الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: موالاة أهل العصيان والفسوق ومعاداتهم
الأصل في منهج الإسلام أن لا يعطي الإنسان ولاءه التام إلا لمن يسير على الصراط المستقيم، من أهل الإيمان قال تعالى:(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(1). فمن سلك الطريق المستقيم في قوله وفعله واعتقاده وجب شرعًا موالاته قولاً وعملاً بدليل قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)(2).
وحرمت معاداته بالقول والفعل والاعتقاد قال تعالى: (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(3).
(1) سورة الأنعام آية (153).
(2)
سورة المائدة آية (55، 56).
(3)
سورة الحشر آية (10).
أما من انحرف عن الإسلام انحرافًا يوجب الكفر والخروج عن الإسلام فهذا يعادي معاداة الكافرين المحاربين لله ورسوله والمؤمنين؛ لأنه مرتد، سواء كانت ردته قولية أو فعلية أو اعتقادية.
وإن كان الانحراف عن الإسلام لا يوجب كفر المنحرف وإنما يستحق أن يوصف بانحرافه بالفسق والعصيان، فإن واجب المسلم أن ينظر إلى مقدار ما مع الشخص أو الجماعة من خير وشر، فإن رجح الخير على الشر، رجحت محبته ومودته على بغضه وعداوته، وإن كان العكس رجح جانب البغض والعداوة على جانب المحبة والمودة، وإن تساوى ما فيه من خير وشر تساوى حبه وبغضه، وخلاصة ذلك أن الإنسان يُوالي على قدر ما معه من الحق ويُعادي على قدر ما معه من الباطل، بشرط أن لا يكون ذلك خاضعًا لأغراض شخصية ومنافع خاصة، وإنما يجب أن يتخذ هذا الموقف من منطلق الحب في الله والبغض في الله مجردًا عن أي اعتبارات مادية أخرى، وإن كان هناك عوامل تزيد الموالاة وتقويها مثل القرابة في النسب والجوار، والعمل ولكنها تابعة للولاءة في الله لا متبوعة، وطريقة التعامل مع من لم يظهر إلا الطاعة، أو لم يظهر إلا الكفر والفجور واضحة لا غبار عليها، وإنما الذي يشكل على بعض الناس إذا خلط الإنسان بين الطاعات والمعاصي وجمع الشخص الواحد أو الجماعة بين المتضادات والمتناقضات فكيف يعامل؟ وكيف يجمع له بين الموالاة والمعاداة!
والجواب: أنه مهما اجتمع في شخص واحد خصال تحب بعضها وتكره البعض الآخر، فإن هذه الخصال لا بد أن تتفاوت في الخير والشر، حسب أهميتها وكثرتها، فمن ترك الواجبات ما يكون كفرًا صريحًا، ومنها ما يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومنها ما هو من صغائر الذنوب، وفعل المحرمات بهذا الترتيب كذلك، فلكل مرتبة حقُها من الموالاة والمعاداة، فالمسلم تحبه لإسلامه، ثم يزاد الحب ويقوى كل ما يزداد تمسكه وعطاؤه للإسلام والمسلمين، وتبغضه لمعصيته وتزداد العداوة كل ما زاد في عصيانه
وضلاله، فتحبه على قدر ما معه من خير وتبغضه على قدر ما معه من شر وهذا مقتضى العدل، أن يُنَزَّل كلُ شخص منزلة ما معه من خير أو شر
- حسب ظاهر حاله، ونحن كبشر، نخطئ في تقدير هذه المنزلة تقديرًا دقيقًا في تعاملنا مع الناس، ولكننا مأمورون بالاجتهاد في ذلك، حسب القدرة والطاقة، قال تعالى:(فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا)(1)، وعلى هذا يجب أن يجتهد المسلم في تعامله مع الناس، بإعطاء كل صاحب منزلة ما يستحق من حب وبغض، بلا إفراط ولا تفريط، فمن غلبت عليه الطاعة أو غلبت عليه المعصية، أو اجتمع فيه شيء من الطاعة والمعصية، عامل كلاً بحسب حاله، بأن يعطي كل صفة حظها من الحب والبغض في الله وما يترتب على ذلك من إقبال وصحبة، وإعراض وقطيعة، وسائر الأفعال المرتبة على الحب والبغض في الله، ومثال ذلك من كان له زوجة حسناء أو ولد ذكي، ولكنهما فاسقان بسبب ارتكابهما بعض صغائر الذنوب، فإنه يحبهما من وجه ويبغضهما من وجه آخر، ويكون معهما على حالة بين حالتين من الحب والبغض، وكذلك لو كان لرجل ثلاثة أولاد، الأول ذكي صالح بار، والثاني فاسق بليد عاق، والثالث ذكي عاق، فإنه يجعل نفسه معهم على ثلاثة أحوال متفاوتة بحسب تفاوت خصالهم (2).
فالحب والبغض للناس عامة وللمسلمين خاصة، يجب أن يكون بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية، وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوبًا من وجه مبغوضًا من وجه آخر، والحكم في ذلك للغالب منهما (3).
(1) سورة التغابن آية (16).
(2)
انظر فضيلة الألفة والأخوة / مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (1605) الورقة من (8 - 9) المؤلف غير معروف - كتبت حوالي نهاية القرن التاسع الهجري.
(3)
انظر شرح الطحاوية ص 318.
فإن قال قائل: كيف يمكن إظهار البغض للفساق الذين يجمعون بين صفات حسنة وأخرى سيئة؟
والجواب: كم يظهر لي أن إظهار البغض لهؤلاء ليست له قاعدة مطردة: بل الأمر يختلف باختلاف الأشخاص الواقعين في المعصية، وباختلاف المعاصي، وباختلاف الأشخاص المظهرين للبغض كذلك.
فهذه المسألة شبيهة بمسألة المريض والمرض والطبيب فالمرض شيء موجود، ولكن لكل مرض علاج وعلاج المرض الواحد يختلف باختلاف المرضى، وباختلاف الأطباء فتكون المسألة مسألة اجتهادية في حدود السياسة الشرعية، ولكن إذا اقتضى الأمر إظهار البغض فإن إظهاره تارة يكون بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بهما جميعًا.
فأما إظهار البغض بالقول فيكون بكف اللسان عن مكالمته ومحادثته مدة، أو بالاستخفاف به والتغليظ له في القول تارة أخرى، وأما إظهار البغض بالفعل، فبقطع السعي في إعانته مرة، وبالسعي في إساءته وإفساد مآربه مرة أخرى، ويكون تارة بإظهار الأعمال الصالحة التي تغيضه، وتنغص عليه حياته المتعفنة، وهذه الأمور بعضها أشد من بعض، ولكن يجب ربط هذه الأمور بشيء واحد، وهو أن الإنسان ينوي بهذه الأعمال، والأقوال إظهار البغض في الله، مع محاولة إشعار الطرف الثاني بأن التعامل معه على هذا الأساس إنما هو من منطلق المعاداة في الله، لا لمصالح ذاتية عاجلة ولا لأغراض شخصية، فلعل إظهار البغض بهذه الصفة يحقق الأغراض التأديبية المطلوبة في ذلك وإن كان الطرف الآخر قد يصور العداوة والبغض في الله، بأنهما عداوة شخصية، إما جهلاً، وإما تضليلاً وعنادًا، ولكن لا يضير ذلك المسلم الواثق في سلامة قصده وإخلاص ضميره لله، فإن كل إنسان يفسر تعامل الناس معه على حسب غايته وهواه، ولكن العدل هو تنزيل الإنسان حسب منزلته في القرب أو البعد عن الإسلام.
يقول سليمان بن سحمان:
فحق لذي فضل مراعاة فضله
…
بقدر الذي قد يستحق به الأجل
يوالي على هذا وترعى حقوقه
…
وكل على مقدار فضله قد حصل
ويبغض من وجه على هفواته
…
وزلاته والسيئات من العضل
يراعي الذي قد كان أصلح للفتى
…
وأنفع للدنيا وللدين والعلل
يعادى على هذا بمقدار ذنبه
…
ويرحمه بالزجر عنها لينفتل
فليس يواليهم لأجل حظوظهم
…
ولكن لأجل الله قصدًا إذا فعل
وليس يعاديهم لذلك أو لم
…
يكن لمكنون النفوس من الدغل (1).
وإظهار العداوة، فيما تقدم إنما يكون مع الأشخاص الذين أظهروا المعصية ولم يندموا عليها.
أما من أظهر الندامة، وأقلع عن المعصية فالأولى أن نصفح عنه ونستره، ولا نظهر له العداوة، هذا بحال من اجتمعت فيه أفعال الطاعة وأفعال المعصية، فيوالى على قدر طاعته ويبغض على قدر معصيته.
وهذا المنهج ضروري للإنسان في تعامله مع الناس، حيث إن
(1) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص 147.
الإنسان بفطرته ميال إلى الاجتماع والاختلاط مع بني جنسه ولا يستغني عن التعامل مع تقيهم وفاجرهم وهذا أمر لا حرج فيه ولا إثم (1).
وإنما الإثم في المخالطة العشواء التي لا يبالي فيها الإنسان بمن يخالط أو يصاحب، فلا يحب تقيًا ولا يعادي شقيًا.
فالواجب على المسلم أن يستصحب أحكام الإسلام في مثل هذه الأحوال، فمن يفهم الإسلام بأنه مجرد شعائر تعبدية لا دخل له في تقييم الناس وتقييم التعامل معهم يكون مخطئًا في فهمه ناقصًا في إدراكه لمفهوم الإسلام الصحيح الذي يحكم حياة الإنسان وحركته من المهد إلى اللحد. إن هناك كثيرًا من الناس ليس لديهم منطلق مستمد من عقيدة الإسلام في مخالطة الناس ومعاملتهم، فهم لا يبالون بمن يخالطون أو يتعاملون معهم سواء كانوا مؤمنين أو عصاة، أو كافرين، وهذا مخالف لأمر الله عز وجل في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ)(2)، وقوله تعالى:(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(3)، وقوله تعالى:(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ)(4).
ففضول المخالطة داء عضال، فكم سلبت المخالطة العشواء من نعمة وكم جلبت من نقمة.
وكم زرعت من عداوة، وكم غرست في القلب من مرارة ولا يسلم من ضرر المخالطة وغوائلها المميتة إلا من جعل الناس في المخالطة أربعة أقسام:
(1) انظر مقدمة ابن خلدون ص (42 - 43)(ط - دار إحياء التراث العربي).
(2)
الممتحنة آية (1).
(3)
سورة القلم آية (35، 36).
(4)
سورة السجدة آية (18).
الأول: من يجعل مخالطته لهم بمنزلة غذائه، فلا يستغني عنهم في اليوم والليلة، بل يشعر بالحاجة لهم على الدوام، ويشتاق إلى رؤيتهم وحديثهم، اشتياق العطشان إلى الماء الزلال.
وهؤلاء هم العلماء العاملون، والفتية المؤمنون الملتزمون بالإسلام قولاً وفعلاً فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في الحث على طلب أهل الخير في الصحبة والصداقة:(عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يجيئك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين في القوم، ولا أمين إلا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك فيخونك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله)(1). اهـ.
وقال بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد رجلين رجل تتعلم منه شيئًا من أمر دينك فينفعك، أو رجل تعلمه شيئًا من الدين فيقبل منك، والثالث فاهرب منه (2).
الثاني: من تكون مخالطة الإنسان لهم، كالدواء يستعمله وقت الحاجة عند المرض، فإذا شُفِيَ تركه، وهؤلاء هم الذين لا يستغنى عنهم في مصلحة معاشه، وتأمين ما يحتاج إليه من أنواع المعاملات، فهو يلتقي معهم بمفهوم وتصور معين ويتجرع مرارتهم كما يتجرع مرارة الدواء لحاجته إلى ذلك.
الثالث: من تكون مخالطتهم كمخالطة أهل الأمراض المعدية على اختلاف أنواعها قوة وضعفا، وهؤلاء هم العصاة والفساق الذين لا يستفيد منهم في دين ولا دنيا، فمخالطتهم داء وبلاء يجب على من ينشد الحيطة
(1) انظر فضيلة الألفة والأخوة/ مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (1605) الورقة (35) المؤلف غير معروف، وانظر حياة الصحابة (جـ 3 ص 502).
(2)
المصدر السابق من المخطوطة الورقة (36).
والحذر لنفسه الابتعاد عنهم إلا لغرض دعوة، ونية إصلاح، فهذا أمر مخصص من ذلك العموم.
الرابع: من مخالطتهم مهلكة وزيغ وإلحاد وكفر وضلال، وهؤلاء هم دعاة السوء ونواب الشيطان في الدعوة إلى الضلال والانحراف الداعون لكل بدعة الصادون عن كل فضيلة، فهؤلاء لا يكتفي الإنسان بالعزلة عنهم وعدم مخالطتهم بل الواجب السعي بكل وسيلة للقضاء عليهم وتحطيمهم، قبل أن يحطموا قوة الإسلام والمسلمين (1).
والدعوة إلى الله في هذه الأقسام -والثلاثة الأخيرة منها خاصة- واجب شرعي تقتضيه أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومباشرة ذلك تحتاج إلى الحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(2) فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يعرف أسلوب الدعوة مع الأشخاص كل حسب علمه وفهمه، ولا بد أيضًا أن يقدم في الدعوة الأصلح على الصالح، فلا يحمل على إنسان لا يؤدي السنن، وهو لا يؤدي الواجبات، ولا بد كذلك من ملاحظة ما يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مفاسد قد تكون أكثر مما يراد تحقيقه من مصالح فلا بد من دفع أعظم الضررين بأيسرهما والداعية يجب أن يتحلى بالسكينة والوقار وإظهار الحرص والعطف على ما يأمره أو ينهاه، وأن يثبت ويتحرى اليقين فيما يأمر به وينهى عنه فإن في ذلك خيرًا كثيرًا.
والمخالفون للطريق المستقيم يمكن تقسيمهم إلى الأقسام الآتية:
1 -
المخالفون باعتقادهم وأفعالهم وهؤلاء هم الكفار.
(1) انظر في هذا المعنى الدرر السنية جـ 11ص 94.
(2)
سورة النحل آية (125).
2 -
المخالفون في اعتقادهم دون أفعالهم، وهؤلاء هم أهل البدع والاعتقادية مثل فرق أهل الكلام ونحوهم، ويدخل في عداد هؤلاء أهل النفاق.
3 -
المخالفون في أفعالهم دون اعتقادهم وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:
أ- من تكون أفعالهم مكفرة لمن يفعلها فهؤلاء كفار وإن اعتقدوا الإسلام.
ب- من تكون أفعالهم لا توجب كفر فاعليها وهؤلاء هم عصاة المسلمين وفساقهم، ولكل من هؤلاء أسلوب في التعامل معه من حيث الموالاة والمعاداة.
وسوف نقتصر في هذا المبحث على تناول أهل البدع الذين لا يكفرون ببدعتهم، وكذلك تناول العصاة والفساق من المسلمين، أما من يخالف مخالفة توجب الكفر فسوف نتناول ذلك بإذن الله تعالى في المباحث التالية بعد هذا الموضوع.
وبناء على ذلك فإن موالاة ومعاداة أهل البدع والمعاصي تكون على النحو التالي:
أولا: المبتدعون.
والمبتدعون في اعتقادهم ينقسمون إلى قسمين:
1 -
مبتدع يدعو إلى بدعته.
2 -
مبتدع مقلد غير قادر على الدعوة إلى بدعته الاعتقادية.
فالمبتدع الذي يدعو إلى بدعته ينظر إلى نوع البدعة، فإن كانت البدعة من النوع الذي يكفر فيها مبتدعها فأمره أشد من الكافر الأصلي الذي يمكن إقراره على الكفر في عقد الذمة أو العهد معه أما هذا المبتدع بدعة مكفرة فإنه لا يقر على كفره فهو مرتد حيث لا يقبل منه جزية ولا عقد ذمة.
أما إن كانت مما لا يكفر فيها فأمره أخف من أمر الكافر لا محالة، ولكن
يجب الإنكار عليه أشد من الإنكار على الكافرين؛ لأن شر الكافر غير متعد لمعرفة الناس بكفره، وهذا شره متعد إلى غيره من المسلمين؛ لأنه يدعي لنفسه الإسلام والاستقامة على الحق، فينخدع به بعض المسلمين، ولهذا يجب إظهار وإشهار بغضه وعداوته، والانقطاع عنه، وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته، وتنفير الناس عنه وعن فعله بأعظم ما يكون.
وإن سلم في خلوة، فلا بأس برد جوابه، وإن تيقن أو غلب على ظنه، أن الإعراض عنه والسكوت عن جوابه يكسر على نفسه بدعته، ويؤثر في زجره، فترك الجواب أولى؛ لأن الجواب وإن كان واجبًا، فيسقط بأدنى غرض مثل كون الإنسان في الحمام، أو في قضاء الحاجة، وغرض الزجر مثل هذه الأغراض (1). أما إن كان في ملأ من الناس فترك الجواب أولى تنفيرًا للناس عنه وتقبيحًا لبدعته في أعينهم وكذلك كف الإحسان والإعانة عنه، لا سيما فيما يظهر للخلق (2).
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «وأرى هجر أهل المعاصي والبدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله» (3). اهـ.
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف (4)، والشيخ عبد الله بن عبد
(1) انظر فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (1605) على ميكروفيلم (556/ 6) الورقة (29 - 30).
(2)
المصدر السابق المكان نفسه.
(3)
انظر الدر السنية جـ 1 ص 30.
(4)
هو الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب من علماء نجد ولد بالرياض سنة (1282هـ - 1866م) وتفقه بها ورحل إلى عمان وقطر، ثم اليمن، ثم عين بعد ذلك قاضيًا بشقراء ثم نقل إلى قضاء الرياض وتوفي بها سنة (1367هـ) من آثاره، كتاب الدعوة إلى حقيقة الدين. انظر مشاهير علماء نجد ص 117 وانظر معجم المؤلفين عمر رضا كحاله جـ 10 ص 193.
العزيز العنقري (1)(رحمهما الله) في رسالة مشتركة بينهما: «إن المجاهر بالمعاصي يشرع هجره إذا كان في هجره مصلحة راجحة، ولم يترتب على ذلك مفسدة أعظم من تلك المفسدة التي حصل الهجر بسببها، وذلك حسب غلبة الظن في ذلك؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» (2).
أما المبتدع المقلد وهو العامي لا يقدر على الدعوة إلى بدعته ويحث الناس عليها، فالأولى أن لا يفاتح بالتغليظ والإهانة بل يتلطف به في النصح فإن قلوب العوام والمقلدين سريعًا ما تنقلب إلى الصواب، إذا وجدت من يعالجها بحكمة وبصيرة، فإن لم ينفع النصح وكان في الإعراض عنه تقبيحًا لبدعته في عينه وعين أمثاله فالأولى فعل ذلك، وكذلك لو علم أن الإعراض عنه لا يؤثر فيه لجمود طبعه وتحجر عقله، وخبث طويته، فإن الإعراض أولى؛ لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها (3).
ثانيًا: العصاة أو الفساق:
العاصي أو الفاسق هما لفظان مترادفان لمعنى واحد (4).
والعصاة المخالفون ببعض أفعالهم لما يوجبه دين الإسلام فهؤلاء لا يخلو أمرهم من شيئين.
1 -
أن تكون معاصيهم مما يتأذى بها الغير مباشرة، مثل الظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحو ذلك.
2 -
أن لا تكون مما يتأذى بها الغير مباشرة، وذلك مثل الفسق بشرب خمر
(1) انظر ترجمته ص 15 من هذه الرسالة.
(2)
الدرر السنية جـ 7 ص 296.
(3)
انظر فضيلة الألفة والأخوة / مخطوطة بجامعة الرياض برقم (1605)، على ميكروفيلم (556/ 6) الورقة (29 - 30) المؤلف غير معروف كتبت بالقرن التاسع الهجري تقريبًا.
(4)
انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 612، 695.
أو نحوه من المخدرات، والمفترات، أو مخالفة سنة كحلق لحية أو إسبال ثوب أو تختم بذهب ونحو ذلك، فهذه المعاصي قد لا يتأثر بها الغير مباشرة ولكن يجب عليه أن ينكر على فاعلها بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يرضى بها أو يرضى عن صاحبها وهو متلبس بها؛ لأن إحن المعاصي تجر المحن على الجميع وقد قال الله تعالى:(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)(1)، والعاصي أو الفاسق، إذا عصي بشيء يخصه أو يتعدى إلى غيره، فهو إما أن يكون داعيًا إلى المعصية والفسوق كالذي يبيع الخمر للناس، أو يزين الفاحشة في أعين الناس كي يوقعهم فيها، فهذا أشد إثمًا وأعظم جرمًا وأكثر خطرًا من الفاسق الذي يقتصر فسقه على نفسه بأن يفعل مثل هذه الأمور. ويتستر على ذلك فقد ورد في الحديث المتفق على صحته أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه» (2).
وهذه المعاصي التي يرتكبها العصاة، أما أن تكون كبيرة من كبائر الذنوب، أو من صغائر الذنوب وأدناها، وفي كل واحدةٍ من تلك الذنوب الكبيرة أو الصغيرة، إما أن يكون مصرًا عليها، وإما أن يكون غير مصر عليها فمن هذه التقسيمات يتحصل لدينا ثلاثة أقسام رئيسة ولكل منها مرتبة تختلف عن غيرها (3).
القسم الأول: إن من أشد المعاصي إضرارًا ما يستضر به الناس من ظلم وغصب، وشهادة زور، وغش، وتطفيف ونحو ذلك.
(1) سورة الأنفال آية (25).
(2)
انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين جـ 1 ص 255 (باب ستر عورات المسلمين) رقم الحديث (243).
(3)
فضيلة الألفة والأخوة (مخطوطة - الورقة)(30) جامعة الرياض برقم (1605).
فهؤلاء مع ما يلزم عليهم من عقوبة تعزيرية تقوم بها الدولة المسلمة نحوهم يجب أيضًا على المجتمع، أن يقاطعهم، وينبذ مخالطتهم ويظهر عدم الود والاستئناس لهم، ما لم يتوبوا إلى الله توبة صادقة في أقوالهم وأفعالهم؛ لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الخلق، فالله عز وجل قد يعفو عما بينه وبين العبد ولكن ما بين العبد والناس لا بد فيه من القصاص والجزاء، والمستحب مع من يفعل ذلك أن ينصحه ويعظه بالتي هي أحسن، فإن رأى منه تجاوبًا وتقبلاً أحسن مصاحبته وأدام مودته، أما إن رآه باقيًا على فسقه وعصيانه استحب له إهانته والإعراض عنه، وإظهار بغضه وعداوته.
القسم الثاني: من معصيته بينه وبين ربه وهي المعاصي التي لا يكون أثرها مباشرًا على الغير، كصاحب الماخور (1) الذي يهيئ الفساد ويسهل طريقه على الناس فهذا لا يؤذي الناس في العرف الخاطئ عند البعض؛ لأن الناس يأتون إليه برضاهم، ولكنه في الحقيقة يؤذيهم في دينهم وفي دنياهم على حد سواء وربما كان سببا في حلول نقمة أو عذاب عليهم، فهو قريب من الأول ولكنه أخف منه من حيث إن المعصية بين العبد وبين الله وهي إلى العفو أقرب والأمر في ذلك مرجعه إلى الله عز وجل إن شاء عفا وإن شاء عاقب، وهذا النوع من المعاصي إن ظهرت وجب أولاً استيفاء الحد الشرعي أو التعزير على فاعل المعصية، ثم نصحه ليقلع عن تلك المعصية، فإن استمر على ذلك وجب الإنكار عليه، ومن الإنكار عليه الإعراض عنه ومقاطعته، وترك السلام عليه، أو إجابته إذا ظن أن في ذلك نوعًا من الزجر له، أو لغيره.
القسم الثالث: الذي فسقه مقصور على نفسه، بشرب خمر، أو
(1) بيت الريبة، ومجمع الفساق والعصاة، انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 863.
ترك واجب أو مقارفة محظور يخصه، فالأمر في ذلك أخف من سابقيه، ولكن إن وافقه شخص قبل الوقوع في المنكر وجب عليه منعه من المنكر، بما يمنع به عادة من هو في مثل حالته، ولو بالضرب أو السخرية والاستخفاف به، فإن النهي عن المنكر واجب، حسب القدرة والاستطاعة (1)، فإن لم يعلم بالمنكر إلا بعد وقوعه، والفراغ منه، نصحه فيما بينه وبين نفسه، وتلطف في نصحه، وأظهر له الشفقة والعطف والرحمة به، فإن رجع عن عصيانه، فهذا ما يقصده الأخ لأخيه، وإن رأى أنه مستمر في معصيته، نظر إلى حاله، فإن كان الهجر لا يزداد به المهجور سوءًا، فإن هجره مستحب، وإن كان الهجر والمقاطعة يجره إلى معصية فوق معصيته، فإن هجره منهي عنه (2).
وقد اختلف العلماء في مسألة الهجر والمقاطعة، ومسألة المداراة والملاطفة، وما هي القاعدة والمعيار في ذلك، والصحيح والله أعلم أن كل ذلك متعلق بالنية والقصد عملاً بالحديث الصحيح:«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» الفرق والنظر بعين الرحمة إلى الخلق نوع من التواضع، وفي العنف والإعراض نوع من الزجر، والمستفتى في ذلك هو القلب، إذ قد يكون الزجر والتأنيب عن كبر وعجب، ونوع من التلذذ بإظهار العلو والإذلال بدعوى الإصلاح، وقد يكون الرفق والتلطف ناتجين عن مداهنة ومصانعة، واستمالة قلب للوصول به إلى غرض من أغراض الدنيا، من مال أو جاه أو شهوة، فعلى كل راغب في أعمال الخير من حب في الله وبغض في الله، أن يجتهد مع نفسه في التفتيش عن هذه الدقائق، ومراقبة هذه الأحوال في سويداء القلب وأعماق النفس، حيث إن مسألة التعامل مع العصاة تشبه إلى حد بعيد مسألة
(1) فضيلة الألفة والأخوة (مخطوطة) الورقة (31)، وانظر رسالة في الجهاد للشيخ / عبد الرحمن بن حماد آل عمر ص 22.
(2)
انظر رسالة في الجهاد / للشيخ عبد الرحمن بن حماد آل عمر ص 22.
المريض والطبيب والعلاج، فهي مسألة اجتهادية تحدد حسبما تقتضيه السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة إلى الله (1).
فطرق السلف الصالح قد اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي وإن كان كلهم قد اتفقوا على أن العاصي إذا نصح فلم يرجع ولم يتب عن معصيته وجب بغضه ووجب إظهار البغض له، ما لم يخش ترتب مفسدة أعظم من تلك المفسدة الحاصلة التي يريد أن يبغضه عليها.
فقد كان من العلماء من يتشدد في الإنكار، ويختار المهاجرة ولو كان سبب الهجر شيئًا يسيرًا ولكنه إذا صدر ممن يُقْتَدى بهم صار كبيرًا، فقد هجر الإمام أحمد رحمه الله يحيى بن معين في قوله:«كل ولا تسأل أحدًا شيئًا، ولو حمل الشيطان إلي شيئًا لأخذته منه» (2)، فاستعظم الإمام أحمد هذه المقالة وهجر صاحبها فدل ذلك على أن بغض أهل المعاصي أمر واجب شرعًا وقد تقدمت أدلة متواترة على ذلك ولا بأس أن نشير إلى بعض تلك الأدلة أو غيرها من الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى:(لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)(3) وفي الحديث: «من أحب الله، وأبغض لله وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (4).
فالبغض إنما ينتج عن المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا البغض يتخذ مراتب متفاوتة، فقد يقوى في نفس صاحبه حتى يحمله على تغيير المخالفة باليد، فإن قل عن ذلك كان التغيير بالكلام أو بترك
(1) انظر فضيلة الألفة والأخوة (مخطوطة) الورقة (32)، وانظر الدرر السنية جـ 7 ص 40، 41.
(2)
انظر فضيلة الألفة والأخوة الورقة (27).
(3)
سورة المجادلة آية (22).
(4)
انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني جـ 1 ص 112 رقم الحديث (380).
الكلام والسلام، وقد يضعف فيكون محبوسًا في داخل القلب وذلك أضعف الإيمان ومن الأمثلة العملية على هجران أهل المعاصي ما ورد في قصة كعب بن مالك ومن معه رضي الله عنهم فقد روي عن كعب أنه قال:«ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، وذكر خمسين ليلة» (1).
وقد رُوي في الأثر عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: «لا تسلموا على شراب الخمر» (2)، فإن قال قائل: كيف الجمع بين ترك السلام والكلام في الحديث المتقدم وبين حديث: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالي يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (3) فالجواب:
1 -
أن الهجر المنهي عنه قد يحمل على الهجر الذي يكون سببه البغض من أجل مصالح دنيوية لا من أجل معصية شرعية بحتة.
2 -
أن أحاديث جواز الهجر قد خصَّصَت عموم الأمر بإفشاء السلام كما هو مذهب الجمهور (4).
3 -
أن الحديث الذي قيد الهجر بثلاث ليال فقط حمله بعض العلماء على ما إذا كان بغير موجب لذلك أو كان الموجب لا يتحمل ذلك، وإلا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هجر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك خمسين يومًا وهجر أزواجه شهرًا وبعضهن أقل من ذلك وبعضهن أكثر. وعلى هذا فليس تحديد المدة شرطًا معينًا نظرًا لاختلاف العصاة والمعاصي التي يكون الهجر بسببها، وقد يعترض أحد على ذلك فيقول: لماذا العاصي أو
(1) انظر فتح الباري ج 10 ص 497.
(2)
انظر فتح الباري ج 11 ص 41.
(3)
صحيح مسلم بشرح النووي ج 16 ص 117 (باب تحريم الهجر فوق ثلاث).
(4)
فتح الباري ج 11 ص 41.
الفاسق أو المبتدع مشروع هجره ولا يشرع هجر الكافر ابتداء، وهو أشد جرمًا من أهل المعاصي؟
والجواب: أن الهجران على نوعين: هجران يكون بالقلب، وهجران يكون باللسان، فهجران الكافر بالقلب وهو هجران بغض وعداوة، بترك التودد إليه والتعاون والتناصر معه، ولا سيما إذا كان حربيًا، ولم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، وإن كان لا يستحب بدؤهم بالسلام، بخلاف العاصي المسلم، فإنه ينزجر ويشعر بالخطيئة والخجل، عند مقاطعته وهجرانه، ويشترك كل من الكافر والعاصي بجواز المكالمة لغرض الدعوة إلى الله والتزام طاعته، وإنما المنهي عنه في حقهما المكالمة بالموادة مع المعصية والكفر وتمسكهما في ذلك (1).
ومفهوم كلام السلف أن موالاة أهل البدع ضلالة لا تخرج عن الإسلام، ولكنهم شددوا في ذلك وحذروا منها لأمرين:
الأمر الأول: أن البدعة في الدين عند جمهور العلماء أعظم من ارتكاب الكبيرة من كبائر الذنوب، لذلك يعاملون أهلها أعظم مما يعامل به مرتكب الكبيرة، وذلك لأن البدعة يخشى من انتشارها واستمرار أهلها عليها، بخلاف الذنب الذي يرتكبه صاحبه وهو يعلم خطأه وتعديه ويعلم الناس أنه خلاف الصواب، ولذلك فإن دعاة البدع وسماسرة المعاصي، ولو كانوا ممن يتقمصون ثياب العلم ويتظاهرون بالزهد والصلاح، يجب أن يشد أهل الحق الوطأة عليهم؛ لأن هؤلاء يغتر بعض العامة بهم، فيقودونهم إلى الهاوية والعذاب السحيق.
الأمر الثاني: أن موالاة أهل البدع والمعاصي قد تجر إلى أكبر من ذلك حيث تؤدي بأصحابها في نهاية الأمر إلى الردة والكفر أعاذنا الله من ذلك، فكثير من الناس بدءوا، مع أهل المعاصي ببعض أنواع الموالاة ثم
(1) المصدر السابق ج 10 ص 497.
انتهى بهم الأمر إلى التوالي الكامل للكفار، فخرجوا بذلك عن دائرة الإسلام والمسلمين؛ لأن مخالطة الكفار والاستئناس بهم بلا وعي صحيح ولا عقيدة راسخة تؤول إلى المشابهة والمماثلة لهم في الأقوال والأفعال مما ينتج عن ذلك محبة لهم ولأفعالهم وأقوالهم؛ لأن المحبوب له تأثير على من يحبه، حتى يصل الأمر إلى محاكاتهم في كل شيء بغض النظر عن كون ذلك حرامًا أو مباحًا وهذه صفة من صفات الردة الكاملة التي يحل فيها سبي الأموال وقتل الأنفس وأما موالاة العصاة والمبتدعة للبدع التي لا تخرج عن الإسلام، فهي فتنة وضلالة وانحراف، لا يحل معها سبي الأموال وقتل الأنفس؛ لأن صاحبها لا يزال معصوم الدم والمال ما لم يستبح لنفسه فعل المعصية أو البدعة، فإن من استباح فعل المعاصي والبدع التي اتفق علماء الإسلام على تحريمها بموجب الكتاب والسنة فهو كافر مرتد (1).
وقد روي عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: (من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث:
1 -
إما أن يكون فتنة لغيره بالجلوس معه، وقد ورد في الحديث:«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (2).
2 -
أن يقع في قلبه شيء من الاستحسان فيزل به فيدخله الله النار بسبب ذلك.
3 -
أن يقول: والله ما أبالي بما تكلموا وإني واثق من نفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه الله إياه) (3).
(1) انظر تفسير القرطبي ج 6 ص 190.
(2)
رواه مسلم، انظر صحيح مسلم ج 4 ص 2059 (كتاب العلم).
(3)
انظر العقيدة والآداب الإسلامية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ج 1 ص 317.
قال أبو قلابة (لا تجالسوا أهل البدع، والأهواء، ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون)(1).
وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (2)، وللحديث الصحيح «أنت مع من أحببت» (3).
وطريقة إظهار البغض لأهل المعاصي إذا اقتضى الأمر ذلك تكون في الإعراض والتباعد عنهم، وتارة بقلة الاهتمام بهم وعدم الالتفات إليهم وأخرى بالاستخفاف بهم وتغليظ القول عليهم، وهذا أشد من الإعراض والمقاطعة، وفي جميع الأحوال يكون الأمر بحسب غلظة المعصية وخفتها. ولذلك فالمعاداة لأهل المعاصي بالفعل لها طريقان:
الأول: قطع المعونة والرفق والنصرة لهم، وذلك أقل درجات البغض لأهل المعاصي، إذا رأى أن هذا هو الأسلوب الأجدى معهم.
الثاني: السعي الجاد لإفساد مراميهم ومقاصدهم السيئة بقطع الطريق عليهم وخاصة فيما يفسد عليهم طريق الوصول إلى المعصية وذلك مثل لو كان هناك إنسان يستغل وظيفته لأخذ الرشوة نظرًا لارتباط عمله بالجمهور ومصالحهم فيمكن نقله إلى وظيفة تفقده ذلك بعد تعزيره على ما ارتكب كأن ينقل إلى وظيفة حفظ الملفات والصور المنتهية، أما ما لا يؤثر في منعه من المعصية بصورة مباشرة، فإن المبغض للعاصي بالخيار بين الإفساد عليه، أو عدم ذلك ومثال ذلك، لو أن شخصًا يعصي الله بشرب الخمر ثم تقدم لخطبة امرأة، لو تيسر له نكاحها لكان مغبوطًا فيها، لما فيها من عفة
(1) المصدر السابق ص 318.
(2)
يقول الشيخ ناصر الدين الألباني: هذا الحديث ضعيف ولكن ليس شديد الضعف، فيصلح للاستشهاد به، فالحديث به حسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج 2 ص 633 رقم الحديث (927).
(3)
رواه مسلم، انظر صحيح مسلم ج 4 ص 2032.
وجمال ومال، وأنت ترى أنك قادر على التأثير في هذا الموضوع بالموافقة أو عدمها، ولكنك تظن متيقناً أيضًا أن ذلك لا يؤثر في منعه من المعصية بشرب الخمر فأيهما أولى أن تعينه لينال مقصوده، أم تفسد عليه غرضه ومقصوده.
إن الإنسان في مثل هذه الحالة أمامه ثلاثة طرق:
الطريق الأول: أن يعينه على مقصوده بنية التلطف بإعانته، وإظهار الشفقة عليه، ليعتقد مؤدتك، ويتقبل نصحك فهذا حسن ومطلوب من المسلم في بعض الأحوال.
الطريق الثاني: أن لا تعينه ولا تفسد عليه، فتتركه لمعصيته، ولا تفسد عليه لحق إسلامه، فذلك ليس بممنوع.
الطريق الثالث: أن تفسد عليه غرضه وتفوت عليه تلك الفرصة، وذلك لعله يرجع عن معصيته فيدرك أن هذه المعصية حرمته من هذا الأمر الذي يتطلع إليه بشوق واهتمام، وليعلم هو وغيره أن هذا هو الواجب مع من يستهينون بالمحرمات ويرتكبون السيئات، ثم ليعلم الناس أن الموالاة في الله والمعاداة في الله يجب أن تحكم العلاقات بينهم. وأن ذلك من أصول الإيمان وواجباته على كل مسلم (1).
هذا إذا كانت المعصية فيما يتعلق بحق الله، أو حقوق الآخرين أما إن كانت المعصية والجناية تتعلق بحقك الشخصي أيها الإنسان أو بحق من لك الولاية عليه، فإن لك العفو والمسامحة عن ذلك في مثل ما حصل في قوله تعالى: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ
(1) انظر فضيلة الألفة والأخوة الورقة (26، 27) قسم المخطوطات جامعة الرياض برقم (1605) على ميكروفيلم برقم (556/ 6) المؤلف غير معروف كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (1) وذلك حين تكلم مسطح بن أثاثة في قصة الإفك، فحلف أبو بكر رضي الله عنه أن يقطع عنه النفقة لمشاركته في نشر تلك القصة التي لا أساس لها من الصحة، ولكن الله عز وجل عرض على أبي بكر العفو والصفح مقابل مغفرة الله فأجاب أبو بكر رضي الله عنه واستمر على ما كان يدفعه إلى مسطح بن أثاثِة ولا شك أن المعصية التعرض لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمكانة أبي بكر رضي الله عنه خاصة من أقرب الناس إليه حيث كان مسطح ابن خالة أبي بكر، ولكن لما كان المجني عليه في نفسه بتلك الواقعة قد ثبت له الحق في ذلك، فهو يملك العفو عمن ظلم، والإحسان إلى من أساء، وهذه من أخلاق الصديقين، لذلك عفا عنه وأحسن إليه أبو بكر رضي الله عنه وهذا يدل على أن الإحسان إلى من ظلمك أيها الإنسان جائز، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (2)، وهذا في غير مسألة الحد الشرعي، أما مسألة الحدود فقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
أولاً: منع العفو عنها مطلقًا سواء من المجني عليه أو من الرئيس الأعلى للدولة (3).
ثانيًا: جواز العفو عنها ما لم تبلغ الحاكم (4).
ثالثًا: جواز العفو مطلقًا (5).
وفي رأيي أن القول يجوز العفو ما لم تبلغ الحاكم هو القول الراجح
(1) سورة النور (22).
(2)
رواه مسلم في البر والصلة (باب استحباب العفو والصلة ج 4/ 2001).
(3)
انظر التشريع الجنائي الإسلامي / عبد القادر عودة م 1 ص 81.
(4)
انظر فتح الباري ج 12 ص 87 - 96، وانظر بداية المجتهد / محمد بن أحمد القرطبي م 2 ص 452 - 454.
(5)
المصدرين السابقين نفس المكان.
خاصة في الاعتداء على المال أو النفس دون العرض ما لم تثبت البراءة الشرعية.
ومقتضى الأحوال في هذه الأمور المتقدمة، أن يكون حب العصاة وأصحاب البدع الذين لا تصل بدعتهم إلى حد الكفر، مكروهًا، وبغضهم من المندوبات في الشرع، ولا يصل الأمر في كلتا الحالتين إلى التحريم أو الوجوب، حيث إن الداخل تحت التكليف في الوجوب أو التحريم هو أصل المحبة في الله، وأصل البغض في الله، وذلك قد لا يتعدى من المحبوب إلى غيره، بنفس القوة والحكم، وإنما المتعدي إفراط الحب واستيلاؤه بصفة غير شرعية، كغلو النصارى في عيسى، ومثل اللغو في الصالحين فهذا من قبيل التعدي والإفراط المذموم في الحب، فالمسلم يجب أن يكون واسطًا في ذلك وملتزمًا بالإسلام، فلا يغلو في باب الحب المشروع حتى يقع في الشرك كما حصل من البوصيري في قوله:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به
…
سواك عند حلول الحادث العمم (1)
ولا يكون من الذين قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ)(2) فترتيب المحبة هي أن يحب الله عز وجل قبل كل شيء ثم يحب الرسول محمدًا ثم بقية الرسل ثم الخلفاء الراشدين ثم الصحابة أجمعين ثم التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فمحبة عموم المؤمنين واجبة كما أوضحنا ذلك في مبحث متقدم (3) أما محبة أفراد المؤمنين فهي مستحبة غير واجبة في أعيانهم، وكذلك بغض العصاة والفاسقين فإنه واجب على جهة العموم، أما الأفراد الفاسقون أو العاصون
(1) انظر مجموعة التوحيد ص 316.
(2)
سورة البقرة آية (165).
(3)
انظر (141 - 151) من هذه الرسالة.
فإن بغضهم وهجرهم مستحب وليس بواجب حيث إن الذين وقعوا في بعض المعاصي في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كانوا يهجرون بالكلية ويبغضهم جميع الناس، بل كان الناس منقسمين فيهم إلى ثلاثة أقسام:
1 -
فقسم يغلظ القول عليهم ويظهر البغض لهم.
2 -
وقسم يعرض عنهم، ولا يتعرض لهم إلا بالنصح والتذكير أحيانًا.
3 -
وقسم ينظر إليهم بعين العطف والرحمة، ولا يؤثر المقاطعة والتباعد عنهم، إما طلبًا لإصلاحهم ونصحهم، أو خوفًا من زيادة انحرافهم وضلالهم، فهذه من دقائق الأحكام الشرعية التي تختلف فيها طرق السالكين، واجتهادات المجتهدين ويكون فيها عمل كل واحد بحسب ما تقتضيه حاله ووقته ونيته (1).
وعلى هذا لا يجب وجوبًا مطلقًا قطع الموالاة بين الفساق والعصاة من المسلمين وبين بقية المسلمين كما هو الشأن مع الكفار الخارجين على الإسلام (2).
والله هو العالم والهادي إلى سواء السبيل.
(1) انظر فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (1605) على ميكروفيلم برقم (556/ 6) المؤلف غير معروف كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
(2)
انظر الفتاوى/ ابن تيمية ج 7 ص 671.