المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل: ــ استرجاع الركاز من واجده مع خمسة المخرج، وللواجد أن يرجع - النجم الوهاج في شرح المنهاج - جـ ٣

[الدميري]

الفصل: ‌ ‌فصل: ــ استرجاع الركاز من واجده مع خمسة المخرج، وللواجد أن يرجع

‌فصل:

ــ

استرجاع الركاز من واجده مع خمسة المخرج، وللواجد أن يرجع على أهل السهمان إن كان باقيا في أيديهم.

قال: (فصل) عقده لزكاة التجارة وهي واجبة في القديم والجديد.

وقيل: للشافعي رضي الله عنه قول قديم: أنها لا تجب، ولم يثبته الأكثرون.

والأصل فيها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} ، قال مجاهد: نزلت في التجارة.

وروى الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته (.

(البز) بالباء والزاي المعجمة: ما يبيعه البزازون، كذا ضبطه الدارقطني والبيهقي.

وفي (سنن أبي داوود)[1557] عن سمرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة في الذي يعد للبيع).

وروى الشافعي رضي الله عنه [أم 2/ 46] بسنده عن حماس الليثي أنه قال: مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال: (ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟).

فقلت: ما لي غير هذه وأهب من قرظ، قال:(ذاك مال فضع)، فوضعتها بين يديه فحسبها فوجد فيها الزكاة فأخذ منها.

و (حماس): من الأسماء المفردة، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوبها، وممن قال بها الفقهاء السبعة، لكن لا يكفر جاحدها؛ للاختلاف فيها.

ص: 212

شَرْطُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ: الْحَوْلُ، والنِّصَابُ مُعْتَبِرًا بِآَخِرِ الْحَوْلَ، وَفِ قَوْلٍ: بِطَرَفَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: بِجَمِيعِهِ. فَعَلَى الْأَظْهَرِ: لَوْ رُدَّ إِلَى الْنَّقْدِ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ، وَهُوَ دُونَ النِّصَابِ، وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةُ

فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَبْتَدِاءُ حَوْلُهَا مِنْ شِرَائِهَا

ــ

قال: (شرط زكاة التجارة: الحول)؛ لعموم: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) وهذا لا خلاف فيه.

قال: (والنصاب معتبرا بآخر الحول)؛ لأنه حال الوجوب. وإنما اعتبر ذلك؛ لأنها تتعلق بالقيمة ويشق تقويم العرض في كل زمان بخلاف سائر الزكوات؛ لأن نصابها في عينها فلا يشق اعتباره.

والباقي بآخر الحول طرفيه أي: في آخره، وكذا في قوله:(بطرفيه) و (بجميعه).

قال: (وفي قول: بطرفيه)؛ لأن الأول: وقت الانعقاد، والثاني: وقت الوجوب.

قال: (وفي قول: بجميعه) كالمواشي.

فعلى هذا: لو نقصت القيمة في لحظة

انقطع الحول، فإن كمل بعد ذلك

ابتدأ الحول من يوم كماله.

ويؤخذ من كلام المصنف: أن النصاب لا يشترط في الثمن وهو كذلك على المشهور، والمصنف تبع (المحرر) في حكاية الخلاف أقوالًا، وإنما هي أوجه لكنها مخرجة يعبر عنها تارة بالأقوال وتارة بالأوجه.

قال: (فعلى الأظهر: لو رد إلى النقد في خلال الحول، وهو دون النصاب، واشترى به سلعة

فالأصح: أنه ينقطع الحول، ويبتدئ حولها من شرائها)؛ لتحقق النقصان حسًا بالتنضيض.

والثاني: لا ينقطع كما لو بادل بها سلعة ناقصة عن النصاب

فإن الحول لا ينقطع على الصحيح؛ لأن المبادلة معدودة من التجارة.

ص: 213

وَلَوْ تَمَّ الْحَوْلُ وَقِيمَةُ الْعَرْضِ دُونَ النِّصَابَ

فَالْأَصًحُّ: أَنَّهُ يبتدئ حَوْلٌ، وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ. وَيَصِيرُ عَرْضُ الْتِّجَارَةِ لِلْقِنْيَةِ بِنِيِّتِهَا،

ــ

وعبارته توهم اختصاص التفريع بالقول الأظهر، ولا يختص به بل هو كذلك على القول الثالث.

ثم إن المصنف أطلق الخلاف في المسألة، وهو مخصوص بما إذا كان النقد الذي باع به هو الذي يقوم به، فلو باع بالدراهم والحال يقتضي التقويم بالدنانير

فهو كبيع السلعة بالسلعة، والأصح: أن الحول لا ينقطع.

ويجاب عن هذا بأن الألف واللام في النقد للمعهود الذي يقوم به، وعن الأول بأنه إنما لم يذكره؛ لأنه يؤخذ مما ذكره من باب أولى.

واحترز ب (النقد) عما إذا باع السلعة في أثناء الحول بعرض، فإن نوى به القنية

انقطع، أو التجارة

فلا، وإن أطلق

فكذا في الأصح.

قال: (ولو تم الحول وقيمة العرض دون النصاب

فالأصح: أنه يبتدئ حول، ويبطل الأول) فلا تجب الزكاة حتى يتم حول ثان، سواء كانت الزيادة في زمن قليل أو كثير؛ لأن الحول الأول مضى ولا زكاة فيه.

والوجه الثاني: لا ينقطع بل متى بلغت القيمة نصابا تجب الزكاة ثم يبتدئ حول ثان، ويجعل ابتداء الحول الثاني من ذلك الوقت؛ لأنه يصدق أن يقال: إن مال التجارة قد أقام في يده حولا وتم نصابه.

وما ذكره المصنف من تصحيح انقطاع الحول محله: إذا لم يكن له ما يكمل به النصاب، فإن كان كما إذا ملك مئة فاشترى بخمسين منها عرضا للتجارة، وبقيت الخمسون في ملكه وبلغت قيمة العرض في آخر الحول مئة وخمسين

فإن ذلك يضم إلى ما عنده وتجب زكاة الجميع، بخلاف ما لو اشترى بالمائة وملك الخمسين بعد ذلك؛ لأن الخمسين إنما تضم في النصاب لا في الحول بل إذا تم حول الخمسين

زكى المائتين.

قال: (ويصير عرض التجارة للقنية بنيتها) أي: بنية القنية، بخلاف عرض القنية لا يصير للتجارة بالنية، والفرق: أن الأصل في العروض القنية والتجارة عارضة،

ص: 214

وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إِذَا اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهَا بِكَسْبِهِ بِمُعَاوَضَةٍ كَشِرَاءٍ، وَكَذَا الْمَهْرُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ فِي الأَصَحِّ، لَا بِالْهِبَةِ وَالاِحْتِطَابِ وَالاِسْتِرْدَادِ بِعَيْبٍ

ــ

فبمجرد النية يعود حكم الأصل، وإذا ثبت .. لا يزول بمجرد النية.

وقال الكرابيسي: يصير عرض تجارة بمجرد النية، وهو مردود بما إذا نوى بالمعلوفة السوم.

واقتضى إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يقصد بقنيتها استعمالاً جائزًا، أو محرمًا كلبسه الديباج وقطع الطريق بالسيف، وفي ذلك في (التتمة) وجهان.

ولو نوى القنية ببعض عرض التجارة .. فما عينه كان للقنية دون باقي العرض، وإن أبهمه .. ففي تأثيره وجهان.

قال: (وإنما يصير العرض للتجارة إذا اقترنت نيتها بكسبه بمعاوضة كشراء)؛ لانضمام قصد التجارة إلى فعلها، كما لو نوى وسار .. يصير مسافرًا. وإذا ثبت حكم التجارة .. لا يحتاج في كل معاملة إلى نية جديدة.

وفي معنى الشراء: ما لو صالح من دين له في ذمة إنسان على عرض بنية التجارة.

قال: (وكذا المهر وعوض الخُلع في الأصح)؛ لأنه مال ملك بمعاوضة، ولهذا ثبتت الشفعة فيما ملك بهما.

ووجه مقابله: أن ذلك لا يعد تجارة.

وهذا تمثيل للمعاوضة غير المحضة، ومثله: الصلح عن الدم، وما آجر به نفسه أو ماله.

قال: (لا بالهبة) أي: محضة؛ لأن التملك مجانًا لا يعد تجارة، أما الهبة بشرط الثواب، فإن قصد بها التجارة .. فهي كالشراء.

قال: (والاحتطاب)؛ لأن ذلك لا يسمى? تجارة، وكذلك الاصطياد والاحتشاش والإرث والوصية .. فلا أثر لاقتران النية بشيء من ذلك.

قال: (والاسترداد بعيب)؛ لأنه عكس التجارة.

فلو تبايع التاجران ثم تقايلا .. استمر حكم التجارة في المالين، وحكم رجوع البائع في عين بالإقالة كذلك إذا قلنا: إنها فسخ وهو الصحيح.

ص: 215

وَإِذَا مَلَكَهُ بِنَقْدِ نِصَابٍ .. فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ مِلْكِ النَّقْدِ، أَوْ دُونَهُ أَوْ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ .. فَمِنَ الشِّرَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ مَلَكَهُ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ .. بَنَى عَلَى حَوْلِهَا. وَيَضُمُّ الرِّبْحَ إلَى الأَصْلِ فِي الْحَوْلِ إِنْ لَمْ يَنِضَّ، لَا إِنْ نَضَّ فِي الأَظْهَرِ

ــ

قال: (وإذا ملكه بنقد نصاب) وهو: الذهب والفضة التي تجب الزكاة فيها مضروبة كانت أو غير مضروبة.

قال: (.. فحوله من حين ملك النقد)؛ لأن النقد أصل وعرض التجارة تبع له وفرع عليه؛ لأن التقويم يقع به فبني حوله على حوله.

ولو اشترى بحلي مباح وقلنا: لا زكاة فيه .. فحوله من الشراء، هذا إذا اشترى بالعين، فإن اشترى بنصاب في الذمة ونوى نقد ما عنده أو أطلق ثم نقده فيه .. انقطع حوله؛ لأنه لم يتعين صرفه فيه، وكان حول التجارة من وقت الشراء.

قال: (أو دونه أو بعَرْض قِنية .. فمن الشراء)؛ لأن ما اشترى بدون النصاب ليس له حوله حتى يبنى حول التجارة عليه، فيكون ابتداء الحول من يوم الشراء، وأما عرض القنية .. فلاختلاف الزكاتين قدرًا ومتعلقًا.

قال: (وقيل: إن ملكه بنصاب سائمة .. بنى على حولها)؛ لأن الزكاة تجب في عينها ولها حول فاعتبر.

قال: (ويضم الربح إلى الأصل في الحول إن لم يَنِضَّ) سواء حصل بزيادة في العين كسمن الحيوان، أم بارتفاع الأسواق كعرض قيمته مئتان بلغت ثلاث مئة قبل تمام الحول ولو بلحظة .. فيضم إلى الأصل كالنِّتاج، ولأنه يعسر إفراد كل زيادة بحول.

قال: (لا إن نضَّ في الأظهر)؛ فإنه لا يضمه إليه، بل يزكي الأصل بحوله ويفرد للربح حولاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، ولأنه متميز محقق فأفرد بالحكم بخلاف ما قبل التنضيض.

مثاله: اشترى عرضًا بمئتي درهم وباعه بعد ستة أشهر بثلاث مئة وأمسكها إلى تمام الحول .. فيخرج الزكاة عن المئتين، فإذا مضت ستة أشهر أخرى .. أخرج عن المئة.

ص: 216

وَالأَصَحُّ: أَنَّ ولَدَ الْعَرْضِ وَثَمَرَهُ مَالُ تِجَارَةٍ، وَأَنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ الأَصْلِ. وَوَاجِبُهَا رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ،

ــ

والثاني - وهو اختيار المزني -: أنه يضم كما يضم النِّتاج إلى الأمهات.

وفرَّق الأول بأن النتاج جزء من الأصل فألحقناه به، بخلاف الربح؛ فإنه ليس جزءًا وحصوله إنما هو بحسن التصرف، ولهذا يرد الغاصب نتاج الحيوان دون الربح.

والثالث: إن اشترى بالنقد سلعة قبل تمام الحول .. ضمه إليه؛ لأن الذي في يده في آخر الحول عرض، وإن استمر النقد في يده .. فلا ضم.

وصورة المسألة: أن يكون ذلك الناض من جنس رأس المال، فإن كان بنقد آخر .. فيكون كما لو بادل عرضًا بعرض؛ لأنه لا يقوم به.

قال: (والأصح: أن ولد العرض وثمره مال التجارة)؛ لأنهما جزءان من الأم والشجر.

والثاني: لا؛ لأنهما لم يحصلا بالتجارة.

هذا إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت .. جبرنا النقص من قيمة الولد.

وصوف الحيوان وأغصان الأشجار وأوراقها ونحو ذلك داخل في اسم الثمرة هنا.

قال: (وأن حوله حول الأصل) كالنتاج في الزكوات العينية.

والثاني: لا، بل يفرد بحول؛ لأن النماء الذي تفيده العين لا يناسب الاستنماء بطريق التجارة، فالولد هنا كأمه على الأصح، وسيأتي في (كتاب أمهات الأولاد) حكم الولد في غالب أبواب الفقه.

قال: (وواجبها ربع عشر القيمة) أما ربع العشر .. فلا خلاف فيه، وأما كونه من القيمة .. فلأنها متعلق هذه الزكاة.

وعن القديم قول: إنه يجب عليه أن يخرج ربع عشر ما في يده؛ لأنه الذي يملكه والقيمة تقدير.

وقيل: يتخير بينهما؛ لتعارض الأمرين.

فلو كان عرضه مئة قفيز يساوي مئتين .. فعلى المذهب: واجبه خمسة دراهم،

ص: 217

فَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ .. قُوِّمَ بِهِ إِنْ مُلِكَ بِنِصَابٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، أَوْ بِعَرْضٍ .. فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلدِ، فإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ وبَلَغَ بأَحَدِهِمَا نِصَابًا .. قُوِّمَ بِهِ، فَلَوْ بَلَغَ بِهمَا .. قُوِّمَ بِالأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ المَالِكُ

ــ

وعلى الثاني: قفيزان ونصف، وعلى الثالث: يتخير بينهما.

قال: (فإن ملك بنقد .. قوم به إن ملك بنصاب) سواء أبطله السلطان أم لا، سواء كان ذلك النقد هو الغالب في البلد أم لا؛ لأن حوله مبني على حوله، وكانت الزكاة متعلقة به، فكان أولى من غيره.

وقيل: يقوم بالنقد الغالب؛ لأنه أرفق بالمستحقين.

قال: (وكذا دونه في الأصح)؛ لأنه أصل ما في يده وأقرب إليه من نقد البلد.

والثاني: بغالب نقد البلد؛ لأنه النقد المتعارف.

وموضع الخلاف: إذا لم يملك من حنس النقد تمام النصاب، فإن اشترى بمئة وعنده مئة .. قوم بما اشترى به قطعًا قاله الرافعي، وقال المصنف: يأتي فيه القول القديم.

قال: (أو بعرض .. فبغالب نقد البلد)؛ لانحصار الأمر فيه، وجريًا على قاعدة التقويمات، سواء كان مما تجب الزكاة في عينه أم لا. وكذلك الحكم إذا لم يعرف المالك ما اشترى به، أو ملك العرض بسبب نكاح أو خلع أو صلح عن دم.

فإن حال الحول بموضع لا نقد فيه كالذي يتعامل فيه بالفلوس ونحوها من العروض .. اعتبر أقرب البلاد إليهم.

قال: (فإن غلب نقدان وبلغ أحدهما نصابًا .. قوم به)؛ لبلوغه نصابًا بنقد غالب لا مغلوب.

وفي (الكفاية) وجه: أنه لا زكاة؛ لأن الأصل البراءة.

قال: (فلو بلغ بهما .. قوم بالأنفع للفقراء) كاجتماع الحِقاق وبنات اللبون.

قال: (وقيل: يتخير المالك) كما يتخير معطي الجبران بين شاتين وعشرين درهمًا، وصححه في (الروضة) تبعًا للعراقيين.

ص: 218

فَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ .. قُوِّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ، وَالْبَاقِي بِالْغَالِبِ. وَتَجِبُ فِطْرَةُ عَبِيدِ التِّجَارَةِ مَعَ زَكَاتِهَا. وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ سَائِمَةً، فَإِنْ كَمُلَ نِصَابُ إِحْدَى الزَّكاتَيْنِ فَقَطْ .. وَجَبَتْ، أَو نِصَابُهُمَا .. فزَكَاةُ الْعَيْنِ فِي الْجَدِيدِ. فَعَلَى هَذَا: لَوْ سَبَقَ حَوْلُ التِّجَارَةِ بِأَنِ اشْتَرَى بِمَالِهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نِصَابَ سَائِمَةٍ

ــ

وكلام الرافعي يقتضي: أن الأكثرين عليه، ولم يصحح في (الصغير) شيئًا.

والثالث: يتعين الأغبط للمساكين.

والرابع: يعتبر بالنقد الغالب في أقرب البلاد إليه.

قال: (فإن ملك بنقد وعرض .. قوم ما قابل النقد به، والباقي بالغالب)؛ لأن كلا منهما لو انفرد كان حكمه كذلك.

قال: (وتجب فطرة عبيد التجارة مع زكاتها)؛ لأنهما واجبان بسببين مختلفين كالقيمة والكفارة في العبد المقتول.

وقال أبو حنيفة: لا يجمع بينهما كما لا يجمع بين الخراج والزكاة.

قال: (ولو كان العرض سائمة) المقصود: كونه مما تجب الزكاة في عينه، سواء السائمة والزرع والثمرة.

قال: (فإن كمل) وهو بتثليث الميم (نصاب إحدى الزكاتين فقط .. وجبت) أي: زكاة ما يكمل نصابه؛ لانفراد سببها، وذلك كتسعة وثلاثين من الغنم قيمتها نصاب، وأربعين قيمتها دونه.

قال: (أو نصابهما .. فزكاة العين في الجديد)؛ للإجماع عليها بخلاف زكاة التجارة.

والقديم: تقديم زكاة التجارة؛ لأنها أنفع للمساكين بسبب أنها تقوم مع لبنها وصوفها، ويزيد المخرج بكل حيوان يزيد على النصاب.

ولا خلاف أنه لا يجمع بين الزكاتين.

قال: (فعلى هذا) يعني: الجديد، وهو تغليب زكاة العين:(لو سبق حول التجارة بأن اشترى بمالها بعد ستة أشهر نصاب سائمة) أي: ولم يقصد القِنية.

ص: 219

فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، ثُمَّ يَفْتَتِحُ حَوْلاً لِزَكَاةِ الْعَيْنِ أَبَدًا، وَإِنْ قُلْنَا: عَامِلُ الْقِرَاضِ لَا يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ .. فَعَلَى الْمَالِكِ زَكَاةُ الْجَمِيعِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ .. حُسِبَتْ مِنَ الرِّبْحِ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ .. لَزِمَ الْمَالِكَ زَكَاةُ رَأْسِ الْمَالِ، وَحِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ زَكَاةُ حِصَّتِهِ

ــ

قال: (.. فالأصح: وجوب زكاة التجارة لتمام حولها)؛ لئلا يحبط بعض حول التجارة، ولأن الموجب قد وجد ولا معارض له.

قال: (ثم يفتتح حولاً لزكاة العين أبدًا)؛ لأن التفريع على تقديم زكاة العين، وإنما تركناه في الحول الأول؛ لعارض.

والثاني: إنما نعطل ما سبق من حول التجارة ونوجب زكاة العين عند تمام حولها؛ لما سبق: من أنها أقوى.

والثالث: أن حول السائمة يبنى على حول التجارة كعكسه.

قال: (وإن قلنا: عامل القِراض لا يملك الربح بالظهور) أي: وهو الأظهر (.. فعلى المالك زكاة الجميع)؛ لأن الجميع ملكه.

قال: (فإن أخرجها من مال القراض .. حسبت من الربح في الأصح) كالمؤن وأرش الجناية والفطرة.

والثاني: أنها من رأس المال خاصة.

والثالث: زكاة الربح من الربح، وزكاة الأصل من الأصل؛ لأنها وجبت فيهما، فإذا ربحت المئتان مئة .. فالثلثان من رأس المال والثلث من الربح.

قال: (وإن قلنا: يملك بالظهور .. لزم المالك زكاة رأس المال، وحصته من الربح)؛ لاستقرار ملكه على ذلك.

قال: (والمذهب: أنه يلزم العامل زكاة حصته)؛ لأنه يمكنه أن يتوصل إليها متى شاء بطلب المقاسمة.

وقيل: لا يجب قطعًا؛ لأن الربح وقاية لرأس المال.

ص: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقيل: على القولين في المغضوب ونظائره؛ لأنه لا يتمكن من التصرف على حسب مشيئته، وحيث أوجبنا .. فقيل: حول حصته حول رأس المال.

والأصح: لا؛ لأن ملك الإنسان لا يضم إلى ملك غيره في الحول، وعلى هذا: الأصح: أن ابتداءه من حين الظهور.

وقيل: من يوم التقويم على المالك، وقيل: من يوم القسمة.

وإذا أوجبنا الزكاة على العامل .. لا يلزمه إخراجها قبل القسمة، وإذا أراد إخراجها من مال القراض .. فالأصح: أنه يستبد به.

وقيل: للمالك منعه.

تتمة:

قال المتولي: لو اشترى صِبغًا يصبغ به ثياب الناس أو شيئًا ليدبغ به الجلود وبقي عنده حولاً .. لزمته زكاة التجارة؛ لأن عينه تبقى بعد الاستعمال، بخلاف ما لو اشترى به صابونًا يغسل به ثياب الناس أو ملحًا ليعجن به وبقي عنده حولاً .. فإنه لا تلزمه زكاة.

وفي (فتاوى القاضي حسين): لو اشترى سمسمًا بمئتي درهم للتجارة فعصره وباع الدهن، أو اشترى حنطة فجعلها خبزًا وباعه، فهل ينقطع الحول؟ يحتمل وجهين، أظهرهما: أنه لا ينقطع.

* * *

خاتمة

بيع مال التجارة بعد تمام الحول ووجوب الزكاة .. الأصح: جوازه؛ لأن متعلق الزكاة: المالية، وهي لا تفوت بالبيع سواء قصد التجارة أم القِنية.

ولو أعتق عبد التجارة أو وهبه .. فكبيع الماشية بعد وجوب الزكاة؛ لأن الإعتاق والهبة يبطلان بتعلق زكاة التجارة.

ولو باع مال التجارة بمحاباة .. فقدر المحاباة كالموهوب.

* * *

ص: 221

بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ

ــ

باب زكاة الفطر

سميت بذلك؛ لأن وجوبها بدخول الفطر، ويقال لها: صدقة الفطر؛ كأنها من الفطرة التي هي الخلقة، قال الله تعالى:{فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} .

ويقال للمخرَج: فِطرة - بكسر الفاء - لا غير، ووقع في (الكفاية) تبعًا لابن أبي الدم ضمها، وهي لفظة مولدة لا عربية ولا معربة، بل اصطلاحية للفقهاء.

والأصل في وجوبها قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} ، قال ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: هي زكاة الفطر، وكل آية في القرآن قدم فيها لفظ الصلاة على الزكاة إلا هذه؛ لأن المقصود صلاة العيد وزكاة الفطر، فقصد التمييز بينهما، وبين الصلاة والزكاة المفروضتين.

ورد بأن السور مكية، وفرضها كان في السنة الثانية من الهجرة عام فرض صوم رمضان.

وفي (الصحيحين) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين).

وقوله: (على كل حر أو عبد) قال القاضي أبو الطيب وغيره: معناه: (عن)؛ لأن العبد لا يطالب بالإخراج، ولئلا يؤدي إلى التكرار؛ لتقدم قوله:(على الناس)، و (على) تستعمل مكان (عن) قال الشاعر (من الوافر):

إذا رضيت علي بنو قشير .... لعمر الله أعجبني رضاها

ونقل ابن المنذر والبيهقي الإجماع على وجوبها، وبذلك يرد ما قاله ابن اللبان الفرضي من أصحابنا: إنها سنة تبعًا لمن لا يعتد بخلافه.

وقال أبو حنيفة: إنها واجبة لا فرض.

ص: 222

تَجِبُ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ فِي الأَظْهَرِ، فَتُخْرَجُ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَنْ وُلِدَ.

ــ

وقال وكيع بن الجراح المجمع على جلالته ووفور علمه: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة تجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة.

وأسند الحافظ أبو الفرج عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن شهر رمضان معلق بين السماء والأرض، لا يرفع إلا بزكاة الفطر).

قال شيخه الحافظ أبو الفضل بن ناصر: هذا حديث حسن عال غريب من معتمر بن سليمان.

قال: (تجب بأول ليلة العيد في الأظهر)؛ لأنها طهرة للصائم عن اللغو والرفث فكانت عند تمام صومه.

والثاني - وهو قديم -: أنها تجب بطلوع الفجر يوم العيد، وعلله الرافعي بأنها قربة معلقة بالعيد فلا يتقدم وقتها على العيد كالأضحية، وهو بالغسل مردود فإن؛ وقت العيد من طلوع الشمس، وأما حديث:(أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم) .. فضعيف، وعلى تقدير ثبوته فيكون قوله:(في هذا اليوم) متعلقًا بالطلب لا بإغنائهم.

وحكى ابن القاص قولاً ثالثًا: إنها تجب بمجموع الأمرين؛ لتعلقها بالفطر والعيد جميعًا وأنكره الأصحاب.

وعلى الأظهر: لا بد من إدراك جزء من رمضان مع الجزء المذكور.

قال: (فتخرج عمن مات بعد الغروب دون من ولد) هذا تفريع على الأظهر، وكذلك الحكم فيمن تجدد من زوجة أو عبد، وكذا لو زال ملكه عن العبد والزوجة، أو استغنى القريب.

وعلم منه: أنها لا تخرج على القول الثاني؛ لعدم السبب، ولا على الثالث؛ لعدم أحد الجزأين، لكنه لو قال:(دون من وجد) .. كان أعم.

ص: 223

وَيُسَنُّ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ صَلَاتِهِ،

ــ

وعلم من أيضًا: أن فطرة الجنين لا تجب لا في ماله ولا على أبي ولو خرج بعضه قبل الغروب وبعضه بعده.

وأغرب ابن المسيب والحسن في قولهما: لا تجب الفطرة إلا على من صلى وصام.

وقال علي: (على من أطاق الصوم).

وقال ربيعة: لا تجب على أهل البادية.

فروع:

لو زال الملك بعد الغروب وعاد قبل الفجر .. وجبت في الجديد والقديم، وكذا على الثالث في الأصح.

ولو مات المؤدى عنه بعد الوجوب وقبل التمكن من الأداء .. فقيل: تسقط كزكاة المال، والصحيح: لا ككفارة الظهار إذا ماتت المرأة.

ولو مات وترك رقيقًا ثم هلّ شوال، فإن لم يكن عليه دين .. أخرج ورثته الفطرة كل بقدر حصته، وإن كان عليه دين يستغرق التركة .. فالأصح: يلزمهم؛ لأن الدين لا يمنع انتقال التركة في الأظهر.

وإن مات السيد بعد الاستهلال .. ففطرتهم واجبة عليه مقدمة على الوصايا والميراث، وكذا تقدم على حق الغرماء على المذهب. ولو باعه قبل الغروب بعد أن زكى? عنه .. لزمت المشتري أيضًا.

قال: (ويسن أن لا تؤخر عن صلاته) أي: صلاة العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، رواه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

قال الشيخ: ولو قيل بالوجوب .. لم يبعد؛ لظاهر الأمر، لكن في (سنن أبي

ص: 224

وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِهِ. وَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ إِلَاّ فِي عَبْدِهِ

ــ

داوود) [1605]- بإسناد حسن - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة .. فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة .. فهي صدقة من الصدقات).

قال: (ويحرم تأخيرها عن يومه)؛ لفوات المعنى المقصود وهو: إغناؤهم عن السؤال في يوم السرور، فإن أخرها .. لزمه القضاء.

وسموا إخراجها بعد يوم العيد: قضاء، ولم يقولوا في الزكاة إذا أخرجها بعد التمكن ذلك، بل قالوا: يأثم ويلزمه إخراجها، وظاهره: أنها تكون أداء، والفرق: أن الفطرة مؤقتة بوقت محدود، ففعلها خارج الوقت يكون قضاء كالصلاة؛ لأنها فعلت بعد وقتها بخلاف زكاة المال.

قال: (ولا فطرة على كافر) أجمعوا على ذلك في الكافر الأصلى، وإليه أشار في الحديث بقوله:(من المسلمين).

وقول الترمذي وغيره: إن هذه الزيادة انفرد بها مالك رضي الله عنه دون أصحاب نافع .. ليس كما قالوه؛ فقد وافقه ثقتان: الضحاك بن عثمان وعمر بن نافع، فالأول عند (مسلم)[984/ 16] والثاني عند (البخاري)[1503].

والمراد: أنه لا يطالب بها في الدنيا، أما عقوبته عليها في الآخرة .. فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع.

وأما المرتد .. فعلى الأقوال في ملكه وزكاة ماله، وطرد الماوردي الأقوال في فطرة الرقيق المرتد.

قال: (إلا في عبده) أي: الذي ملكه بإرث ونحوه، وكأن التعبير بـ (الرقيق) أشمل.

ص: 225

وَقَرِيِبهِ اٌلْمُسْلِمِ فِي اٌلأَصحِّ، وَلَا رَقِيقٍ، وَفِي اٌلْمُكَاتَبِ وَجْهٌ،

ــ

قال: (وقريبه المسلم في الأصح)، فتجب عليه فطرتهما - كالنفقة عليهما - بناء على أن: من وجبت فطرته على غيره. وجبت على المؤدى عنه.

والثاني: لا بناء على أنها على المؤدى ابتداء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا زكاة الفطر.

وإفراد المصنف لفظ: (المسلم) غير جيد، وكان الأولى التعبير بـ (المسلِمَين) بالتثنية كما في (المحرر)، أو يعطف القريب بـ (أو) ليصح إفراد الضمير.

وأورد على حصره زوجته التي أسلمت وغربت الشمس وهو متخلف .. فإن نفقتها واجبة على الأصح سواء أسلم أو تخلف، وكذلك فطرتها. فلو قال:(إلا في قريبه ورقيقه وزوجته المسلمين) خلص من جميع ذلك.

تنبيه:

قال الإمام: النية لا تصح من الكافر ولم يصر أحد إلى تكليف المؤدى عنه النية، فلا خروج لهذا إلا على استقلال الزكاة بمعنى المواساة، كما تخرج الزكاة من مال المرتد. اهـ

وينقدح أنه لو كان المؤدى عنه غير أهل للنية لصغر أو جنون .. أن ينوى الإمام عنه كما ينوى عن الكافر.

قال: (ولا رقيق) لا عن نفسه ولا عن غيره، قتًا كان أو مدبًّرا أو أم ولد؛ لعدم ملكه أو لضعفه.

وأوجبها داوود عليه، وأوجب على سيده تمكينه من كسبها؛ لظاهر الخبر.

قال: (وفي المكاتَب وجه) أنه تجب عليه فطرة نفسه وزوجته ورقيقة كما تلزمه نفقتهم، وقيل تجب على سيده.

هذا في ذي الكتابة الصحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة .. فجزم الرافعي في بابها

ص: 226

ومَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ تَلْزَمُهُ بِقِسْطِهِ، وَلا َمُعْسِرٍ. فَمَنْ لَمْ يَفضُلْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ لَيْلَةَ اٌلْعِيدِ وَيَوْمَهُ شَيءٌ .. فَمُعْسِرٌ. وَيُشْتَرَطُ: كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الأَصَحِّ

ــ

بوجوبها على سيده، ولا تجب عليه نفقته.

قال: (ومن بعضه حر تلزمه بقسطه)؛ لأن الفطرة تتبع النفقة وهى مشتركة.

وقال أبو حنيفة: لا تجب، وخالفه صاحباه فقالا: تجب على المبعض عن نفسه.

هذا إذا لم تكن مهيأة، فإن كانت .. فالأصح: أن جميع الفطرة يلزم من غربت الشمس في نوبته؛ لأن الفطرة من المؤن النادرة على الأصح، والنادر يدخل في المهيأة على الأصح.

قال: (ولا معسر) بالإجماع، فلو كان معسرا وقت الوجوب ثم أيسر يوم العيد .. استحب له الإخراج، ولا يجب خلافًا لمالك.

وسيأتي: أنه إذا أيسر المُتَحمَّل عنه قبل أداء المُتَحَمَّل .. وجب عليه، والفرق: أن هنا لم يثبت الوجوب على أحد، وهناك يثبت عليهما.

قال: (فمن لم يفضل عن قوته وقوت مَنْ في نفقته ليلة العيد ويومه شيء .. فمعسر)؛ لأن القوت لا بد منه.

وهذا حد المعسر في هذا الباب، وإنما اعتبرت ليلة العيد .. بناء على أنها تجب بالغروب، فإن أوجبناه بالفجر أو بالوقتين .. فلا.

ولا فرق في الذي تلزمه نفقته بين الآدمي والبهائم، فلو عبر المصنف بـ (الذي) عوضًا عن (من) .. لكان أشمل، والاعتبار في اليسار والإعسار بحالة الوجوب وهى: أول ليلة العيد على المذهب.

وقوله: (يفضل) يجوز فيه ضم الضاد وفتحها.

قال: (ويشترط: كونه فاضلا عن مسكن وخادم يحتاج إليه في الأصح) كما في الكفارة.

ص: 227

ومَنْ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ .. لَزِمَهُ فِطْرةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ،

ــ

والثاني: لا؛ لأن الكفارة لها بدل، بخلاف الفطرة فهي كالدين.

والمراد بـ (الحاجة إلى العبد): الحاجة إلى خدمته، وخدمة من يلزمه إخدامة من قريب وزوجة، وخرج بذلك ما إذا كان يحتاج إليه لعمله في أرضه أو ماشيته؛ فإن الفطرة تجب كما صرح به في) شرح المذهب).

ويشترط أيضا: كونه فاضلًا عن دست ثواب يليق به ويهم على الأصح.

تنبيهان:

أحدهما: تبقية المسكن والخادم محلهما في ابتداء ثبوتها، أما في الدوام .. فلا؛ فإذا استقرت الفطرة في الذمة .. صارت دينا فيباعان فيه.

الثاني: عبارة الكتاب و (المحرر) ولا في (الروضة) تصريح بترجيح، والأصح في) الشرح الصغير): عدم اشتراطه.

ورجح في (الحاوي الصغير) اعتبار كونه فاضلا عنه، وكذلك المصنف في (نكت التنبيه) ونقله عن الأصحاب.

قال: (ومن لزمه فطرته .. لزمه فطرة من تلزمه نفقته) بقرابة أو بملك أو زوجية إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدى عنهم.

أما العبد .. فلقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر في الرقيق) رواه مسلم [982/ 10.9 بنحوه].

وأما الباقي .. فبالقياس عليه، وليس للزوجة مطالبة الزوج بإخراج فطرتها عنها؛ لأنها واجبة عليه دونها.

لكن يستثنى من ذلك صورة فيها نظر وهى: عبد المالك في المساقاة والقراض إذا شرط عمله مع العامل ونفقته عليه .. فإن ذلك جائز على الأصح ولا تلزمهما فطرته، بل تلزم السيد.

والجواب: أن المراد اللزومُ بأصل الشرع.

ص: 228

لَكِنْ لَا يَلْزَمُ اٌلْمُسْلِمَ فِطْرَةُ اٌلْعَبْدِ وَاٌلْقَرِيبِ وَاٌلزَّوْجَةِ اٌلْكُفَّارِ، وَلَا اٌلْعَبْدَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ، وَلَا الاِبْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَفِي اٌلاِبْنِ وَجْهٌ

ــ

وقال أبو حنيفة وابن المنذر: لا تلزم الزوج فطرة زوجته، بل تخرجها عن نفسها.

أما الناشر .. فلا فطرة لها على الزوج كالنفقة.

قال: (لكن لا يلزم المسلم فطرة العبد والقريب والزوجة الكفار)؛ لقوله: (من المسلمين) 1، ولأنها طهرة والكافر ليس من أهلها.

وفي (الكفاية) وجه: أنها تلزم بناء على أن الوجوب يُلاقى المُخِرج ابتداء.

قال: (ولا العبد فطرة زوجته)؛ لأنه ليس أهلا لزكاة نفسه فكيف يتحمل عن غيره؟

واحترز بـ (العبد) عن المبعض؛ فإنه يجب عليه المقدار الذي يجب عليه نفسه كما تقدم.

قال: (ولا الابن فطرة زوجه أبيه) وإن أوجبنا نفقتها؛ لأن الفطرة غير لازمة على الأب بسبب الإعسار فلا يتحملها الابن عنه بخلاف النفقة؛ فإنها لازمة مع الإعسار فيتحملها.

قال: (وفي الابن وجه) أنه تلزمه فطرتها كنفقتها، وصححه الغزالي وطائفة واختاره الشيخ وهو ظاهر إطلاق (التنبيه) حيث لم يستثنه، ويجرى الوجهان في مستولَدته.

ويستثنى أيضا: المكاتب إذا ملك عبدا أو تزوج: فإنه تجب عليه النفقة دون الفطرة.

والعبدُ الموصى برقبته لواحد ويمنفعتة لآخر: سيأتي في (الوصية): أن فطرته

ص: 229

وَلَوْ أَعْسَرَ اٌلزَّوْجُ أَوْ كَانَ عَبْدا .. فَاٌلأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ زَوٌجَتَهُ اُلْحُرةَ فِطْرَتُهَا، وَكَذَا سَيِّدُ اٌلأَمَةِ. قُلْتُ: اٌلأَصَحُّ اٌلْمَنصُوصُ: لَا تَلْزَمُ اٌلْحُرَّةَ، وَاٌللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ اٌنْقَطَعَ خَبَرُ اٌلْعَبْد .. فَاٌلمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِخْرَاجِ فِطْرَتِهِ فِي اٌلْحَالِ،

ــ

على مالك الرقبة على كل قول كذا ذكره في (الشرح الصغير)، وخالف في (الروضة) فجعلها كالنفقة وهو المذكور في (باب الوصية) في (الرافعي).

وأما عبد بيت المال، والعبد الموقوف على جهة عامة كالمسجد والمدرسة والرباط، والموقوف على إنسان معين .. فلا تجب فطرتهم.

والولد الصغير الواجد لنفقته يوم العيد لا تجب على الأب فطرته على الصحيح، وسيأتي في كلام المصنف: أنه لو أخرجها عنه .. جاز.

قال: (ولو أعسر الزوج) أي: وقت الوجوب (أو كان عبدا .. فالأظهر: أنه يلزم زوجتَه الحرة فطرتُها) أي: إذا كانت موسرة (وكذا سيد الأمة) في الأصح؛ بناء على أن الوجوب يلاقي المُؤدَّى عنه أولًا.

قال: (قلت: الأصح المنصوص: لا تلزم الحرة والله أعلم)؛ بناء على أنها تجب على المؤدى ابتداء.

وما أشار إليه من إجراء القولين هو أصح الطريقين عند الجمهور.

والطريق الثاني: تقرير النصين، وذلك أن الشافعي رضي الله عنه نص على الوجوب في سيد الأمة دون الحرة، والفرق: أن الحرة بعقد النكاح مسلمة إلى الزوج، والأمة بالتزويج غير مسلمة بل في قبضة السيد يستخدمها ويسافر بها، وحينئذ لم تكن الفطرة متحولة عنه، وإنما الزوج كالضامن لها فإذا لم يقدر على الأداء .. بقى الوجوب على السيد كما كان.

وإذا أوجبناها على الحرةِ فأخرجتها ثم أيسر الزوج .. لم نرجع عليه على الأصح.

قال: (ولو انقطع خبر العبد .. فالمذهب: وجوب إخراج فطرته في الحال)؛ لأنها تابعة للملك وهو باق عليه بالاتفاق.

واحترز المصنف عن غائب لم ينقطع خبره، والمشهور فيه: القطع بوجوبها.

ص: 230

وَقِيلَ: إِذَا عَادَ، وَفِي قَوْل: لَا شَيءَ. وَاٌلأَصَحُ: أن مَنْ أَيْسَرَ بِبَعْضِ صَاعِ .. يَلْزَمُهُ، وَأَنَهُ لَوْ وَجَدَ

بَعْضَ الصَيعَانِ .. قَدَمَ نَفْسَهُ، ثُمَ زَوْجَتهُ، ثُمَ وَلَدَهُ اٌلصًغِيرَ،

ــ

وإنما عبر (المذهب)؛ لأن الشافعي رضي الله عنه نص علي وجوب الفطرة، وعلي أنه لا يجزئ إعتاقه

عن الكفارة فقيل بتقرير النصين؛ عملًا بالاحتياط في الأمرين، وصححهما في (الشرح الصغير)، وقيل:

قولان بالنقل والتخريج، وجزم بها في (المحرر).

كل هذا إذا غلب علي الظن أنه يعيش في تلك المدة، فإن غلب علي الظن موته .. لم تجب فطرته، ولا يجوز

عتقه عن الكفارة قطعًا.

قال: (وفي قول: لا شيء)؛ لأن الأصل براءة الذمة. وهذا مخرج من عدم أجزائه في الكفارة.

قال: (والأصح: أن من أيسر ببعض صاع .. يلزمه)؛ محافظة علي الواجب بقدر الإمكان،

وفي (الصحيحين)[خ7288 - 1337] إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

والثاني: لا كبعض الرقبة في الكفارة.

والفرق علي الصحيح: أن الكفارة لها بدل بخلاف الفطرة.

قال: (وأنه لو وجد بعض الصيعان .. قدم نفسه)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها،

فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء من أهلك .. فلذي قرابتك) رواه مسلم [997].

والثاني: يقدم زوجته وإن كانت رجيعة.

والثالث: يخرجه عمن شاء؛ لاشتراك الجميع في الوجوب.

قال: (ثم زوجته)؛ لأن نفقتها آكد فإنها معاوضة لا تسقط بمضي الزمان.

قال: (ثم ولده الصغير)؛ لأنه أعجز مما بعده، ونفقته وجبت بالنص والإجماع.

ص: 231

ثُمَ اٌلأَبَ، ثُمَ اُلأُمَ، ثُم اُلْكَبِيرَ

ــ

قال (ثم الأب)؛ لشرفه (ثم الأم)؛ لقوة حرمتها. يستوي في ذلك الأب والجد والأم والجدة، وهذا عكس النفقة؛

فإن المصحح فيها تقديم الأم، والفرق: أن النفقة لسد الخلة والأم أحوج وأقل حيلة، والفطرة للتطهير والشرف

والأب أولي بذلك.

ومن الأصحاب من صحح تقديم الأب في الموضعين، لكنه مخالف للحديث في البداية للأم.

قال: (ثم الكبير) فيقدم على الأرقاء؛ لأن الحر أشرف، وعلاقته لازمة بخلاف الملك فإنه عارض ويقبل الزوال.

والذي ذكره في (الكبير) محله: إذا كان لا كسب له وهو زمن أو مجنون، فإن لم يكن كذلك .. فالأصح: عدم

وجوب نفقته كما سيأتي في زيادة المصنف في (كتاب النفقات).

وإذا اجتمع على الصاع اثنان في درجة واحدة .. قسمة بينهما، وقيل: يتخير.

قال الرافعي: وحيث قلنا بالتخيير .. بالأصح: لا يجوز التوزيع.

قال الرافعي: ولم يتعرضوا للإقلاع وله مجال في نظائره، قال فى (المهمات):

قد جزم به منصور التميمي في (كتاب المسافر).

ووراء ما ذكره المصنف تسعة أوجه:

أحداهما: يقدم الأم علي الأب.

والثاني: يستويان.

والثالث: يقدم الابن الكبير علي الأبوين.

والرابع: يقدم الأب علي الابن الصغير.

والخامس: يقدم الزوجة علي نفسه. والسادس: يقدم الأقارب علي الزوجة.

ص: 232

وَهِيَ: صَاعُ، وَهُوَ: سِتُ مِئَةِ دِرْهَمِ وَثَلَاثَةُ وَتِسْعُونَ وَثُلُثٌ. قُلْتُ: اٌلأَصَحُ: سِتُ مِئَةِ وَخَمْسَةٌ

وَثمَانُونَ [درهمًا] وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمِ كَمَا سَبَقَ فِي زَكَاةِ اٌلنَبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ .....

ــ

والسابع: يبدأ بنفسه ثم يتخير في الباقي.

والثامن: يتخير بين نفسه وغيره.

والتاسع: يخرجه عن واحد لا بعينه.

قال: (وهي: صاع)؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم في أول الباب. وكان الصاع معروفًا في زمن النبي صلي الله عليه وسلم يسع أربعة أمدادـ والمُد: رطل وثلث ـ فلما حج هارون الرشيد ومعه أبو يوسف .. حصل بينه وبين مالك مناظرة في تقديره؛ لأن أبا حنيفة يقول: إنه ثمانية أرطال بالعراقي، فأحضر أهل المدينة صيعانهم كل منهم يقول: هذا صاعي عن أبي عن جدي إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، وعايره هارون الرشيد فكانت خمسة أرطال وثلث فرجع أبو يوسف إلي ذلك. والذي في (الروضة) و (شرح المهذب) عن الدرامي: أنه تقريب، ومال إليه ابن الصلاح وخالف قي (شرح المهذب) هنا فقال: إنه تحديد.

قال: (وهو: ست مئة درهم وثلاثة وتسعون وثلث)؛ بناء على أن رطل بغداد مئة وثلاثون.

قال: (قلت: الأصح: ست مئة وخمسة وثمانون [درهمًا] وخمسة أسباع درهم كما سبق في زكاة النبات والله أعلم). هذا تفريغ على ما صححه وهو: أن رطل بغداد تسعون مثقالًا.

والأصل فيه الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن؛ استظهارًا.

قال ابن الرفعة: كان قاضي القضاة سيد المتورعين عماد الدين السكري رحمه الله يقول حين يخطب بمصر خطبة عيد الفطر: والصاعق حان بكيل بلدكم هذه، سالم

ص: 233

وَجِنْسُهُ: اٌلْقوتُ اٌلْمُعَشَرُ، وَكَذَا اٌلَأقِطُ فِي اُلأظْهَرِ. وَتَجِبُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ،

ــ

من الطين والعيب والغلث، ولا يجزئ في بلدكم هذه إلا القمح.

قال القفال: والحكمة في إيجاب الصاع: أن الفقير يشتغل عن الكسب يوم العيد وثلاثة أيام بعده؛ إذ لا يجد فيها من يستعمله، والصاع كفاية الرجل أربعة أيام؛ لأن الذي يتحصل من الصاع عند جعله خبزًا ثمانية أرطال، وهي كفاية الفقير أربعة أيام.

قال: (وجنسه: القوت المعشَر) أي: جنس المخرج: القوت الذي يجب فيه العشر أو نصفه كما سبق، فلا يخرج من التين والسمك ولحم الصيد وإن اقتات بذلك بعض أهل النواحي؛ لأن النص ورد في بعض المعشرات وقيس عليها بقيتها بجامع الاقتيات، وثبت السلت في حديث صححه الحاكم.

وفي القديم: لايجزئ الدس والحِمَص؛ لأنهما إدمان.

وقيل: لا يجزئ الأرز في الكفارة، وهو جائز هنا.

قال: (وكذا الأقِط في الأظهر)؛ لأن ذلك ثبت في (الصحيحين)[خ1506ـ م985] في حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

والقول الثاني: لا يجزئ؛ لأنه لا عيش فيه فأشبه التين والخَرُوب.

وشد الماوردي والروياني فجعلا محل القولين في أهل البادية الذين يقتاتونه دون أهل الحاضرة كذا في (شرح المهذب)، وليس بشاذ؛ فقد أشار إليه ابن كج والشيخ أبو محمد في (مختصره) والغزالي في (الخلاصة)

وشرط إجزائه: أن لا يكون الملح قد أفسد جوهره؛ لأنه معيب. وإذا أجزأ الأقط .. أجزأ اللبن والجبن لمقتاته علي الأصح. ولا يجزئ المخيض.

والمصل والسمن والكشك ومنزوع الزُبْد اتفاقًا.

(والأقط) بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز تسكينها مع تثليث الهمزة حكاه ابن سيده وغيره.

قال: (وتجب من قوت بلده) كالكفارة، ولأن النفوس متشوقة إليه. فإن كان في البلد أقوات وغلب بعضها

فمن الغالب.

ص: 234

وَقِيلَ: قُوتِهِ، وَقيِلَ: يَتَخَيَرُ بَيْنَ اٌلَأقْوَاتِ، وَيُجَزِئُ الَأعْلَى عَنِ اٌلَأَدْنى، وَلَا عَكْسَ، وَاٌلاعْتِبَارُ بِاٌلْقِمَةِ

فِي وَجْهٍ، وَبِزِيَادَةِ اٌلِاقْتِيَاتِ فِي اٌلَأصَحَ، فَاٌلْبُرُ خَيْرُ مِنَ اٌلتَمْرِ وَاٌلَأرُزَ،

ــ

والصواب: أن المراد قوت السنة لا قوت وقت الوجوب قاله في (شرح المهذب)، وفي (الوسيط): المعتبر حال وجوب الفطرة، وفي (الوجيز): يوم الفطر.

قال: (وقيل: قوته) كما يعتبر ماله في الزكاة، وهو قول الإصطخري وابن خيران، فإن اقتات نوعين

فمن أغلبهما، فإن استويا

تخير. فلو كان يليق به الشعير فأكل القمح تنعمًا أو العكس .. وجب ما يليق به.

قال: (وقيل: يتخير بين الأقوات)؛ لظاهر حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

وأجاب الأول بأن (أو) فيه للتنويع.

قال: (ويجزئ الأعلى عن الأدنى)؛ لأنه زاد خيرًا فكان كما لو دفع بنت لبون عن بنت مخاض.

وقيل: لا يجزئ كالحنطة عن الشعير والذهب عن الفضة، حكاه في (الكفاية).

والفرق على الأول: أن زكاة المال متعلقة بعينه فأمر أن يواسي مما آتاه الله، وزكاة الفطر منظور فيها إلي القوت فإذا أخرج أعلاه .. كان محسنًا.

قال: (ولا عكس)؛ لأنه يضر المستحقين.

قال: (والاعتبار) أي: في الأعلى والأدنى (بالقيمة في وجه)؛ لأنه أرفق بالمساكين.

فعلى هذا: يختلف باختلاف الأوقات والبلاد.

قال: (وبزيادة الاقتيات في الأصح)؛ لأنه المقصود.

قال: (فالُبرُخير من التمر والأرز)؛ لأنه المقتات غالبًا.

وحكي الماوردي وجهًا: أن التمر خير من البر؛ لأنه أزيد ثمنًا.

ص: 235

وَاٌلَأَصَحُ: أَنَ اُلشَعِيرَ خَيْرُ مِنَ اٌلتَمْرِ، وَأنَ اٌلتمْرَ خَيْرٌ مِنَ اٌلزَبِيبِ. وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتِ

وَعَنْ قَرِيبِهِ أَعْلَى مِنْهُ. وَلَا يُبَعَضُ اٌلصَاعُ. وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَاتٌ لَا غَالِبَ فِيهَا .. تَخَيَرَ،

ــ

ولو قيل: أفضلها يختلف باختلاف البلاد .. كان متجهًا.

قال: (والأصح: أن الشعير خير من التمر)؛ لأنه أبلغ في الاقتيات.

قال: (وأن التمر خير من الزبيب)؛ لأنه أكثر اقتياتًا منه.

ويعرف من كلام المصنف: أن الشعير خير من الزبيب؛ لأنه خير من التمر الذي هو خير من الزبيب، قال في (شرح المهذب): وهو الصواب.

قال: (وله أن يخرج عن نفسه من قوت، وعن قريبه أعلى منه) كما لو كان عليه كفارتان فأطعم عشرة

وكسا عشرة؛ لأن المحذور إنما هو تبغيض الصاع الذي يخرج عن شخص.

وكان الأحسن أن يقول: (وعن غيره)؛ ليشمل الرقيق ومن يتبرع عنه بإذنه والزوجة.

قال: (ولا يبعض الصاع) أي: المخرج عن واحد؛ لأنه واجب واحد فلا يتبعض، كما لا يجوز أن

يكسو خمسة ويطعم خمسة في كفارة اليمين. هذا إذا كان من جنسين، فإن كان من نوعي جنس

فيجوز.

قال في (اللباب): ولا يجوز كون الصاع من جنسين إلا في ثلاث مسائل:

العبد المشترك، والمبعض، وإذا كان في بلد طعامهم جنسان ليس أحدهما أغلب من الآخر، لكن في الثالث

نظر.

قال: (ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها .. تخير)؛ لأنه ليس تعيين البعض للوجوب بأولي من بعض.

فإن قيل: لم يجب الأصلح كاجتماع الحِقاق وبنات اللبون؟

قلنا: لتعلقه بالعين.

فلو كان في بادية لا قوت لهم فيها يجز في الفطرة بأن كانوا يقتاتون الأشياء.

ص: 236

وَاٌلَأفْضَلُ أَشْرِفُهَا. وَلَوْ كَانَ عَبْدُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ

فَاٌلأَصَحُ: أَنَ اٌلِاعْتِبَارَ بِقُوتِ بَلَدِ اٌلْعَبْدِ. قُلْتُ: اٌلْوَاجِبُ اٌلْحَبُ اٌلسَلِيمُ،

ــ

النادرة

أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم، فإن استوي بلدان في القرب واختلف قوتهما

تخير.

قال: (والأفضل أشرفها) أي: في الاقتيات؛ لقوله تعالي: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} .

قال: (ولو كان عبده ببلد آخر

فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد)؛ نظرًا إلى أنها وجبت عليه ابتداء ثم تحملها السيد.

والثاني: الاعتبار ببلد السيد تفريعًا على أنها وجبت عليه ابتداء.

وسيأتي في العبد المشترك ما يخالفه.

قال: (قلت: الواجب الحب) فلا تجزئ القيمة خلافًا لأبي حنيفة والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وجوزها

أبو ثور عند الضرورة.

ولا يجزئ الدقيق ولا السويق.

وقال الأنماطي: يجزئ الدقيق؛ لرواية أبي داوود [1614] من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: (أو صاع من دقيق)

، لكن قال أبو داوود: إنها من وهم سفيان بن عيينة وإنهم أنكروها عليه فتركها.

وقال ابن عبدان: يجزئ السويق والخبز؛ لأنهما أرفق بالمساكين.

قال: (السليم) فلا يجزئ العتيق المتغير الطعم أو اللون، وكذا الرائحة كما في (شرح المهذب)، ولم يصرح به الأكثرون،

ولا المسوس والمدودـ وهما بكسر الواوـ لقوله تعالي: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} ،

ولأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبً.

وقال القاضي حسين: يجزئ المعيب والمسوس إذا لم يجد غيرهما وهو يقتات منهما. ويجزئ القديم وإن قلت قيمته.

ص: 237

وَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ فِطرَةَ وَلَدِهِ اٌلصَغِيرِ اٌلْغَنِيَ .. جَازَ كَأجْنَبِيَّ أَذِنَ، بِخِلَافِ اٌلْكَبِيرِ، وَلَوِ اٌشْتَرَكَ مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ فِي عَبْد ..

لَزِمَ اٌلْمُوسِرَ نِصْفُ صَاعِ، وَلَوْ أَيْسَرَا وَاٌخْتَلَفَ وَاجِبُهُمَا .. أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ وَاجِبِهِ فِي اٌلَأصَحَّ، وَاٌللهُ

أعْلَمُ .....

ــ

قال: (ولو أخرج من ماله فطرة الصغير الغني

جاز)؛ لأنه يستقل بتمليكه فيقدَّر كأنه ملَّكه ذلك ثم تولى الأداء عنه، ويستوي في ذلك الأب والجد، لكن يستثنى من ذلك أولاد البنات، وخرج بذلك الوصي والقيم فلا يجوز لهما الإخراج من ماله إلا بإذن القاضي؛ لأن اتحاد الإيجاب والقبولمختص بالأب والجد.

قال: (كأجنبي أذن) أي: كما لو قال لغيره: اقض ديني عني. فإن لم يجزئه قطعًا؛ لأنها عبادة فلا تسقط عن المكلف بغير إذنه.

قال: (بخلاف الكبير) فإنها لا تقع عنه إلا بإذنه؛ لأنه لا يستقل بتمليكه، ولذلك قيده في (شرح المهذب) ب (الرشيد) وهو ظاهر، والمجنون كالصغير صرح بهما البغوي.

وأما الزوجة .... فلها أن تؤدي فطرتها دون إذن الزوج بناء على أنها وجبت عليها ثم تحملها زوجها.

قال: (ولو أشترك موسر ومعسر في عبد) والصورة: أن المعسر محتاج إلي الخدمة بحيث لا نكلفه بيعه.

قال: (

لزم الموسر نصف صاع)؛ لأن ذلك يقابل ملكه. هذا إذا استوت الحصتان، وإلا فالمعتبر على قدر الملك.

وقال أبو ثور: يجب علي صاحب كل حصة صاع ولو كانوا مئة شريك إذا كانوا موسرين.

قال: (ولو أيسرا أختلف واجبهما .. أخرج كل واحد نصف صاع من واجبه في الأصح والله أعلم)؛ لأنهما إذا أخرجا هكذا .... أخرج كل واحد منهما جميع ما لزمه، كثلاثة محرمين قتلوا ظبيًا فأخرج أحدهم ثلث شاه، وأطعم الثاني بقيمة ثلث

ص: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

شاه وصام الثالث عدل ذلك .... فإنه يجزئهم.

والمراد ب ـ (اختلاف الواجب): اختلاف قوت بلادهم.

والثاني: يخرجان من أدني القوتين؛ دفعًا للضرر عن المزكين.

والثالث: يخرجان من أعلاهما؛ حذرًا من الإضرار بالمساكين.

والرابع: من قوت بلد العبد؛ لأنها طهرة له. وهذا هو الأصح؛ لأن الأصح أن المخرج يتحمل كما تقدم.

والذي صححه المصنف هنا صححه مثله في (الروضة) و (تصحيح التنبيه)، وهي في (شرح المهذب) على الصواب.

ومن نصفه ونصفه حر، والأب إذا كان في نفقة ولدين

حكمه حكم العبد المشترك.

فرع:

يجب أن تصرف زكاة الفطر إلى الأصناف الموجودين الذين ذكرهم الله تعالى.

وقيل: يجوز أن تصرف إلى ثلاثة من الفقراء أو المساكين، ولا يجوز لأقل من ذلك؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما:(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة المساكين) رواه أبو داوود [1605]، فخصم بالذكر فدل على الاكتفاء بهم، وتقرر أنها متى ذكرت المساكين .. جاز الصرف إلي الفقراء أيضا، ولأنها قليلة في الغالب لا تقع من الجميع موقعًا، وبهذا قال الإصطخري ونقل عنه مثل ذلك في (زكاة المال)، ووافقه الشيخ في (زكاة الفطر).

وقيل: يجوز صرفها لواحد، وهو مذهب الأئمة الثلاثة وابن المنذر.

تتمه:

سئل أبو الفارقي عن الصوفية المقيمين في الرباط: هل عليهم فطرة؟ فقال: إن كان الوقف على معين .. وجبت؛ لأنهم ملكوا الغلة قولًا واحدًا، وكذا إذا وقف

ص: 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

على المقيمين بالرباط إذا حدثت غلة ملكوها ومن حدث بعدهم لا يشاركهم. وإن كان وقفة على الصوفية مطلقًا، فمن دخل الرباط قبل غروب الشمس على عزم المقام. لزمته الفطرة في المعلوم الحاصل للرباط. هذا كله إذا وقف عليهم مطلقًا، فإن شرط لكل واحد قوته كل يوم

فلا زكاة عليهم.

قال: وهكذا حكم المتفقهة في المدارس؛ فإن جِرَايَتَهُم مقدرةٌ بالشهر، فإذا أهل شوال وللوقف غلة

لزمهم الفطرة وإن لم يكونوا قبضوا؛ لأنه ثبت ملكهم على قدر المشاهر من جملة الغلة.

قال: ويجوز للفقهاء الإقامة في الرباط ولتناول معلومة، ولا يجوز للمتصوف القعود في المدارس وأخذ جرايتها؛ لأن المعنى الذي يطلق به اسم المتصوف موجود في المتفقة ولا عكس.

خاتمة

دفع فطرته إلى فقير ممن تلزمه الفطرة، فدفعها الفقير إليه عن فطرته .... جاز للدافع الأول أخذهما خلافًا لمالك.

قال الإمام: وجوب الفطرة لا ينافي أخذ الصدقة؛ لأن أخذها لا يقتضي غاية الفقر والمسكنة، وقد تجب زكاة المال على من تحل له الصدقة؛ فإنها تحل من غير الفقر والمسكنة، وقد تجب زكاة المال على من تحل له الصدقة؛ فإنها تحل من غير الفقر والمسكنة.

ص: 240