الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: موالاة السلطة الحاكمة ومعاداتها
إن موالاة ولاة الأمر وعدم عداوتهم، والسمع والطاعة لهم، عبادة يؤديها الفرد المسلم لوجه الله عز وجل، يثاب على فعلها ويعاقب على تركها قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(1) وقد ذكر الله عز وجل طاعته وطاعة رسوله فيما يقارب من أربع وعشرين آية في القرآن الكريم (2). بينما طاعة ولي الأمر لم تذكر إلا في الآية المتقدمة مقيدة بكونه من المسلمين، والإسلام في مفهومه الصحيح يعني تطبيق الأحكام الشرعية قولاً وفعلاً واعتقادًا، وهذا الحاكم الموصوف بالإسلام هو الذي تطلبه الأمة الإسلامية، وتريد وجوده، وتحرص على بقائه، وترى أن طاعته واجبة لأنها متصلة بطاعة الله ورسوله.
وعلى ذلك تحمل الآيات والأحاديث الواردة في وجوب طاعة ولاة
(1) سورة النساء آية (59).
(2)
انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم مادة (ط - و - ع) ص429 - 430.
الأمر وعدم الخروج عليهم ما لم يقترفوا كفرًا بواحًا (1)، فقد ورد في صحيح مسلم قال: قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: قلت يا رسول الله! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه. فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال «نعم» قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال «نعم» قلت: كيف؟ قال «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال قلت: كيف أصنع؟ يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير. وإن ضرب ظهرك. وأخذ مالك. فاسمع وأطع» (2). وفي مسلم أيضًا: أن سلمة بن يزيد الجعفر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعون حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه. ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث (3) بن قيس. وقال:«اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» (4). وفي مسلم أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم، وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا. ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه فأكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة» (5).
فهذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها، تدل على أنه لا يجوز الخروج على الحكام والولاة أو بغضهم وعداوتهم أو قطع الموالاة والنصرة لهم، بمجرد الظلم والفسق والمعصية التي لا تبلغ حد الكفر، فلا يجوز
(1) انظر نيل الأوطار – للشوكاني ج5 ص367 وج7 ص198، 199. (ط- مصطفى الحلبي – بمصر) الطبعة الأخيرة.
(2)
رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج3 ص1476 (باب الإمارة).
(3)
انظر ترجمته في أسد الغابة في معرفة الصحابة ج1 ص97 - 99.
(4)
صحيح مسلم ج3 ص1474، 1475.
(5)
المصدر السابق ج3 ص1481.
إسقاط بيعتهم، ونبذ عهدهم، ما لم يغيروا شيئًا من قواعد الإٍسلام، التي يحكم بموجبها بكفرهم وخروجهم عن الإسلام، فعند ذلك لا يصبح الخروج عليهم مباحًا، وإنما هو واجب من واجبات الشرع عملاً بالآيات والأحاديث التي تأمر بعدم الطاعة في المعصية والآيات والأحاديث الواردة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل شخص كائنًا من كان (1).
فمذهب أهل السنة والجماعة أن الأمراء الظلمة مشاركون فيما يحتاج إليهم فيه من طاعة الله، فيصلى خلفهم، ويجاهد معهم، إذا كان الجهاد في سبيل الله، ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن حكم منهم بعدل نفذ حكمه، وإن أمكن تولية، عدل لم يجز تولية فاجر فيجتهد معهم في الطاعة حسب الإمكان (2). قال تعالى:(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(3). ويجب أن يعلم الناس أن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم لصلاح العباد، فإذا اجتمع صلاح وفساد رجحوا الراجح منها، فإذا ترجح لديهم أن إزاحة الظالم عن ظلمه لا يترتب عليها من المفاسد أكثر مما ينشدونه من إصلاح جاز لهم ذلك. وإلا فلا، فقلما خرج قوم على سلطان إلا كان ما تولد من الشر أكثر مما يحصل بعد ذلك من الخير، فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا، وإن كان فيهم خلق كثير من أهل العلم والدين وهذا المعنى مقصود للشارع، بالأدلة الدالة على وجوب صبر الرعية على جور الأئمة، فإن الصبر والحالة هذه قد يكون هو الأصلح للرعية ما لم يتر كفرًا صريحًا عندها من الله فيه برهان، فالشارع الحكيم أمر كلاً بما هو أصلح له سواءٌ الراعي أو الرعية، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم، وأمر الرعية بالصبر على ما ترى من إيثار الولاة أنفسهم ببعض حظوظ الدنيا ووقوعهم في بعض المظالم
(1) صحيح مسلم بشرح النووي ج21 ص243، 244.
(2)
انظر ملحق المصنفات/ محمد بن عبد الوهاب ص50.
(3)
سورة التغابن آية (6).
والمعاصي، لأن الفتن إذا وقعت ضرت الجميع، ولأنها تمنع معرفة الحق وقصده والقدرة عليه، حيث يحصل من الشبهات في الفتن، ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يميز كثير من الناس من هو صاحب الحق من صاحب الباطل (1)؟
فالأحاديث المتقدمة يجب أن لا تحمل على جواز موافقة الحكام في ظلمهم وباطلهم، أو على جواز عدم الإنكار عليهم فيما يرتكبون من منكر، أو على طاعتهم في المعصية، وإنما تدل على أن من كره المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكار المنكر بلسانه وإن من أنكر بلسانه برئ إذا لم يستطع أن ينكر بيده، فمن عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع هذا المنكر الذي يكفي إنكاره بالقلب هو المنكر الذي لا يصل إلى درجة الكفر والخروج من الإسلام فالحاكم لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات:
(أ) حاكم مسلم عادل. (ب) حاكم مسلم فاسق. (ج) حاكم كافر ولكل من هؤلاء منزلة تناسبه ومعاملة تخصه، ودرجة تميزه عن غيره.
أ- فالحاكم المسلم العدل تجب طاعته ومتابعته تحقيقًا لأمر الله في وجوب الطاعة ولزوم الجماعة، حيث إن ولاء المسلم لحاكمه ولاء عقيدة وعبادة وليس ولاء لأشخاص أو طبقة أو عرف جاهلي أو ولاء مصلحة أو منفعة، لأن الأشخاص يموتون ويتغيرون وينحرفون، والشريعة باقية خالدة ما بقيت الحياة.
ب- أما الحكام العصاة الفسقة فيكرههم على ما معهم من معصية وفسق ويحبهم على قدر ما معهم من الحق ولا يقطع العهد معهم ولا يخرج عن طاعتهم إلا إذا رأى ما يوجب كفرهم وخروجهم عن الإسلام.
ج- أما الحكام الكفرة وهم غالبًا المرتدون عن الإسلام فلا تجوز مودتهم
(1) انظر ملحق المصنفات/ محمد بن عبد الوهاب ص50، 51.
ولا تشرع طاعتهم، والواجب محاربتهم وعدم متابعتهم وهؤلاء هم المقصودون في النهي عن الطاعة لهم قال تعالى:
1 -
(فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين)(1).
2 -
وقال تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)(2).
3 -
وقال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)(3).
4 -
وقال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)(4).
5 -
وقال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)(5).
6 -
وقال تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)(6).
7 -
وقال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)(7).
8 -
وقال تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ)(8).
فأمر بالطاعة في آية واحدة ضمن وصف معين ونهى عن الطاعة المنحرفة في آيات كثيرة، ومن الأحاديث التي تنهى عن الطاعة العمياء والتبعية العشواء ما يلي:
1 -
ما روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على المرء السمع
(1) سورة الشعراء آية (150 - 151).
(2)
سورة الزخرف آية (54).
(3)
سورة الأنعام آية (121).
(4)
سورة الأحزاب آية (67).
(5)
سورة الأنعام آية (116).
(6)
سورة الكهف آية (28).
(7)
سورة القلم آية (8، 9).
(8)
سورة القلم آية (10).
والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية. فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة» (1).
2 -
وفي مسلم أيضًا من حديث طويل «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف» (2).
3 -
وسئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن طاعة معاوية رضي الله عنه فقال: «أطعه في طاعة الله، وأعصه في معصية الله» (3).
4 -
وفي حديث آخر «سيلي أموركم من بعدي رجال يُعَرَّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله» (4).
وقد عد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إن من رءوس الطواغيت الحاكم الجائر المغير لأحكام الله واستدل بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)(5). اهـ.
وقد يسأل سائل ما هي صفة ومواصفات الدولة الإسلامية الحقة التي يجب علينا موالاتها ونصرتها، ويحرم علينا بغضها وعصيانها والخروج عليها؟ فنقول إن الجواب على ذلك هو ما وضحه الله تعالى بقوله:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)(6) وقد شرح العلماء صفات هذه الدولة التي
(1) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج3 ص1469 (باب الإمارة).
(2)
نفس المصدر ونفس المكان. وانظر فتح الباري ج13 ص203.
(3)
صحيح مسلم ج3 ص1473.
(4)
انظر فتح الباري ج13 ص8 وانظر مسند أحمد ج1 ص400.
(5)
سورة النساء آية (60).
(6)
سورة الحج آية (41).
تجب موالاتها وتحرم معاداتها، بأنها هي التي تتوفر فيها هذه الصفات التالية:
1 -
أن يكون الحكم الحقيقي فيها من حيث التشريع والتكوين لله وحده.
2 -
أن لا يكون فيها قانون خاص أو عام يخالف الكتاب والسنة وأن لا يصدر أي أمر إداري يخالف التشريع الإلهي.
3 -
أن لا ترتكز الدولة في قيامها على أساسا إقليمي أو عرقي، وإنما تقوم على أساس شمولية الإسلام وعالميته للناس عامة.
4 -
أن تأمر الدولة بالمعروف فتنشر الصفات الحسنة وتنهى عن المنكر فتستأصل الصفات السيئة، وتعمل على إحياء شعائر الإسلام وإعلائها بواسطة التعليم الإسلامي الحق وبواسطة وسائل الاتصال بالناس في الوسائل المتعددة، مع محاربة الإلحاد والمبادئ الضالة وكشف عورتها.
5 -
أن تعمل الدولة على وحدة المسلمين في العالم أجمع قولاً وفعلاً وأن تكون معهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
6 -
أن تكفل الدولة الحاجات اللازمة لأفراد الأمة فيها من مأكل وملبس ومسكن وعلاج وتعليم، وخاصة من كان غير أهل لاكتساب الرزق، أو لم يعد قادرًا عليه، أو عجز عنه عجزًا مؤقتًا لسبب من الأسباب النازلة كالبطالة أو المرض، أو عجزًا كليًا كالعمى أو الشلل أو نحو ذلك، من غير أن يفرق بين الناس من أجل مراكزهم الاجتماعية أو سلالاتهم العرقية.
7 -
أن يتمتع أهل البلاد في حدود الأحكام الإسلامية بجميع الحقوق التي منحتها إياهم الشريعة الإسلامية من حماية النفس والمال والعرض وحرية العبادة والحرية الشخصية وحرية إبداء الرأي وحرية التنقل وحرية
الاجتماع وحرية اكتساب الرزق بالطرق المباحة، والمساواة في فرص العمل والترقي، والاستفادة من المؤسسات الاجتماعية بلا تمييز.
8 -
أن لا يسلب أحد من سكان الدولة حقًا من هذه الحقوق إلا إذا كان له مسوغ شرعي في الشريعة الإسلامية، ولا يعاقب أحد على ذنب أو جريمة إلا بعد ما يسمح له بالدفاع عن نفسه، وتحكم عليه محكمة شرعية عادلة بعد استنادها على النص والدليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع أو قياس معتبر شرعًا عند علماء الأصول وفقهاء الأمة.
9 -
أن يكون رئيس الدولة مسلمًا ذكرًا عدلاً، يعتمد الجمهور أو ممثلوهم على تدينه وكفاءته وسداد رأيه.
10 -
أن يكون رئيس الدولة هو المسئول الحقيقي عن تسيير شئون الدولة غير أنه يجوز له أن يفوض جانبًا من صلاحياته إلى فرد أو جماعة يوثق بدينها وأمانتها.
11 -
أن لا يستبد رئيس الدولة بالأمر إنما يُسير أمر الحكومة على منهاج الشورى، في مشاورة أهل العلم الذين هم أهل الحل والعقد في الأمة.
12 -
أن لا يعطل رئيس الدولة أحكام الشرع كليًا أو جزئيًا ويستبد بالحكم من دون أهل الشورى.
13 -
أن يكون للجماعة حق انتخاب رئيس الدولة، وحق عزله عن منصبه بأغلبية أهل العلم الشرعي من أهل الحل والعقد في الأمة كما قرر الإسلام ذلك.
14 -
أن يكون رئيس الدولة مساويًا لجمهور المسلمين في الحقوق والواجبات وأن لا يكون محصنًا من أن تجرى عليه الأحكام الشرعية.
15 -
أن يكون لأعضاء الحكومة وعمالها وعامة من يسكنها نظام واحد، ولا ينفذه فيهم إلا المحاكم الشرعية في البلاد.
16 -
أن تكون الهيئة القضائية في الدولة منفصلة عن الهيئة التنفيذية ومستقلة عنها في إصدار الأحكام، حتى لا تتأثر في القيام بواجباتها بما للهيئة الإدارية من السلطة.
17 -
أن لا يقبل في الدولة تفسير شيء من الأحكام بما يخالف الكتاب والسنة.
18 -
أن لا يسمح بالنشر أو الدعوة إلى الأفكار والنظريات التي تناقض المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية، والتي تهدد الأمة الإسلامية بالفساد والاضطراب.
هذه جملة وأهم الشروط التي اشترطها واحد وثلاثون عالمًا من علماء الأمة الإسلامية على صحة «قيام الدولة الإسلامية» وجواز تسميتها بهذا الاسم إذا توفرت فيها جميع تلك الشروط. وذلك في أثناء انعقاد مؤتمر بهذا الخصوص في كراتشي في الفترة من 12 - إلى 15 من شهر ربيع الآخر سنة (1370هـ) الموافق (21 - إلى 24 - من يناير سنة 1951م).
ونحن نقول إن دولة بهذه الصفات يجب موالاتها ونصرتها وحبها وعدم بغضها أما الدولة التي تخالف تلك الأسس وتعتدي على هذه المقومات الأساسية للدولة الإسلامية، فهي دولة خارجة عن الإسلام أو تتخذ من الإسلام ستارًا، لتخدع به السذج والبسطاء لتحقيق مآربها التي تتناقض مع الإسلام، وتتعارض معه، فليعرف كل مسلم شروط الدولة الإسلامية، ليتبين له في ظل أي دولة يعيش وكيف يجب أن يتعامل مع من يعيش معهم.
ودار الإسلام أو الدولة الإسلامية ليس هي التي يعيش فيها أكثرية مسلمة أو وطئتها أقدام المجاهدين المسلمين بل قد تصبح دار الإٍسلام دار كفر، ودار الكفر دار إسلام، والضابط لتلك الأحوال هو ما عرف به العلماء دار الإسلام ودار الكفر حيث يقولون: إن دار الإسلام هي التي يحكمها المسلمون وتجري فيها الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارًا.
وأما دار الكفر: فهي التي يحكمها الكفار، وتجري فيها أحكام الكفار ويكون النفوذ فيها للكفار، ولو كان جمهور أهلها من المسلمين (1) فالبلاد التي تخضع لنفوذ الكفار بالأصالة مثل فلسطين تحت الحكم اليهودي وأفغانستان التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي فهذه وأمثالها بلاد كفر ودار كفر وإن كان أغلبية السكان من المسلمين لأن السلطة الحاكمة سلطة غير إسلامية. وكذلك ينطبق الحكم على كثير من الدول التي تدعي الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه، وإن كان معظم سكانها مسلمين نظرًا لأنها لا تجري فيها جميع أحكام الإسلام، ولأن النفوذ والسلطة فيها لغير المسلمين فنجد أن كثيرًا منها قد وضعت قوانين تحمي الزنا والربا والخمر والميسر ولا تعاقب من يترك الواجبات من صلاة وصيام وزكاة وحج، ومع ذلك تتستر ببعض مظاهر الإسلام، وهي في حقيقة الأمر والواقع دار كفر وردة عن الإسلام.
فمثلاً نجد أن قانون العقوبات في مصر والعراق في عهد الاحتلال يحمي الزنا ويشجعه بعدم تطبيق العقوبات الشرعية عليه.
(1) انظر الفتاوي السعدية ج1 ص92/ عبد الرحمن بن سعدي. وانظر الحرب والسلم في شرعة الإسلام د/ مجيد خدوري ص209 وانظر الأحكام السلطانية للماوردي ص133، 151، 166 وانظر الجواهر المضيئة - للسرخسي ج2 ص28، 29 وانظر المواريث علمًا وعملاً ص85 وانظر الوصايا في الفقه الإسلامي ص54 وانظر شرح الأزهار/ ج2 ص572 وانظر الدرر السنية ج7 ص359.
ففي المواد من (267 - 279) من قانون العقوبات المصري العربي والمواد من (232 - 240) من قانون العقوبات البغدادي أن الزنا إذا وقع برضى الطرفين وهما غير متزوجين وسنهما فوق الثامنة عشرة فلا شيء عليهما. وإن كانا متزوجين فلا عقوبة عليهما ما لم يرفع أحد الزوجين دعوى ضد الزوج الخائن (1).
فهل يجوز تسمية بلاد بمثل هذه الحال قديمًا أو حديثًا بدار إسلام والله عز وجل يقول: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(2) وهم يقولون بلسان حالهم ومقالهم لا! لن نجلد الزناة برضاهم ولو ثبتت عليهم البينة، أليس هذا استدراك على الله فيما حرم وتجهيل له فيما شرع؟ وهذا من أنواع الكفر حيث يقول تعالى:(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(3) وحكم الكفر هذا لا يقتصر على شخص الحاكم فقط بل يتعداه إلى كل المؤيدين له على ذلك والمناصرين له والراضين به، فحكمهم كحكمه كما ذكر الله عن جنود فرعون وهامان قال تعالى:(إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)(4) فأشرك الله قوم فرعون معه في الخطيئة والإثم، لسكوتهم ورضاهم ونصرهم وتأييدهم له.
وعلى هذا فمن الواجب على الرعية إن كان الحاكم ظالمًا أن تنصحه بالتي هي أحسن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة "ثلاثًا" قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله عز وجل ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين
(1) انظر قانون العقوبات المصري العربي رقم 58 لسنة 1937م وتعديلاته - المواد المشار إليها أعلاه.
(2)
وانظر قانون العقوبات البغدادي "العراقي" الصادر سنة 1917م.
(3)
سورة النور آية (2).
(4)
سورة المائدة آية (44).
وعامتهم» (1) فإن حصل اختلاف بين الراعي والرعية وجب عليهما الرجوع إلى الكتاب والسنة عملاً بقوله تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(2) حيث إن سلطة التشريع الإسلامي لها قوة فوق قوة الحاكم والمحكوم، فلو كان ولاة الأمر، وحكام البلاد تجب طاعتهم طاعة مطلقة، أو كانوا معصومين من الخطأ كما يدعي غلاة الشيعة لما كان لقوله:(فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) معنى بل كان يقول فردوه إلى الحاكم أو إلى الإمام، ومن ذلك يتبين ضعف هذا القول وصحة قول الجمهور من أنه لا طاعة في المعصية (3). لأن ذلك هو الموافق للأدلة، فقد روى مسلم من حديث أم الحصين:«ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا» (4) فجعل القيادة بكتاب الله سببًا للسمع والطاعة (5).
وقد وضع النووي في شرحه لصحيح مسلم عنوانًا «باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية» (6) فدل بذلك على أن هذا هو ما يراه صوابًا. وفي الحديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (7).
وقد اختلف العلماء في درجة الانحراف التي تسقط بها بيعة الحاكم وتنحل ولايته ويجوز عندها الخروج عليه على قولين:
القول الأول: قول من يقول بوجوب الصبر على الإمام أو الحاكم وإن أخذ المال وضرب الظهر وأظهر المعاصي، ما دام يقيم الصلاة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم (8):«ما أقاموا فيكم الصلاة» ، واستدلوا أيضًا بقوله
(1) رواه مسلم. انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ص72 - 73.
(2)
سورة النساء آية (59).
(3)
انظر تفسير القرطبي ج5 ص260 - 261.
(4)
رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج3 ص1468 (باب الإمارة).
(5)
انظر في ظلال القرآن سيد قطب ج5 ص417.
(6)
رواه مسلم. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج12 ص222.
(7)
انظر مشكاة المصابيح ج2 ص1092 ح3696.
(8)
انظر ص468 من هذه الرسالة.
تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)(1). وللحديث المروي عن خالد بن عُرفطة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل» (2).
القول الثاني: قول الجمهور وهو أن الله عز وجل قد حرم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض إلا بحق شرعي يبيح ذلك، فقد حرم قتل النفس بقوله تعالى:(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)(3). وقال تعالى في حق الأموال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(4).
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (5). وروى مسلم في صحيحه أن من خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (6).
وقد علمنا أن كلام الله ورسوله لا يخالف بعضه بعضًا ولا يناقضه وقد امتدح الله هذا التنزيل بتلك الصفة فقال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)(7).
(1) سورة المائدة آية (29).
(2)
انظر مسند الإمام أحمد ج5 ص292.
(3)
سورة الإسراء آية (33).
(4)
سورة النساء آية (29).
(5)
رواه البخاري ومسلم. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج2 ص1080.
(6)
رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج2 ص889.
(7)
سورة النساء آية (82).
فالذي يسلم ماله للأخذ ظلمًا وظهره للضرب بغير حق وعرضه للانتهاك يكون آثمًا بنص الكتاب والسنة حيث إن الآيات والأحاديث متواترة على عدم الطاعة في المعصية والتعاون على الإثم والعدوان قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(1).
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال «هو في النار» (2). وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد» (3).
فإذا كان هذا في شأن المال فالدفاع عن الدين والنفس والعرض أولى من ذلك.
والرد على الذين يرون وجوب الطاعة في المعصية، فيما دون ترك الصلاة. أن يقال لهم، ما رأيكم في إسلام من جعل اليهود خاصته وأصحابه، والنصارى جنده وبطانته، وحمل السلاح على كل من وحَّد الله من المسلمين، وحارب المؤمنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهو مع ذلك يتظاهر بالإسلام وبالصلاة في بعض المناسبات لتلتقط له الصور التي يضحك بها على السذج والبسطاء، أترون أنه يجوز الخروج عليه أم لا؟
فإن منعوا الخروج على مثل هذا فقد منعوا الخروج على كل كافر، وقد حارب الصحابة رضي الله عنهم المرتدين واعتبروهم كفارًا بمخالفتهم
(1) سورة المائدة آية (2).
(2)
رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج1 ص124 (كتاب الإيمان).
(3)
المصدر السابق ج1 ص125.
بالشهادتين وقد أجمع الفقهاء في مختلف العصور على كفر من يقف من أحكام الإسلام مثل هذا الموقف، فلو كان مجرد الاعتصام باسم الإسلام مع عدم العمل به يكفي في الانتماء إلى هذه الأمة، لكفى المنافقين والمرتدين من طائلة العذاب (1). فالواجب إذًا أنه إذا وقع الحاكم في شيء من الجور أو الظلم -وإن قل- أن ينصح ويكلم في ذلك، فإن اقتنع ورجع إلى الحق، وأذعن لاستيفاء الحق منه، وجبت طاعته، ولا سبيل إلى خلعه، فإن لم يمتنع عن جوره وظلمه، ولم يكن لأصحاب الحق أن يستوفوا حقهم منه، وجب خلعه وإقامة غير مقامه، ممن يقوم بالحق لأنه لا يجوز تضييع شيء من واجبات الدين مراعاة لأهواء الظلمة من الحكام والولاة (2).
فمن أجاز اتباع شريعة غير شريعة الإسلام وجب خلعه، وانحلت بيعته وحرمت طاعته لأنه في مثل هذه الحال يستحق وصف الكفر (3) بخروجه على شرع الله عن عمد وإصرار، واستباحة واستصغار قال تعالى:(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(4).
فالكافر تحرم طاعته، وتجب معصيته ومقاطعته، وأما الحاكم المسلم العدل تجب طاعته وتحرم منازعته، أما الحاكم الفاسق أو العاصي فهو الذي يدور فيه الخلاف، وللعلماء في عزل الحاكم الفاسق والخروج عليه ثلاثة آراء هي:
أولاً: وجوب العزل إذا ظهر الفسق بالقول أو الفعل.
ثانيًا: منع العزل إذا كان العزل يفضي إلى فتنة متوقعة أشد من المصلحة المتوقعة من العزل.
(1) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج4 ص171 - 175 وانظر الدرر السنية ج9 ص264 - 265.
(2)
انظر المصدر السابق الفصل ج4 ص175 - 176.
(3)
انظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص507.
(4)
سورة المائدة آية (44).
ثالثًا: منع العزل مطلقًا.
وبما أن الاستطراد في توضيح هذه الأقسام الثلاثة قد يخرج بنا عن نطاق الموالاة والمعاداة إلى صلب النظرية السياسية في الإسلام، فإننا نكتفي بالإشارة إلى ما نراه راجحًا في هذه المسألة حيث إنه بإمكان القارئ أن يرجع إلى هذه الأقوال في مصادرها التي سنشير إليها في هامش هذه الرسالة تلافيًا لإطالة الموضوع بلا سبب قوي يوجب ذلك.
والرأي الذي أرجحه من هذه الآراء الثلاثة أن الحاكم إذا عصى وارتكب أمرًا يوجب فسقه القولي أو الفعلي نُظِرَ إليه، فإن كان العزل يمكن أن يتم بطرق سلمية كما هو الأصل في الشريعة الإسلامية، وجب عزله عند حصول المعصية نظرًا إلى أن الأصل من شروط الولاية العدل في الخليفة وتحقق العدالة فيه، فإذا نقض هذا الشرط بنفسه وجب خلعه، كما يحصل في بعض الدول الكافرة التي أخذت ببعض المفاهيم السياسية الإسلامية في تعيين الحاكم وعزله، فنجد أن بعض الدول الكافرة تعزل رئيسها عند أدنى خطأ يرتكبه، بينما يتشبث المتسلطون على رقاب المسلمين بكرسي الحكم حتى لو أبادوا الشعب كله في سبيل ذلك، أو أن يلقي الشعب بجسد الحاكم من على كرسيه جثة هامدة. وهذا كله مخالف لأصول النظام السياسي في الإسلام. فإذا كان عزل الحاكم لا يتم بالطرق السلمية كما ذكرنا، فإني أرى الرأي القائل بكراهية الخروج على الحاكم وعزله ونقض بيعته إذا كان الغالب على الظن حصول فتنة بذلك كما هو رأي جمع من العلماء (1).
فالعزل الذي يترتب عليه سفك الدماء ونهب الأموال والاعتداء على الأعراض وتعطيل الحدود الشرعية، لا شك أنه يجلب على الأمة ودينها أكثر
(1) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي بن فهيد السرباتي ص116 - 130.
مما ينشده المصلحون من دفع المفاسد الحاصلة بسبب فسق الحاكم وحكومته.
فقد تكون مصلحة الأمة في بقائها وصبرها على المعاصي ومحاولة إصلاحها بالتي هي أحسن أعظم من وقوعها في دوامة الصراع والتناحر مع شخص الحاكم وحكومته، إذ لا يعلم نهاية الصراع وآثاره المدمرة وما يقع فيه إلا الله تعالى.
كما أنه لا يجوز القول بوجوب العزل في كل مسألة فسق مهما صغرت، لأن ذلك يؤدي إلى عدم وجود دولة تحكم بالكلية، نظرًا إلى أن الإنسان غير معصوم من الخطأ وارتكاب بعض صغائر الذنوب، فلو أخذ أحد برأي المعتزلة الذين يرون وجوب العزل في كل معصية مهما صغرت، لتوالى أمر العزل والتولية بشكل مستمر، مما يفقد هذا المنصب أهميته واستقراره، وهيبة أهله التي يجب أن يكون لها في نفوس الناس وقع واحترام (1). وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في المصابرة ووجوب الطاعة للولاة ما لم يظهروا كفرًا بواحًا.
أما إذا كان الغالب على الظن عند ظهور فسق الحاكم ومعصيته أن عزله لا يترتب عليه حصول فتنة، وأن التغيير له يمكن أن يمر بسلام فيستحب عزله وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: أن احترام وطاعة رئيس الدولة ومحبته واجب شرعي بشرط أن يحترم نفسه، ومنصبه، ويحترم حق الأمة في هذا المنصب وأن يتبوأه بحقه أما إذا انحرف عن ذلك فإن للأمة الحق في تتبع المنحرف عن دستورها السماوي، ومجازاته على انحرافه لئلا يظن أن له حصانة تحميه من المحاسبة على أقواله وأفعاله فيشجعه هذا الظن السيئ على الفسق
(1) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي بن فهيد السرباتي ص 131 - 132.
والفجور، وديننا أسمى وأكمل من الأنظمة الوضعية التي تعزل الحاكم وتنزل به أشد العقوبات عند الخروج على نظامها. فكيف من يخرج على نظام شرعه الله من فوق سبع سموات؟!!
ثانيًا: إن مبدأ التسامح مع الولاة الفساق والظلمة مبدأ خطير على الأمة لا يقف عند حد، حيث يفقد الأمة أهم خصائصها في إقامة العدل واستيفاء الحقوق، وتنفيذ الواجبات على الناس من القمة إلى القاعدة بلا استثناء أو تمييز، كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده» (1).
ولكن للأسف الشديد إن القول بعدم جواز عزل الحاكم قد تجاوز مرحلة فسق الحاكم ومعصيته إلى القول بعدم جواز عزله مهما فجر وطغى، ومهما أباح وحرم، ومهما أظهر من ألوان الكفر الاعتقادي والقولي والعملي، وهذا القول -بحمد الله- لم يقل به أحد من علماء الإسلام المعتمدين، وإنما قال به جماعة من أدعياء العلم والفقه وسماسرة الكلمة الذين يبيعون ذممهم بحفنة من الدراهم، أو ينافقون مع الحكام الكفرة خوفًا من ظلمات السجن وأعواد المشانق، فيهرولون إلى عتبات الحكام الكافرين بالفتاوى المعلبة الجاهزة التي يعلمون مسبقًا أنها تنال رضى الحاكم وتبرق لها أسارير وجهه.
لقد وجد الطغاة جمهورًا من علماء النفاق ووعاظ المسكنة الذين زينوا للطغاة انحرافهم، وبرروا لهم أخطاءهم وقاموا بمؤنة إقناع الناس نيابة عن سادتهم حتى وصل الأمر إلى ما هو مشاهد من ولاء للحكام الكافرين في معظم البلاد الإسلامية (2) وهؤلاء الذين يتزيون بزي العلماء وهم كمثل
(1) رواه الإمام أحمد بسند صحيح - انظر المسند بشرح أحمد شاكر ج1 ص168 (ط 4 - دار المعارف بمصر).
(2)
انظر الإيمان وأثره في نهضة الشعوب/ يوسف العظم ص25 - 50.
الحمار يحمل أسفارًا، قد جروا على البلاد الإسلامية مفاسد كثيرة لا تعد ولا تحصى وفيهم يقول ابن المبارك رحمه الله:
وهل أفسد الدين إلا الملو
ك وأحبار سوء ورهبانها (1)
ويقول الشاعر سليمان بن سحمان في وصف دار الكفر وحكم الكافرين ما يلي:
إذا ما تولى كافر متغلب
على دار إسلام وحل بها الوجل
وأجري بها أحكام كفر علانيا
وأظهرها فيها جهارا بلا مهل
وأوهى بها أحكام شرع محمد
ولم يظهر الإسلام فيها وينتحل
فذي دار كفر عند كل محقق
كما قاله أهل الدراية بالنحل
وما كل من فيها يقال بكفره
فرب امرئ فيهم على صالح العمل
ولم تجر للكفار أحكام دينهم
على أهلها لكن بها الكفر قد حصل
وما كان فيها الجانبان على السوى
فقال تقي الدين في ذلك المحل
يعامل فيها المسلمون بحقهم
وذا الكفر ما قد يستحق من العمل
فلا تعط حكم الكفر من كل جانب
(1) انظر الدرر السنية ج1 ص191.
ولا الحكم بالإسلام في قول من عدل
ومن يتول الكافرين فمثلهم
ولا شك في تكفيره عند من عقل
ومن قد يواليهم ويركن نحوهم
فلا شك في تفسيقه وهو في وجل
وكل محب أو معين وناصر
ويظهر جهرًا للوفاق على العمل
فهم مثلهم في الكفر من غير ريبة
وذا قول من يدري الصواب من الزلل
فوالي الذي والي لدين محمد
وعادى الذين عاداه من كل من جهل
وأبغضهم في الله جل جلاله
كما قد أحب المهتدين وما غفل (1)
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الدولة إذا كانت كافرة كحال معظم الدول المنتسبة إلى الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه حيث تحرم ما أحل الله وتبيح ما حرم الله، وتجري بها أحكام الكفر علانية، فإن موقف المسلم منها أن يعاديها ويبغضها، ولا يناصرها بقول أو فعل عملاً بقوله تعالى:(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)(2).
أما إن كانت الدولة فاسقة عاصية ظالمة، فإن مودتها غير جائزة، ومناصرتها غير مشروعة إلا ضد من هو أشد منها فسقًا وظلمًا، بناء على القاعدة الفقهية في درء أعظم المفسدتين بأدناهما (3).
(1) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص126 - 131.
(2)
سورة المجادلة آية (22).
(3)
انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج1 ص575.
ولو صبر على فسقها وظلمها في حالة عدم وجود من هو أصلح منها لكان ذلك أمرًا مباحًا، وإذا كان إحلال غيرها محلها يترتب عليه من المفاسد أعظم مما ينشده المصلحون من المصالح فإن الأولى الصبر عليها وعدم الخروج عن طاعتها، أما لو أخذ المسلمون بمبدأ نظام الحكم في الإسلام أخذ صحيحًا لوجب عزل الحاكم بالطرق السلمية عند فسقه وعصيانه (1).
أما إذا وُجِدَ الحاكم المسلم العدل والحكومة الإسلامية الحقة فإن طاعتها واجبة ومناصرتها فريضة والخروج عليها معصية قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(2). وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم» (3).
فحق الولاة على المسلمين طاعتهم في غير معصية الله ورسوله، ومناصرتهم وتأييدهم بما ليس فيه ضرر على المؤمنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
وإذا فليطمئن الحاكم المسلم على نفسه ما دام يحكم بالإسلام حيث قد ضمن الإسلام وجوب طاعته وحرم الخروج عليه، وإذا انحرف الحاكم عن حكم الله وعطل شرع الله فالخطأ خطؤه والجريمة جريمته، وما يلقاه من عنت ومشقة حينئذ إنما سببه تعديه على حدود الله، كحال أي مجرم يتعدى على الحدود الشرعية، فيكون جزاءه الردع والتأديب، ولذا فإن دار الإسلام هي التي يحكم فيها الإسلام وحينئذ يجب أن يتولى المسلمون فيها بعضهم بعضًا، وما عداها فهي دار حرب، علاقة المسلم بأهلها إما القتال،
(1) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي فهيد السرباتي ص131 - 132.
(2)
سورة النساء آية (59).
(3)
رواه البخاري - انظر فتح الباري - ج13 ص5.
وإما المهادنة على عهد أمان، ولكن ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين (1).
سواء كان حكامها من الكفار الأصلاء أم العملاء فهما وجهان لعملة واحدة هي الكفر.
يقول الشاعر:
سيان من جاء باسم الشعب يظلمه
أو جاء من "لندن" بالبغي يبغيه (2)
(1) انظر معالم في الطريق/ سيد قطب ص184 - 185.
(2)
انظر شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ج1 ص45.