المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المثال الخامس: منح الكفار حرية التنقل والإقامة بين المسلمين - الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية - جـ ٢

[محماس الجلعود]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الثالث: الموالاة والمعاداة لأهل الأهواء والفرق

- ‌الفصل الأول: الموالاة والمعاداة لأهل الأهواء

- ‌المبحث الأول: موالاة أهل العصيان والفسوق ومعاداتهم

- ‌المبحث الثاني: موالاة المنافقين ومعاداتهم

- ‌المبحث الثالث: موالاة المرتدين ومعاداتهم

- ‌المبحث الرابع: موالاة الخارجين عن السلطة ومعاداتهم

- ‌المبحث الخامس: موالاة السلطة الحاكمة ومعاداتها

- ‌الفصل الثاني: الموالاة والمعاداة للفرق التي تنتسب إلى الإسلام

- ‌تقديم: حول افتراق هذه الأمة

- ‌المبحث الأول: موالاة ومعاداة الفرقة الزيدية

- ‌المبحث الثاني: موالاة ومعاداة الشيعة الاثنى عشرية

- ‌المبحث الثالث: موالاة ومعاداة الطائفة النصيرية

- ‌المبحث الرابع: موالاة ومعاداة الدروز

- ‌الباب الرابع: موالاة الكفارة ومعاداتهم

- ‌الفصل الأول: منهج التعامل مع الكفار

- ‌المبحث الأول: الإسلام بين دعوى التعصب والتسامح مع الكفار

- ‌المبحث الثاني: مفهوم الحرب والسلم في الإسلام

- ‌المبحث الثالث: تعامل المسلمين مع أهل الذمة والعهد في دار الإسلام

- ‌المبحث الرابع: تعامل المسلمين مع الكفار المحايدين

- ‌المبحث الخامس: تعامل المسلمين مع الكفار المحاربين

- ‌المحاربون من أهل الأوثان

- ‌المحاربون من اليهود

- ‌المحاربون من النصارى

- ‌الفصل الثاني: مظاهر الولاء للكفار

- ‌التمهيد لدراسة هذا الفصل

- ‌المبحث الأول: موالاة الكفار في الحقول العامة

- ‌المثال الأول: إطلاق حرية الدعوة إلى الكفر بين المسلمين

- ‌المثال الثاني: السماح بتعليم الكفر وتعليمه بين المسلمين

- ‌المثال الثالث: إباحة ظهور المحرمات بين المسلمين إرضاء للكفار وأشباههم

- ‌المثال الرابع: إطلاق يد الكفار في بناء المعابد لهم في بلاد المسلمين

- ‌المثال الخامس: منح الكفار حرية التنقل والإقامة بين المسلمين

- ‌المثال السادس: تمليك الكفار لما يتخذونه موضعًا لمعصية الله

- ‌المثال السابع: تأجير الأماكن والذوات لمن يتخذها هدفًا لمعصية الله

- ‌المبحث الثاني: موالاة الكفار في العلاقات الاجتماعية

- ‌الفرع الأول: السلام على الكفار والزيارة لهم

- ‌الفرع الثاني: تهنئة الكفار والثناء عليهم

- ‌الفرع الثالث: تشييع موتى الكفار وتعزيتهم في ذلك

- ‌الفرع الرابع: الزواج بالنساء الكافرات وتزويجهم المسلمات

- ‌المبحث الثالث: موالاة الكفار في الشئون الاقتصادية

- ‌المثال الأول: إباحة التعامل بالربا مع الكفار ومن أجلهم

- ‌المثال الثاني: إعطاء المساعدات المالية للكفار

- ‌المثال الثالث: تمكين الكفار من استغلال أموال المسلمين

- ‌المثال الرابع: تمكين الكفار من الوظائف الهامة في البلاد الإسلامية

- ‌المثال الخامس: توريث الكفار والنفقة عليهم من أهل الإسلام

- ‌المبحث الرابع: موالاة الكفار في الشؤون الحربية

- ‌الفرع الأول: الاستعانة بالكفار في القتال

- ‌الفرع الثاني: الدخول في حماية الكفار

- ‌الفرع الثالث: الاستعانة بسلاح الكفار

- ‌المبحث الخامس: موالاة الكفار في الحقوق الجنائية

- ‌الفرع الأول: قتل المسلم بالكافر

- ‌الفرع الثاني: إهانة المسلم بما دون القتل دفاعًا عن الكافر

- ‌الفرع الثالث: الستر على جواسيس الكفار وحمايتهم

- ‌المبحث السادس: موالاة المسلم للكفار في بلادهم

- ‌الفرع الأول: موالاة الكفار في السفر إليهم والإقامة بينهم

- ‌الفرع الثاني: موالاة الكفار في العمل لديهم وتحت ولايتهم

- ‌الفصل الثالث: العقوبات المترتبة على موالاة الكفار

- ‌المبحث الأول: العقوبة التعزيرية لمن يوالي الكفار

- ‌المبحث الثاني: العقوبة الإلهية التي تجري وفق السنة الربانية بحق من يوالون الكفار ويؤذون المؤمنين

- ‌المبحث الثالث: العقوبة الأخروية لمن يوالون الكفار

- ‌الفصل الرابع: واقع المسلمين اليوم من موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين

- ‌أولاً: فلسطين:

- ‌ثانيًا: أفغانستان:

- ‌ثالثًا: الفلبين:

- ‌خامسًا: المسلمون في كمبوديا:

- ‌سابعًا: المسلمون في الهند:

- ‌ثامنًا: جزر القمر:

- ‌تاسعًا: المسلمون اليونانيون:

- ‌عاشرًا: المسلمون في تونس:

- ‌الحادي عشر: موزمبيق:

- ‌الثاني عشر: أوغندا:

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌المثال الخامس: منح الكفار حرية التنقل والإقامة بين المسلمين

‌المثال الخامس: منح الكفار حرية التنقل والإقامة بين المسلمين

لقد بلغ من تسامح الإسلام مع غير المسلمين المخالفين له في العقيدة، أن يقرهم على السكنى الدائمة كأهل الذمة أو المؤقتة كأهل العهد مع حرية التنقل والإقامة ما لم يخالفوا مقتضى العقد والعهد، إلا أن هناك استثناء من ذلك حيث قسم الفقهاء دار الإسلام إلى أربعة أقسام هي كما يلي:

أولاً: المسجد الحرام:

أجمع الفقهاء على أن المسجد الحرام لا يجوز أن تطأه قدم مشرك كافر بالأصالة أو بالردة كمعتنقي المذاهب الشيوعية أو البعثية ونحوها، لعموم قوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)(1). وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا بعد نزول هذه الآية يعلن للناس في

(1) سورة التوبة آية (28).

ص: 697

الحج «أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» (1).

ثانيًا: منطقة الحرم وهي مكة وما طاف بها من نصب حرمها:

فليس لغير المسلم أيا كان نوع كفره أن يدخلها لا مقيمًا ولا مارًا بها وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة، وخالف أبو حنيفة في ذلك حيث يرى جواز المرور بمنطقة الحرم دون الإقامة فيها ما عدا المسجد الحرام فلا يجوز أن يقربه مشرك وحجته في ذلك أن الآية خصصت المسجد الحرام فلا يتعدى ذلك إلى غيره مما لم يشمله الدليل.

ورد القائلون بمنع دخول منطقة الحرم كلها، أن القرآن الكريم نهى غير المسلمين عن اقتراب المسجد الحرام والمقصود به الحرم كله، لا المسجد الحرام فقط، لأنه عبر عن الكل بذكر الجزء المهم فيه (2).

والراجح في هذه المسألة المنع من دخول منطقة الحرم بكاملها وذلك للأسباب الآتية:

1 -

إن الله ذكر تحريم دخول المسجد الحرام ونص عليه صراحة والمسجد الحرام جزء يسير من الحرم كله ولذلك ذهب عطاء إلى أنه يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع (3).

2 -

وردت أحاديث صحيحة بإخراج اليهود والنصارى من الجزيرة كلها فمن باب أولى أن تشمل منطقة الحرم، حيث ورد في صحيح مسلم ما يؤكد ذلك (4).

(1) انظر صور من حياة الرسول أمين دويدار ص582.

(2)

انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص92.

(3)

انظر تفسير القرطبي ج8 ص104.

(4)

انظر نيل الأوطار للشوكاني ج8 ص222.

وانظر الأحكام السلطانية للماوردي ص167.

ص: 698

ثالثًا: سكنى الجزيرة والحجاز لغير المسلمين:

الأصل في ذلك ما روي من الأحاديث الدالة على منع سكنى الجزيرة والحجاز لغير المسلمين، حيث روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس وأوصى عند موته بثلاث:«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة» (1) وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا» (2) وعن عائشة رضي الله عنها قالت آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» (3) وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم «أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» (4).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وذكر يهود خيبر إلى أن قال أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء» (5).

وظاهر ما تدل عليه هذه الأحاديث وفعل عمر رضي الله عنه أنه يجب إخراج المشركين من كل مكان داخل في مسمى جزيرة العرب وقد حدد الخليل (6) بن أحمد جزيرة العرب بأنها من بحر الحبشة غربًا إلى بحر

(1) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج6 ص170 (باب الجهاد) ح3053.

(2)

رواه مسلم. انظر صحيح مسلم في كتاب الوصية ج3/ 1258 ح1637 ورواه أحمد والترمذي وصححه. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني م2، ص629، رقم الحديث (924) وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج8 ص222 وانظر المغني والشرح الكبير ج10، ص613.

(3)

نيل الأوطار للشوكاني ج8 ص222.

(4)

رواه أحمد. انظر نيل الأوطار ج8ص222.

(5)

رواه البخاري ومسلم. انظر فتح الباري ج6 ص252 وانظر صحيح مسلم ج3 ص1187 - 1188 (باب المساقات - 6).

(6)

هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تمين الفراهيدي، الأزدي، اليحمدي، البصري، (أبو عبد =

ص: 699

فارس شرقًا ومن الفرات شمالاً إلى بحر الهند جنوبًا، وهذا يوافق مفهومنا الجغرافي المعاصر من البحر الأحمر غربًا إلى الخليج شرقًا، ومن أرض العراق شمالاً إلى حضرموت جنوبًا وهذا هو الموافق لنصوص الحديث (1).

وحدد الأصمعي جزيرة العرب بأنها ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام، وسميت بجزيرة العرب لإحاطة البحار بها، وهي بحر الهند وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم منذ القدم (2).

وقد اختلف العلماء في مسألة النهي عن سكنى الجزيرة والحجاز فمنهم من حمل أحاديث النهي كلها على الحجاز فقط دون بقية الجزيرة العربية ومنهم من حمل أحاديث النهي على مسمى الجزيرة كلها بما فيها الحجاز.

وخلاصة القولين كما يلي:

القول الأول:- هو قول جماعة من الفقهاء حيث قالوا: إن الذي يُمْنَع المشركون من سكناه من الأرض، هي أرض الحجاز خاصة وهي مكة والمدينة واليمامة وما والاها من قرى وأحياء وذلك لعدة أسباب هي:

1 -

إن أكثر الفقهاء قد اتفقوا على أن اليمن لا يمنع أهل الذمة من سكناها مع أنها من جملة جزيرة العرب، وهذا قول الجمهور من الشافعية والحنفية والحنابلة والشيعة الإمامية (3).

2 -

استدل القائلون بالنهي عن سكنى المشركون للحجاز فقط بحديث أبي

= الرحمن) ولد سنة (100هـ) وأصبح نحويًا لغويًا، وهو أول من استخرج علم العروض وحصن به أشعار العرب وتوفي سنة (170هـ) انظر معجم المؤلفين/ ج4 ص112.

(1)

انظر فتح الباري ج6 ص171 وص270 - 272 من نفس الجزء ونفس الكتاب.

(2)

انظر الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص179 - 181.

(3)

انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص92.

ص: 700

عبيدة وفعل عمر المتقدمين (1). فقالوا: إن عمر رضي الله عنه أجلى أهل الذمة من الحجاز فلحق بعضهم بالشام وبعضهم بالكوفة وأجلى أبو بكر رضي الله عنه قومًا فلحقوا بخيبر، فاقتضى ذلك أن المراد بالنهي الحجاز لا غير.

القول الثاني: قول من يرى أنه يجوز أن يسكن في جزيرة العرب مشرك بعد دخولها في الإسلام وجزيرة العرب هي ما سبق أن أشرنا إلى تحديد الخليل بن أحمد والأصمعي لها، وتحديدهما لها لا يختلف عما هو معروف عند علماء هذا الفن في عصرنا الحاضر سوى الاختلاف في اللفظ من جزيرة العرب إلى شبه الجزيرة العربية وعلى هذا فجزيرة العرب أو شبه الجزيرة العربية لا يجوز أن يسكنها مشرك على هذا القول وحجة أهل هذا القول هي ما يلي:

1 -

تواتر الأحاديث الدالة على أنه لا يجوز أن يسكن الجزيرة مشرك ولا يجتمع فيها دينان بعد الإسلام وقد تقدمت هذه الأحاديث برواياتها المختلفة.

2 -

إن هذه الأحاديث كما تدل طرق الرواية لها من آخر ما عهد به الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة فلم يأت بعدها أحاديث يمكن أن تنسخ العمل بها أو تخصص مفهومها.

3 -

إن تخصيص الحجاز من الجزيرة العربية إذا كان ذلك لرعاية مصلحة الأمة، فإن المصلحة في إخراجهم من الجزيرة العربية كلها أقوى وأوجب.

4 -

إن حمل الجزيرة على الحجاز إن صح مجازًا من إطلاق اسم الكل وإرادة الجزء فهو معارض بالقلب وهو أن يقال: إن المراد بالحجاز جزيرة

(1) انظر ص661 - 666 من هذه الرسالة.

ص: 701

العرب من إطلاق اسم الجزء وإرادة الكل، فترجيح أحد المجازين مفتقر إلى دليل، ولا دليل يرجح أحد المجازين.

5 -

إن في خبر النهي عن جزيرة العرب زيادة لم تغير حكم الخبر الخاص بالحجاز والزيادة في مثل ذلك مقبولة.

6 -

إن استنباط علة التقرير في غير الحجاز هي المصلحة، فرع لثبوت الحكم. والأحكام المستنبطة إنما تؤخذ من حكم الأصل بعد ثبوته والدليل لم يدل إلا على نفي وجود المشركين في الحجاز والجزيرة العربية معًا كما في حديث مسلم (1) وحديث:«لا يترك بجزيرة العرب دينان» فاستثناء غير الحجاز واقع في مقابلة النص المصرح فيه بأن العلة كراهية اجتماعي دينين في مكان واحد، فكان مقتضى القياس أنه لو فرضنا أن النص لم يقع إلا على إخراجهم من الحجاز لكان المتعين قياسًا إلحاق بقية جزيرة العرب بذلك لهذه العلة، فكيف والنص الصحيح يصرح بوجوب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب.

7 -

إن الحديث الذي استدل به من يرى الإخراج من الحجاز فقط حيث ذكر لفظ الحجاز فيه، فيه الأمر بإخراجهم من نجران كما ذكر ذلك في الحديث، وليس نجران من الحجاز، فلو كان لفظ الحجاز مخصصًا للفظ الجزيرة على انفراده، أو دالاً على أن المراد بجزيرة العرب الحجاز فقط لكان هذا إهمالاً لبعض الحديث وإعمالاً لبعضه الآخر وهذا باطل.

8 -

إن غاية ما في حديث أبي عبيدة الذي صرح فيه بلفظ أهل الحجاز هو أن مفهومه معارض لمنطوق ما في حديث ابن عباس المصرح فيه بلفظ جزيرة العرب والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق فكيف يرجح عليه (2).

(1) انظر ص661 من هذه الرسالة.

(2)

انظر نيل الأوطار للشوكاني ج8 ص222 - 225.

ص: 702

والذي أطمئن إليه مما تقدم فيما يتعلق بالحرم والحجاز والجزيرة العربية هو أن يعاملوا على النحو التالي:-

1 -

منطقة الحرم كلها لا يجوز أن يدخلها مشرك سواء كان مسافرًا أم مقيمًا لدلالة النصوص المتقدمة على ذلك، وأرى ضعف ما ذهب إليه الأحناف، من جواز دخول الحرم عدا المسجد الحرام دخولاً مؤقتًا، لأن قولهم هذا عن اجتهاد ولا اجتهاد مع النص.

2 -

منطقة الحجاز والجزيرة العربية كلها يجوز للذميين والمستأمنين دخول الحجاز والجزيرة العربية بصفة مؤقتة، حيث كان النصارى يتجرون في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة وكان يضرب لمن قدم منهم تاجرًا مدة معلومة يلزمه مغادرة المدينة بعد انقضائها وهذا ما صرح به الحنابلة والشافعية والزيدية (1). ولعل هذا لا يتعارض مع منطوق الأحاديث التي تنهى عن دخول الحجاز وجزيرة العرب بحمل دلالة هذه الأحاديث على أن المراد بذلك السكنى الدائمة، لا المرور العابر أو الإقامة المؤقتة لعمل ما.

ولذلك فإنني مع من يقول بعدم جواز التصريح بالإقامة المستمرة في الحجاز والجزيرة العربية لغير المسلمين عملاً بظاهر الأحاديث الدالة على ذلك وما حصل من تقرير في إقامة أهل الذمة في اليمن وسواد العراق والشام، فإنما كان عن اجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم ولمصلحة رأوا العمل بها في حينها مؤقتًا، وهو لا يعني أن هذا هو قرارهم النهائي في هذه المسألة، وأن إقرارهم لذلك إقرارًا نهائيًا. فقد روى الإمام أحمد أن عمر بن عبد العزيز أمر نائبه في صنعاء أن يهدم جميع الكنائس في اليمن فهدمها في صنعاء وغيرها من المدن، وكذلك فعل هارون الرشيد حيث أمر بهدم ما كان موجودًا في سواد بغداد، وكذلك فعل المتوكل حيث استفتى العلماء

(1) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص93.

ص: 703

لديه ثم بعث بفتواهم إلى الإمام أحمد بن حنبل لأخذ موافقته على ذلك فأجابه بالموافقة على هدم كنائس سواد العراق (1).

ولذلك فإن من أنواع الخطأ الفاحش الذي تقع فيه الدول المعاصرة هو منح المشركين على اختلاف أنواعهم التصريح بالإقامة المستمرة في دول الجزيرة العربية، وذلك بمنح جنسيات تلك الدول إلى حثالة اليهود والنصارى وأهل الأوثان بينما كثير من الدعاة إلى الله، لا يجدون ملجأ أو مغارة يأون إليها ويحتمون بها من جبروت المتجبرين واضطهاد الظالمين.

أحرام على بلابله البوح

حلالاً للطير من كل جنس!!

رابعًا: سكنى المشركين وإقامتهم الدائمة خارج الجزيرة العربية:

فيرى جمهور العلماء جواز إقامة أهل الذمة إقامة مستمرة خارج حدود الجزيرة العربية من دار الإسلام وذلك وفق شروط أهل الذمة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبقها أصحابه، بحيث لا يصدر منهم ما يضر بصالح الإسلام والمسلمين، والمستأمنين يلزمهم ذلك بموجب عقد الأمان وإن كان البعض من علماء الإسلام يرى إخراج كل مشرك من كل بلد غلب عليها المسلمون عنوة، ولم يكن بالمسلمين حاجة وضرورة ملحة إلى بقائهم وقالوا إن ذلك لا يختص بجزيرة العرب، وإنما خصها الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك لأنها هي التي كانت تخضع للمسلمين حين وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا هو رأي الإمام الطبري (2).

والراجح أن ما عدا الجزيرة العربية والحرم يرجع ذلك إلى ما يراه الإمام وأهل الحل والعقد في الأمة، وما تقتضيه السياسة الشرعية ومصلحة الأمة في إبقاء أهل الذمة وأهل العهد أو إخراجهم من دار الإسلام عند ترجيح أصلح الأمرين في حق الإسلام والمسلمين.

(1) انظر شرح الشروط العمرية/ تأليف ابن قيم الجوزية/ تحقيق صبحي الصالح ص29 - 30.

(2)

انظر فتح الباري ج6 ص270 - 272.

ص: 704

ولكن شتان بين ما هو كائن وما يجب أن يكون فقد غزت جمعيات التنصير معظم البلاد الإسلامية بمسميات ظاهرة وخفية، جاعلة نصب عينيها إخراج المسلمين عن الإسلام، وإذا تجاوزنا البلاد الإسلامية التي يوجد بها كثافة سكانية من المسلمين وقلة من غير المسلمين كمصر وأندونيسيا وباكستان، إلى البلاد التي في الأصل سكانها مسلمون مائة في المائة ولا يسكنها إلا قلة من غير المسلمين كالإمارات العربية في الخليج فإننا نجد بها (54) أربعًا وخمسين بعثة تنصيرية بين إنكليزية وأمريكية، وفي الكويت مجلس اتحاد الكنائس لدول المنطقة رغم أن موقع الكويت وغيرها من دول الخليج داخل في مفهوم الجزيرة العربية ويشمله النهي الذي نهى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إقامة المشركين في الجزيرة العربية، وقد بلغت نسبة غير المسلمين في دول الخليج 30% ثلاثين في المائة بالنسبة إلى المسلمين أي ما يقارب المليون من الكفرة المشركين حيث إن مجموع عدد سكان دول الخليج (3.146.078) ونسبة غير المسلمين منهم ما يعادل الثلث حسب إحصائية تفصيلية نشرتها مجلة المجتمع الكويتية (1).

فهل هذه النسبة العالية من غير المسلمين في صالح الإسلام والمسلمين؟ وهل يرضى مثل هذا العمل رب العالمين، في الوقت الذي يموت فيه ملايين المسلمين من الفقر والحاجة والحرمان؟

ومما تقدم يدرك المسلم خطورة ما نحن فيه في عصرنا الحاضر من استقدام مئات الآلاف من أهل الكفر والضلال وتوزيعهم في مختلف البلاد الإسلامية وهذا أمر له خطورته من وجهين.

الوجه الأول – إن ذلك التعاون المطلق مع الكفار معصية يحاسبنا الله عليها، وإن ملء البلاد الإسلامية بالكفار عمل بعكس ما أمر الله به من إخراج المشركين من جزيرة العرب، وأكثر الذين يسرحون ويمرحون في ديار

(1) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (553) الثلاثاء صفر 26/ 2/1402هـ. ص20 - 23.

ص: 705

المسلمين لا مبرر لوجودهم من وجهة النظر الإسلامية، لإمكان استبدالهم بملايين المسلمين العاطلين عن العمل في مشارق الأرض ومغاربها والذين يشكلون بمجموعهم اكتفاء ذاتيًا في معظم مجالات العمل ومتطلبات الحياة.

ولكن نظرًا لموالاة كثير من ولاة الأمر في البلاد الإسلامية للكفار فقد أصبحوا يتنافسون في استقدام الكفار واتخاذهم بطانة لهم من دون المؤمنين، بل إن ندماءهم وخلانهم وأهل ثقتهم وأمناء أسرارهم، هم من الكفار وأشباه الكفار.

وهذا دليل كاف على إدانة أولئك المسئولين وتوليهم لأعداء الله ومحبتهم لهم وقد ورد في الحديث الصحيح «المرء مع من أحب» (1).

الوجه الثاني: إن بلاد المسلمين وخاصة جزيرة العرب مستهدفة قبل غيرها من قبل أعداء الإسلام لسببين.

1 -

أنها منبع الإسلام ومطلع النور الذي بدد غياهب الجهل والظلم في العالم أجمع، ولذلك يخشى الأعداء من أن تشرق شمس الإسلام من جديد فتذهب ليلهم الحالك الذي يجدون في ظلمته كل مسوغات الاستعباد والتسلط على المسلمين.

ولذلك يسعون ليل نهار لمحاصرة التحرك الإسلامي في كل مكان وضربه قبل اشتدد عوده حتى لا تقوم للإسلام قائمة.

2 -

إن دول الجزيرة قد حباها الله من نعمة الظاهرة والباطنة مما لا يعلمه إلا الله ومكنها من أن يكون مفتاح إنارة العالم كله بيدها ولكنها لم تمارس دورها القيادي كما يجب في الربط بين قوة الطاقة وقوة وعظمة الرسالة وجعل أحدهما مكملاً للآخر، بل لقد سلبت الأمرين معًا بأبخس الأثمان.

(1) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم ج4 ص2032 (باب البر والصلة) رقم الحديث (2641).

ص: 706

وقد يسأل سائل فيقول: ما هو المخرج من واقعنا المؤلم الذي نعيش فيه؟

والجواب كما أعتقد وأرى أنه يجب علينا سلوك الطرق التالية:

أولاً: التعاون الجاد الصادق مع المسلمين المخلصين الموحدين الذين يمثلون حقيقة الإسلام وجوهره، لا مع المسلمين المزيفين ولا مع الحكومات التي تعمل ضد الإسلام والمسلمين.

إن من الجهل المركب أن يعتقد شخص أو جماعة أو دولة أنه من الممكن شراء ولاء الناس ومودتهم بالمال والمنافع المادية، فهو وإن حصل ذلك في بعض الظواهر المؤقتة فإن نهاية ولاء من أحبك على مصلحة يكون بفقدها عدوًا، ولذلك نرى كثيرًا ما تنقلب الصداقة عداوة بين كثير من الأفراد والجماعات والدول وقد يحصل العكس نظرًا لعدم وجود ضابط من الدين والعقيدة السليمة يحكم تلك العلاقات مسبقًا فالمحبة في الله والمودة في سبيله أقوم وأبقى ولذلك قال تعالى:(لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(1).

وقد أمر الله بالتعاون مع المسلمين وتفريج الكربات عنهم قال صلى الله عليه وسلم: «ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة» (2) أليس من الأفضل تهيئة العمل الشريف المبني على الأخوة في الله لإخواننا في مشارق الأرض ومغاربها؟ بدلاً من أن نتركهم يرتمون في أحضان دعاة الكفر وسماسرة الفاتيكان وجمعيات أهل الصليب، بينما بطون الكفار تصاب بالتخمة من خيرات المسلمين في داخل بلاد المسلمين وخارجها.

(1) سورة الأنفال آية (63).

(2)

متفق عليه. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج1، ص257 رقم الحديث (246)(باب قضاء حوائج المسلمين).

ص: 707

إن مما يجب على ولاة المسلمين الصادقين أن لا يستقدموا كافرًا وهم يجدون ما يسد مسده من أهل الإسلام إن استقدام الكفرة إلى ديار الإسلام وخاصة جزيرة العرب معصية لله ورسوله، ومخالفة لنهج الخلفاء الراشدين كما تقدم بيان ذلك (1).

ثانيًا: إن في المجتمع الإسلامي الكبير طاقات فنية وقدرات علمية تجعل المسلمين لديهم اكتفاء ذاتيًا في معظم المهن والعلوم بحيث تصبح الحاجة إلى الكفار في شبه النادر والقليل ولكن أين من يهتم بذلك ويسعى لتطبيقه في واقع المسلمين، لقد فتحت كثير من الدول الباب على مصراعيه لدخول الكفار بطرق مختلفة وأسباب متباينة، حتى امتلأت بلاد المسلمين بسيل جارف من هؤلاء الكفار رجالاً ونساءً، فأصبح المسلم لا يكاد يرى بينهم إلا نادرًا، وصار المسلم في بلده غريبًا، حتى أن الواحد منا إذا دخل بعض المحلات التجارية لدينا وجد كل شيء مصبوغًا بصبغة الكفار ووجد الباعة من الكفار والمشترين منهم كذلك وكأن المحل في لندن أو باريس أو نيويورك أو طوكيو أو بكين، كأنه ليس في بلدة من بلدان المسلمين. إن الكفار وخاصة النصارى منهم يركزون هذه الأيام على الهجرة إلى البلاد الإسلامية، لإفسادها ومحاولة تنصير المسلمين فيها.

فقد عقدوا مؤتمرًا كنيسيًا في أمريكا لتنصير المسلمين في ولاية كولورادو، تم فيه مناقشة أربعين بحثًا عن خطط التنصير وبرامج التكفير في البلاد الإسلامية، واتخذوا عدة قرارات وتوصيات، كان من أهمها في هذا الموضوع قولهم:«يجب بذل الاهتمام الكافي والتركيز بقوة على زرع جاليات مسيحية في قلب العالم الإسلامي» (2).

(1) انظر ص660 - 666 من هذه الرسالة.

(2)

انظر المجتمع الكويتية عدد 525 في 16/ 6/1401 هـ ص30.

ص: 708

فهل نترك لهم تحقيق هذه الفرصة التي يطمحون إليها بكل شوق؟

إن الإسلام لا يخشى من تواجد غير المسلمين في دار الإسلام لو كان المسلمون متمسكين بإسلامهم، عاملين بحقيقة الإسلام.

أما تمكين الكفار في بلاد المسلمين، في الوقت الذي يعيش فيه المسلمون بلا هوية أو عقيدة تربطهم بالإسلام الصحيح فإن ذلك خيانة وموالاة لأعداء الله وأعداء رسوله، ومحاربة للإسلام والمسلمين. فهل يعي المجازفون بمصيرهم ومصير أمتهم إلى الهاوية هذا الخطر، بعد أن أثبت التاريخ أن قلب الجزيرة العربية هو أسلم البلاد الإسلامية بسبب ندرة تواجد الكفار فيه في سالف الأزمان.

ثالثًا: العمل على إقصاء المنافقين والمرتدين من شيوعيين وبعثيين (1) ونحوهم عن مراكز التوجيه ومقاليد السلطة في الأمة الإسلامية. فمن ظهرت منه علامات النفاق كبت نفاقه في قلبه ومن ظهرت منه علامات الردة باعتناق المذاهب الكافرة نفذ فيه حكم الله لأن هؤلاء جميعًا مدخل خبيث لأعداء الإسلام، وسلم لدخول الكفار إلى بلاد المسلمين واستباحة حماها.

رابعًا: العمل على إحياء الدعوة الإسلامية، وإطلاق يد الدعاة إلى الله في أن يدعوا بكل حرية ونشاط ليوجدوا البديل الصالح بدلاً من أنصاف المسلمين وركام المنافقين الذين هم عالة على أنفسهم وعلى أمتهم جميعًا.

(1) يقول ميشيل عفلق: (إن حزب البعث مدين للماركسية في جانبه الفلسفي وبرنامجه الاشتراكي) اهـ.

انظر التبشير والاستعمار ص257 وهذه شهادة لا يستهان بها على كفر من ينهج منهج الأحزاب البعثية أو ينضم إليها ويواليها، خاصة وأنها شهادة صادرة من مؤسس حزبي البعث في سوريا والعراق، فهل يعي المخدوعون بأنه لا تعارض بين حزب البعث ودين الإسلام؟ بعد صدور الشهادة على كفرهم من كبيرهم الذي علمهم الكفر قال تعالى: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) سورة التوبة آية (17).

ص: 709

وقد يقول قائل: ما هو الخطر الذي يهدد المسلمين من وجود الكفار بينهم وهل حصل شيء من ذلك فيما مضى يوجب الخوف منهم مستقبلاً؟

والجواب أن نقول: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: «لقد رأينا المسلمين الذين عاشروا اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم، ممن عاشوا مع المسلمين الخالصين من الشرك» (1).

فإذا كان هذا ما رآه شيخ الإسلام قبل سبعة قرون فما بالك لو رأى ما وصلت إليه البلاد الإسلامية التي يوجد فيها أقليات غير إسلامية من فساد وردة وانحلال، لقد أثبت الواقع التاريخي أن البلاد التي بقيت فيها أقليات غير إسلامية كمصر والشام والعراق قد سبقت غيرها من بلاد الإسلام إلى الفساد وهو أمر مشاهد معلوم، ولا يعني هذا أن البلاد داخل حدود الجزيرة العربية سليمة نقية ولكنها ستكون في آخر القائمة بعد تلك الديار إن لم يتدارك الله الجميع برحمته، ودليل آخر أثبت أن كثرة الفساد تكثر حيث يكثر الكفار، ذلك أن البلاد التي دخلها الاستعمار العسكري بعد القضاء على الدولة الإسلامية أشد تأثرًا بالفساد من البلاد التي بقيت تحتفظ باستقلال محدود عن الكفار في الجزيرة العربية.

فكيف وهذه التجارب ماثلة أمامنا لم نتعظ ولم نعتبر بل لقد وصل الأمر إلى أن نصدر لهم أبناءنا كما يصدرون لنا الماشية من الأنعام ونستقدم الكفار كاستقدامنا لبقية السلع الاستهلاكية سواء بسواء، فضاع معظم أبنائنا في الخارج وقضى الوافدون من الكفار على معظم البقية الباقية منهم في داخل بلاد المسلمين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(1) انظر الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض/ تأليف الشيخ سليمان بن سحمان الدوسري ص43 الورقة (22). مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (3413).

ص: 710