الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المثال الثالث: إباحة ظهور المحرمات بين المسلمين إرضاء للكفار وأشباههم
إن من واجبات صاحب الولاية الشرعية واختصاصاته الأساسية أن يمنع انتشار أي محرم بين المسلمين وفي داخل المجتمع المسلم، ولذلك فإن الإسلام وإن ترك لأهل الذمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير والإفطار في نهار رمضان في داخل المجتمع المسلم إلا أن ذلك مشروط بأن لا يتعداهم إلى سواهم بأي شكل من الأشكال فليس لأهل الذمة أن يبيعوا الخمر للمسلمين، ولا يهدوها لهم، ولا يعاونوهم على صنعها ولا يعصروها لمسلم ولا يحملوها إليه. ولا يبيعها ذمي إلى ذمي آخر جهارًا، وإذا شربها الذمي فسكر، ثم ظهر بين المسلمين وجب تعزيره على إظهاره للشرب
أما ما يختفون به في بيوتهم من غير ضرر بالمسلمين بوجه من الوجوه، فلا يتعرض لهم، أما إذا كانوا لا ينتهون عن إظهار الخمر، أو عن معاونة المسلمين عليها، فإنهم يعاقبون بما يكفل عدم إظهار هذا المنكر ووصوله إلى أيدي المسلمين (1). ويجوز دخولهم دار الإسلام بالخمر والخنزير وذلك
(1) انظر مختصر الفتاوى لابن تيمية رحمه الله ص502 - 503.
عندما يتحقق الحاكم المسلم العدل أنه اشتروها لاستعمالهم الخاص لأنفسهم أو فيما بينهم بعد أن يضع القيود والشروط الكفيلة بعدم تعدي هؤلاء وأضرارهم بالمسلمين (1).
أما إذا خِيْفَ بيعها إلى مسلم وإفساد دينه بذلك أو ضبط حالات من ذلك وجب منع دخول الخمر والخنزير، لأن من القواعد الشرعية المقررة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولو اتجر غير المسلم بالخمر والخنزير أو ما هو محرم بين المسلمين، أو في مكان لا يوجد فيه أحد من أهل الذمة فقال بعض الفقهاء بوجوب إراقة الخمر وقتل الخنزير ونفيه إن كان غير ذمي. وتعزيره إن كان ذميًا على ذلك (2). ونظرًا لموالاة أكثر الحكام في عصرنا الحاضر لأعداء الإسلام والمسلمين فقد أباحت هذه الحكومات بيع الخمر وترويجها في داخل المجتمع المسلم وبخاصة على الخطوط الجوية والفنادق الخاصة والعامة كما أباحت الفطر في نهار رمضان لعامة الناس بحجة أن هذه الأمكنة يرتادها أناس من غير المسلمين، وهم في عملهم هذا لم يسألوا أنفسهم عن موقف الإسلام في ذلك، ولم يضعوا للمجتمع المسلم الذي يحكمونه أي حساب في السؤال عن هذا التصرف الطائش، لأنهم يعلمون أن المجتمع لم يسألهم عما هو أكبر من ذلك فمن باب أولى أن لا يسألهم عن هذه الجريمة التي تضاف إلى غيرها من أنواع الجرائم التي تزاحمت في أذهان الناس وعقولهم حتى بدأ بعضها ينسي البعض الآخر.
ومن موالاة الكفار ترك نسائهم ورجالهم عراة بين المسلمين، حيث قد ابتليت هذه الأمة فيما ابتليت به هجرة كثيرة من الكفار إليها لمقاصد متعددة وأغراض متنوعة وقد استقبلهم المسلمون في أول الأمر بحسن نية
(1) أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج1 ص63 - 64.
(2)
أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج1 ص159، انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص133. وانظر كتاب الخراج/ ليحيى بن آدم القرشي ص68، ص69.
وبسذاجة وسطحية متناهية وقد خدعهم حسن المظهر ولطف التعامل وما أدركوا أن ذلك أسلوب من أساليب المكر ووسيلة من وسائل الخداع، ثم توالى الكفار وبدأوا يظهرون على حقيقتهم رويدًا رويدًا فبدأت نساؤهم تنتشر في الأسواق والأمكنة العامة بصورة مثيرة للفحشاء والمنكر فتهافت ضعاف النفوس على تلك المناظر تهافت الذباب على الفضلات وقد رأت بعض نساء المسلمين أن تلك المظاهر تدعو إلى الشهرة ومتابعة الأنظار لها فحاولت عن جهل وغباء أن تقلد تلك النساء الكافرات فخلعت رداء العفة والطهارة وخرجت تحاكي المرأة الكافرة حذو القذة بالقذة حتى عم معظم البلاد الإسلامية ردة أخلاقية ومظاهر إباحية يندى لها الجبين.
وما كان ذلك يحصل لو وقف المسلمون مع الكفار موقفًا جادًا وتعاملوا معهم وفق ما يقتضيه شرع الله الذي يحمي المجتمع من كل رذيلة ويحفظ له كل فضيلة.
وقد يسأل إنسان عن موقف الإسلام من لباس الكفار في دار الإسلام؟
والجواب أن الإسلام يحرم على الناس كافة إظهار عوراتهم سواء كانوا مسلمين أو كافرين رجالاً أو نساء وهذا هو الأصل في دار الإسلام، حيث إن النظر إلى شعر المرأة ومفاتنها محرم لغير ضرورة شرعية تلجئ إلى ذلك سواء كانت المرأة مسلمة، أو كتابية فحكمها سواء (1).
ولم يكن للكفار لباس خاص بهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والسبب والله أعلم أنه حتى الكفار الذين كانوا في ذلك الوقت لم يكن لديهم الدياثة والتهتك والعرى مثل ما هو موجود في الأزمنة المتأخرة التي ظهرت معظم النساء الكافرات وأشباه الكافرات كاشفات عن عوراتهن.
فالمرأة الكافرة في المجتمع المسلم لا تطالب بالحجاب الشرعي
(1) انظر فتح الباري ج6 ص191.
الذي فرضه الإسلام على المسلمة، وإنما تطالب بستر عورتها وهي ما عدا الوجه والكفين. أي بما لا يجوز أن ينظر إليه المسلم من ذوات المحارم عدا الزوجة فإنها مستثناة من ذلك (1).
وبدأ وجوب الغيار بين المسلمين والكفار في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث إن خالد بن عرفطة (2) أمير الكوفة جاءت إليه امرأة نصرانية فأسلمت، وذكرت أن زوجها يضربها على النصرانية وأقامت على ذلك البينة، فضربه خالد وحلق ناصيته، وفرق بينه وبينها.
فشكاه النصراني إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأشخصه وسأله عن ذلك، فقص عليه القصة فقال: الحكم ما حكمت به.
وكتب إلى الأمصار أن يجزوا نواصيهم، ولا يلبسوا لبسة المسلمين، حتى يعرفوا من بينهم (3).
ومن شروط عمر رضي الله عنه على أهل الذمة التزامهم بزي مغاير للمسلمين وخاصة الرجال منهم فقد ورد في الشروط العمرية «وأن نلزم زينًا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في المركب واللباس ونحوه» (4). فهذه سنة سنها من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته في قوله
(1) انظر تفسير سورة النور لأبي الأعلى المودودي ص161، 171، وانظر تفسير القرطبي ج12 ص309 - 310 وجـ14 ص179 - 181.
(2)
هو خالد بن عرفطة العذري وعذرة من قضاعة استخلفه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على الكوفة ونزلها وهو معدود في أهلها، توفي سنة ستين وقيل إحدى وستين من الهجرة.
انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج2 ص87 - 88.
(3)
انظر أحكام أهل الذمة - لابن قيم الجوزية ج1ص236.
(4)
انظر شرح الشروط العمرية/ ابن قيم الجوزية/ تحقيق صبحي الصالح ص79.
- صلى الله عليه وسلم من حديث طويل «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ
…
» الحديث (1).
فالمسلم ذكرًا كان أو أنثى يتشبه ويتأسى بمن أمرنا الله بالاقتداء بهم وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأمهات المؤمنين وأما الكافر الذي يعيش بين المسلمين فيجب عليه أن يلبس لباس أمثاله من الكفار بشرط أن لا يظهر شيئًا من عورته، وأن يغاير لباس المسلمين حتى يعلم أنه كافر فلا يطالب بما يطالب به المسلم ولا يقتدي به من يراه في أفعاله لعلمه أنه كافر.
أما المرأة الكافرة في دار الإسلام، فإنه يجب عليها من الستر مثل ما يجب على المرأة المسلمة، فلا يصح أن تتبرج، ولا أن تختلط بالرجال الأجانب اختلاطًا يدعو إلى الفحشاء والمنكر (2).
ولذلك لم يذكر ابن قيم الجوزية في موضوع الغيار بين المسلمين وأهل الذمة صفة غيار النساء بل إن كل ما ذكره غالبًا متعلق بغيار الرجال (3). وإن كان أشار بعض الكتاب إلى غيار النساء بارتداء الثوب الأصفر وشد المنطقة حول الوسط (4). ولكن شروط عمر رضي الله عنه على أهل الذمة لم تتناول شيئًا من ذلك (5).
(1) رواه أحمد وأبو داود. انظر مسند أحمد ج4 ص126 - 127 وانظر سنن أبي داود ج4 ص200 - 201 (باب لزوم السنة) رقم الحديث (4607). ومن الفتح الرباني عن ابن ماجه والترمذي وأبي داود حسن صحيح وعن الحاكم وابن حبان صحيح على شرطهما. انظر الفتح الرباني ج1 ص190 ط-1، 2 - دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان.
(2)
انظر مجلة الدعوة المصرية العدد (56) السنة الثلاثون (430) شهر صفر 401 هـ ص40 إجابة الشيخ محمد عبد الله الخطيب على ذلك.
(3)
انظر أحكام أهل الذمة - ابن قيم الجوزية ج1 ص236 - 238.
(4)
انظر تاريخ الطبري ج11 ص36 - 37. وانظر أهل الذمة في الإسلام د/ أ. س. ترتون. ترجمة وتعليق د/ حسن حبشي ص132.
(5)
انظر شرح الشروط العمرية/ تحقيق صبحي الصالح ص79 وما بعدها ص110.
والسبب والله أعلم أن النساء لا يخرجن إلا نادرًا وذلك لا يقتضي تمييزًا ولا غيارًا، وقد رُوي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه نهى النسوة النصرانيات عن زيارة الحمامات في الأسواق (1) وهذا يدل على أن نساء أهل الذمة ملزمات في المجتمع المسلم بعدم إظهار الزينة وبستر كل ما يدعو إلى إثارة الشهوة وإيقاظ الفتنة من جسدها، ولا يجوز الاحتجاج على هذا بقوله تعالى:(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) لأن الزامهن بستر سؤاتهن وصدورهن وما إلى ذلك ليس إكراهًا على الدخول في الإسلام بل هو خضوع لنظامه العام في الحياة، وإن بقيت على الكفر.
وقد ذكر الطبري أنه في عهد المتوكل قد ألزم نساء أهل الذمة إذا أرادت إحداهن الخروج أن تتدثر بالدثار الأصفر حين تغادر بيتها إلى الخارج وتضع المنطقة حول وسطها (2). وفي سنة (734هـ) ألزم الخليفة (3) في بغداد والقاهرة وما حولهما الذميين بلبس الإزار الأصفر والأزرق، وفي سنة (755هـ) ألزم الخليفة (4) النصرانيات بلبس الإزار الأزرق، واليهوديات بلبس الإزار الأحمر (5). وإقرارهم على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير،
(1) الولاة والقضاة للكندي ص69.
(2)
تاريخ الطبري ج11 ص36 - 37.
(3)
هو الخليفة المستكفي بالله أمير المؤمنين أبو الربيع بن الحاكم بأمر الله العباسي اسمه أحمد بن علي بن الحسن الهاشمي العباسي ولد سنة (683هـ) وتولى الخلافة يوم الأحد لعشرين من ذي الحجة سنة (701هـ) وخطب له على المنابر بالبلاد المصرية والشامية وسارت بذلك الرسائل البريدية إلى جميع البلاد الإسلامية وتوفي سنة (740هـ). انظر البداية والنهاية لابن كثير ج14 ص20، 187.
(4)
هو الملك الصالح صلاح الدين بن سلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، تولي الخلافة في سنة (753هـ) وخلع من منصب الخلافة في شهر شوال من سنة (755هـ) وتولي مكانه أخوه الملك الناصر حسن بعد خلعه.
انظر البداية والنهاية لابن كثير ج 14، ص 241، 251.
(5)
انظر حسن المحاضرة للسيوطي ج2 ص212 - 214 وانظر البداية والنهاية لابن كثير ج14 ص249 - 250.
لا يبيح لهم إظهار ذلك في بلاد المسلمين علانية، أو إدخالها على وجه الشهرة لأن ذلك من إظهار شعائر الكفر في دار الإسلام وهو أمر ممنوع في الشرع الإسلامي كما تقدم إيضاح ذلك (1). فإذا كان هذا ممنوعًا فمن باب أولى منع النساء الكافرات الكاسيات العاريات من الخروج في وسط المجتمع المسلم لأن خطرهن أشد من خطر ظهور الخمر والخنزير، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» (2).
وإذا كان الإسلام قد ألزم المسلمات المؤمنات المحصنات بحصانة الإيمان فمن باب أولى أن يلزم الكافرات اللاتي هن أقرب إلى كل رذيلة وأبعد عن كل فضيلة وقد ذكر الدكتور عبد الكريم زيدان أنه يُمنع أهل الذمة ومن في حكمهم من أهل العهد من إظهار الفسق فيما يعتقدون حرمته كالفواحش ونحوها كما يمنع المسلم منها سواء بسواء (3).
وقد ورد في الحديث «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» (4).
فهذا الحديث عام في لعن كل من يتشبه من النساء بالرجال أو العكس سواء كان مسلمًا أو كافرًا، ولما كان هذا الشيء أمرًا منكرًا وإظهاره في المجتمع الإسلامي إظهارًا للمنكر، فإنه يلزم بمقتضى عقد الذمة والعهد أن لا يُظْهِرَ هؤلاء منكرًا أيا كان نوع هذا المنكر إذا أرادوا أن يعيشوا مع المجتمع الإسلامي بصدق وأمان. وخروج النساء الكافرات في وسط المجتمع المسلم بلباس يدعو إلى الإثارة والفتنة إما أن يكون داخلاً ضمن حدود القانون المدني أو ضمن دائرة الحقوق الشخصية، وفي كلا الحالين فإنه غير جائز تكشف النساء الكافرات في المجتمع المسلم.
(1) انظر ص569 - 575 من هذه الرسالة.
(2)
انظر صحيح مسلم ج4 ص2098 (كتاب الرقاق).
(3)
انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص190.
(4)
انظر فتح الباري ج10 ص332 (باب اللباس).
فالقانون المدني مبني على وجوب احترام مشاعر الناس جميعًا ولا يجوز أن يعترض أحد لمشاعرهم وغرائزهم بالإثارة وإحداث الألم فيها وهذه المظاهر التي تظهر بها النساء الكافرات في دار الإسلام اعتداء على مشاعر الناس وإيذاء لأرواحهم سواء كان الناظر في ذلك مسلمًا أو كافرًا وذلك لأمرين:
الأمر الأول: إذا كان الناظر إلى تلك النساء الكافرات العاريات من لباس العفة والفضيلة، مسلمًا فإنه يجد في تلك المظاهر ما يثير غيرته الدينية على هذا المنكر الظاهر وهذه الصور التي تتنافى مع أحكام الإسلام، وإن كان من ضعاف الإيمان فقد يجد من الإثارة الجنسية ما يسبب له الألم والحرج والضيق، فهو مهما يكن إنسانًا حساسًا ذا لحم ودم يحس بما يرى ويسمع فيتأثر بذلك سلبًا أو إيجابًا.
الأمر الثاني: لو فرضنا أن المسلمين غضوا أبصارهم عن تلك المناظر العارية والصور الخليعة فإن الذكور من الكفار سيصيبهم من تلك المظاهر ما يشعل نار الفاقة والشعور بالحرمان في أنفسهم مما يدفعهم إلى ارتكاب جرائم متعددة الأنواع والأشكال كي يطفئوا تلك النار الملتهبة في أنفسهم والتي لا تجد ما يحد من قوتها أو يوجهها التوجيه السليم نظرًا لبعدهم عن الإيمان والإسلام.
ففي القانون المدني المبني على الشريعة الإسلامية نص يدل على تساوي المسلمين وأهل الذمة في التكاليف الظاهرة في الجانب الأخلاقي ولم يستثن من ذلك في حق الذميين سوى الخمر والخنزير، فلهم أن يصنعوا الخمر ويشربوها خفية دون أن يخرج منها أو من أذاها شيء إلى المسلمين ولهم أن يربوا الخنازير ويأكلوها ويبيعوها بينهم (1).
(1) انظر المبسوط للسرخس ج13 ص137 - 138.
هذا إذا قلنا إن عدم خروج النساء الكافرات بمظاهر العري والتكشف من الحقوق المدنية.
أما إذا قال شخص إن خروج المرأة باللباس الذي تريده من حقوقها الشخصية.
فنقول إنه رغم ضعف هذا القول للأسباب التي تقدم ذكرها فإن قانون الأحوال الشخصية، لليهود والنصارى مستمد من التوراة والإنجيل رغم تحريفهما، وليس فيهما ما يبيح هذا العري الفاضح والتبرج الجاهلي وفي المجتمع المسلم يعامل أهل الذمة في قانون الأحوال الشخصية بما يبيحه لهم دينهم، أما ما ثبت تحريمه عليهم وعلى المسلمين فيمنع عنه الجميع على حد سواء (1).
والنصوص الموجودة في الإنجيل بهذا الخصوص تأمر المرأة بارتداء البرقع وتذكر قياسات مختلفة له (2).
كما أن التوراة قد ذكر فيها أن (ربيكار) قد ارتدت ذات البرقع لأنها كانت محترمة (3).
ويمكن الاستدلال على وجوب ستر عورة المرأة الكافرة وإخفائها للزينة في المجتمع المسلم هو أن المسلم إذا تزوج الكتابية على رأي من يرى جواز ذلك، يلزمها بالحجاب لأن ترك الحجاب ليس من دينها ولا من دين الإسلام.
وعلة النهي عند من يرى كراهية نكاح الكتابيات هو أن الكتابية تتناول ما يحرم على المسلم من خمر أو خنزير، ولم يذكروا أن من علة النهي
(1) انظر نظرية الإسلام وهديه/ أبو الأعلى المودودي.
(2)
انظر ما قاله (متى) الإنجيل - الكتب المقدسة - طبعات الملك جمر الثاني عشر ج2 ص846 مكان الطبع نيويورك عام الطبع (1946م)(1952م).
(3)
انظر ما قاله مترجم الكتب المقدسة. المصدر نفسه والمكان نفسه.
كونها تخرج سافرة متبرجة بزينتها (1). ويضاف إلى تلك الأدلة ما روي أن طلحة بن عبيد الله تزوج بيهودية، وحذيفة بن اليمان تزوج نصرانية فغضب عمر رضي الله عنه غضبًا شديدًا للزواج من هؤلاء النسوة الكافرات (2) ومعلوم يقينًا أن طلحة وحذيفة لن يتزوجا بنساء متبرجات مبتذلات مائلات مميلات غير ملتزمات بمظهر العفة والفضيلة، حتى ولو كن غير مسلمات، لأن من عادة العرب في الجزيرة فيما سبق المحافظة على العرض والعفة والابتعاد عن أسباب الرذيلة واستعظامهم لهذا الأمر حتى وصلت بهم الغيرة على العرض إلى وأد بناتهم قبل بلوغهن سن الرشد.
وبناء على ذلك فليس لأولئك المرتدين أخلاقيًا أي عذر في ترك النساء كاسيات عاريات مائلات مميلات في بلاد المسلمين.
إنه لو كانت هناك دولة إسلامية حقة لما سمحت بانتشار تلك الردة الأخلاقية في ديار المسلمين. ولو كان هناك جمهور مسلم يوالي الإسلام ويعادي أعداءه لما رضي بتلك الردة الأخلاقية ولما استكان بذلة وهوان تحت أقدام المتسلطين، من الكفرة الصرحاء والمنافقين العملاء. إن ما تعج به بلاد المسلمين من تفسخ وعرى وتهتك ومجون أمر لا مبرر له سواء كان الفاعل لذلك كافرة أو مسلمة أو كافرًا أو مسلمًا، لأن الإسلام يحارب الفحشاء والمنكر في دار الإسلام أيا كان مصدرها مسلمًا أو كافرًا، ولكن نظرًا لموالاة كثير من السلطات للكفار بما فيها الموالاة الأخلاقية فقد أصبح المسلم في داره كأنه في دار الكفار لما يرى من مظاهر الكفر التي يندى لها جبين كل مسلم غيور.
فأحكام أهل الكفر تجري بسفحها
…
وقانونهم يعلو بها ظاهرًا يبدو (3)
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(1) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين. د/ بدران أبو العينين بدران ص49.
(2)
انظر تفسير الفخر الرازي ج6 ص61.
(3)
انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص282.