المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ: يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، وَأَقَلُّهُ: ثَوْبٌ، ــ تتمة: من مات غير مختون - النجم الوهاج في شرح المنهاج - جـ ٣

[الدميري]

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ: يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، وَأَقَلُّهُ: ثَوْبٌ، ــ تتمة: من مات غير مختون

‌فَصْلٌ:

يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، وَأَقَلُّهُ: ثَوْبٌ،

ــ

تتمة:

من مات غير مختون .. قطع الجمهور بأنه لا يختن، وقيل: قولان كالشعر والظفر، وقيل: يختن البالغ دون الصبي.

وأجمعوا على أنه: لا تقطع يده المستحقة القطع في سرقة أو قصاص.

قال: (فصل:

يكفن بما له لبسه حيًا) فيحرم تكفين الرجل والخنثى في الحرير والمزعفر، وكذا المصغر في الأصح، ويكره ذلك للمرأة كما سيأتي في آخر الباب.

وتكفن المرأة في الحرير على الصحيح، لكن يكره؛ لأنه سرف وغير لائق بالحال، ومال ابن الصلاح إلى تحريمه بناء على تحريم افتراشها إياه، وأما الصبي .. فتكفينه فيه مبنيُّ على جواز إلباسه.

قال: (وأقله: ثوب) أي: ساتر للعورة؛ لأن هذا القدر يجب ستره في الحياة، فيجب بعد الموت؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا، وفي (الصحيحين) [خ 1276 - م940]:(أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن مصعب بن عمير يوم أحد بنمرة غطى بها رأسه فبدت رجلاه)، ولو كان الاستيعاب واجبًا .. لوجب تكميله على المسلمين.

وحكي الماوردي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: فإن، غطي من الميت قدر عورته فقط .. سقط الفرض، ولكن أخل بحق الميت.

وعلى هذا .. يختلف الثوب باختلاف الميت ذكورة وأنوثة؛ لاختلاف عورتهما.

وهل يختلف بالنسبة إلى الحرة والأمة؟ قال ابن الرفعة: الظاهر: أنه لا فرق؛ لأن الرق يزول بالموت.

وقيل: أقله ثوب يستر جميع البدن؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا - وعلى هذا .. يستثنى رأس المحرم ووجه المحرمة - وهذا الذي في (الحاوي الصغير)، وأطلق في

ص: 29

وَلَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ

ــ

(المناسك) تصحيحه، وعبارة (المحرر) تحتمل الأمرين؛ فإنه قال: أقل الكفن ثوب واحد، ولم يصحح في (الشرح) شيئًا، وصحح المصنف في زوائد (الروضة) الأول. وقال في (الشرح الصغير): إنه أوفق لظاهر النص.

وهذا الخلاف ينبني على خلاف غريب حكاه شارح (التعجيز): أن الشخص هل يصير كله عورة بموته أو لا؟

والتعبير ب (الثوب) يشعر بأنه لا يكفي التطيين على خلاف ما صححوه في ستر عورة المصلي وهو متجه؛ لأن فيه إزراء بالميت. ويتجه: وجوب الإذخر ونحوه كالحشيش قبل التطيين.

وقيل: الواجب ثلاثة أثواب حكاه في (شرح المهذب).

قال: (ولا تنفذ وصيته بإسقاطه) أي: إسقاط الثوب الواحد؛ لأنه حق لله تعالى مستحق بالموت، بخلاف الثاني والثالث فإنهما حقه فله تركهما، كما أوصى أبو بكر رضي الله عنه أن يكفن في قميصه الخلق فنفذت وصيته.

ومقتضى هذا التعليل - وهو القياس -: أن الذي لا تنفذ الوصية بإسقاطه إنما هو المقدار الواجب، حتى إذا قلنا بالصحيح - وهو: أن الواجب ساتر العورة فقط - نفذنا الوصية بإسقاط الزائد، وهذا هو المذكور في (الروضة)؛ فإنه عبر بقوله: الثوب الواجب بالجيم والباء.

ووقع في (شرح المهذب): أنه إذا أوصى بساتر العورة .. لا تنفذ وصيته، وكأنه اغتر بجواب الإمام والغزالي، وهما إنما أجابا به؛ لأن الواجب عندهما هو هذا المقدار خاصة.

غريبة:

أوصى أهبان بن صيفي الغفاري رضي الله عنه لما حضرته الوفاة أن يكفن في ثوبين، قالت ابنته: فزدناه ثالثًا قميصًا فدفناه فيه، فأصبح ذلك القميص على

ص: 30

وَالأَفْضَلُ لِلرَجُلِ: ثَلَاثَةٌ، وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ،

ــ

المشجب موضوعًا. قال أبو عمر: روى هذا الحديث جماعة ثقاة من البصريين وغيرهم.

قال: (والأفضل للرجل: ثلاثة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، رواه الشيخان [خ 1264 - م 941].

و (سَحُول): بلد باليمن، ويجوز في سينها الفتح والضم.

ولا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، وسيأتي في آخر الباب في زيادة المصنف.

فروع:

إذا كفن من بيت المال .. فالأصح: أنه يكفن في ثوب واحد، وإذا كفن من الموقوف على التكفين .. أفتى ابن الصلاح بأنه: لا يزاد على ثوب واحد.

ولو لم يوص وقال بعض الورثة: نكفنه بثوب وقال بعضهم: بثلاثة، أو اتفقوا على ثوب، أو كان فيهم من شملة الحجر .. كفن في ثلاثة في المسائل الثلاث.

ولو كان عليه دين مستغرق فقال الغرماء: ثوب .. فثوب على الأصح.

والمحرم كغيره في استحباب الثلاث، وقال ابن سراقة: لا يزاد المحرم على ثوبيه اللذين مات فيهما.

قال: (ويجوز رابع وخامس)؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما كفن ابنًا له في خمسة أثواب: قميص وعمامة، وثلاث لفائف، رواه البيهقي [3/ 402].

ص: 31

وَلَهَا: خَمْسَةٌ. وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلَاثَةٍ .. فَهِيَ لَفَائِفُ. وَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ .. زِيدَ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ. وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ .. فَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثُ لَفَائِفَ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ

ــ

ولا كراهة في الخمسة، أما ما زاد عليها .. فمكروه للرجال والنساء. قال المصنف:(ولو قيل بتحريمه .. لم يبعد؛ لأنه إضاعة مال إلا أنه لم يقل به أحد) اه

وقد جزم بتحريمه ابن يونس في (شرح التنبيه).

قال: (ولها: خمسة) أثواب؛ رعاية لزيادة الستر، ولأن أم عطية لما غسلت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا على الباب فناولها إزارا ودرعا وخمارًا وملحفة، ثم أدرجت في الثوب الآخر، رواه أبو داوود [3149]. وكذلك حكم الخنثى.

قال: (ومن كفن منهما بثلاثة .. فهي لفائف)؛ تأسيًا بكفن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتكون الثلاث سوابغ للمرأة، وفي الرجل وجهان:

أصحهما: كذلك.

والثاني: أن الأسفل من سرته إلى ركبته، والثاني من عنقه إلى كعبه، والثالث سابغ لجميع بدنه.

وقيل: يجعل الثاني من صدره إلى ساقه.

قال: (وان كفن في خمسة .. زيد قميص وعمامة تحتهن) كما فعل ابن عمر (وإن كفنت في خمسة .. فإزار، وخمار، وقميص) وهو: الدرع (ولفافتان) كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأم كلثوم.

قال: (وفي قول: ثلاث لفائف وإزار وخمار)؛ لأن الخمسة فيها كالثلاثة في الرجل.

ص: 32

وَيُسَنُّ الأَبْيَضُ. وَمَحَلُّهُ: أَصْلُ التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ

ــ

قال: (ويسن الأبيض)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم (رواه أبو داوود [4058] والترمذي [994] والحاكم [4/ 185] وابن حبان [5423].

قال: (ومحله: أصل التركة) بالإجماع، ولأنه صلى الله عليه وسلم كفن المحرم في ثوبيه، ومصعب بن عمير في نمرته. ولم يسأل عن الدين، فدل على أنه لا فرق، اللهم إلا أن يتعلق بعين التركة حق .. فإنه يقدم كما سيأتي في أول (الفرائض)، وإلا أن تكون امرأة لها زوج كما سيأتي.

فلو قال بعض الورثة: أكفنه من مالي، وقال البعض: من التركة .. كفن من التركة دفعًا للمنة.

قال: (فإن لم يكن) أي: تركة (.. فعلى من عليه نفقته من قريب) أصلًا كأن أو فرعًا.

ومقتضى هذه العبارة: أن الولد الكبير الفقير لا يجب تكفينه كما لا تجب نفقته على الصحيح عند المصنف.

والمذهب: وجوبه؛ لأن نفقته تجب إذا كان عاجزًا والميت عاجز.

قال: (وسيد)؛ لما ذكرناه. وتدخل أم الولد، والمكاتب لانفساخ كتابته.

قال: (وكذا الزوج في الأصح)؛ لأنها في نفقته في الحياة فأشبهت القريب والسيد.

والثاني: لا؛ لأنها إنما وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع وبالموت يزول ذلك فيجب في مالها، وليست كالمريضة المدنفة؛ فإنها محل لاستمتاعه، وإلى هذا ذهب ابن أبي هريرة، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب، ونسبه الشيخ أبو محمد إلى الأكثرين، وصححه الجرجاني والروياني والفارقي وابن أبي عصرون وابن

ص: 33

وَتُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا، وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا، وَكَذَا الثَّالِثَةُ، وَيُذَرُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ

ــ

الصلاح، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وأحد قولي مالك وأصحابه.

وحكم سائر مؤن التجهيز حكم الكفن.

وعبارة الكتاب و (المحرر) توهم: أنه إنما تجب على الزوج إذا لم يكن تركة، وليس مرادهما ذلك.

وفهم الشيخ جمال الدين عن المصنف خلاف ذلك فقال: الصواب: أنه يجب على الزوج تكفين الزوجة؛ لأنها في نفقته حال الحياة، فإن لم يكن للزوج مال .. ففي مالها، وما وقع في (المحرر) و (المنهاج) و (الشرح الصغير):(أنه في مالها، فإن لم يكن فعلى الزوج .. فخلاف الصواب) اه

وظاهر عبارة الكتاب: أنه لا فرق بين الحرة والأمة، وينبغي أن يكون على السيد إلا أن يكون قد سلمها ليلًا ونهارًا .. فتكون على الوجهين في كفن الحرة.

ولو طلقها ثلاثًا وهي حامل .. لزمه تكفينها على الأصح.

وإذا أوجبنا تكفين الزوجة .. أوجبنا تكفين خادمها.

فلو حذف المصنف لفظة (كذا) .. كان أخصر وأعم.

ولو امتنع الموسر أو فان غائبًا، فجهزت من مالها أو غيره،. رجع عليه إن صرف بإذن حاكم يراه، وإلا .. فلا رجوع على الأشبه.

قال: (وتبسط أحسن اللفائف وأوسعها، والثانية فوقها، وكذا الثالثة) كما يظهر الحي أحسن ثيابه.

قال: (ويذر على كل واحدة حَنوط)؛ لئلا يسرع بلاؤها من بلل يصيبها.

قال الماوردي: وهذا من مفردات الإمام الشافعي رضي الله عنه.

و (الحَنوط) بفتح الحاء وبضم النون: يشمل الكافور والذريرة والصندل، ولا يقال لغير طيب الميت.

ص: 34

وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، وَتُشَدُّ أَلْيَاهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بَدَنِهِ قُطْنٌ، وَتُلَفُّت عَلَيْهَ اللَّفَائِفُ وَتُشَدُّ، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ .. نُزِعَ الشِّدَادُ.

ــ

قال: (ويوضع الميت فوقها مستلقيًا وعليه حنوط وكافور)؛ لدفع الهوام عنه. وقوله: (وكافور) لا حاجة إليه؛ لأنه يدخل فيه كما نبه عليه في (نكت التنبيه).

قال: (وتشد ألياه)؛ إحكامًا لمنع الخارج، ذلك بأن يأخذ قدرًا من القطن ويجعل عليه حنوط ويدس بينهما حتى يصل إلى الحلقة، ولا يدخله في باطنة - وقيل: لا بأس به ثم تشد أليتيه بخرقة تستوعب عانته.

قال: (ويجعل على منافذ بدنه قطن) كالعينين والأذنين والفم والفرج والجراحات النافذة خشية أن يخرج منها شيء، ويجعل على مواضع السجود أيضًا؛ إكرامًا لها.

قال: (وتلف عليه اللفائف وتشد)؛ لئلا تنتشر بحركته.

قال: (فإذا وضع في قبره .. نزع الشداد)؛ لأنه يستر بالقبر.

فروع:

يستحب أن تبخر الأكفان بالعود إذا لم يكن الميت محرمًا، وقال الإمام والغزالي: إنه أولى من تطييبها بالمسك، وخالفهما ابن الصلاح؛ لأنه أطيب الطيب، وأوصى علي رضي الله عنه: (أن يحنط بمسك كان عنده من فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفتى أيضا: بعدم جواز كتابة شيء من القرآن على الكفن صيانة له

ص: 35

وَلَا يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذَّكَرُ مَخِيطًا، وَلَا يُسْتَرُ رَاسُهُ وَلَا وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ

ــ

عن صديد الموتى، وفيمن عنده قماش يكريه لتجهيز الموتى من ألوان الحرير وغيرها بأنه لا يجوز كراء ما يقصد به الزينة، ولا بأس بما المقصود به ستر الميت .. وصيانته.

وكره الغزالي التجارة في أكفان الموتى وحنوطهم وما يتعلق بذلك.

قال: (ولا يلبس المحرم الذكر مخيطًا، ولا يستر رأسه ولا وجه المحرمة)؛ إبقاء لأثر الإحرام، وكذلك لا يعقد عليه ثوب إلا الإزار، وما روي في (الصحيحين) [خ1265 - م 1206] من قوله عليه الصلاة والسلام: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهة (.. فهو مؤول على أن النهي عن تغطية الوجه ليس لكونه وجهًا إنما هو صيانة للرأس؛ فإن وجهة إذا ستر .. لم يؤمن أن يصل إلى الرأس.

فروع:

إذا مات الخنثى محرمًا .. قال البغوي: لا يخمر رأسه ولا وجهه. قال المصنف: إن أراد أنه مستحب .. فحسن، أو واجب .. فمشكل، وينبغي أن يكفي كشف أحدهما.

ولو مات إنسان ولم يوجد ما يكفن به إلا ثوب مع واحد وهو غير محتاج إليه .. لزمه بذله بقيمته كالطعام للمضطر، وقال البغوي: فإن لم يكن له مال .. لزمه بذله بلا عوض.

ولو مات له أقارب دفعة واحدة بهدم أو غيره .. قدم في التكفين وغيره من يخاف عليه الفساد، فإن استووا .. قدم الأب ثم الأم ثم الأقرب فالأقرب، فإن كانا أخوين .. قدم أسنهما، فإن كانا زوجين .. أقرع بينهما.

ولو أوصى أن يكنن في ثوب معين .. ففي إلزام الورثة بتكفينه فيه وجهان مبنيان على الوجهين فيما إذا أوصى بقضاء دينه من هذا المال هل يتعين؟

ص: 36

وَحَمْلُ الْجَنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّرْبِيعِ فِي الأَصَحِّ، وَهُوَ: أَنْ يَضَعَ الخشبتين الْمُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى عَاتِقَه ِوَرَاسُهُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْمِلُ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلَانِ،

ــ

قال: (وحمل الجنازة بين العمودين أفضل من التربيع في الأصح) كما فعل بعثمان وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم.

وروى البيهقي في (المعرفة)[7470]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين).

والثاني: التربيع أفضل؛ لأنه أصون للميت، بل حكى في (النهاية) عن الشيخ أبي علي وجوبه؛ لأن ما دونه إزراء بالميت.

والثالث: هما سواء لحصول المقصود بكل كيفية.

كل هذا إذا أريد الاقتصار على إحدى الكيفيتين، والأفضل: الجمع بينهما بأن تحمل تارة كذا وتارة كذا.

هذا بالنسبة إلى الجنازة، أما كل واحد في حق نفسه .. فينبغي إذا جمع أن يضع ياسرة السرير المقدمة على عاتقة الأيمن ثم ياسرته المؤخرة، ثم يدور أمامها حتى لا يمشي خلفها فيضع يامنة السرير المقدمة على عاتقة الأيسر ثم يامنته المؤخرة، فيكون قد حملها على التربيع، ثم يدخل رأسه بين العمودين فيكون قد جمع بين الكيفيتين.

قال: (وهو) أي: الحمل بين العمودين (أن يضع الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ورأسه بينهما، ويحمل المؤخرتين رجلان)؛ لأن المؤخرتين لو حملهما رجل .. لا يكاد يرى ما بين يديه. فيكون مجموع الحاملين ثلاثة.

قال ابن الصلاح: أما حملها على رأس اثنين فشيء لا يعرف، وبقيت نحوًا من ثلاثين سنة لم أجد ذلك منقولًا عن أحد من الأئمة إلى أن رأيته في (الإستذكار) للدارمي وهو غريب جدًا.

و (العاتق): ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر على المشهور.

ص: 37

وَالتَّرْبِيعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ. وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا أَفْضَلُ، ......

ــ

قال: (والتربيع: أن يتقدم رجلان ويتأخر آخران) فيكون الحاملون أربعة، ولهذا سميت الكيفية بالتربيع. فإذا عجز أربعة عنها .. حملها ستة أو ثمانية، وما زاد على الأربعة .. يحمل من جوانب السرير أو تزاد أعمدة معترضة تحت الجنازة كما فعل بعبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ فإنه كان بدينًا.

وأما الصغير .. فإذا حملة واحد جاز؛ إذ لا إزراء فيه.

فرع:

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ليس في حمل الجنازة دناءة ولا إسقاط مروءة، بل ذلك مكرمة وثواب وبر وفعل أهل الخير، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة ثم التابعون.

قال: (والمشي أمامها بقربها أفضل)؛ لما روى أبو داوود [3171] وغيره - بإسناد صحيح- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمامها وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.

ومن جهة المعنى: أنهم شفعاء وحق الشافع أن يتقدم. وأفضل حملتها المتقدم، وكذلك أفضل المشاة. وقال أبو حنيفة: خلفها أفضل.

وعندنا: لا فرق بين الراكب والماشي، ووهم الرافعي في (شرح المسند) حيث قال: الأفضل للراكب أن يكون خلفها بالاتفاق. وهو متابع الخطابي في ذلك؛ فإنه قال: لا أعلمهم اختلفوا في أن الراكب يكون خلفها.

والركوب في الذهاب مكروه؛ لما تقدم من: (أنه صلى الله عليه وسلم لم يركب في عيد ولا جنازة)، اللهم إلا أن يكون لعجز أو بعد الموضع .. فلا يكره، وروى الترمذي [1012] أنه صلى الله عليه وسلم رأى ناسا ركبانًا في جنازة فقال:(ألا تستحيون؟! إن الملائكة على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب).

ص: 38

وَيُسْرَعُ بِهَا إِنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ

ــ

والركوب في الرجوع منها يأتي في آخر الباب. وجميع ما سبق مخصوص بالرجال، أما النساء .. فيكره لهن إتباع الجنائز على الأصح، وقيل: يحرم.

وحد القرب: أن يكون بحيث لو التفت رآها، فإن بعد عنها وكان بحيث ينسب إليها لكثرة الجماعة .. حصلت له فضيلة الجماعة، وإلا .. فلا.

فرع:

لا ينقطع طلب المشي في الجنازة بالصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، فكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ منها .. رجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن .. فإنه يرجع بقيراط (رواه الشيخان [خ 47 - م945].

والانصراف عن الميت إن كان عقب الصلاة .. فقيه قيراط، وإن كان بعد وضعه في القبر ونصب اللبن وقدر إهالة التراب .. ففي حصول القيراطين وجهان: اختار الإمام الحصول، والماوردي والمصنف عدمه؛ لظاهر الحديث.

وأما بعد الفراغ من الدفن .. فله القيراطان بلا خلاف. فإن وقف بعد ذلك على الميت واستغفر الله ودعا له .. فهو آكمل.

قال: (ويسرع بها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أسرعوا بالجنازة

) والمراد: أن يكون ذلك فوق المشي المعتاد ودون الخبب بحيث لا يشق على من يتبعها.

قال: (إن لم يخف تغيره) بسبب الإسراع بانفجار وغيره، فإن خيف ذلك .. فالتأني أولى، وإن خيف من التأني التغير .. أسرع بها فوق الخبب.

ص: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مهمة:

قال الصيمري وغيره: لا يستحب للإنسان أن يعد لنفسه كفنًا في حياته؛ لئلا يحاسب عليه.

قال الروياني: وعندي أن ذلك مستحب؛ لمعرفة خلوه عن الشبهة.

قال المصنف: والذي قاله الصيمري صحيح، إلا أن يكون من جهة يقطع بحلها، أو من أثر بعض أهل الخير من العلماء والعباد ونحو ذلك .. فإن ادخاره حسن، وقد صح عن بعض الصحابة فعله.

والذي قاله مردود؛ فإن أمواله كلها يحاسب عليها.

وأشار بقوله: (وقد صح عن بعض الصحابة) إلى ما رواه البخاري [1277] عن سهل بن سعد رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه شملة، فطلبها منه رجل فأعطاه إياها، فأعدها ذلك لنفسه كفنًا).

وروي أن سعد بن أبي وقاص لما حضرته الوفاة .. دعا بخَلَقِ جبة من صوف فقال: (كفنوني فيها؛ فإني كنت لقي المشركين فيها يوم بدر وهي علي، وإنما كنت أخبئها لهذا).

ولما حضرت معاوية الوفاة .. قال لابنه يزيد: (يا بني؛ إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج يومًا لحاجته فاتبعته بإداوة فكساني أحد ثوبيه الذي كان على جلده، فخبأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أظفاره وشعره فأخذته وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مت .. فاجعلوا ذلك القميص مما يلي جلدي، واجعلوا الشعر والأظفار في فمي وعل عيني ومواضع السجود مني، فإن نفع شيء .. فذاك، وإلا .. فإن الله غفور رحيم).

ص: 40