النووي عليه في "المنهاج".
والنقض الذى ذكره في "المحرر" هل معناه إبطاله بعد الحكم بصحته حتى لو مات السيد قبل إبطاله عتق العبد، أو معناه الحكم ببطلانه من أصله
(1) سقط من جـ.
وعلى الأول فهل يتوقف ذلك على لفظ أم لا؟
فيه نظر.
وحكى الإمام في باب المهادنة في تعليق العتق طريقين:
أحدهما: أنه كالتدبير.
والثاني: لا يكفي قطعًا.
وحكاهما أيضًا في "الذخائر".
قوله في أصل "الروضة": ولو أسلمت مستولدة كافر فلا سبيل إلى نقلها إلى غيره بالبيع والهبة ونحوهما على المذهب.
وهل يجبر على إعتاقها؟ وجهان.
الصحيح: لا يجبر، بل يحال بينهما، وينفق عليها وتستكسب له في يد مسلم. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بالمذهب يقتضى أن في المسألة طريقين، فإن هذا هو اصطلاحه مع أن الرافعي لم يحكمها، ولم يصرح أيضًا بهما غيره، فاعلمه.
فإن تعبير النووي في غير هذا الموضع قد يوهم ذلك، والسبب في تعبير المصنف بهذا أن الرافعي عبر بالمذهب، ولا اصطلاح له فيه، فتبعه عليه المصنف ذاهلًا عن اصطلاحه.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام صريح في -استكسابها- في يد رجل، فإنه عبر بقوله:(مسلم) وهذا سهو.
وقد ذكره في كتاب أمهات الأولاد على الصواب فقال: تجعل عند امرأة ثقة. هذا لفظه.
والرافعي سالم من هذا الاعتراض، فإنه عبر هنا بقوله: وتسكتسب له في يد غيره. هذا لفظه فغيره النووي إلى ما تراه.
الثالث: أن الشيخ في "التنبيه" قد عبر في كتاب النفقات عن هذين الوجهين باحتمالين، وجعل محلهما عند تعذر استكساب الأمة.
وصرح به أيضًا النووي في "تصحيحه" على خلاف المذكور هنا من إجراء الخلاف مطلقًا، إلا أن الشيخ لم يصور المسألة بمن أسلمت عند كافر بل فيما إذا عجز السيد عن الإنفاق عليها أي: على أم الولد، ولا فرق بين التصويرين في هذا المعنى.
قوله من "زياداته": قال المحاملي في "اللباب": لا يدخل عبد مسلم في ملك كافر ابتداء إلا في ست مسائل: إحداها: بالإرث.
الثانية: يسترجعه بإفلاس المشتري.
الثالثة: يرجع في هبته لولده.
الرابعة: إذا رد عليه بعيب.
الخامسة: إذا قال المسلم أعتق عبدك عني فأعتقه وصححناه.
السادسة: إذا كاتب عبده الكافر وأسلم العبد ثم عجز عن النجوم فله تعجيزه.
وهذه السادسة فيها تساهل، فإن المكاتب لا يزول الملك فيه ليتجدد بالتعجيز، وترك السابعة وهي ما إذا اشترى من يعتق عليه والله أعلم. انتهى كلام النووي.
ووافقه عليه ابن الرفعة في "المطلب" وغيره، والعجب منهما في هذا الكلام فقد تركا مع هذه المسألة السابعة التى اعتقدا أن لا ثامن لها مسائل كثيرة تزيد على ثلاثين مسألة:
إحداها: وهي في أبواب البيع: أن يرجع إليه بتلف معاملة قبل
القبض، وفي معناه ما إذا أتلفه متلف، فإنا نخير البائع، فإذا خيرناه فاختار الفسخ عاد العبد إلى ملك البائع الكافر.
الثانية: أن يبيع الكافر عبدًا مسلمًا بثوب، ثم يجد بالثوب عيبًا فإن له أن يرد الثوب ويسترد العبد على الصحيح كما ذكره الرافعي والنووي في هذا الباب.
الثالثة: إذا تبايع كافران عبدًا كافرًا فأسلم العبد قبل القبض، فإن المشترى يثبت له الخيار إذا قلنا: يمتنع عليه قبضه. كذا قاله الإمام.
وامتناع القبض قد صححه الرافعي والإمام، فإذا فسخ فقد دخل المبيع المسلم في ملك البائع الكافر.
الرابعة: إذا باع الكافر العبد المسلم لمسلم بشرط الخيار للمشترى، فإن الصحيح أن الملك لمن له الخيار، وبالفسخ يدخل في ملك الكافر.
[الخامسة: إن تبايع كافران، كافرًا بشرط الخيار للبائع فيسلم العبد فإنه يدخل في ملك الكافر](1) بانقضاء خيار البائع.
السادسة: أن يرده عليه لا بالعيب، بل لفوات شرط كالكتابة والخياطة ونحوهما.
ولو قيل بأنه يمتنع على المشترى رده بالعيب إذا وقع الإسلام في يده لكان متجهًا لما حدث عنده من السبب المقتضى لرفع يده ويد أمثاله من الكفار عنه.
السابعة: إذا اشترى ثمارًا بعبد كافر فأسلم ثم اختلطت الثمار وفسخ العقد كما هو مقرر في بابه.
الثامنة: إذا كان للكافر عبد مسلم مغصوب فباعه ممن يقدر على انتزاعه فعجز عن قبضه، فإن للمشترى أن يفسخ.
ومثله ما إذا باعه، وهو غير مغصوب فغصب قبل قبضه.
(1) سقط من جـ.
التاسعة: إذا باعه من مسلم رآه قبل العقد ثم وجده المسلم متغيرًا عما كان فله الفسخ.
العاشرة: أن يبيعه لمسلم وماله غائب في مسافة القصر فللكافر الفسخ لتضرره بالصبر إلى إحضار الثمن.
الحادية عشرة: أن يبيعه بصبرة من طعام، ثم يظهر أن تحتها دكة أو غيرها فله الفسخ لأنه كالتدليس.
الثانية عشر: أن يبيع العبد المسلم لمسلم ثم يتقايلا فإنه لا يجوز إن جعلنا الإقالة نفعًا.
فإن جعلناها فسخًا وهو الصحيح فعلى الوجهين في الرد بالعيب كما قاله الرافعي.
الثالثة عشرة: من باب السلم أن يجعل الكافر عبده المسلم رأس مال سلم أو يجعل عبده الكافر كذلك، ثم يسلم العبد، وينقطع السلم فيه، فإن الفسخ جائز.
وحينئذ فيعود المسلم إلى ملك الكافر على قياس ما سبق من المسائل.
الرابعة عشر: وهي من باب القرض أن يقرض عبده الكافر فيسلم العبد في يد المقترض فيجوز للمقترض الكافر أن يرجع فيه كما جوزنا له الرجوع في الهبة على ما سبق، بل أولى لأن القرض وضع للرجوع في شيء. أما العن المقترضة أو مثلها بخلاف الهبة فإنها لم توضع لذلك، بل الغالب على الواهبين، وإن كانوا أصولًا عدم الرجوع.
وهذه المسألة إنما تستثنى إذا فرعنا على أن ما لا مثل له يرد مثله صور.
وعلى أن المقترض يجوز له أن يرجع في غير ما أعطاه وهو الصحيح فيهما.
ولو أسلم في ملك الكافر فأقرضه لمسلم أو وهبه لولده المسلم فمقتضى
إطلاقهم الأمر بإزالة الملك أنه يكفي ذلك، وحينئذ فلا يختص جواز الرجوع بالمال المتقدم.
نعم في الاكتفاء بهما نظر ظاهر، ويحتمل الاكتفاء ويمتنع الرجوع.
الخامسة عشر: وهي من باب الرهن ذكرها الرافعي فيه، وهي ما إذا ورث الكافر عبدًا مسلمًا أو كافرًا فأسلم في يده، ثم باعه، ثم ظهر دين على التركة أو حدث برد مبيع بعيب ونحوه فلم يقض الوارث الدين فإن الأصح فسخ البيع فيه، ويعود إلى ملك الوارث متعلقًا به الدين.
السادسة عشر: وهي من باب الوكالة أن يتوكل في شراء كافر معين أو غير معين فاشتراه ثم أسلم، وظهر أنه معيب، وأخر الوكيل الرد فلم يرد المالك أيضا فإنه يقع عن الوكيل كما أوضحوه في باب الوكالة.
وحينئذ فقياس ما سبق من الصور عوده إلى ملك الكافر.
السابعة عشر: وهي من باب القراض أن يشترى العامل الكافر عبيدًا للقراض ثم يقتسمان بعد إسلامهم، فإن قياس المذهب صحته.
وحينئذ فيدخل المسلم في ملكه لأن العامل لا يملك حصته إلا بالقسمة.
الثامنة عشر: أن يجعله أجرة أو جعلًا، ثم يقتضى الحال فسخ ذلك بسبب من الأسباب.
التاسعة عشر: إذا التقط ملتقط شخصًا محكومًا بكفره بشرطه المعروف، وهو إما عدم التمييز أو في وقت النهب والغارة فأسلم، ثم أثبت كافر أنه كان ملكه، فإنه يرجع فيه، فإنهم قد صرحوا بأن التملك بالالتقاط كالتملك بالقرض.
العشرون: وهي من باب الوقف أن يقف على كافر أمة كافرة فتسلم ثم تأتى بولد من نكاح أو زنا فإنه يكون مسلمًا تبعًا لأمه، ويدخل في ملكه لأن نتاج الموقوف ملك للموقوف عليه على الصحيح.
الحادية والعشرون: وهي من باب الوصية أن يوصي لكافر بما تحمله أمته الكافرة من زوجها الكافر فيتقبل الموصى له الوصية بشرطه، ثم تسلم الجارية وتأتى بولد.
الثانية والعشرون: وهي من النكاح أن يتزوج المسلم أمة كافرة لكتابى، فإنه يصح على الصحيح بالشروط المعروفة.
وحينئذ فإذا أتت بولد فإنه يكون مسلمًا مملوكًا للسيد، وهكذا لو نكحها وهو كافر ثم أسلم.
الثالثة والعشرون: إذا وطئ الكافر جارية مسلمة لولده، أو لولده فيها البعض فإنها تنتقل إليه، وتصير مستولدة له. كذا ذكره الرافعي، وهو في "الروضة" مترجم بالباب العاشر.
الرابعة والعشرون: إذا وطئ مسلم أمة لكافر على ظن أنها زوجته الأمة فالولد مسلم مملوك للكافر سواء كان الواطئ حرًا أو عبدًا.
الخامسة والعشرون: وهي من أبواب الصداق أن يصدق الكافر زوجته عبدًا كافرًا فيسلم العبد ثم يقتضى الحال رجوعه أو بعضه إلى الزوج إما بطلاق أو فسخ بعيب أو إعسار أو إسلام أو فوات شرط أو بالتحالف.
السادسة والعشرون: وهي من أبواب الخلع أن يخالع الكافر زوجته الكافرة على عبد كافر فيسلم ثم يقتضى الحال فسخ الخلع فيه إما بعيب أو فوات شرط أو غيرهما، فإنه يرجع إلى الكافرة.
السابعة والعشرون: من الجنايات إذا أسلم عبد الكافر بعد أن جنى جناية توجب مالًا يتعلق برقبته، وباعه بعد اختيار الفداء فتعذر تحصيل الفداء أو تأخر لإفلاسه أو غيبته أو صبره على الحبس فإنه يفسخ البيع، ويعود إلى ملك سيده الكافر ثم يباع في الجناية كما قاله الأصحاب.
الثامنة والعشرون: إذا حضر الكفار الجهاد بإذن الإمام وكانت الغنيمة
أطفالًا أو نساء أو عبيدًا فأسلموا بالاستقلال أو بالتبعية، ثم اختار الغانمون التملك فقياس المذهب أن للإمام أن يرضخ للكافر مما وجد لتقدم سبب الاستحقاق وهو حضور الوقعة، وحصول الاختيار المقتضى للملك على الصحيح.
التاسعة والعشرون: وهي من أبواب القسمة أن يكون بين كافرين أو مسلم وكافر عبيد مسلمون، أو بعضهم مسلم وبعضهم كافر فيقتسمون، وقلنا القسمة اقرار فقياس المذهب يقتضى الجواز.
وحينئذ فيدخل المسلم أو بعضه في ملك الكافر.
الثلاثون: من أبواب العتق أن يعتق الكافر نصيبه من عبد مسلم. فإن الباقى يدخل في ملكه، ويقوم عليه كما نقله في البيع من "شرح المهذب" عن البغوى وأقره عليه.
الحادية والثلاثون: إذا أسلمت أمة الكافر ثم ولدت من غيره بنكاح أو زنا قبل زوال ملكه، فإنه يدخل في ملكه.
الثانية والثلاثون: وهي من أبواب الكتابة إن كاتب الكافر عبده المسلم أو كافرًا فيسلم ثم يشترى المكاتب عبدًا مسلما أو تأتى أمته المسلمة بولد من نكاح أو زنا ثم يعجز نفسه، فإن أمواله تدخل في ملك السيد، ومن جملتها المسلم الذى اشتراه وأولاد أمته.
الثالثة والثلاثون: وهي من أمهات الأولاد أن تسلم مستولدته ثم تأتى بولد من نكاح أو زنا فإنه يكون مملوكًا له ويثبت له حكم أمه.
الركن الثالث
قوله: وللمبيع شروط. . . . إلى آخره.
هذه الشروط التى ذكرها موجودة في حريم الملك مع أنه لو باعه وحده لم يصح كما أجاب به العبادى، ونقله عنه الرافعي في باب الإحياء، وأقره.
قوله: ويجوز بيع الفيلج، وفي باطنه الدود الميت لأن بقاءه من مصلحته. انتهى.
والفيلج بفاء مفتوحة وياء بنقطتين من تحت ولام مفتوحة وجيم وهو القز.
قوله من "زياداته": ويجوز بيعه يعنى القز وفيه الدود سواء كان ميتًا أو حيًا، وسواء باعه وزنًا أو جزافًا. صرح به القاضى حسين في "فتاويه". انتهى.
وما نقله عن القاضى من جواز البيع وزنًا ونقله عنه أيضًا في "شرح المهذب"، وعن آخرين وادعى أنه لا خلاف فيه، وليس كذلك، بل الصحيح المعروف أنه لا يصح بيعه وزنًا لأن الدود الذي فيه يمنع معرفة مقدار ما فيه من المقصود، وهو القز.
وقد جزم به الرافعي في أواخر السلم، وتبعه عليه النووي فقال في الفصل المعقود للإبريسم ما نصه:
ولا يجوز السلم في القز وفيه الدود حيًا ولا ميتًا لأنه يمنع معرفة وزن القز، وبعد خروج الدود يجوز. هذا كلامه.
وصرح به أيضًا هنا أي: في البيع بخصوصه جماعات كثيرة، منهم إمام
الحرمين في باب النهى عن بيع الغرر عند الكلام على بيع المسك فقال ما نصه: وإنه إن بيع جزافًا جاز تعويلًا على الإشارة، وإن بيع وزنًا لم يجز، فإن الدود لا يقصد بالوزن والقز المقصود بالوزن يكون مجهولًا بسبب الدود.
وجزم به أيضًا المحاملى في باب بيع الكلاب فقال: فأما بيع دود القز فإنه ينظر، فإن كان قبل أن ينسج على نفسه القز جاز بيعه جزافًا، وإن كان قد نسجه على نفسه ومات داخله لم يجز بيعه وزنًا، وجاز جزافًا، ومتى نسج ومات ثم عاش ثم نبت له جناح ليثقب القز ثم يطير فلا يجوز بيعه بحال جزافًا ولا وزنًا هذا كلامه، وجزم به أيضًا الرويانى في "الحلية" في باب اختلاف المتبايعين، والعجلى في "شرح الوسيط"، وابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: وفي بيع بزر القز وفأرة المسك خلاف مبنى على الخلاف السابق في طهارته. انتهى.
والبزر بكسر الباء وفتحها، والكسر أفصح هو البيض.
ووجه الجواز فيه على القول بالطهارة، وإن كان لا يؤكل لأجل أنه يخرج منه القز، وهو الدود. والقز يجوز بيعه.
وهذا الخلاف يطرد في كل بيض لا يؤكل إذا جاز بيع الفرخ الذى يخرج منه كالنسر والصقر بخلاف الرخمة وغيرها لأن هذا البيض لا يؤكل.
ويشترط في المبيع أن يكون منتفعًا به، وهذا الذى ذكرته قد صرح به طوائف كثيرون من أصحابنا، منهم ابن الصباغ في "الشامل" في باب النهى عن بيع الغرر فقال: وأما بيض ما لا يؤكل لحمه ففيه وجهان بناء على منبته.
أحدهما: أنه نجس، فلا يجوز بيعه.
والثاني: أنه طاهر فيجوز بيعه إذا كان ينتفع به إذا كان يصير فرخًا لأنه لا ينتفع به في الأكل. انتهى.
وذكر القاضى أبو الطيب في "تعليقه" نحوه، وكذلك الشاشى في "الحلية" فقال: وفي بيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور التى يجوز بيعها وجهان في طهارة منى ما لا يؤكل لحمه، وكذلك المتولى في المسألة الثانية عشر من الباب الثالث فقال: وهكذا بيض ما لا يؤكل لحمه إذا كان فيه نفع، وذلك بأن يحضن تحت طير حي حتى يخرج فيه وجهان بناء على طهارته. انتهى.
وهكذا الشيخ في "المهذب" فقال: واختلف أصحابنا في بيع دود القز، وبيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور التى يجوز بيعها كالصقر والبازى هذا لفظه وكذلك القاضي مجلي في "الذخائر" فقال: وفي بيض القز وبيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور المجوز بيعها كالصقر والبازي .. إلى آخر ما قال.
ولما تكلم النووي على هذه المسألة في "شرح المهذب" ومحلها في آخر باب ما يجوز بيعه، وحكى وجهين مطلقين ثم قال: وأما قول المصنف: (من الطيور التى يجوز بيعها) فزيادة لا تعرف للأصحاب، بل الصواب المعروف أنه لا فرق بين بيض ما لا يجوز بيعه، وما لا يجوز مما لا يؤكل لحمه كالرخمة وغيرها، وفي الجميع الوجهان:
أصحهما: جواز بيعه لأن الخلاف مبنى كما ذكره المصنف والأصحاب على طهارة هذا البيض ونجاسته، والخلاف فيه شامل. انتهى كلامه.
وقد علمت أن ما قاله خطأ صريح مخالف للمنقول والمعقول، وكأنه لم ير في هذه المسألة إلا "النهاية" و"التحرير" للجرجانى، فإنهما أطلقا الخلاف فتوهم أنهما أرادا النوعين ذاهلًا عن اشتراط المنفعة في البيع.
قوله: وهو على ضربين:
أحدهما: النجس الذى يمكن تطهيره كالثوب النجس والخشبة النجسة، والآجر النجس بملاقاة النجاسة فيجوز بيعها لأن جوهرها طاهر، وإزالة النجاسة عنه هينة، انتهى.
واعلم أنه احترز بقوله: بملاقاة النجاسة عن الآجر المعجون بالزبل فإنه لا يمكن تطهيره كما عرف في كتاب الطهارة.
وحينئذ فلا يصح بيعه، ويلزم من ذلك فساد بيع الأشياء المبنية بها كالآدر ونحوها مما عمت به البلوى.
ولا فرق فيما تنجس بملاقاة النجاسة وبين المعجون بمائع نجس وبين غيره، لكنه إذا عجن به ثم تحجر بعد الطبخ أي لم يكن رخوًا فإنه لا يطهر إلا إذا دق وصار ترابًا ثم أفيض عليه الماء بخلاف الرخو فإنه يطهر، وهو على هيئته كما ذكروه في الطهارة، ومع ذلك يصح بيع الجميع لإمكان التطهير.
قوله: والثاني: ما لا يمكن تطهيره كالخل واللبن والدبس إذا تنجست لا يجوز بيعها.
ثم قال: وأما الدهن النجس ففي بيعه خلاف مبنى على أنه هل يمكن تطهيره؟
فإن قلنا: لا يمكن وهو الأظهر امتنع بيعه.
وإن قلنا: يمكن، امتنع بيعه أيضًا في أصح الوجهين. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" حكى الخلاف المذكور هنا في طهارة الأدهان في الكلام على إزالة النجاسة، ثم إنه أجراه في كل مائع
تخريجا له على خلاف ما يقتضيه كلامه هنا فقال ما نصه: ولا يبعد أن يطرد الخلاف في الخل والدبس وسائر المائعات لأن إيصال الماء إلى أجزائها بالضرب والتحريك ممكن والغسالة طاهرة على الأصح، فلا يضر بقاؤها. هذا لفظه.
وهو ضعيف لأنه إن كان الماء قليلًا فلا يتصور أن يرد على جميع أجزاء المائع المذكور، وهو متغير لاختلاطه به بخلاف الدهن.
وإن كان كثيرًا جدًا بحيث يزول اسم المائع خرج عن المقصود، فإن الغرض فيه البيع، وأن يطهره وينتفع به على حاله.
الأمر الثاني: في كيفية طهارته على ذلك الوجه.
قال الماوردي: وكيفيتها أن يراق الدهن في قلتين من الماء ويحرك أشد تحريك حتى يصل الماء إلى جميع أجزائه.
قال في "شرح المهذب": والصواب أنه إن أورد الدهن على الماء اشترط كون الماء قلتين.
وإن أورد الماء لم يشترط كونه قلتين، بل يشترط فيه الغلبة للدهن كما في غسل سائر النجاسات.
قوله في المسألة: فهذا ترتيب الأصحاب، وقيل: ما يمكن تطهيره جاز بيعه، وإلا فوجهان.
قلت. هذا الترتيب غلط ظاهر، وإن كان قد جزم به في "الوسيط" وكيف يصح بيع ما لا يمكن تطهيره؟ انتهى كلامه.
وهذه الطريقة التى ضعفها قوية جدًا، فإن المبيع قد اجتمعت فيه شروط الصحة لأن الفرض أنه طاهر العين غير أنه متجنس، والنجاسة الطارئة لا تمنع الانتفاع به. فقوله: وكيف يصح تطهيره مجرد تهويل ودعوى بلا دليل.
قوله أيضًا من "زياداته": قال المتولى. في بيع الصبغ النجس طريقان.
أحدهما أنه كالزيت.
والثانى: لا يصح قطعًا لأنه لا يمكن تطهيره، وإنما يصبغ به الثوب ثم يغسل. انتهى.
والصحيح هى طريقة القطع، كذا صححها في "شرح المهذب" فقال: إنها المشهور والذي قطع بها الجمهور.
قوله: وأما هبة الدهن النجس والصدقة به فعن القاضي أبى الطيب منعهما، ويشبه أن يكون فيهما ما في هبة الكلب من الخلاف.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: ينبغى أن يقطع بصحة الصدقة به للإستصباح ونحوه. انتهى.
اعلم أن التصدق قد يراد به نقل اليد، وقد يراد به نقل الملك.
والمراد بما قاله النووي إنما هو نقل اليد، وإن كان كلامه يوهم خلاف ذلك فاعلمه.
وقد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: وأما قول الرويانى: يجوز نقل اليد عنه فهو كما قال: ولا يجيء فيه خلاف.
وأما تمليكه بالهبة والصدقة فينبغى أن يكون على الوجهين في الكلب وأولى بالجواز.
قوله من "زياداته": قال الشافعى: لا يجوز اقتناء الكلب إلا لصيد أو ماشية أو زرع وما في معناها، واتفقوا على جواز اقتنائه لتعليم الصيد ونحوه والأصح جواز اقتنائه لحفظ الدور والدروب. انتهى.
وأهمل مسألة وهى إتخاذه في السفر للحراسة، فإنه جائز جزمًا على ما قاله الماوردي والعجلى وغيرهما، وجزم به النووي في أوائل مناسك الحج، وجعله مكروهًا.
ونقل في "شرح المهذب" عن القاضي الحسين أنه على الوجهين، واقتصر عليه، وأشار بقوله: وما في معناهما إلى أنه يلتحق النخل والشجر والكرم بالزرع وتلتحق الخيل والبغال والحمير بالمواشي. قاله في "شرح المهذب".
قوله من "زياداته": والأصح جواز تربية الجرو كذلك انتهى كلامه.
وأشار بذلك إلى الصيد وغيره مما تقدم، وجواز التربية لذلك ليس على إطلاق، بل يشترط أن يكون الجرو من نسك كلب معلم. كذا ذكره البغوى في "التهذيب" ولم يحك فيه خلافًا فقال: فإن جوزنا فإنما نجوز إذا كان من نسك المعلم.
وذكر في "النهاية" ما يقتضيه فإنه ترجم المسألة بقوله: ومن اقتنى جرو كلب صيود.
قوله: والأصح تحريم اقتنائه قبل شراء الماشية والزرع، وكذا كلب الصيد لمن لا يصيد. انتهى.
واعلم أن المسألة الثالثة في كلام المصنف لها أقسام:
أحدها: أن يقتضيه من لا ينتفع به بالكلية ففيه وجهان حكاهما الماوردي فقال: فأما ما ينتفع به من كلاب الصيد والحرث والماشية إذا اقتناها ومن لا ينتفع بها ممن ليس له صيد ولا حرث ولا ماشية ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز اعتبارًا بها لما فيها من المنفعة.
والثاني: لا يجوز اعتبارًا بأربابها، وأن ليس لهم فيها منفعة.
وهكذا لو اتخذ صاحب الحرث كلب الماشية أو صاحب الماشية كلب حرث فإنه على هذين الوجهين. انتهى.
وذكر في "شرح المهذب" هذه الصورة، وقال: ظاهر كلام الجمهور القطع بالتحريم، وأن ابن الصباغ حكى فيه وجهين.
القسم الثاني: وقد ذكره في "شرح المهذب" أيضًا فقال ولو أراد اتخاذ الكلب ليصطاد به إذا أراد، ولا يصطاد به في الحال، وليحفظ الزرع والماشية إذا صار له فوجهان: أصحهما: لا يجوز. انتهى والحكم في هذا مشكل جدًا إن كان صحيحًا، فإن الاقتناء للصيد جائز بالاتفاق، وتربية الجرو له أيضًا جائز على المعروف فكيف منعوا هذا.
القسم الثالث: ما ذكره في "الاستقصاء" فقال: هل يجوز لمن يصيد كالبزاز، والبياع أن يقتنى الكلب ليصيد به إذا أراد، ولمن لا ماشية له ولا زرع أن يقتنيه لحفظه إذا حصل؟ وجهان.
ثم قال: وإن اقتناه ولم يقصد شيئًا من ذلك، فإن قلنا في المسألة قبلها لا يجوز فهاهنا أولى.
وإن قلنا هناك: يجوز. فهاهنا وجهان. انتهى وهذا الذي حكاه في "الاستقصاء" حين يتجه ويتعين حمل ما نقله في "شرح المهذب" على هذه المسألة على أنه مريد له، ولكن قصر في التعبير أو على أن يكون قد فهم منه خلاف المراد.
فإذا تقرر ما قلناه فقوله في "الروضة": لمن لا يصيد يحتمل أن يريد به من ليس شأنه الصيد سواء كان يحسنه أم لا، وتدخل فيه مسألة "الاستقصاء" ومسألة الماوردي، وامتناعهما واضح، وأنه كانت الثانية أولى بالمنع من الأولى.
قوله: ولخلو شيء من المنفعة سببان.
أحدهما: القلة كالحبة والحبتين من الحنطة والزبيب وغيرهما، فإن ذلك القدر لا يعد مالًا. انتهى كلامه.
وما ذكره من أنها لا تعد مالًا قد جزم بعكسه في أوائل الباب الثاني من كتاب الإقرار، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ومع هذا فلا يجوز أخذ الحبة والحبتين من صبرة الغير إذ لو جوزناه لانجر ذلك إلى أخذ الكثير. انتهى.
ورأيت في "طبقات العبادي" أن الشافعى قال: يجوز أخذ الخلال والخلالين من خشب الغير.
قال العتابي: ورأيت للأصحاب ما يدل عليه، ثم استدل وأعني: العبادى بما لا دليل فيه.
قوله: فلو أخذ الحبة ونحوها أحد فعليه الرد، فإن تلفت فلا ضمان؛ إذ لا مالية لها.
وعن القفال أنه يضمن مثلها. انتهى.
فإن أخذ ما لا يتمول مما لا مثل له لم يلزمه شيء عند القفال. كذا نقله الغزالي في "البسيط".
واعلم أن عبارة القفال في تلف الحبة والحبتين لم أبعد أن أوجب مثلها. كذا نقله الإمام في باب بيع الكلاب عن شيخه فقال: كان القفال يقول: إن تلفت لم أبعد أن أوجب مثلها.
قوله: ومنه ما ينتفع بلونه أو صوته كالطاووس والزرزور. انتهى.
وكلامه كالصريح في [أن](1) الزرزور لا يؤكل وهو عجيب فقد جزم في باب الأطعمة بالحل، وحكى الاتفاق عليه في "شرح المهذب"، وضم معه في الشرح المذكور العندليب مع أن الصحيح فيه الحل أيضًا.
والزرزور بالضم.
قوله: وإن باع النحل وهى طائرة من الكوارة ففي "التتمة" أنه يصح، وفي "التهذيب" أنه لا يصح.
(1) سقط من أ.
فيه أمران:
أحدهما: أن شرط هذه المسألة أن تكون الأم حاصلة في الخلية. كذا صور المسألة ابن الرفعة في "شرح الوسيط" فقال: ولو كان البيع وهى طائرة والأم في الكوارة فمنهم من جوزه كبيع النعم السيبة في الصحراء. هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن الأصح من هذين الوجهين هو الصحة. كذا صححه النووي في "الروضة" من "زياداته" والفرق بينهما، وبين باقى الطيور حيث كان الأصح الصحة عند النووي وغيره من وجهين.
أحدهما: أنها لا تقصد بالجوارح بخلاف غيرها.
الثاني: أن هذه لا تأكل في العادة إلا مما ترعاه فلو توقف صحة البيع على حبسها لربما ضر بها أو تعذر بسببه بيعها بخلاف غيرها من الطيور فإنها تعلف.
قوله: الضرب الثاني: ما لا ينتفع به فلا يصح بيعه كالحنافس.
ثم قال: وفي معناها السباع التى لا تصلح للصيد والقتال عليها كالأسد والذئب والنمر. انتهى كلامه.
وما ذكره في النمر قد خالفه في كتاب الصيد فجزم بأنه يصلح لذلك، ونقله عن الشافعى والأصحاب وأنكر على الغزالي في عده إياه مما لا يصلح، وسوف أذكر لفظه إن شاء الله تعالى في موضعه.
قوله: ونقل أبو الحسن العبادى وجها أنه يجوز بيع النمل بعسكر مكرم لأنه يعالج به السكر وبنصبين لأنه يعالج به العقارب الطيارة. انتهى.
واعلم أن السكر بفتح السين والكاف هو المسكر قال تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} (1).
(1) سورة النحل (67).
وكان الامتنان بذلك قبل نزول التحريم على أحد الأقوال المشهورة في الآية.
وعسكر مكرم مدينة من كور الأهواز، والأهواز من إقليم خراسان، ومكرم الذي نسب إليه هو مكرم الباهلى، وهو أول من اختطها كما نقله ابن خلكان في "تاريخه".
إذا علمت ذلك فاعلم أن هذا الكلام الذي نقلناه عن الرافعي ليس محررًا، ويتضح بمقالة الأطباء فيه فقالوا: إن النمل أنواع أجوده الطيار، وهو حار يابس، وله منافع منها: أن بيضه يمنع نبات الشعر، ويعمل منه دهن يدهن به فيزيد في إعطاء التناسل والباه، وإذا شرب بالشراب المسكر نفع من نهش الزبيلا والعقارب الجرارة.
وإذا أخذت منه عشرة عدد وطبخ بزيت ودهن به الشعر أفسده وحلقه، وإذا وقع جراحة بمراق البطن، وظهر السرر وعفن، فإذا قطع العفن وأعيد السرر إلى مكانه وذر عليه من رماد النمل المحرق فإنه يبرئ الجراحة. انتهى.
فتلخص أن الشراب المسكر ينفع من نهش العقارب الجرارة بعد معالجته أى إصلاحه بالدهن المستخرج من بيض النمل الطيار فيجوز بيعه في البلدين المذكورين لكثرة عقاربهما. هذا معنى كلام الرافعي وتنزيله عليه صحيح، وليس فيه ما لا يستقيم إلا قوله الطيارة، فالصواب تقديمها.
قوله: وعن القاضى الحسين وجه أنه يجوز بيع السباع التى لا تصلح للقتال ولا للصيد لأنها طاهرة والانتفاع بجلودها متوقع.
ثم قال: ولا يجوز بيع الحدأة والرخمة والغراب فإن كان في أجنحة بعضها فائدة جاء فيه الوجه المتقدم عن القاضى. هكذا قال الإمام.
لكن بينهما فرق، فإن الجلود تدبغ فتطهر، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة. انتهى.
والذي قاله الرافعي لا يدفع هذا التخريج لأن المبيع حال العقد كان طاهرًا، والنجاسة العارضة لا تمنع الانتفاع به في الأشياء الجافة كاتخاذ النبل وغيره، وهذا المعنى هو مدرك القاضى في التخريج كما تقدم.
وأيضا فإن لنا وجهًا أن الريش لا ينجس بالموت، فيجوز أن يكون هذا من القائلين بذلك وقد أشار النووي إلى الأول.
قوله في أصل "الروضة": ويصح بيع العلق على الأصح لمنفعة امتصاص الدم. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة فيها طريقان حكاهما في "شرح المهذب" فقال: فيه طريقان: أصحهما وبه قطع إمام الحرمين والغزالي والبغوى في: "شرح المختصر" والأكثرون: يجوز لأن فيه غرضًا مقصودًا، وهو امتصاصه الدم من العضو المتألم.
والطريق الثاني: فيه وجهان، وممن حكاهما المتولى أصحهما: يجوز.
والثانى: لا لأنه حيوان مؤذ كالحية والعقرب هذا لفظه.
وبين الكلامين تباين فاحش، فإن المجزوم به في "الروضة" إنما هو الطريقة الضعيفة وليته مع الجزم بها جعل الخلاف ضعيفًا فعبر بالصحيح، بل جعله قويًا.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الإمام والغزالي من قطعهما بالصحة ليس كذلك، فإن الإمام ذكر المسألة في باب بيع الكلاب فقال: تردد القاضى في العلقة فألحقها في جواب بالديدان ومال في جواب إلى جواز بيعها لما فيها من منفعة مص الدم.
وأما الغزالي فلم يذكر المسألة في "الوجيز"، وذكرها في "البسيط" وحكى فيها التردد المذكور من غير ترجيح فقال: ترددوا في بيع العلق
وحكاه في "الوسيط"، ثم قال: والأولى الصحة.
قوله أيضًا في أصل "الروضة": ولا يصح بيع الحمار الزمن الذي لا نفع فيه على الأصح. انتهى.
هذه العبارة أيضًا موضوعة لإثبات الخلاف القوى، فإن القائل بالصحة هنا هو الذي يجوز الشراء لغرض الجلد كما صرح به الرافعي، وكذلك النووي في "شرح المهذب".
وقد صرح فيه أعني في "شرح المهذب" بأنه وجه شاذ ضعيف. هذا لفظه بعد أن نقل عن الجمهور القطع بالبطلان.
قوله: إحداها: آلات الملاهى كالمزامير والطنابير وغيرهما إن كانت بحيث لا تعد بعد الرض والحل مالًا فلا يجوز بيعها.
وإن كان الرضاض يعد مالًا ففي جواز بيعها قبل الرضاض وجهان:
أحدهما: الجواز لما فيها من المنفعة المتوقعة.
وأظهرهما: المنع لأنها على هيئتها آلة للفسق، ولا يقصد بها غيره ما دام ذلك التركيب باقيًا.
ونجرى الوجهين في الأصنام والصور المتخذة من الذهب والخشب وغيرهما.
وتوسط الإمام بين الوجهين فذكر وجهًا ثالثًا، وهو أنها إن اتخذت من جواهر نفيسة صح بيعها لأنها مقصودة في نفسها، وإن اتخذت من خشب ونحوه فلا، وهذا أظهر عنده.
وتابعه المصنف في "الوسيط"، ولكن جواب عامة الأصحاب المنع المطلق، وهو ظاهر لفظه هنا، ويدل عليه خبر جابر المروى في أوائل الركن. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى هذا الكلام أن تجويز الإمام إنما هو في الذهب والفضة والزمرد ونحوها لأن هذه هى الجواهر النفيسة، وليس كذلك، بل جوزه الإمام في كل ما له قيمة كالنحاس والصفر والعود فإنه قد ذكر هذه المسألة في باب بيع الكلاب فقال: ألحق الأئمة مسائل بما ذكرناه في الحيوان منها بيع المعازف وآلات الملاهى.
فإن كانت بحيث لو كسرت الكسر المأمور به لم يكن رضاضها متمولًا، ولا يصح بيعها.
وإن كانت بحيث لو كسرت الكسر الواجب لكان رضاضها متمولًا ففي إيراد البيع عليها قبل الرض وجهان.
أحدهما: يبطل البيع نظرًا إلى صفاتها، ويعتضد هذا بإطباق الناس على استنكار بيع البرابط والطنابير.
والثانى: يصح بيعها لأن جرم الرضاض كائن فيها وهذا وإن كان قياسًا فالعمل على الأول.
فأما إذا باع صورًا وأشباحًا كالأصنام وغيرها وكانت متخذة من جواهر ذات قيمة كالصفر والنحاس وغيرها فهى مكسرة على أربابها.
[والأصح](1) جواز بيعها قبل التكسير، فإن جواهرها مقصودة بخلاف رضاض المعازف.
وذكر القاضى وجهًا في منع بيعها. هذا كلام الإمام وهو كما نبهنا عليه.
الأمر الثاني: أن هذا الوجه الذي تكلمنا عليه واختاره الإمام محله في المسألة الثانية، وهي الصور والأصنام.
(1) في جـ: والصحيح.
وأما الأولى فلم يجزه، وبينهما فرق، فإن آلة الفسق يقصد نهيها أكثر مما تقصد الصور ونحوها.
وقد جمع في "الروضة" بين المسألتين، وحكى فيهما الأوجه الثلاثة، وأن الإمام اختاره فيهما، وهو غلط سببه أنه لم يراجع "النهاية" حال الاختصار، وتوهم أن كلام الرافعي عائد إليهما فصرح به، لكنة لو تأمل آخر كلام الرافعي وهو استدلاله بخبر جابر لم يذكره، فإنه ليس فيه إلا الصور.
وقد فعل في "شرح المهذب" كما فعل في "الروضة" وزاد فنقل التفصيل المذكور عن صاحب "التتمة" مع أنه لم يذكره بالكلية، فإنه عقد لهما المسألة الثانية والثلاثين والثالثة والثلاثين من الباب الثالث، وحكى وجهين فقط، لكنه صحح في الأولى الجواز، ولم يصحح في الثانية شيئًا.
وما نقله عن الغزالي من حكاية الأوجه واختار التفصيل بينهما فصحيح إلا أنه لم يخصه بالجواهر النفيسة، فإنه قال: والأظهر إن كان من ذهب أو فضة أو عود أو شئ نفيس صح. هذا لفظ "الوسيط".
قوله: والجارية المغنية إذا اشتراها بألفين، ولولا الغناء لكانت تساوى ألفًا.
قال المحمودى: يبطل لأنه بذل مال في مقابلة معصية.
وقال الأودى: يصح.
وقال أبو زيد: إن قصد الغناء بطل، وإلا فلا. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الراجح هو الصحة. كذا صححه النووي في "زياداته".
وقال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه القياس.
الأمر الثاني: أنه قد اضطرب التعبير عن الوجه الثالث، ففي نسخ معتمدة من هذا الكتاب إن قبل بالغناء عوضًا عن قصده وفي بعضها قصد
وهو المذكور في "النهاية" و"الروضة".
الأمر الثالث: أن هذا التعليل المذكور للبطلان صريح في تحريم غناء المرأة، وقد ذكر ما يوافقه في الغصب أيضا فقال في الباب الثاني في الطوارئ على المغصوب:
فرع: لو زادت قيمة الجارية بتعليم الغناء ثم نسيته نقل الرويانى عن النص أنه لا يضمن النقص لأنه محرم، وإنما يضمن المباح.
وعن بعض الأصحاب أنه يضمنه، ولهذا لو قتل عبدًا مغنيًا غرم تمام قيمته.
قال: وهو الاختيار. انتهى.
ثم ذكرها بين المسألتين وهما مسألة الغصب والبيع في كتاب الصداق كما ذكرهما في موضعهما.
وإذا علمت ذلك فقد صح في كتاب الشهادات أنه لا يحرم عليها ذلك، وسوف أذكر لفظه في بابه إن شاء الله تعالى.
ولا سبيل إلى حمل المذكور في غير الشهادات على ما إذا كانت تغنى بآلة محرمة لأنه يلزم منه الجزم بصحة البيع في كثير من الجوارى المغنيات أو أكثرها حتى يكون إطلاقهم خطأ.
ولم يصرح أحد بذلك، بل: ولا أشار إليه، وأيضا فإن الرويانى قد استدل على أنه يضمن نقصانها بسبب الغناء فإنه مضمون في العبد المقتول، كما قدمنا أن الرافعي نقله عنه في كتاب الغصب، فدل ذلك على أن غناء العبد ليس بآلة محرمة إذ لو كانت كذلك لما ضمن فيه أيضًا.
ويلزم حينئذ أن لا يستقيم قياس الجارية عليه إلا إذا كان غناؤها بآلة محرمة.
فدل ذلك كله على التحريم مطلقًا.
واعلم أن تحريم الغناء إذا كان بألة محرمة فيه نظر أيضًا، بل ينبغى بقاؤه على إباحته عند من يقول بها، وأن لا يحرم إلا الاستماع إلى تلك الآلة والعمل بها فقط ولعل هذا هو المراد من عبارتهم، وإنما ذكر الغناء لملازمة استماعه لها غالبًا عند اجتماعهما.
وقد وقع هذا الاختلاف أيضًا للنووى في "الروضة" وأكد التحريم في باب الغصب فقال من "زياداته" الأصح المختار هو النص لأنها محرمة.
الأمر الرابع: أن الأوجه السابقة في بيع الجارية مفرعة على قولنا: إن الغاصب لا يضمن الغناء.
فإن قلنا: يضمنه. صح، كذا قاله الرافعي في كتاب الصداق.
قوله من "زياداته": ولو باع [إناء](1) من ذهب أو فضة صح قطعًا لأن المقصود الذهب فقط. ذكره القاضى أبو الطيب. انتهى.
وما ادعاه هنا من القطع بالصحة ذكره أيضا من غير إعزائه إلى أحد في "شرح المهذب" هنا وفي "الروضة" في باب الآوانى، وهو مشكل، فقد تقدم قبل هذا أن الصحيح الذي عليه عامة الأصحاب أنه لا يجوز بيع آلات الملاهى والأصنام والصور المتخذة من الجواهر النفيسة وغيرها.
وعلله الرافعي بأنها على هيئتها آلة الفسق، ولا يقصد بها غيره مادام ذلك التركيب باقيًا، وهذا المعنى موجود في الإناء فكيف يصح فضلًا عن دعوى الاتفاق؟
وقد نقل في باب الآنية من شرح المهذب ما نقله هنا عن القاضى ثم توقف فيه، وقال:
إذا قلنا بتحريم إتخاذ الأوانى فينبغى تخريج بيعها على الخلاف المشهور
(1) سقط من أ.
في بيع الجارية المغنية، وعلى ما قاله من هذا البحث يكون الصحيح الجواز.
لكن إلحاقه بما قلناه أولى لاشتراكهما في تحريم الهبة وهل يلتحق بيع الصليب من النقدين بالأوانى أم بالصنم ونحوه؟
فيه نظر، وقد يلوح الفرق بين مسألتنا، وبين النظائر السابقة.
قوله أيضًا من "زياداته" نقلًا عن المتولى: والنرد إن صلح لبيادق الشطرنج فكالشطرنج وإلا فكالمزمار. انتهى كلامه.
وما نقله عن المتولي هنا نقله في "شرح المهذب" عنه أيضًا وأقره، وقد علمت مما قاله في المسألة السابقة إطلاق المنع في آلات الملاهى. والصور والأصنام، ولم يذكر هذا التفصيل فقياسه هنا أن لا يصح، وإنما فصل صاحب "التتمة" هنا لأنه ذكر مثله هناك فقال في المسألة الثانية والثلاثين من الباب الثالث من أبواب البيع: بيع المزمار والمعزفة والطنبور، وما جانس ذلك من آلات اللهو إن كان محلوله يصلح لمنفعة مباحة مقصودة ففي جواز بيعه وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح: جوازه. هذا كلامه.
لا جرم أن البغوى في "التهذيب" لما كان قائلًا بالتحريم في الملاهي أطلق تحريم بيع النرد. هكذا صرح به في باب بيع الكلاب.
قوله: إحداهما: إذا باع مال الغير بغير إذن وولاية ففيه قولان: الجديد أنه لاغ.
والقديم: أنه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك. انتهى.
واعلم أن هذا القول منصوص عليه في الجديد أيضًا. كذا نقله الشيخ أبو محمد في كتاب القضاء من "السلسلة" وسليم الرازي في "المجرد" والرويانى في "البحر" كلاهما في باب القراض، ونص عليه في "الأم" في أول كتاب الغصب على ما نقله عنه في "المطلب" فقال: إذا باع الغاصب الجارية المغصوبة كان لرب الجارية أن يجيز البيع إن أحب أن يأخذ الثمن
الذي باع به الغاصب.
قال الربيع: فإنه بعد ذلك ليس له إلا جاريته والشراء مردود.
وعلق الشافعى في البويطى صحته على صحة الحديث فقال في آخر باب الغصب: إن صح حديث عروة البارقى (1)، وكل من باع أو أعتق ملك غيره بغير إذنه ثم رضى فالبيع والعتق جائزان. هذا لفظه.
ونقل البيهقى أنه علقه أيضًا على صحته في "الأم".
قوله: ولو اشترى الفضولى لغيره نظر إن اشترى بعين مال الغير ففيه قولان.
(1) قال الترمذى: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمى حدثنا حيان (وهو ابن هلال أبو حبيب البصرى) حدثنا هارون الأعور المقرئ (وهو ابن مرسى القارئ) حدثنا الزبير بن الخريت عن أبى لبيد عن عروة البارقى قال: دفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشترى له شاة فاشتريت له شاتين فبعت إحداهما بدينار وجئت بالشاة والدينار إلى النبى صلى الله عليه وسلم فذكر له ما كان من أمره فقال له بارك الله لك في صفقة يمينك فكان يخرج بعد ذلك إلى كناسة الكوفة فيربح الربح العظيم فكان من أكثر أهل الكوفة مالا.
حدثنا أحمد بن سعيد الدارمى حدثنا سعيد بن زيد (هو أخو حماد بن زيد) قال حدثنا الزبير بن خريت فذكر نحوه عن أَبى لبيد.
قال أبو عيسى: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا به وهو قول أحمد وإسحق ولم يأخذ بعض أهل العلم بهذا الحديث منهم الشافعى وسعيد بن زيد أخو حماد بن زيد وأبو لبيد لمازة بن زياداه.
قلت: قوله: إن الشافعى لم يأخذ به، وهم، إنما علق الأخذ به على صحته، وثم فرق بين أن يتركه وأن يعلق الأخذ به على صحته.
قلت: والحديث صحيح فقد صححه المنذرى والنووي والألبانى.
وقد أعله بعضهم بالجهالة في إسناده، وبعضهم أعله بالإرسال، إلا أن الحافظ ابن حجر قال: والصواب أنه متصل في إسناده مبهم.
وقال الشيخ الألبانى: قلت: وتمام هذا التصويب عندى أن يقال: "وهذا لا يضر لأن المبهم جماعة من أهل الحى أو من قومه كما في الرواية الأخرى.
وإن اشترى في الذمة نظر إن أطلق، ونوى كونه للغير فعلى الجديد يقع للمباشر، وعلى القديم يقف على الإجازة، فإن رد نفذ في حق الفضولى ولو قال: اشتريت لفلان بألف في ذمته فهو كاشترائه بعين مال الغير ولو اقتصر على قوله اشتريت لفلان بألف، ولم يضف الثمن إلى ذمته فعلى الجديد وجهان:
أحدهما: يلغو العقد.
والثاني: يقع عن المباشر.
وعلى القديم يقف على إجازة فلان، فإن رد ففيه الوجهان انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب". والصحيح من هذين الوجهين اللذين قد تكرر ذكرهما وقوع العقد عن المباشر، كذا صححه الرافعي في أثناء الباب الثامن من أبواب الوكالة في الكلام على البيع والشراء المخالفين أمر الموكل.
قوله: ولو اشترى شيئًا لغيره بمال نفسه نظر إن لم يسمه وقع العقد عن المباشر سواء أذن ذلك الغير أم لا.
وإن سماه نظر إن لم يأذن له لغت التسمية وهل يقع عنه أم يبطل؟ وجهان.
فإن أذن له فهل تلغو التسمية؟ وجهان فإن قلنا: نعم. فهل يبطل من أصله أم يقع عن المباشر؟ فيه وجهان.
وإن قلنا: لا وقع عن الإذن، وهل يكون الثمن المدفوع قرضًا أم هبه؟ وجهان. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب" أيضًا.
فأما الوجهان الأولان فالصحيح فيهما على ما ذكرناه في المسألة السابقة
وقوع العقد عن المباشر وأما الخلاف المتأخر، وهو أنه هل يقع عن الآمر عن الإذن أم لا؟
وإذا أوقعناه عنه هل يكون المعطى قرضًا أم هبة؟ فقد تعرض له الرافعي قبيل الباب الثالث من أبواب الوكالة فقال: ولو قال لغيره اشتر عبد فلان لى بثوبك هذا أو بدارهمك ففعل حصل الملك للآمر، ويرجع المأمور على الآمر بالقيمة أو المثل وفيه وجه أنه إذا لم نجر شرط الرجوع لا يرجع. انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب"، وصرح بأن الثاني وجه ضعيف، وحاصله وقوع العقد عن الآمر، وأن المعطى يكون قرضًا، ولكنه ذكر بعده بنحو صفحة ما يشكل عليه، وسوف أبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: وشرط الوقف عند أَبى حنيفة أن يكون للعقد مجيز في الحال مالكًا كان أو غير مالك، حتى لو أعتق عبدًا لطفل أو طلق امرأته لا يتوقف على إجازته بعد البلوغ.
والمعتبر إجازة من ملك التصرف عند العقد حتى لو باع مال الطفل فبلغ وأجاز لم ينفذ وكذا لو باع مال الغير ثم تملكه وأجاز.
وقال الشيخ أبو محمد. ولا يخالف في ذلك أبو حنيفة إذا فرعنا على القديم. انتهى كلامه.
وهذا الكلام الذي ذكره الرافعي معناه واضح ولكنه غير محرر في التعبير، واشتمل على تكرار، فإن قوله:(والمعتبر إجازته إلى آخره) يعنى غير ما تقدم، والواقف عليه يتوهم غير ذلك.
قوله؛ وذكر إمام الحرمين أن العراقيين لم يعرفوا القول القديم، وقطعوا بالبطلان.
وهذا إن استمر اقتضى كلامه إعلامه بالواو وإنما توقف فيه وما ألفيته من كتب العراقيين هو الاقتصار على ذكر البطلان لا نفي الخلاف. انتهى ملخصًا.
وما ذكره الرافعي من أن الذي وجده في كتب العراقيين إنما هو البطلان غريب، فقد نص عليه القاضى أبو الطيب في كتاب الوكالة في الكلام على ما إذا وكله في شراء شاة، فاشترى شاتين.
وكذا ابن الصباغ في الوكالة أيضًا في المسألة المذكورة في باب الأضحية، وسليم الرازى في كتاب القراض من "المجرد"، وبالغ فنسبه أيضًا إلى الجديد كما تقدم.
ولم يذكر النووي في "الروضة" قول الرافعي أنه لم يجده؛ بل ذكر قول الإمام، ثم استدرك عليه فقال: قلت: قد ذكر هذا القديم من العراقيين المحاملى في "اللباب" والشاشى صاحب "البيان"، ونص عليه الشافعى في "البويطى"، وهو قوى في الدليل. وهذا لفظه.
وجميع ما ذكره في هذا الزيادة غير صحيح؛ أما المحاملى فلا شك أنه عراقى، لكنه لم يصرح في هذا الكتاب، الذي نقل عنه وهو "اللباب" بالمسألة بخصوصها، فإنه عذذ تنوعًا للشافعى فيها قولان، ثم عبر في أثنائها بقوله: وبيع تعريف الصفقة، وبيع الموقوف. هذا لفظه من غير زيادة عليه.
ولا شك أن قولى الوقف يطلقان على هذه المسألة، وعلى من باع مال أبيه ظانًا حياته.
وقد صرح هو في "الروضة" بعد هذا بأسطر قلائل بذلك.
وإذا كانا يطلقان على كل من الصورتين لم يؤخذ منه حكاية الخلاف في بيع الفضولى، لأنه قد يريد المسألة الأخرى.
وأما صاحب "البيان" فنقله عن الفورانى، وهو من الخراسانيين، والشاشى نقله عن القاضى الحسين وهو منهم أيضًا.
وأيضًا فإن هذين لم يلتزما طريقة واحدة حتى ينقص بها، بل خلطا طريقة بطريقة، وأيضًا فإنهما متأخران عن الإمام.
وأما النقل عن البويطى فليس فيه الجزم بالصحة بل التعليق كما سبق، وقد سبق من النقول الصريحة ما فيه غنية عنه، وإن كان قد قال في "شرح المهذب": إن جميع من حكاه إنما حكاه عن القديم.
وأما دعواه بأنه قوى فباطل، فإن أقوى ما فيه حديث عروة، ولا يمكن حمله على هذه المسألة، فإنه قد باع وسلم.
والقائل بالصحة في هذه المسألة لا يجوز عنده التسليم إلا بإذن، كما صرح به في "شرح المهذب"، فتعين حمله على أنه كان وكيلًا للنبي صلى الله عليه وسلم في بيع ما يراه من أمواله الموجودة، والتى ستحدث.
ويكون هذا الحديث دليلًا على صحة هذا التوكيل.
وقد حكى الرافعي في صحته احتمالين من غير ترجيح مستدلًا للصحة بهذا الحديث، ذكر ذلك في كتاب الوكالة، وثبت هناك أن المنقول هو الصحة.
قوله: الثالثة: لو باع مال أبيه على ظن أنه حي فبان ميتًا صح العقد في أصح القولين. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن حكاية الخلاف في هذه المسألة قولين ذكره القاضى أبو الطيب في آخر باب العفو عن المهر من تعليقه، والداوودي في "شرح المختصر" في باب عدة المفقود، وجزم به النووي في "الروضة" وصححه في
"شرح المهذب" هنا فقال ما نصه: فقولان وقيل: وجهان هذا لفظه.
وحكاه جماعة وجهين منهم الشيخ أبو حامد في باب عدة المفقود من تعليقه، والبندنيجى والماوردي في الموضع المذكور، والقفال في "شرح التلخيص" في كتاب الوصايا في ذكر [ما يعتد به](1) من أصول الكوفيين.
وصححه النووي في "شرح المهذب" في باب المسح على الخفين فقال: ففي صحته وجهان، وقيل: قولان: هذه عبارته.
والصواب أنهما قولان فقد قال الإمام في الوكالة في الكلام على افتقار الوكالة إلى القبول إن الشافعى نص عليهما في الجديد، وذكر الشيخ أبو حامد أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في الباطن، وأما في الظاهر فإنه مؤاخذ به كذا ذكره في آخر باب العفو عن المهر.
الأمر الثاني: أن التمثيل بهذا ونحوه إشارة إلى فرع ذكره الإمام في كتاب الرجعة، ونقله عنه في "المطلب" هنا فقال: لو باع عبدًا على أنه ملك لغيره، فبان ملك نفسه صح لأن الجهل لم يستند إلى أصل.
ولو باع مال أبيه ظانًا حياته فقولان، ووجه المنع أنه استند إلى أصل، وهو بقاء ملك الأب.
قوله: ولو غصب أموالًا وباعها وتصرف في أثمانها مرة بعد أخرى فقولان.
أظهرهما: بطلان الجميع.
والثانى: للمالك أن يجيزها، ويأخذ الحاصل منها لعسر بيعها بالإبطال. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
(1) في جـ: ما شذ.
أحدهما: أن محله إذا تصرف في العين، فإن باع سلما أو اشترى في الذمة وسلم المغصوب فيما التزمه وربح فالربح للغاصب في الجديد، وللمالك في القديم.
وعلى هذا فقيل: إنه موقوف على إجازته، والأكثرون قالوا: إنه له جزمًا للمصلحة. كذا ذكره الرافعي في الباب الثاني من أبواب القراض.
الأمر الثاني: أن هذين القولين مفرعان على الجديد كما ذكره في "شرح المهذب".
قوله: ولا يبعد تشبيه هذا الخلاف، بالخلاف في أن بيع الهازل هل ينعقد؟ وفيه وجهان. انتهى.
والأصح في الهازل انعقاد بيعه، وسائر تصرفاته.
كذا صححه الرافعي في كتاب الطلاق إلا في الطلاق والعتاق، فإنه جزم فيهما بالنفوذ.
قوله: ويجري القولان فيما إذا زوج أمة أبيه على ظن أنه حي ثم بان موته، هل يصح النكاح؟
فإن صح فقد نقلوا وجهين فيما إذا صرح بالتعليق فقال: إن مات أَبى فقد زوجتك هذه الجارية. انتهى.
فيه [أمران](1):
أحدها: قد استفدنا من هذا الكلام أن الشروط المعتبرة في صحة النكاح لا يشترط علم المتعاقدين بها، بل يكفي وجودها في نفس الأمر.
وقد ذكر أيضًا ما يوافقه في كتاب العدد في الكلام على زوجه المفقود فقال: وإذا مضى عليه أربع سنين فاعتدت المرأة، وتزوجت ثم ظهر أن
(1) سقط من أ.
الزوج كان ميتًا عند التزويج فعلى القديم لا إشكال، وأما على الجديد فإنه يخرج على القولين فيما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حى فبان ميتًا.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في باب الربا ما يخالفه فقال: ولا يجوز بيع الربوى بجنسه جزافًا ولا بالتخمين والتحرى، فلو باع صبرة بصبرة وخرجتا متماثلتين لم يصح، لأن التساوى شرط، وشرط صحة العقد تعيين العلم به عند العقد.
ولهذا لو نكح امرأة لا يعلم أهى أجنبية أم معتدة أم لا؟ لم يصح النكاح. انتهى.
وقريب منه ما إذا عقد شهادة خنثيين، ثم تبين أنهما رجلان. الأصح فيه الصحة. كذا قاله النووي من زياداته في النكاح، قال: بخلاف نظيره من الصلاة لأن النية شرط فيها، وهى مترددة بخلاف الشهادة، لكن يشكل على هذا ما جزم به الرافعي في كتاب القضاء قبيل الطرف الثاني، ووافقه عليه النووي أن الإمام لو ولى رجلًا للقضاء وهو لا يعرف حاله لم تصح توليته، وإن ظهر كونه بالصفة المشروطة.
الأمر الثاني: أن تصوير المسألة الثانية بقوله: إن مات أى لا يستقيم لأن هذا تعليق على مستقبل وإن كان لفظه ماضيًا، والتعليق على المستقبل لا يصح بالاتفاق كما لو قال: إن قدم زيد أو طلعت الشمس فقد بعتك، فالصواب تصوير هذه المسألة بقوله: إن كان أَبى قد مات، وقد صورها الإمام في كتاب النكاح بذلك.
الأمر الثالث: أن الصحيح في هذه المسألة، وهى ما إذا صرح بالتعليق أنه لا يصح. كذا صرح به في "الروضة" في كتاب النكاح فقال: لم يصح النكاح على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: وجهان.
هذا لفظه في هذه المسألة، وفي نظائرها، وهو مخالف لما جزم به في
"الروضة" هنا تبعًا للرافعى من طريقة الوجهين.
الأمر الرابع: إنه إذا أذن له في الشراء بشئ معين ثم اختلفا، وجعلنا الجارية للوكيل ظاهرًا وهو يزعم أنها للموكل فيقول: إن كنت أمرته أن يشريها بعشرين مثلًا فقد بعتك إياها بعشرين فيقبل الوكيل.
وحينئذ فيصح البيع على الصحيح كما قاله الرافعي، وعلله صاحب "الشامل" بأنه أمر واقع يعلمان وقوعه مثل إن اتفقا على أن الشئ المذكور ملك لأحدهما فيقول: إن كان ملكى فقد بعتكه فيصح.
وكذا لو شرط علم وجوده لأنه لا يؤدى إلى وقوف البيع. هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فتكون صورة المسألة هنا أيضًا، وفي جميع نظائرها فيما إذا لم يعلما موت الأب وغيره من الشروط المعلق عليها، فإن علما صح.
قوله: وذكر الإمام أن الصحة على قول الوقف بأجرة، لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة. انتهى.
وسيأتى أن الوصية للوارث إذا صححناها موقوفة على الإجازة فهل تكون إجازته تنفيذًا أو ابتداء عطية؟ فيه خلاف، والقياس أن يأتي ذلك بتفاريعه هناك فراجعه.
وما نقله عن الإمام وأقره هو والنووي عليه هو معنى ما في "المحرر"، فإنه جزم بأنه ينعقد موقوفًا ولا معنى للانعقاد إلا الصحة.
نعم كلام الرافعي في العدد يفهم أن الانعقاد موقوف.
قوله: عن الإمام إن الوقف يطرد في كل عقد يقبل الإستنابة كالبياعات والإجارات والهبات والعتق والطلاق والنكاح وغيرها. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله هنا عن الإمام وارتضاه من جريان القولين في العتق والطلاق قد ذكر في موضعين من هذا الكتاب ما يخالفه، وأن القولين لا
يجريان فيهما.
أحدهما: في كتاب الضمان في الكلام على ضمان المجهول فقال ما نصه: ومنها لو كان لأبيه دين على إنسان فأبراه، وهو لا يعلم موت مورثه إن قلنا: البراءة إسقاط صح، كما لو قال لعبد أبيه أعتقتك، وهو لا يعلم موت الأب.
وإن قلنا: تمليك فهو كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حى، وهو ميت. انتهى كلامه.
وهذا صريح في أن القولين لا يجريان في العتق وأنهما إنما يجريان في التمليكات لا في الإسقاطات.
والموضع الثاني: في أوائل نكاح المشركات فقال ما نصه: وحيث توقفنا في النكاح وانتظرنا الحال إلى انقضاء مدة العدة، فلو طلقها قبل تمام العدة فالطلاق موقوف أيضًا، فإن اجتمعا على الإسلام في العدة تبين وقوعه، وتعتد من وقت الطلاق وإلا فلا طلاق، وحكى الإمام أن من الأصحاب من جعل الطلاق على قولي وقف العقود، وقال: لا يقع في قول، وإن اجتمعا على الإسلام.
وأجراهما: فيما إذا أعتق أمة أبيه على ظن كونه حيًا فبان ميتًا.
والمذهب الأول، فإن الطلاق والعتاق يقبلان صريح التعليق، فأولى أن يقبلا تقدير التعليق. انتهى.
قوله: الشرط الثاني: القدرة على التسليم فلا يجوز بيع الضال والآبق والمغصوب إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن في المنع من بيع هؤلاء إشكالًا، وذلك أن إعتاقهم جائز بلا شك، وصرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه منفعة إلا حصول الثواب
بالإعتاق كالعبد الزمن صح بيعه، وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح على الصحيح، ويكون قبضًا فلم لا صح بيع هؤلاء إذا كانوا زمنى، بل مطلقًا لوجود منفعة من المنافع التى يصلح لها الشراء.
الأمر الثاني: قال الثعالبى في كتاب "سر اللغة" في آخر الفصل الثالث من الباب الثالث أنه لا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل، وإلا فهو هارب.
قوله: فإن باع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه صح في الأصح، ثم قال: لكن لو عجز عن الانتزاع لضعف عرض له أو قوة عرضت للبائع، فله الخيار، وفيه وجه أشار إليه الإمام. انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام ليس مطابقًا له، فإن كلام الرافعي في عجز المشتري والإمام فرضها في عجز البائع.
قوله: ولو باع السمك في بركه صغيرة يمكن أخذه منها بلا تعب صح، وإن كانت كبيرة فوجهان أظهرهما: المنع.
ثم قال: وهذا كله فيما إذا لم يمنع الماء رؤية السمك، فإن منع فعلى قولى بيع الغائب إلا أن لا يعلم قلة السمك وكثرته ولا سيئًا من صفاته فيبطل بلا [محالة](1). انتهى.
وعبر في "الروضة" بقوله: فلا يصح قطعًا، وفي "شرح المهذب" بقوله: بلا خلاف وما قالاه من نفي الخلاف ليس بصحيح، فسيأتى بعد هذا في التفريع على صحة بيع الغائب وجه أنه لا يشترط ذكر جنس المبيع، ولا قدره ولا صفته حتى لو قال: بعتك ما في كى أو ميراثى من أَبى وهما لا يعلمانه صح.
قوله من "زياداته": ولو باع ثلجًا أو جمدًا وزنًا وكان ينماع إلى أن يوزن
(1) في جـ: مخالفة.
لم يصح على الأصح.
وسيأتى هذا إن شاء الله تعالى في المسائل المنثورة في آخر كتاب الإجارة. انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة قد ذكرها في الفصل [الأول](1) المعقود للمسائل المتعلقة بالباب الأول فصورتها على ما ذكره هناك [إنما هو في تلف البعض خاصة. وأما إذا كان يتلف كله فيبطل جزمًا. هذا حاصل ما ذكره هناك](2) وسنذكر لفظه في موضعه.
وأيضًا فبتقدير ما فرضه، وهو أن ينماع جميعه فله حالان:
أحدهما: أن يكون على الأرض، فلا إشكال في البطلان.
والثانى: أن يكون في إناء فينظر إن عبر بقوله: بعتك هذا كل رطل بكذا، ولم يذكر الجمد، فلا يتأتى الخلاف، بل يصح جزمًا لأن بيع الماء بالوزن صحيح، وإن عبر بقوله: هذا الجمد فيتجه تخريج الصحة فيه على الخلاف المشهور في الإشارة والعبارة.
قوله: وذكر بعض شارحى "المفتاح" أنه لو باع دارًا إلا بيتًا في صدرها لا يلى شارعًا ولا ملكًا له على أنه لا ممر له في المبيع لا يصح البيع. انتهى.
وما نقله عن الشارح المذكور وأقره، ولم يذكر ما يوافقه، ولا ما يخالفه، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة".
وقد صرح بالمسألة في "شرح المهذب" وحكى فيها وجهين، وقال: أصحهما: البطلان إلا أن الرافعي في الركن الثاني من كتاب الشفعة قد ذكر ما حاصله الجزم بالصحة، وسأذكره في موضعه إن شاء الله فراجعه.
قوله: كما لو باع ذراعا معينا من أرض أو دار فإنه يصح. انتهى.
(1) سقط من أ.
(2)
سقط من أ.
اعلم أن بيع الدار يتناول الأبنية بلا شك، فيدخل في الذراع المعين ما يسامته من الأبنية، وسيأتي أن بيع النصف المعين من الجدار لا يصح في بعض الصور فاعلمه.
قوله في أصل "الروضة": ولو أعتق الجاني، فإن كان السيد معسرًا لم ينفذ على الأظهر، وقيل: لا ينفذ قطعًا.
وإن كان موسرًا نفذ على أظهر الأقوال.
والثالث موقوف إن فداه نفذ وإلا فلا. انتهى.
حكى الرافعي طريقة قاطعة بالنفوذ في الموسر، ولم يذكرها في "الروضة".
قوله: واستيلاد الجارية الجانية كإعتاقها. انتهى.
اعلم أن في استيلاد الجارية المرهونة ثلاثة طرق:
أحدها: القطع بالنفوذ.
والثاني: القطع بعدمه.
والثالث: على الأقوال الثلاثة في إعتاقها، والقياس جريان هذه الطرق، واستيلاد الجانية أيضًا.
قوله في أصل "الروضة": ومتى فدى السيد الجاني فالأظهر أنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش وقيمة العبد، والثاني: يتعين الأرش وإن كثر. انتهى كلامه.
وقد تقدم فيما يلزم فيه الفداء ثلاث مسائل وهى: البيع والإعتاق والاستيلاد، وقد جزم فيها بإثبات قولين.
وهذا الذي جزم به هو طريقة ضعيفة، والمشهور في المسائل الثلاث إنما طريقة القطع بالأقل ومحل القولين إنما هو في الفداء مع إمكان بيعه هكذا ذكره الرافعي والمصنف في كتاب الجنايات في أواخر باب العاقلة، وستعرف لفظه هناك.
والرافعي رحمه الله سالم من هذا الاعتراض، فإنه عبر بقوله: فيه خلاف يأتى في موضعه. والأصح الأول. هذا لفظه.
فلم يذكر أن الخلاف قولان ولا وجهان ولا طريقان، وليس له فيه اصطلاح فتصرف النووي في كلامه ذاهلًا عن المذكور هناك، فوقع في الغلط.
قوله من "زياداته": ولو ولدت الجارية لم يتعلق الأرش بالولد قطعًا، ذكره القاضى أبو الطيب في نماء الرهن، والله أعلم.
وهذا الكلام يقتضى أن هذا النقل غريب مع أن الرافعي قد صرح به في موضعين من كتابه:
أحدهما: في النكاح في الكلام على الولاية على الرقيق.
والثانى: في أواخر باب العاقلة، وهو الموضع اللائق بالمسألة فإنه هناك ذكر أحكام جناية الأرقاء.
قوله: فأما إذا أوجبت الجناية القصاص فطريقان:
أحدهما: طرد القولين، ثم قال: وأصحهما: القطع بالصحة. انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القطع ثم خالف في "المنهاج" فجزم بطريقة القولين، فإنه عبر بالأظهر.
قوله: ولو أعتق السيد العبد الجانى جناية توجب المال فأصح [الطريقين](1) نفوذه من الموسر دون المعسر.
أما عند اليسار فلأنه بسبيل من نقل حق المجنى عليه إلى ذمته باختيار الفداء. انتهى كلامه.
وما ذكره من انتقال الحق إلى ذمته باختياره للفداء قد تكرر منه في هذا
(1) في ب، جـ: القولين.
الفصل، وعبر عنه بعبارات مختلفة، وتبعه النووي عليه وهو خلاف الصحيح، فقد قال -أعنى: الرافعي- في آخر باب العاقلة: ولو قال السيد: اخترت الفداء، وقال: أنا أفديه فوجهان:
أحدهما: يلزمه الفداء ولا يقبل رجوعه.
والصحيح: أنه لا يلزمه، بل يبقى خياره كما كان. انتهى واللفظ "للروضة".
الشرط الخامس كون المبيع معلومًا
قوله: وعن أَبي حنيفة رحمه الله أنه لو قال: بعتك أحد عبدى أو عبيدى الثلاثة على أن تختار من شئت في ثلاثة فما دونها يصح العقد.
وغرب المتولى فحكى عن القديم قولًا مثله، ثم قال: ووجه المذهب القياس على ما إذا زاد العبيد [على](1) الثلاثة أو لم يجعل له الاختيار أو زادوا على الثلاث أو فرض ذلك في الثياب والدواب وغير العبيد، وعلى النكاح. انتهى كلامه.
وما ذكره عن أَبى حنيفة من البطلان في الثياب قد نقل بعد ذلك عنه عكسه فقال في الكلام على خيار الشرط: الثالثة: لو باع عبدين بشرط الخيار في أحدهما لا على التعيين فسد العقد، وقال أبو حنيفة: يجوز في العبدين والثوبين والثلاثة، ولا يجوز في الأربعة وما زاد كما قال في البيع. هذا كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، واعلم أن النووي في "الروضة" لما حكى هذا القول القديم لم يصرح باشتراط هذه القيود كما صرح به الرافعي وإنما ساقها مساق المثال فاعلمه واجتنبه.
قوله: ولو لم يكن إلا عبد واحد فحضر في جماعة من العبيد وقال السيد، بعتك عبدى من هؤلاء والمشترى يراهم، ولا يعرف عين عبده فحكمه حكم بيع الغائب. قاله في "التتمة".
وقال صاحب "التهذيب": عندى أن هذا البيع باطل لأن المبيع غير متعين. انتهى.
(1) سقط من أ.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والأصح ما قاله البغوى، كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر [بالأصح](1).
قوله: ولو باع الجملة واستثنى جزءًا شائعًا جاز. مثاله: بعتك ثمرة هذا البستان إلا ربعها وقدر الزكاة منها. انتهى.
قال الماوردي في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمر: ولابد من ذكر قدر الزكاة في البيع أعشر هو أو نصف عشر.
وقال مالك: ليس يلزم ذكر القدر لأن العلم به شرعًا يغنى عن ذكره شرطًا [وهذا ليس بصحيح لأنه لو كان علمه بالشرع يغنى عن استثنائه بالشرط لكان العلم](2) بوجوب الزكاة يغنى عن اشتراط الزكاة. انتهى.
وجزم في "البحر" بوجوب ذكره أيضًا، ثم إذا استثنى قدر الزكاة فأراد المشترى أن يدفع قدر الزكاة من غير تلك الثمرة ففيه وجهان حكاهما الماوردي في الباب المذكور:
أحدهما: يجوز لأنه يحل في ذلك محل البائع، وقد كان ذلك جائزًا للبائع.
والثانى: لا، لأن المشترى لم يملك قدر الزكاة بعقد ولا غيره، وإنما هو كالوكيل فيها بخلاف البائع، قال الرويانى في "البحر": وهذا هو المذهب الذي لا يجوز أن يقال غيره عندى.
وما قالاه يقتضى أنه يجوز للبائع إمساك ذلك المقدار وإخراج الزكاة من غيره.
قوله: ولو باع ذراعًا من أرض أو ثوب يعلمان ذرعانه ثم اختلفا فقال المشترى: أردت الإشاعة حتى يصح العقد، وقال البائع: بل أردت معنيًا
(1) في ب: بالأظهر.
(2)
سقط من أ.
حتى يفسد ففي المصدق منهما احتمالان انتهى.
قال النووي في "الزيادات": أرجح الاحتمالين يصدق البائع حتى يفسد.
واعلم أنه إذا قال: قارضتك على أن نصف الربح لك صح على الأصح.
وإن قال: على أن نصفه لى لم يصح في الأصح على ما تعرفه في القراض، فعلى هذا إذا قال: خذ المال قراضًا بالنصف، فالأشبه كما قاله في "المطلب" أنه يصح تنزيلًا على شرط النصف للعامل، وكلام سليم في "المجرد" يشير فيه إلى الوجهين، ثم قال أعنى سليمًا: وإذا قلنا بالصحة، فقال رب المال: أردت أن النصف لى فيكون فاسدًا، وادعى العامل العكس صدق العامل لأن الظاهر منعه. انتهى.
وهذه المسألة هى شبيهة بمسألتنا، وحكمها مخالف لما رجحه في "الروضة" إلا أن المتبادر إلى الفهم من مسألة القراض إنما هو اشتراكهما على السواء.
قوله: أما إذا عين الممر من جانب صح البيع. . . . إلى آخره.
لم يتعرض رحمه الله في هذا الفصل لاشتراط بيان قدر الممر بالذرع، وقد صرح بالمسألة في كتاب الدعاوى فقال: إذا ادعى أن له طريقًا في ملك غيره أو ادعى حق إجراء الماء.
قال القاضي أبو سعد: الأصح لا يحتاج إلى إعلام قدر الطريق والمجرى.
ثم قال: وقال أبو على السنجي: يشترط إعلام الطريق [والمجري](1) وهكذا لو باع بيتًا من دار، وسمى له طريقًا ولم يبين قدره لا يصح. هذا كلامه.
(1) سقط من أ.
قوله: ولو أن الأرض المبيعة كانت ملاصقة للشارع فليس للمشترى طروق ملك [البائع](1) فإن العادة في مثلها الدخول من الشارع فينزل الأمر عليها.
ولو كانت ملاصقة لملك المشترى فلا يتمكن من المرور فيما أبقاه البائع لنفسه، بل يدخل فيه من ملكه القديم.
وأبدى الإمام رحمه الله فيه احتمالًا، قال: وهذا إذا أطلق البيع؛ أما إذا قال بحقوقها فله المرور في ملك البائع. انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه احتمالًا هو وجه ثابت في المسألتين جميعًا أعني في الملاصقة للشارع والملاصقة لملك المشتري كذا حكاه فيهما معًا صاحب "التتمة" في الباب الثاني عشر المعقود لبيع الأصول والثمار في المسألة العاشرة من الفصل الثالث، وكذلك القاضي حسين، كما نقله عنه في "الكفاية".
ثم إن الاحتمال المذكور خاص بالمسألة الأخيرة كما هو المفهوم من عبارة المصنف، فإن الإمام قد صرح بذلك.
وكذلك ما نقله عن الإمام آخرًا من جواز المرور إذا قال: بعتكها بحقوقها، فإنه ذكره في المسألة الأخيرة خاصة.
نعم أجراه الغزالي في "البسيط" في المسألتين جميعا، وقد جزم الرافعي في "الشرح الصغير" بما قاله الإمام.
ولو كانت الدار ملاصقة لمسجد أو أرض موقوفة على الدفن فهل هو كالشارع؟
فيه نظر، والمتجه في المسجد عدم الالتحاق بخلاف المقبرة.
قوله: ولو باع داره واستثنى لنفسه بيتًا فله الممر، فإن بقى نظر: إن
(1) سقط من أ.
أمكن اتخاذ ممر صح البيع وإلا فوجهان، وجه المنع ما قدمناه عن شارح "المفتاح" انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من استحقاق الممر ينبغى أن يكون محله فيما إذا لم يكن البيت متصلًا بشارع أو بملك البائع، فإن كان كذلك فيكون على الوجهين السابقين في المسألة قبلها.
وقد صرح بذلك القاضي الحسين في "تعليقته" في باب الوقت الذى يحل فيه بيع الثمار.
وحينئذ فيكون الصحيح عدم الاستحقاق.
الثاني: أن الصحيح من الوجهين فيما إذا بقى الممر، ولم يمكن اتخاذه عدم الصحة. كذا صححه في "الروضة" من "زياداته" وقاسه على بيع ذراع من ثوب ينقص بالقطع، وهذا هو التعليل الذي نقله الرافعي عن شارح "المفتاح" والموضع الذي نقله عنه الرافعي هو في أثناء الشرط الرابع، وكلام الرافعي هناك يوهم استغراب ما حكاه عن "المفتاح"، وكذا كلام "الروضة"، بل هو أشد إيهامًا من كلام الرافعي.
قوله: وأما القدر فالمبيع قد يكون في الذمة، وقد يكون معينًا، والأول هو السلم. انتهى.
ودعواه أن كلما عقد على الذمة سلم ليس كذلك، بل شرطه أن يعقد عليه بلفظ السلم.
فاما إذا عقد بألفاظ البيع فقال: اشتريت منك أردبًا في ذمتك، ووصفه فإن الأصح أنه لا يكون تسليمًا، بل بيعًا تثبت فيه أحكامه دون أحكام السلم كما قاله في باب السلم.
قوله: فما كان في الذمة من العوضين فيشرط كونه معلوم القدر، حتى لو قال: بعتك ملء هذا البيت حنطة، أو بزنة هذه الصنجة ذهبًا لم يصح البيع. انتهى.
وهذا التمثيل الذي قاله: يشعر بأنه لو لم يكن المعقود عليه في هذين المثالين في الذمة بأن قال: بعتك ملء هذا البيت من هذه الحنطة أو بزنة هذه الصنجة من هذا الذهب أنه يصح، والأمر كذلك على الصحيح فافهمه.
وسببه أن الإضافة إلى شيء حاضر لا غرر فيه لإمكان الشروع في الوفاء عقيب العقد.
وقد صرح الرافعي بهذا الحكم والتعليل في باب السلم في الكلام على تعيين الميكال، لكنه اقتصر على التمثيل بالمبيع دون الثمن فقال ما نصه: لو عين المكيل بما لا يعتاد الكيل به كالكوز فسد السلم لأن ملاءه مجهول القدر، ولأن فيه غررًا لا حاجة إلى احتماله، فإنه قد يتلف قبل المحل وفي البيع لو قال: بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة فوجهان بناء على المعنيين.
والأصح الصحة اعتمادًا على المعنى الثاني هذا كلام الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: ولو قال: بعت بما باع به فلان فرسه أو ثوبه وأحدهما لا يعلمه لم يصح للجهل.
وقيل: يصح للتمكن من العلم، كما لو قال في صبرة مجهولة: بعتكها كل صاع بدرهم.
وقيل: إن حصل العلم قبل التفريق صح، وإلا فلا. انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بما إذا علما ذلك، إلا أنه مشعر بالجزم بصحة البيع.
وقد صرح بالمسألة في الباب الثاني من كتاب الوصية في الكلام على ما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابنى، وحكى فيها وجهين، ولم يصحح منهما شيئًا، وسأذكر لفظه هناك لشيء يتعلق به.
قوله: ولو قال: بعت بمائة دينار إلا عشرة دراهم لم يصح إلا أن يعلما قيمة الدنانير بالدراهم. انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: ينبغى أن لا يكفي علمهما، بل يشترط قصدهما استثناء القيمة وذكر صاحب "المستظهري" في ما إذا لم يعلما حال العقد قيمة الدينار من الدراهم، ثم علما في الحال طريقين:
أصحهما: لا يصح كما ذكرنا.
والثاني: على وجهين. والله أعلم. هذا لفظه بحروفه.
وما نقله رحمه الله عن "المستظهري" من حكاية الخلاف في ما إذا لم يعلما عند العقد، ثم علما سهو فإن هذا النقل الذي عزاه إليه محله في آخر باب الربا، وقد قال هناك ما نصه: فإن اشترى ثوبًا بمائة درهم إلا دينار لم يصح، ومن أصحابنا من حكى أنهما إذا علما قيمة الدينار من الدراهم في الحال كان في صحة البيع وجهان، وما ذكرنا أصح. هذا لفظ الشاشي بحروفه.
وحاصله أنه حكم أولًا ببطلان البيع علما أو جهلا، ثم حكى طريقة ضعيفة بإثبات وجهين عند العلم. وهو عكس ما نقله عنه في "الروضة"، ثم إننى راجعت أيضًا كلام الماوردي لعلمى أن غالب ما ينقله الشاشى في الكتاب المذكور فيه فرأيته قد ذكر المسألة في الموضع الذي ذكرها فيه الشاشى، ومثل بالمثال بعينه، وزاد المسألة إيضاحًا فقال:
فرع: فإذا باعه ثوبًا بدينار إلا درهم فإن جهلا أو أحدهما قيمة
الدينار في الحال كان البيع باطلًا للجهل بالثمن.
وإن علما قيمة الدينار ففي البيع وجهان:
أحدهما: أن البيع باطل، لأن الاستثناء من غير جنس الثمن.
والثاني: أن البيع جائز لأنهما إذا علما أن قيمة الدينار عشرة دراهم، وقد باعه بدينار إلا درهم كان بمثابة قوله: بعتك بدينار إلا عشر دينار.
فيصبر البيع بتسعة أعشار دينار، والأول أصح الوجهين، لأنه استثنى درهمًا، ولم يعين قيمة درهم، فلا يلزم المشترى دفع الدينار كله لموضع الاستثناء ولا يلزم البائع دفع الدرهم لأنه ليس بمشترٍ فتعذر استيفاء العقد فبطل هذا لفظه.
ونقله عنه صاحب "البحر" أيضًا، فوضح بذلك بطلان ما نقله في "الروضة".
قوله: ولو غلب من جنس العروض نوع فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان، المحكى عن أبى إسحاق أنه ينصرف كما ذكرنا في النقد.
قال في "التتمة": وهو المذهب.
ومن صوره أن يبيع صاعًا بصاع من الحنطة أو بشعير في الذمة، ثم أحضر اقبل التفريق. انتهى كلامه.
واعلم أن كلام المتولى لا يطابق ما نقله عنه الرافعي فإنه قال: إذا باع صاع حنطة بصاع حنطة فإن كانت أنواع الحنطة في البلد تختلف، وأطلق لا يصح العقد.
وإن وصف البدلين، أو كان النوع واحدًا لا يختلف أو حضر البدلين في المجلس وتقابضا فالعقد صحيح على ظاهر المذهب كما ذكرنا في الدراهم بالدنانير.
وقد ذكر في المسألة وجه آخر أن العقد لا يصح حتى يكون أحدهما معينًا حالة العقد، وليس يتضح الفرق بين الطعام والدراهم.
وهكذا لو باع صاع حنطة موصوفة بصاع شعير فالحكم على ما ذكرنا .. انتهى كلامه.
فالمتولي جازم بأن الغلبة في هذا كافية، وأن العقد ينصرف إلى الغالب.
وإنما الخلاف الذي حكاه في اشتراط تعيين أحدهما، ولهذا سوى بينه وبين الموصوف في حكاية الخلاف مع أن الوصف كاف بلا نزاع.
فهذا الوجه وهو امتناع بيع الطعام بالطعام إذا كانا معًا في الذمة قد حكاه الرافعي في باب السلم، وبالجملة فالخلاف المذكور في "التتمة" غير ما نقله عنه الرافعي.
نعم الخلاف صحيح من غير "التتمة" فإن الغزالي حكاه هو وغيره.
وقد صحح النووي في أصل "الروضة" ما نقله الرافعي عن "التتمة".
قوله: حتى لو باع بدينار أو بعشرة دنانير، والمعهود في البلد الصحاح انصرف إليها، وإن كان المعهود المكسور انصرف إليه.
قال في "البيان": إلا أن تتفاوت قيمة المكسر فلا يصح. انتهى.
واعلم أن صاحب "البيان" قال: فرع: إذا قال: بعتك بألف درهم مكسرة فقد قال الصيمري: قال أكثر أصحابنا. يصح.
قال: وأظنهم أجازوا ذلك إذا تفاوتت قيمة المكسر.
فأما إذا اختلف قيمتها، وهي هكذا في وقتنا مختلفة فلا يصح. هذا لفظه.
فقائله إنما هو الصيمري ناقلًا له عن غيره بطريق الظن لا بالجزم.
وقال الروياني في "البحر" في باب الربا: لو قال: بعتك بألف درهم مكسرة جاز، وقيل: إنما يجوز إذا لم تتفاوت القيمة، فإن تفاوتت فلا يجوز. انتهى. وهذا يقتضي تصحيح الجواز.
قوله: ولو قال: بعتك بألف صحاح ومكسرة ففيه وجه أنه يصح، ويشبه أن يكون جاريًا فيما إذا قال: بعتك بألف ذهب وفضة. انتهى.
اعترض النووي على هذا التخريج فقال: لا جريان له هنا. والفرق أن الغرر يعظم فيه لكثرة التفاوت بين الذهب والفضة.
قوله: ولو باع بنصف دينار صحيح بشرط كونه مدورًا جاز إن كان يعم وجوده، وإن لم يشترطه فعليه شق وزنه نصف مثقال. انتهي.
تابعه في "الروضة" على تقييد الصحيح بما إذا عم وجوده، ومقتضاه أنه إذا كان عزيز الوجود لا يصح، وهو لا يستقيم، فإنه سيأتي من كلامهما بعد هذا بقليل أنه إذا باع بنقد يعز وجوده، فإنه ينبنى على جواز الاستبدال عن الثمن. فإن جوزناه: صح، ثم إن وجد فذاك، وإلا فيستبدل. وإن لم تجوز الاستبدال: لم يصح.
قوله: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة، كل صاع بدرهم، أو قال مثله في الثوب فخرج ناقصًا أو زائد فقولان.
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يصح البيع لأن الجمع بينهما محال.
والثاني: يصح لإشارته إلى الصبرة.
وعلى هذا إن خرج ناقصًا فللمشتري الخيار، فإن أجاز فهل يخير بالجميع أو بالقسط؟ فيه وجهان.
وإن خرج زائدًا فلمن تكون الزيادة؟ فيه وجهان.
أظهرهما؛ أنها للمشتري، لأن جملة الصبرة مبيعة منه، فعلى هذا لا خيار له.
وفي البائع وجهان:
أصحهما: أنه لا خيار له أيضًا.
والثاني: أن الزيادة للبائع، وعلى هذا لا خيار له، وفي المشترى وجهان: أصحهما: ثبوت الخيار. انتهى مخلصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الخلاف قد جعله أيضًا في "الشرح الصغير" قولين، لكنه قد خالف في "المحرر" فجعله وجهين فقال ما نصه: صح البيع إن خرجت كما ذكرنا، وإلا لم يصح في أصح الوجهين. انتهى.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"المنهاج" وقد استفدنا من "المحرر" أيضًا أن الصحيح ما قاله البغوي.
وقد صرح بتصحيحه أيضًا في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في أصل "الروضة" هنا وغيرها من كتبه.
الأمر الثاني: أن الرافعي رحمه الله: قد ذكر بعض أمثلة هذه المسألة في باب الربا، وأجاب على القولين بالصحة بما يخالف المذكور هاهنا فقال في أثناء الطرف الأول: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مكايلة أو كيلًا بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة أو وزنًا بوزن.
فإن كالا أو وزنا وخرجتا متساويتين صح العقد، وإلا فقولان:
قال في "التهذيب": أصحهما: البطلان.
والثاني: يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصغيرة ولمشتريها الخيار.
ثم قال: ولو باع صبرة حنطة بصبرة شعير جزافًا جاز؛ ولو باعها بها
صاعًا بصاع أو بصاعين فالحكم كما لو كانا من جنس واحد. انتهى كلامه.
فأما التفريع الذي ذكره على قول الصحة في المسألة الأولى فواضح لأنه لا يمكن التصحيح في الجميع لأجل الربا.
وأما القول به أيضًا في المسألة الثانية، وهي بيع صبرة [القمح بصبرة](1) الشعير فمخالف للمذكور هنا.
فإن بيع الصبرة [بالعشرة كل صاع بدرهم قد وجد فيه مقابلة الجملة بالجملة والأفراد بالأفراد وهذا بعينه موجود أيضًا في بيع الصبرة بالصبرة](2) صاعًا بصاع فحاصله أنهما مثالان للمسألة، ونحن نعلم بالضرورة أن الحكم ليس خاصًا بالمثال المذكور. في هذا الباب وهو بيع الصبرة بعشرة بل سائر الأعيان كذلك.
الأمر الثالث: أن النووي قد ذكر من "زياداته" في باب الربا عقب المسألة الثانية عكس ما ذكره هاهنا فقال: قال أكثر أصحابنا: إذا باع صبرة الحنطة بصبرة الشعير صاع بصاع، وخرجتا متساويتين صح. وإن تفاضلتا، ورضى صاحب الزائدة بتسليم الزيادة تم البيع، ولزم الآخر قبولها.
وإن رضى صاحب الناقصة بقدرها من الزائدة صح؛ وإن تشاحا فسخ البيع. انتهى كلامه.
فصحح بيع التفاضل على عكس ما قاله هنا، ثم إنه أيضًا يشكل على بيع صبرة القمح بصبرة القمح إذ لا أثر لاختلاف الجنسين.
فإن من صحح أولًا فإنما يصحح مع التماثل، وأثبت له الخيار.
الأمر الرابع: أن الصحيح من الوجهين في المقدار الذي يخير به أنه يخير
(1) سقط من أ.
(2)
سقط من أ.
بالبعض. قاله في "شرح المهذب".
قوله: نعم حكوا قولين في أنه هل يكره بيع الصبرة جزافًا؟ انتهى.
والصحيح الكراهة، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وسوى في ذلك بين بيعها والبيع بها.
وعلل صاحب "التتمة" عدم الكراهة بقوله: ووجه أن شراء المجهول الذرع لا يكره، فكذلك هاهنا هذا لفظه.
ومقتضاه الجزم بعدم الكراهة في المذروع.
قوله في "أصل الروضة": أما إذا أصدقها عينًا غائبة أو خالعها عليها، أو عفى عن القصاص على عين غائبة، فيصح النكاح وتقع البينونة ويسقط القصاص قطعًا، وفي صحة المسمى القولان.
انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: (قطعًا) راجع إلى الثلاثة فقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: ولا خلاف في هذه الثلاثة. هذا لفظه.
وما ذكره من نفي الخلاف في النكاح ليس كذلك فإن [في](1) النكاح قولا قديمًا أنه يفسد بفساد الصداق. وقد حكاه هو في مواضع من كتاب الصداق، وكذلك ما ذكره في البينونة أيضًا فإنه صاحب "التتمة" حكى وجهًا أنه لا تحصل عند فساد العوض، وقد ذكره في "الروضة".
[قوله أيضًا في أصل الروضة: ](2) في الركن الرابع من كتاب الخلع ويجريان -أي قولا الغائب- في رهنه وهبته وهما أولى بالصحة لعدم الغرر، ولهذا إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية. انتهى كلامه.
(1) سقط من أ.
(2)
سقط من أ.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من الأولوية قد صحح خلافه في "شرح المهذب" فقال: وفي رهن الغائب وهبته القولان، وقيل: هما أولى بالصحة لعدم الغرر هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما جزم به من عدم الخيار عند الرؤية لم يجزم به الرافعي، وإنما عبر بقوله: ولهذا قيل: إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية إذ لا حاجة إليه، وذكر في "الشرح الصغير" مثله أيضًا.
وقد ذكر في "شرح المهذب" هنا أن القولين يجريان في الواقف أيضًا، واقتصر عليه، لكنه ذكر في كتاب الوقف من "زياداته" أن الصحيح صحته، وأنه لا خيار له عند الرؤية فاعلمه، وستقف عليه هناك إن شاء الله تعالى فاعلمه.
قوله في أصل "الروضة": الثالثة: إن لم نجوز شراء الغائب وبيعه لم نجوز بيع الأعمى وشراءه وإلا فوجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز أيضًا إذ لا سبيل إلى رؤيته فيكون كبيع الغائب على أن لا خيار.
والثاني: يجوز، ويقوم وصف غيره له مقام رؤيته. انتهى كلامه.
وما صححه من منع شراء الأعمى تفريعًا على امتناع بيع الغائب صحيح.
وأما ما صححه من امتناع بيعه تفريعًا على هذا القول فمناقض لما صححه بعد هذا، فإنه ذكر في أواخر الكلام على بيع الغائب أن من باع عينًا لم يراها فلا يثبت له الخيار عند رؤيتها على الصحيح بخلاف المشتري.
وفرقوا بينهما بان جانب البائع بعيد عن الخيار، ولهذا لو باع شيئًا على أنه معيب فبان صحيحًا لا خيار له.
ولو اشتراه على أنه صحيح فبان معيبًا ثبت له الخيار.
إذا علمت ذلك علمت أن ذكره هنا مناقض لما سيأتي.
وقد وقع أيضًا هذا الاختلاف في "شرح المهذب" وكلام الرافعي صحيح لا اعتراض عليه، فإنه لم يصحح هنا ولا في "الشرح الصغير" شيئًا من الوجهين في ثبوت الخيار للبائع، وإنما نقل كلًا عن طائفة، والتصحيح المذكور في أصل "الروضة" من تصرفه، فلا اعتداد به.
قوله في المسألة: وإذا قلنا: لا يصح بيعه وشراؤه لم تصح منه الإجارة والرهن والهبة أيضًا. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في الرهن والهبة من منعهما إذا جوزنا بيع الغائب، ولكن منعنا الأعمى منه لا يستقيم لأن المقتضى لمنعه بيعه على القول بجواز بيع الغائب، إنما هو تعذر إثبات خيار الرؤية لما تقدم.
وقد تقدم من كلام "الروضة" أنه إذا جوزنا رهن الغائب وهبته فلا خيار فيهما عند الرؤية، ولا فرق بين الأعمى والبصير الذي لم تتقدم له رؤية.
نعم هذا الاشكال لا يرد على الرافعي لأنه لم يجزم بنفي خيار الرؤية للبصير الذي لم ير الموهوب والمرهون، وإنما عبر بقوله: قيل: إنه لا خيار لهما، وقد تقدم التنبيه على ذلك.
قوله: وهل للأعمى أن يكاتب عبده؟ قال في "التهذيب": لا. وقال في "التتمة": المذهب جوازه تغليبًا للعتق. انتهى كلامه.
والصحيح ما قاله في "التتمة" فقد جزم أيضًا بجوازه ابن عبدان في كتاب "شرائط الأحكام".
وقال النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة": إنه الأصح.
وسبق البغوي إلى المنع جماعة منهم ابن القاص في "التلخيص"، والقفال في شرح له.
قوله: لو اشترى غائبًا رآه قبل العقد نظر إن كان مما لا يتغير غالبًا كالأرض، أو لا يتغير في المدة المتخللة بين الرؤية والشراء صح العقد.
ثم قال: وقال الأنماطي لا يصح، وزاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه شاذ مردود.
وما نقله وجهًا عن الأنماطي خاصة قد نص عليه الشافعي. كذا حكاه الروياني في "البحر" عن البيهقي عن ابن مقلاص تلميذ الشافعي.
وقد شرط المارودي في الاكتفاء بالرؤية السابقة أن يكون متذكرا للأوصاف حال البيع، وجزم به الروياني في "البحر" ولم يذكر ابن الرفعة في "الكفاية" غيره، وهو متجه لأن الناسي جاهل به حال العقد وقال في "شرح المهذب" إن ما قاله المارودي غريب لم يتعرض له الجمهور.
قوله في أصل "الروضة": الثاني: استقصاء الأوصاف على الحد المعتبر في السلم هل يقوم مقام الرؤية، وكذا سماع وصفه بطريق التواتر؟ وجهان:
أصحهما: لا، وبه قطع العراقيون. انتهى كلامه.
واعلم أنا إذا فرعنا على الصحة في هاتين المسألتين فإنه لا خيار له عند الرؤية. كذا جزم به الرافعي، ولم يتعرض له المصنف.
قوله: وقول "الوجيز" في بطلان بيع الغائب، ولعله أصح [القولين](1) إنما هو مرض القول فيه لأن طائفة من أصحابنا مالوا إلى قول التصحيح. انتهى.
(1) في أ: الطريقين.
وهذه الصيغة أعني مرض ذكرها في "الشرح الصغير" أيضًا وهو بالميم وتشديد الراء وبالضاد المعجمة وأشار بذلك إلى قوله: (ولعل) فإن التعبير بها يدل على عدم قوته.
قوله: فالقوصرة.
هي بالقاف المفتوحة والصاد المهملة والراء المشددة وهو: الذي يجعل فيه التمر. قاله الجوهري ومراده الوعاء الذي يملأ من التمر اللين، ويتحامل عليه لينكبس بعضه على بعض وهو المسمى بالعجوة في معظم بلاد مصر وبالكبيس في صعيدها.
قوله: وعن الصيمري حكاية خلاف في القطن في العدل أنه يكفي رؤية أعلاه أم لابد من رؤية جميعه؟ قال: والأشبه عندي أنه كقوصرة التمر أي فتكفي رؤية الأعلى. انتهى كلامه.
ولم يصرح في "الروضة" أيضًا بتصحيح ولا بيان أن الخلاف قولان أو وجهان، والصحيح ما رجحه الصيمري. كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر بالصحيح.
وأما الخلاف فإنه قولان، كذا نقله العمراني في "البيان".
قوله: ولو أراه أنموذجًا، واستغنى به عن رؤية الباقي فإن أدخله فعن القفال وغيره القطع بالصحة. وقال الإمام: إنه القياس، وعن بعض الأئمة المنع. انتهى كلامه.
وصورة المسألة أن يخلط الأنموذج بالصبرة، فإن أدخله [في البيع](1) ولم يخلطه بها فيكون بمنزلة عينين رأى إحداهما لأن المرئي فيه متميز عن غير المرئي. هكذا ذكره البغوي في "فتاويه"، وهو متعين لا شك فيه. قال: وكذلك لو جعل الصبرة صبرتين وأراه إحداهما ثم باعهما.
(1) سقط من أ.
قوله: بخلاف السمك يراه في الماء الصافي يجوز بيعه، وكذا الأرض يعلوها ماء صافي لأن الماء من مصالحها. انتهى كلامه.
وتقييد الصحة في الأرض بالماء الصافي يشعر بأن الماء الكدر يمنع صحتها لعدم الرؤية، لكنه في كتاب الإجارة اشترط رؤية العين المستأجرة، ثم ذكر أن الماء الكدر لا يمنع الصحة.
وعلله بأنه من مصالحها، فالتسوية بين البابين في الرؤية، وفي هذا التعليل يقتضي التسوية بينهما في الإبطال بالماء الكدر أو في عدمه فإن الرؤية شرط الشراء والإجارة، فإن قيل إذا عين السمكة بالجنس والوصف فهل يصح بيعها أيضًا في الماء، وإن لم يرها كالأرض؟ قلنا: لا، وذلك لأنه إنما يصح بيع السمكة في الماء إذا أمكن إخراجها بلا صعوبة.
وحينئذ فنقول: لما أمكنه رؤيتها وإعادتها إلى الماء بلا مشقة لم نكتف فيها بالرؤية من وراء الماء كغيرها بخلاف إجارة الأرض.
قوله: ففي شراء الدار لابد من رؤية البيوت والسقوف والسطوح والجدران داخلًا وخارجًا والمستحم والبالوعة؛ وفي البساتين رؤية الأشجار والجدران ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البنيان وعروق الأشجار ونحوها.
وفي "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني ذكر وجهين في اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرحى. انتهى كلامه.
والأصح في هذين الوجهين الاشتراط. كذا صرح به في "شرح المهذب" فقال: أصحهما: الاشتراط لاختلاف الغرض به. انتهى كلامه.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد اختصر كلام الرافعي اختصارًا فاسدًا، فإنه ذكر كلام الرافعي بعينه من غير زيادة ولا نقصان، ثم قال: وقيل في اشتراط رؤية طريق الدار ومجرى الماء الذي تدور به الرحى
وجهان. هذا لفظه.
وتعبيره بقوله: (وقيل) فاسد لوجهين:
أحدهما: أنه يقتضي إثبات طريقين، وأن الرافعي حكاهما مع أن الرافعي لم يحكِ إلا طريقة واحدة، وهي طريقة الوجهين، وكذلك هو في "شرح المهذب"، وقد تقدم ذكر لفظهما.
الوجه الثاني: أنه بتقدير ما قاله من [الطريقين فليس في](1) كلامه ما يبين أن الطريقة الصحيحة وهي طريقة القطع هل هي باشتراط الرؤية أم بعدمها؟ وكلامه إلى عدم الاشتراط أقرب فإن المتبادر إلى الذهن أن ذلك يعود إلى المسائل التي قبلها، بلا فاصل، والرؤية فيها لا تشترط.
وقد تقدم من كلامه في "شرح المهذب" أن الصحيح خلافه.
قوله: وإذا اشترى عبدًا فلابد أن يرى منه ماعدا العورة على أظهر الوجهين.
قال: وفي الجارية وجوه:
أحدها: أنها كالعبد.
والثاني: يرى ما يبدو عند المهنة.
والثالث: تكفي رؤية الوجه والكفين. انتهى ملخصًا.
والأصح [إلحاق](1) الجارية بالعبد. كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله: وفي رؤية الشعر وجهان، قال في "التهذيب":
أصحهما: أن لا يشترط. انتهى.
(1) سقط من أ.
والصحيح ما قاله البغوي، كذا صححه الرافعي بعد ذلك في أسباب الخيار في أول القسم الثاني المعقود لخيار النقيصة وعبر بالأصح.
وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" هنا، وفي "شرح المهذب" أيضًا.
قوله: ولا يشترط رؤية اللسان والأسنان في أحد الوجهين. انتهي.
والصحيح عدم الاشتراط. كذا صححه البغوي وتلميذه العماد النيهى -بكسر النون وبالياء بنقطتين من تحت-. على ما نقله عنه ابن الصلاح في فوائد رحلته.
وقال في "شرح المهذب" أيضًا: إنه الأصح.
وسوى في "التهذيب" بين لسان الدابة ولسان الآدمي في إثبات الخلاف، والقياس التسوية بينهما في الأسنان أيضًا.
واعلم أن كلام الرافعي و"الروضة" يوهم أن الخلاف في الأسنان واللسان والشعر خاص بالجارية، فإنهما ذكرا ذلك في تفاريعهما دون العبد ويقويه من جهة المعنى غرض الاستمتاع بها، لكن البغوي والنيهي وغيرهما جعلوا محل الخلاف في الرقيق، فدل على عمومه في الجارية والعبد.
وأيضًا فإنه يؤخذ من تصحيح النووي إلحاق الجارية بالعبد.
قوله: والثوب المطوي لابد من نشره.
قال الإمام: ويحتمل عندي أنه يصح بيع الثياب التي لا تنشر بالكلية إلا عند القطع لما في نشرها من التنقيص. انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الجواز احتمالًا عن الإمام وهو يقتضي أنهما لم يظفرا بخلاف في المسألة.
وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: هكذا أطلقه الأصحاب
وقطعوا به، ثم نقل احتمال الإمام، ولكن رأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبى علي الجزم بأنه لا يشترط، ونقله أيضًا عنه البغوي في "فتاويه". وجزم به الجرجاني في كتابه المسمى بـ "الشافي" وحكى وجهين من غير ترجيح فيما إذا لم ينقص بالنشر، وعلل الجواز بأن الغرر فعل بمشاهدة ظاهرها، فتحصلنا على ثلاثة أوجه.
قوله من "زوائده": قال القفال في "شرح التلخيص": لو اشترى الثوب المطوي، وصححناه ونشره فاختار الفسخ وكان لطيه مؤنة ولم يحسن طيه لزم المشترى مؤنة الطي [انتهى. فيه أمران:
أحدهما: أن التقييد بعدم معرفة الطي] (1).
يقتضي إيجابه عليه إذا عرفه.
والقياس وجوب المؤنة مطلقًا لأن الطي ليس بمثلى.
الأمر الثاني: أنه سيأتي في أثناء خيار النقص فيما إذا اشترى ثوبًا مطويًا واطلع على عيب به بعد نشره المنقِص له فرده لا يلزمه شيء في أصح القولين كما في كسر البيض والذبح.
ولا شك أن المصلحة في الموضعين قد تكون في الإمساك وقد تكون في الرد.
قوله: ولا يصح بيع الثياب التَّوزية في المسوح على هذا القول. انتهى.
أما التوزية فبتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم واو مفتوحة مشددة ثم زاي معجمة، وهي جنس من الثياب منسوبة إلى توز بلدة من بلاد فارس مما يلي الهند.
ويقال لها أيضًا توج بالجيم. قاله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط".
(1) سقط من أ.
وأما المسوح: فبالسين والحاء المهملتين جمع مسح بكسر الميم وهو الملاس من الشعر، ويجمع أيضًا على أمساح.
وقوله: (على هذا القول) أي القول الذي نحن الآن نفرع عليه، وهو اشتراط الرؤية، فاعلم ذلك فإنه بعيد التبادر.
قوله: وذكر العبادي أن الفقاع يفتح رأسه وينظر فيه بقدر الإمكان ليصح بيعه.
والغزالي أطلق المسامحة به في "الإحياء" فيما أظن. انتهى.
والأصح هو الصحة مطلقًا. كذا صححه النووي في "زيادات الروضة"، والأمر كما ظنه الرافعي من إطلاق المسامحة به في "الإحياء"، وإنما توقف فيه الرافعي لأن عبارته فيها إيهام.
لكن ما ظهر للرافعي منها هو حاصل ما يدل عليه كلامه عند التأمل.
ونقل ابن الصلاح فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق عن تصنيف الشيخ عماد الدين بن عبد الرحمن النيهي -بكسر النون- كما سبق ضبطه في الصفحة التي قبلها. أنه لا يصح شراؤه حتى يصبه ويراه.
قوله في أصل "الروضة": الخامسة: إذا جوزنا بيع الغائب فعليه فروع:
أحدها: بيع اللبن في الضرع باطل.
فلو قال: بعتك من اللبن الذي في ضرع هذه البقرة كذا. لم يجز على المذهب لعدم تيقن وجود ذلك القدر، وقيل: فيه قول بيع الغائب. انتهى.
ترك وجهًا ذكره الرافعي بعد هذا بأسطر، ونقل عن الإمام أن جماعة قالوا به، وهو أنه إن كان المبيع قدرًا يسيرًا وابتدر الحلب، فإنه يتخرج على بيع الغائب لأنه لا يفرض والحالة هذه ازدياد شيء به مبالاة، فإن كان كثيرًا بطل، ولا يتوهم من كلام الرافعي أن الوجه عائد لغير هذه الصور فاعلمه.
قوله فيها أيضًا: ولو حلب شيئًا من اللبن فأراه ثم باعه شيئًا مما في الضرع فوجهان كما في الأنموذج.
وذكر الغزالي الوجهين فيما لو قبض على قدر من الضرع وأحكم شده وباع ما فيه.
قلت: الأصح من الصورتين البطلان لأنه يختلط بغيره مما ينصب في الضرع. هذا كلام "الروضة".
وهو فاسد لأن المسألة الأولى مفرعة على امتناع بيع الغائب لأن ذلك هو صورة مسألة الأنموذج، وما ذكره ثانيًا لا يستقيم إلا على جواز بيعه أعني الغائب، فليس الوجهان هما الوجهان، بل ولا مناسبة بينهما.
وما ذكره من "زياداته" في تعليل البطلان للصورتين مستقيم على الأولى، وكلام الرافعي مستقيم فإنه لما ذكر المسألة الثانية لم يجعل الخلاف الذي فيها هو الخلاف المتقدم، بل خلافًا آخر أسقطه من "الروضة"، وقد تقدم ذكرى إياه.
وفي كلام الرافعي بعض غموض، وصحح في "شرح المهذب" في المسألتين كما صحح في "الروضة".
قوله في "الروضة": الثاني لا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم، وفي وجه يجوز بشرط الجز، وهو شاذ ضعيف.
ويجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان بعد الذكاة، وتجوز الوصية باللبن في الضرع والصوف على الظهر. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه جعل هذا الفرع كله فرعًا ثانيًا من فروع القول بعدم اشتراط
الرؤية.
وجميع ما في هذا الفرع ليس له تعلق باشتراط الرؤية ولا بعدم الاشتراط.
والرافعي رحمه الله سالم من هذا الاعتراض، فإنه ذكر بيع اللبن في الضرع، [وذكره صحيح فإنه من تفاريع المسألة ثم قال بعد ذكره له: ونختم المسألة بصور شبهها] (1) وذكر ما في هذا الفرع من المسائل، فعبر في "الروضة" بقوله:(الثاني) ذاهلًا عن كونه في تعداد المسائل المفرعة على جواز بيع الغائب.
وقد ذكر أيضا في "الروضة" فروعًا أخرى فرعها على امتناع بيع الغائب، ولا تعلق لها به فاعلم ذلك.
الأمر الثاني: أنه يستثنى من كلامه ما إذا اقبض على قطعة جمعها وقال: بعتك هذه.
قال في "شرح المهذب" فإنه يصح بلا خلاف، وفيه احتمال للغزالي لأنه يتعين به غير المبيع وهو الباقي من الصوف.
وذكر الرافعي تعليلًا يخرج هذه المسألة وهو أن مقتضى بيع الصوف هو الاستيعاب، ولا يمكن إلا بإيلام الحيوان فأسقطه من "الروضة" وهذا الوجه الذي قال فيه: إنه شاذ ضعيف قد اختاره الروياني في "الحلية" فقال: إنه القياس والاختيار.
وصحح صاحب "الاستقصاء" فيما إذا قبض على قطعة أنه لا يصح كما ذهب إليه الغزالي احتمالًا، وقال: إن قول الصحة ليس بشيء.
الأمر الثالث: إذا أوصى بالصوف أو باللبن فجز الموصى له الصوف
(1) سقط من أ.
على العادة، وما كان موجودًا حال الوصية [يكون](1) للموصي له، وما حدث يكون للوارث.
فلو اختلفا في قدره فالقول قول الوارث بيمينه هكذا نقله في "شرح المهذب" عن "شرح المختصر" للبغوي.
قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو باع المسك المختلط بغيره لم يصح لأن المقصود مجهول كما لا يصح بيع اللبن المخلوط بالماء. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي أن العلة في بطلان المسألتين إنما هو الجهالة حتى لو علم مقدار المسك واللبن صح.
لكن كلامه في باب زكاة النقدين صريح أو كالصريح في عدم الصحة وإن علم المقدار، فإنه نقل وجهين في جواز المعاملة بالدراهم المغشوشة إذا كان قدر النقرة مجهولًا.
ثم قال: وربما نقل العراقيون الوجهين مطلقًا، ووجهوا المنع بأن المقصود غير معين، فصار كما لو شيب اللبن بالماء وبيع، فإنه لا يصح. هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن صور المسألة في المسك أن يكون مخالطًا لغيره لا على وجه التركيب، فإن كان معجونا مع غيره كالغالية والند جاز كما ذكره في "شرح المهذب"، وتدليل المصنف يقتضيه [لأن المقصود والحالة هذه ليس هو المسك بخصوصه بل المقصود هو المجموع.
قوله: ] (1) ويجوز بيع الأكارع والرؤوس بعد الإبانة نيئة ومشوية ولا اعتبار بما عليها من الجلد فإنها مأكولة وكذا المسموط نيئًا ومشويًا، وفي
(1) سقط من أ.
النيء احتمال للإمام. انتهى.
وصورة المسألة كما قاله البغوي في "فتاويه" في رؤوس الغنم: أما رؤوس الإبل والبقر قال: فلا يجوز لأنه بمثابة البيع بعد الذبح وقبل السلخ. أي لأن جلده لا يؤكل.
قوله من "زوائده": ولو باع سمنًا في ظرف ورأى أعلاه مع ظرفه أو دونه صح. انتهى.
وصورة المسألة أن لا يختلف الظرف بالرقة والغلظ فإن اختلف فقيل: يصح قطعًا، وقيل: يبطل قطعًا وقيل بتخريجه على قولى بيع الغائب وهو الصحيح. هكذا ذكره قبل ذلك بنحو ورقتين في الكلام على بيع الصبرة، وسيأتي في الرهن ما يخالفه.
قوله في المسألة أيضا من "زياداته": فإن قال: بعتكه بظرفه كل رطل بدرهم فإن لم يكن للظرف قيمة [بطل. انتهى.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" فقال: فإن لم يكن له قيمة] (1) لم يصح البيع بلا خلاف لأنه لا قيمة له، وأخذ الثمن في مقابلة وزنه.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بأنه يبطل في الظرف فقط أم فيه وفي السمن؟
وقد صرح الإمام بالمسألة ونقل أن البطلان فيهما، فقال: قد قطع أصحابنا بفساد البيع في السمن من حيث اشتمل على اشتراط بذل مال في مقابلة ما ليس بمال.
والوجه تخريج هذا عندنا على تفريق الصفقة فالرق مع السمن ممتنع جميعًا في القدر وقوبلا في الثمن فكان كصفقة تجمع حرًا وعبدًا وشاة وخنزيرًا. هذا كلامه.
(1) سقط من جـ.
والذي قاله بحثًا هو الصواب. ونظير هذه المسألة ما إذا باع القز وفيه الدور وزنًا، وقد تقدم الكلام على ما وقع فيها من الخلل في كلام النووي فراجعها.
قوله: وإن كان للظرف قيمة فقيل يصح.
وإن اختلفت قيمتها كما لو باع فواكه مختلطة وزنًا أو كيلًا، وقيل: باطل لأن المقصود السمن وهو مجهول بخلاف الفواكه.
وقيل: إن علما وزن الظرف والسمن جاز وإلا فلا. وهذا هو الأصح. ذكره البغوي وغيره. انتهى.
وما ذكره رحمه الله متهافت يدفع أوله آخره، وذلك لأن صورة المسألة إن كانت أعم من كون الظرف مجهولًا أو معلومًا فلا يصح تعليل البطلان بالجهالة، فإن كانت مع جهالته فلا يصح مجيء [الوجه](1) الثالث.
قوله: أما إذا كان المبيع شيئين ورأى أحدهما دون الآخر، فإن أبطلنا شراء الغائب لم يصح البيع فيما لم يره، وفي ما رآه قولا تفريق الصفقة، وإن صححنا شراء الغائب ففي صحة العقد فيهما قولان لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفى الحكم لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححنا فله رد ما لم يره، وإمساك ما رآه. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على الجزم بأن له تبعيض هذه الصفقة بالرد، وهو مشكل على ما إذا اشترى عينين صفقة واحدة فاطلع على إحداهما بعيب، فإنه إما أن يردهما أو يمسكهما، وليس له التبعيض، مع أن السبب قد وجد في الصورتين في البعض.
لا جرم أن البغوي في "فتاويه" والمتولى في "التتمة" قد جزما بأن
(1) في ب: القول.
حكمه حكم رد العيب في تفريق الصفقة ولعل الرافعي رحمه الله إنما وقف هنا على كلام من جوز التفريق هناك، فتبعه عليه النووي.
قوله: الثالثة: إذا لم تشترط الرؤية فيشترط ذكر جنس المبيع في ظاهر المذهب.
ثم قال: وعلى قولنا أنه يشترط ذكر الجنس فالظاهر أنه لابد من ذكر النوع أيضًا بأن يقول: عبدي التركي أو فرسي العربي.
وأوهم الإمام خلافا فيه فقال: لم يشترط أصحاب القفال ذلك، واشترطه العراقيون. انتهى كلامه.
وهو يقتضي إنكار الخلاف في اشتراط النوع، وهو ثابت، فقد صرح به القاضي حسين في "تعليقه" فقال: وهل يشترط ذكر النوع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا لأنه إنما يحتاج إليه لتمييز المبيع من غيره، وذلك يحصل بذكر الجنس.
والثاني: نعم لأن القيمة تختلف باختلاف الأنواع كما تختلف باختلاف الأجناس. هذا كلام القاضي.
قوله: وإذا ذكر الجنس والنوع لم يفتقر إلى ذكر الصفات، وفي وجه يفتقر إلى ذكر [معظم](1) الصفات.
وضبط ذلك بما يصف به المدير عند القاضي، قاله القاضي أبو حامد.
وفي وجه أضعف منه يفتقر إلى صفات السلم. قاله أبو علي الطبري. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف في أن العبرة بصفات السلم لا
(1) سقط من أ.
بالصفات التي يدعى بها عند القاضي، وهو غريب، فإنه صريح بأن الصفات المذكورة في الدعوي ليست هي صفات السلم، وليس كذلك فقد جزم هو والنووي بأنها هي، كذا ذكره في موضعين:
أحدهما في باب القضاء على الغائب.
والثاني في أوائل كتاب الدعوى، ولم يذكرا خلاف ذلك.
قوله: ولو باع ما لم يره وصححنا العقد فهل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان:
أصحهما عند المراوزة: لا يثبت لأن جانب البائع بعيد عن الخيار.
والثاني: يثبت لأنه جاهل بالمعقود عليه فأشبه المشترى، وهذا هو الذي أورده الشيخ أبو حامد ومن تابعه. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح هو الثاني. كذا صححه الرافعي في الكلام على شراء الأعمى وتبعه، وقد تقدم ذكره هناك مبسوطًا، وتقدم ما وقع فيه من المخالفة للنووي فراجعه.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف فيما إذا لم يجده البائع زائد على ما وصفه به.
فإن وجده زائدًا ثبت له الخيار بلا خلاف قاله المارودي في "الحاوي" وقاسه على ما إذا وجده المشترى ناقصًا.
قوله: ثم خيار الرؤية على الفور أو يمتد امتداد مجلس الرؤية؟ فيه وجهان.
قال صاحب "التهذيب": والامتداد أصح. انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" والذي صححه البغوي هو الصحيح.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو باعه المشتري قبل الرؤية لم يصح، بخلاف ما لو باعه في زمن خيار الشرط، فإنه يصح على [أصح](1) الوجهين لأنه يصير مجيزا للعقد، وهنا الإجازة قبل الرؤية. انتهى.
وما ذكره من تصحيح البيع في زمن الخيار صورته إذا أذن فيه البائع أو باعه المشترى منه، فإن باعه من غيره بغير إذن لم يصح قطعًا كما أوضحوه في باب الخيار.
قوله: والثاني: نقل القاضي الروياني وصاحب "التتمة" وجهًا أنه يعتبر على قول اشتراط الرؤية الذوق في الخَلِّ ونحوه، والشم في المسك ونحوه، واللمس في الثياب ونحوها. انتهى كلامه.
وما نقله رحمه الله عن "التتمة" من حكاية هذا الوجه في لمس الثياب ونحوها تابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو غلط. فإن صاحب "التتمة" لم ينقله إلا في الشم والذوق ولم يتعرض للمس بالكلية، ثم إن الذهاب إليه بعيد جدًا، فإن المقصود من الثياب يعرف بالرؤية، وأما الخل والمسك ونحوهما فلا يعرف حالهما إلا بالشم والذوق، ومن جملة الحواس حاسة السمع، ولم يصرح الرافعي بجريان الخلاف فيما إذا باع ما يقصد لسماع صوته فهل يتخرج على الخلاف أم يصح من غير سماعه جزمًا؟ فيه نظر، والمتجه الثاني.
والفرق سهولة الشم والذوق بخلاف السماع فإنه إلى اختيار الطائر، وقد يشتريه صغيرًا لأجل فائدة سماعه في المستقبل.
قوله: الحادي عشر: ذكر بعضهم أنه لابد من ذكر موضع المبيع الغائب، فلو كان في غير بلد التبايع وجب تسليمه في ذلك البلد، فلا يجوز
(1) سقط من ب.
شرط تسليمه في بلد البيع بخلاف السلم، فإنه مضمون في الذمة، والعين الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها [يكون](1) بيعًا وشرطًا. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهذا الذي نقله عن بعضهم ذكره المارودي والروياني في "البحر" ونقله في "شرح المهذب" عن المارودي إلا أن تعبير الرافعي بالموضع ليس مطابقًا لكلامهم فقد قال المارودي: ولابد في بيع العقار من ذكر البلد الذي هو فيه فيقول: بعتك داري بالبصرة أو ببغداد لأن بذكر البلد يتحقق ذكر الجنس ويصير في جملة المعلوم فأما ذكر البقعة من البلد ففيه وجهان:
أحدهما: يلزم.
والثاني: لا لأن البقعة تجري مجرى الصفة.
هذه عبارته، ذكر ذلك بعد نحو كراس من أول البيع.
وذكر الروياني والنووي في الشرح مثله.
نعم أطلق المارودي أيضًا في آخر باب ثمرة الحائط يباع أصله لأنه لابد في بيع الدار من ذكر حدودها.
وذكر الرافعي أيضًا مثله في كتاب الوكالة في التوكيل في شراء دار، وهو يشعر بالاشتراط في شراء الغائب. وقد بسطت المسألة في "الهداية" فلتراجع منها.
قوله في أصل "الروضة": ولو رأى ثوبين فسرق أحدهما فاشترى الثاني، وهو لا يعلم أيهما المسروق.
قال الغزالي في "الوسيط": إن تساوت صفتهما وقدرهما وقيمتهما
(1) سقط من أ.
كنصفى كرباس واحد صح قطعًا.
فإن اختلفا في شيء من ذلك خرج على بيع الغائب. انتهى.
وما ذكره من تفريع هذا على جواز بيع الغائب ليس بصحيح، بل الصواب تفريعه على امتناعه، [ولم يفرعه الرافعي على شيء، بل ذكره من جملة فروع منشورة بعضها مفرع على امتناعه](1)، وبعضها على جوازه. ثم إن هذا الحكم ذكره الغزالي من جهته، ولم ينقله عن أحد، فإنه ذكره في "الوسيط" أنها وقعت له في "الفتاوي" فأفتى فيها بذلك، وهكذا ذكره الرافعي أيضًا، وكلام النووي [يوهم أن الغزالي ناقل لهذه المسألة عن غيره ولاسيما عبارته في شرح المهذب] (2) فإنه نقل عنه أنه قال: يصح البيع بلا خلاف. وسببه أنه ينقل في "شرح المهذب" ما لخصه في "الروضة" وكلما نقل شيئا من كتاب إلى كتاب زاد في التحرير والتعبير.
وبالجملة فالذي قاله الغزالي حسن كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: إذا لم يشترط الرؤية فاختلفا فقال البائع للمشتري قد رأيت المبيع، وقال المشتري: ما رأيته ففيه وجهان: أظهرهما عند العبادي أن القول قول المشتري. انتهى.
والذي قاله العبادي هو الصحيح. كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: أما إذا اشترطنا الرؤية وفرض هذا الاختلاف يعني قول البائع للمشتري: إنك رأيت، وقول المشتري: ما رأيت.
فقد ذكر الغزالي في "فتاويه" أن القول قول البائع لأن للمشتري أهلية الشراء وقد أقدم عليه فكان ذلك إعترافًا منه بصحة العقد ولا ينقل هذا عن خلاف. انتهى كلامه.
(1) سقط من أ.
(2)
سقط من أ، جـ.
ومقتضاه أنه لم يقف رحمه الله في هذه المسألة على خلاف، وهو غريب، فقد جزم صاحب "التتمة" بأن القول قول المشتري [فقال في الباب الثامن المعقود لخيار الرؤية: إذا اختلفا فقال المشتري] (1) ما رأيت المبيع قبل العقد. وقال البائع: بل رأيته، فالقول قول المشتري لأن البائع يدعي عليه أمرًا حصل منه، وهو منكر له، وهو أعلم بأحوال نفسه، وأيضًا فإن الأصل عدم الرؤية. هذا كلامه.
وذكر الروياني في "البحر" في الموضع المذكور مثله وكذلك القاضي حسين في باب التحالف، وعلله بأن الأصل عدم الرؤية.
وقطع به أيضًا الشيخ أبو محمد الجويني في تعليقه على ما نقله عنه الشيخ برهان الدين في "تعليقه على التنبيه"، وجزم به أيضًا الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" بعد نحو خمسة أوراق من أول البيع في الكلام على ما إذا اشترى ما رآه قبل العقد، وهو قبيل قوله: فإن نظر إلى لحم شاة ما نصه: فإن اختلفا فقال البائع: لم يتغير وهو كما شاهدته.
وقال المشتري: هو متغير عما شاهدته.
قال الشافعي في "الأم" في كتاب الصرف: القول قول المشتري [لأن الأصل أن البيع غير لازم ما لم يعرف أنه شاهده وهو علي تلك الصفة. ألا تري أنه لو أنكر الرؤية أصلًا فإن القول قول المشتري](1) ولا يقبل قول البائع عليه. هذا لفظ الشيخ أبي علي بحروفه، ومن شرحه نقلت.
ونقله ابن أبي الدم في "أدب القضاء" عن الجرجاني وأنه فرق بينه وبين دعوى الفساد، ونقل القطع به أيضًا عن فتاوي صاحب "البيان"، وجزم به أيضًا البغوي في "فتاويه" في ما إذا كان البائع هو المنكر للرؤية.
والمدرك الذي استندا إليه وأبطلا به العقد، وهو كونه لا يعلم إلا من جهته مدرك صحيح فإن المشاهد من الناظر إنما هو تقليب الحدقة نحو المرئي
(1) سقط من أ.
ولا يلزم من ذلك وقوع الرؤية.
ويؤيده تصديق المجعول له في السماع عند اختلافه هو والجاعل، فظهر أن ما قاله الغزالي مردود نقلًا وبحثًا، وإن كانت القاعدة تصديق مدعى الصحة على الراجح وسببه أن هذا المفسد الخاص لا يعلم إلا من جهته.
ولهذا إن المتولى مع جزمه بما جزم هنا حكى وجهين في تلك القاعدة.
ويؤيده أيضًا ما سبق عن الجرجاني وابن أبي الدم، وقد توهم النووي اندراج هذه المسألة في تلك القاعدة فقال عقب كلام الرافعي: هذه مسألة اختلافهما في مفسد العقد، وفيها الخلاف المعروف.
والأصح فيها أن القول قول مدعى الصحة وعليه فرعها الغزالي. هذا كلامه، وهو مردود لما تقدم بحثًا ونقلًا.