المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان - النهر الفائق شرح كنز الدقائق - جـ ٢

[سراج الدين ابن نجيم]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الصوم

- ‌باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده

- ‌ فرع

- ‌فصل في العوارض

- ‌ فروع

- ‌ فصل في النذر

- ‌كتاب الحج

- ‌باب الإحرام

- ‌فصل

- ‌فرع

- ‌باب القران

- ‌باب التمتع

- ‌باب الجنايات

- ‌فصل

- ‌ فصل في جزاء الصيد

- ‌باب مجاوزة الميقات بغير إحرام

- ‌باب إضافة الإحرام إلى الإحرام

- ‌باب الإحصار

- ‌باب الفوات

- ‌باب الحج عن الغير

- ‌باب الهدي

- ‌مسائل منثورة

- ‌كتاب النكاح

- ‌فصل في المحرمات

- ‌باب الأولياء والأكفاء

- ‌فصل في الكفاءة

- ‌فرع

- ‌فصل في الوكالة

- ‌باب المهر

- ‌باب نكاح الرقيق

- ‌باب نكاح الكافر

- ‌باب القسم

- ‌كتاب الرضاع

- ‌كتاب الطلاق

- ‌فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان

- ‌فصل في الطلاق قبل الدخول

- ‌باب تفويض الطلاق

- ‌فصل في الأمر باليد

- ‌فصل في المشيئة

- ‌باب التعليق

- ‌باب طلاق المريض

- ‌باب الرجعة

- ‌فصل فيما تحل به المطلقة

- ‌باب الإيلاء

- ‌باب الخلع

- ‌فرع

- ‌باب الظهار

- ‌فصل في الكفارة

- ‌باب اللعان

- ‌فرع

- ‌باب العنين وغيره

- ‌باب العدة

- ‌فرع

- ‌فصل في الإحداد

- ‌باب ثبوت النسب

- ‌باب الحضانة

- ‌باب النفقة

الفصل: ‌فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان

‌فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان

أنت طالق غدا، أو في غد تطلق عند الصبح، ونية العصر تصح في الثاني، وفي اليوم غدا، أو غدا اليوم يعتبر الأول

ــ

فصل

يعني في إضافة الطلاق إلى الزمان وهو تأخير حكمه عن وقت التكلم إلى الزمان يذكر بعده بغير كلمة شرط كذا في (العناية) لكنه غير شامل لإضافته إلى الزمن الماضي نحو أنت طالق أمس وقد نكحها قبل أمس، مما يذكر في هذا الفصل (أنت طالق غدا أو في غد تطليق عند) طلوع (الصبح) ولم يقل الفجر لأن كما مر فجران وذلك لأنه وصفها بالطالقية في الغد فيقع في أول جزء منه ضرورة، وكذا لو قال: تطليقة تقع عليك غدا بخلاف ما لو قال لا تقع عليك إلا غدا حيث تقع للحال / لأنه وصفها بما لا تتصف إذ ليس من الطلاق ما لا يقع إلا في غد فلغا ذكر الوصف فبقي مرسلا كما لو قال: تصير أو تصبح، ولو قال: بعد يوم الأضحى طلقت حين يمضي اليوم، ولو قال: بعدها يوم الأضحى طلقت للحال والفرق أن البعدية في الأول صفة للطلاق فصار الطلاق مضافا إلى ما بعد يوم الأضحى فلم يقع قلبه وفي الثاني صفة لليوم فيتأخر الطلاق عن اليوم فبقي مرسلا، ولو قال: أنت طالق لا بل غدا طلقت الساعة واحدة وفي الغد أخرى كذا في (المحيط).

(ونية العصر) آخر النهار (تصح في الثاني) قضاء وقالا: لا تصح كالأول ولا خلاف في صحتها فيهما ديانة والفرق له عموم متعلقتها بدخولها مقدرة لا ملفوظا للفرق لغة بين صمت سنة وفي سنة وشرعا بين لأصومن عمري حيث لا يبر إلا بصوم كله، وفي عمري حيث يبر بساعة وبين قوله إن صمت شهرا فعبده حر حيث يقع على صوم جميعه بخلاف إن صمت في الشهر حيث يقع على صوم ساعة منه، كما في (المحيط) بخلاف ما لا يتجزأ من الزمان كصمت يوم الجمعة وفيها فإذا نوى جزءا من الزمان مع ذكرها فقد نوى الحقيقة، وإذا نواه مع حذفها فقد نوى تخصيص العام وهو خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء كذا قيل: وفيه نظر إذ الغد نكرة في الإثبات فلا يعم وجوابه أنهم نزلوا الأجزاء منزلة الأفراد تجوزا، وعلى هذا الخلاف أنت طالق كذا شعبان وفي شعبان فتطلق في أول جزء وإن نوى آخره فعلى ما مر.

(وفي) أنت طالق (اليوم غدا، أو غدا اليوم يعتبر) اللفظ (الأول) فيقع في اليوم في الأول وفي الثاني في غدا لأنه بذكره إياه ثبت حكمه تنجيزا في الأول وتعليقا في الثاني فلا يحتمل التغيير بذكر الثاني لأن المنجز لا يقبل التعليق والمعلق التنجيز ولو

ص: 337

أنت طالق قبل أن أتزوجك، أو أمس، ونكحها اليوم لغو،

ــ

قال: أنت طالق اليوم وغدا أول النهار وآخره فالحكم كذلك أعني لا يقع إلا واحدة، لأنها طالق في الغد وآخر النهار بطلاقها في اليوم وأول النهار بخلاف ما لو قال: إذا جاء غدا حيث لا تطلق إلا بطلوع الفجر لاتصال مغير الأول بالآخر، وما لو قال: غدا واليوم وآخر النهار وأوله حيث تقع اثنتان لأن الأول وقع مضافا صحيحا والواو في عطف المفرد وهو المسمى بالجملة الناقصة يوجب تقدير ما في الأولى بما بعدها فصار أنت طالق اليوم، وبعد غد طلقت اثنتان في قول الإمام والثاني وقياس ما مر أن تقع واحدة لأنها طالق بعد غد بطلاقها في اليوم الأول، وفي (التنقيح) لو قال بالنهار: أنت طالق بالليل والنهار يقع اثنتان وفي النهار والليل واحدة ولو كان بالليل انعكس الحكم.

قال في (البحر): فما مر من التفرقة بين قوله أول النهار وآخره أو آخره وأوله مقيد بما إذا كانت هذه المقالة في أول النهار فلو كانت في آخره انعكس الحكم انتهى، يعني فيقع في قوله أول النهار وآخره إذا قال: في آخر النهار اثنتان وفي آخر النهار وأوله واحدة، وأقول: قد يشكل عليه ما في (المحيط) لو قال: وسط النهار أنت طالق أول النهار وآخره وقعت واحدة لأنه بدأ بالوقت الكائن فجعل الماضي بقيد كونه فيه كائنا وهذا يفيد كونه لو كان في آخر النهار وقعت واحدة أيضا لأنه بدأ بالوقت الكائن وبه يحصل الفرق بين هذا وما في (التنقيح) وذلك أنه لو قال في النهار: أنت كذا في ليلك ونهارك أو قلبه وهو في الليل لا يمكن أن يقال: إنه بدأ بالكائن بعد مضيه فوقعتا وفي (المحيط) أيضا الأصل أنه متى أضاف الطلاق إلى وقتين أحدهما كائن والآخر مستقبل بحرف العطف فإن بدأ بالكائن وقع الطلاق واحد وإن بالمستقبل فطلاقان، ثم قال: لو قال أمس واليوم فاثنتان لأن الواقع في اليوم لا يكون واقعا في الأمس ولو قال اليوم وأمس فهو واحدة مثل قوله اليوم وغدا انتهي.

وأنت خبير بأن العلة المذكورة في الأمس واليوم تأتي في اليوم والأمس فتدبر في الفرق فإنه دقيق على أن مقتضى الضابط وقوع واحدة في الأمس واليوم لأنه بدأ بالكائن والله الموفق، ولو قال أنت طالق ما خلا أو في دخولك الدار وقع للحال، ولو: قال اليوم أو رأس الشهر اتحد الواقع في الأصح وفي (الخانية) أنت طالق غدا إن شئت كانت المسألة إليها في الغد، ولو قال إن شئت فأنت طالق غدا كانت المشيئة للحال عن محمد وقال الثاني: المشيئة إليها في الغد فيهما وقال زفر: للحال في الفصلين وهو قول / الإمام انتهى، ولو قال:(أنت طالق قبل أن أتزوجك أو) قال: أنت كذا (أمس و) الحال أنه قد (نكحها اليوم) فهو (لغو) بإجماع الفقهاء لأنه أسنده إلى حالة

ص: 338

وإن نكحها قبل أمس وقع الآن

ــ

معهودة منافية لمالكية الطلاق، فصار كما لو قال: طلقتك وأنا مجنون وقد عهد جنونه، ولو قال في الأولى: إن تزوجتك فأنت طالق قبله أو عكس لغت القبلية ووقع الطالق عند وجود الشرط اتفاقا، أما إذا قدم القبلية فلأن التعليق ناسخ للإضافة فصار كما لو قال: أنت كذا قبل أن تدخلي الدار إذا دخلتها حيث تلغو ويتعلق بالدخول وأما إذا أخرها فلأنه قصد إبطال التعليق ولو أخر الجزء فكذلك عندهما خلافا للثاني لأن ذكر الفاء رجح جهة الشرطية والمعلق بالشرط كالمنجز عند وجوده (وإن نكحها قبل أمس وقع) الطلاق (الآن) لأنه لم يسنده إلى حالة منافية ولا يمكن تصحيحه إخبارا لكذبه وعدم قدرته على الإسناد فكأن أنشأ في الحال.

قال في (الفتح): وعلى هذه النكتة حكم بعض المتأخرين من مشايخنا في مسألة الدور المنقولة عن متأخري الشافعية وهي إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا بوقوع الطلاق وحكم أكثرهم أنها لا تطلق بتنجيز طلاقها لأنه لو لم تنجز وقع المعلق قبله ثلاثا ووقوع الثلاث سابقا على التنجيز يمنع المنجز والمعلق لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال ونقول أيضا: إن هذا تغيير لحكم اللغة لأن الأجزئة تنزل بعد الشرط أو معه لا قبله، ولحكم العقل أيضا لأن مدخول أداة الشرط سبب والخبر مسبب عنه ولا يعقل تقدم المسبب على السبب فكان قوله قبله لغو البتة فيبقى الطلاق جزاء للشرط غير مقيد بالقبلية، ولحكم الشرع لأن النصوص ناطقة بشرعية الطلاق وهذا يؤدي إلى رفعها فيتفرع في المسألة المذكورة وقوع ثلاث للواحدة المنجزة واثنتان من المعلقة، ولو طلقها اثنتين وقعتا وواحدة من المعلقة أو ثلاث وقعن فينزل الطلاق المعلق لا يصادف أهلية فيلغو ولو كان قال: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثم طلقها واحدة وقع اثنتان المنجزة والمعلقة وقس على ذلك انتهي، وما اختاره من الوقوع جزم به في (القنية) حيث قال في آخر الإيمان: قال لها كلما وقع عليك طالق فإنك طالق قبله ثلاثا ثم طلقها بعد ذلك ثلاثا يقعن وهذا طلاق الدور وإنه لا يقع عند الشافعي انتهى.

لكن الذي رجحه الشيخان عندهم وقوع المنجزة دون المعلقة وقد منع في (البحر) كون عدم الوقوع فيه تغييرا لحكم العقل والشرع، أما الأول فلأنا لا نسلم أنه يلزم كون مدخول أداة الشرط سببا والجزاء مسبب عنه فقد قال الرضي: لا يلزم مع الفاء كون الأول سببا للثاني بل اللازم أن يكون ما بعدها لازما لمضمون ما قبلها كما في جميع صور الشرط والجزاء ففي قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النمل: 53] كون النعمة منه لازم حصولها معنى ولا تعتبر من قول بعضهم أن الشرط

ص: 339

وأنت طالق ما لم أطلقك، أو متى لم أطلقك، أو متى ما لم أطلقك وسكت طلقت ........

ــ

سبب في الجزاء انتهى، وحينئذ فلا يلغو قوله قبله لعدم المنافاة وأما الثاني فلأنا عهدنا شرعا أن من ألزم نفسه بشيء لزمه وإن كان فيه سد باب المشروع له ألا ترى أنه لو قال كلما تزوجت امرأة فهي طالق صح وإن كان فيه سد باب النكاح المشروع له انتهى.

وأقول: فيه نظر من وجهين الأول: ما قاله الرضي إنما هو مذهب النحاة يفصح عن ذلك ما في (المطول) لا نسلم أن الشرط النحوي ما يتوقف عليه وجود الشيء بل هو المذكور بعد إن وأخواته معلق عليه حصول مضمون الجزاء أي: حكم بأنه يحصل مضمون تلك الجملة عند حصوله، فهو في الغالب ملزوم والجزاء لازم وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم من غير عكس، ثم قال: الشرط عندهم أعم من أن يكون سببا نحو لو كانت الشمس طالعة فالعالم مضيء وشرطا نحو لو كان لي مال لحججت أو غيرها نحو لو كان النهار موجودا لكانت الشمس طالعة انتهى، الثاني: سلمنا أن أداة الشرط لا يلزم أن تكون سببا لكن بطلان تقدم الشيء على شرطه ضرورة لأنه موقوف عليه فلا يحصل قبله كما في (التلويح) وفيه الحق أن بطلان تقديم الشيء على شرطه أظهر من بطلان تقديمه على السبب لجواز أن يثبت بأسباب شتى انتهى، وبهذا يبطل قوله: فلا يلغو قوله: قبله لعدم المنافاة.

(و) لو قال: (أنت طالق ما لم أطلقك أو متى لو أطلقك أو متى ما لم أطلقك) أو زمان لم أطلقك أو حيث لم أطلقك أو يوم لم أطلقك (وسكت طلقت) باتفاق العلماء لأنها أضاف الطلاق إلى زمان أو مكان خال عن طلاقها وبمجرد سكوته وجد المضاف إليه فيقع وهذا لأن ما عدا ما وحيث من ظروف الزمان/ وأما ما فهي وإن كانت مصدرية إلا أنها تأتي نائبة عن ظرف الزمان ومنه {ما دمت حيا} [مريم: 31] وهي وإن استعملت للشرط إلا أن الوضع للوقت، لأن التطليق استدعى الوقت لا محالة فترجحت جهة الوقت قاله المصنف قال الشارح: وهذا تحكم لأن الطلاق يتعلق بالشرط أيضا فينبغي أن يكون أولى كيلا يقع بالشك انتهى، وهذا بعد تسليمه فيه خرق لإجماعهم، وحيث من ظروف المكان فكأنه قال: أنت كذا مكان لم أطلقك على أن الأخفش جعلها للزمان أيضا ولو ذكر لا بدل لم بأن قال: زمان لا أطلقك أو حين لا أطلقك لم تطلق حتى تمضي ستة أشهر، والفرق أن لم تقلب المضارع ماضيا مع النفي وقد وجد زمان لم يطلقها فيها فوقع، ولا للاستقبال غالبا فإن لم يكن له نية لا يقع في الحال وأوسط استعمال الحين ستة أشهر فحمل عليه وكذا الزمان لاستوائهما في الاستعمال، ولو قال: يوم لا أطلقك لا تطلق حتى يمضي يوم كما في (المحيط) وسيذكر المصنف محترز قوله وسكت ثم لا يخفى أن الفرق

ص: 340

وفي إن لم أطلقك، أو إذا لم أطلقك، أو إذا ما لم أطلقك لا حتى يموت أحدهما

ــ

بين البر والحنث لا يظهر له أثر في أنت طالق ما لم أطلقك ونحوه كما قال المصنف ومن ثم قيد بعض المتأخرين موضوع المسألة بقوله: ثلاثا وهو الأولى، نعم لو قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق وقع الثلاث متتابعات ولذا لو كانت غير مدخول بها وقعت واحدة لا غير.

(وفي) أنت طالق (إن لم أطلقك وإذا لم أطلقك) هذه المسألة مع ما بعدها من التعليق لا الإضافة فذكرها فيه أنسب (أو إذا ما لم أطلقك لا)، يعني: لا تطلق (حتى يموت أحدهما) لأنه جعل الشرط عدم طلاقها ولن يتحقق ذلك إلا باليأس وذلك في آخر جزء من أجزاء حياته فتطلق قبيل الموت وهذا يقتضي التسوية بين موته وموتها وهو الأصح خلافا، ولو كان الطلاق ثلاثا ولا ميراث له في موتها مطلقا أعني سوء كان بعد الدخول أو قبله وكان الطلاق واحدة أو ثلاثا لأنها لما أن بانت قبيل الموت لم يبق بينهما زوجية حال الموت وما في (الشرح) من التقييد بكونه ثلاثا في المدخول بها لأنه منه وجد سهو، هذا كله إذا لم يكن ثمة نية وما يدل على الفور فإن كان طلقت غير مقيد بالموت ثم الدلالة قد تكون لفظية وقد تكون معنوية فمن الأول طلقني طلقة فقال إن لم أطلقك فأنت كذا كان على الفور كما في (القنية) ومن الثاني ما لو طلب جماعها فأبت فقال: إن لم تدخلي البيت فأنت كذا فدخلته بعدما سكنت شهوته طلقت، والبول لا يقطعه وينبغي أن يكون الطيب ونحوه وكل ما كان من دواعي الجماع كذلك، وفي الصلاة خلاف وسيأتي ثم التسوية بين أن وإذا قول الإمام وجعلاها كمتى كما في قوله:

وإذا تكون كريهة أدعى لها

وله أنها استعملت للشرط كما في قوله:

وإذا تصبك خصاصة فتجمل

فلا يقع الطلاق بالشك أي: إن تصبك فقر ومسكنة فأظهر الغنى من نفسك والتزين وتكلف الجميل أو كل الجميل وهو الشحم المذاب قال الشاعر:

قد كنت قدما مثريا متمولا .... متجملا متعففا متدينا

فالآن صرت وقد عدمت تمولي ..... متجملا متعففا متدينا

أي كنت ذا ثروة وعفة وديانة فصرت آكل شحم مذاب وشارب عفافة أي: بقية ما في الضرع من اللبن وزاد ديني كذا في (التلويح) واعترض بأن الشك يوجب الوقوع تقديما للمحرم وأجيب بأن ذاك إنما هو إذا تعارض دليل الحرمة والحل أما هنا

ص: 341

أنت طالق ما لم أطلقك، أنت طالق طلقت هذه الطلقة، أنت كذا يوم أتزوجك فنكحها ليلا حنث بخلاف الأمر باليد

ــ

لو اعتبرنا الحرمة لم نعمل إلا بالشك والخلاف مقيد بما إذا لم ينو شيئا أما إذا نوى معنى الشرط أو الظرف فهو على ما نوى، (أنت طالق ما لم أطلقك، أنت طالق طلقت هذه الطلقة) بيان لما علم من التقييد بالسكوت في المسألة السابقة ولو أولاه بها قائلا بعد قوله طلقت إلا أن يقول: أنت طالق فتطلق هذه الطلقة لكان أولى يعني هذه الطلقة فقط المعلقة أيضا والقياس أن يقع به قال زفر: لأنه وجد زمان لم يطلقها فيه وهو زمان قوله أنت كذا قبل أن يفرغ. وجه الاستحسان أن زمان البر مستثنى عن اليمين بدلالة حاله لأنه المقصود ولا يمكنه تحقيقه إلا بجعله مستثنى.

وفي (المحيط) إن لم أطلقك اليوم فأنت كذا ثلاثا فحيلته أن يقول لها: أنت كذا ثلاثا على ألف ولا تقبل المرأة فإن مضى اليوم وقعت الثلاث في قياس ظاهر الرواية وعن الإمام أنها لا تطلق وعليه الفتوى/ لأنه أتى بالتطليق وإن كان مقيدا، (أنت كذا يوم أتزوجك فنكحها ليلا) يعني بعد غروب الشمس (حنث، بخلاف الأمر باليد) أي: بخلاف ما لو قال لها: أمرك بيدك يوم يقدم زيد فقدم ليلا حيث لا يكون الأمر بيدها ولو قال: الأمر باليد لكان أولى والفرق أن مظروف اليوم إن كان مما لا يمتد أي: لا يصح ضرب المدة له كالطلاق والعتاق والتزويج والدخول والقدوم يراد باليوم معناه المجازي أعني: مطلق الوقت ومنه {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وقال تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] والتولي عن الزحف حرام مطلقا وقيل: حقيقة والأول أصح وإن كان مما يمتد أي: يصح ضرب المدة له كالسير والصوم وتخيير المرأة وتفويض الطلاق يراد به المعنى الحقيقي وهو بياض النهار ولأن مظروف اليوم لما امتد كان الظاهر من ذكر الظرف دون حرف في ضرب المدة تقرير والحقيقة هي الأصل فضرب إليها وإذا لم يمتد الفعل لم يمتد الظرف لأن الممتد لا يكون معيارا لغير الممتد، وأورد أنه قد يمتد الفعل مع كون اليوم لمطلق الوقت نحو اركبوا يوم يأتيكم العدو وأحسنوا الظن بالله يوم يأتيكم الموت وبالعكس كأنت طالق يوم يصوم زيد وأنت حر يوم تنكسف الشمس وأجيب بأن ما مر إنما هو عند الإطلاق والخلو عن الموانع ولا تمتنع مخالفة بمعرفة القرائن، كذا في (التلويح) واختلفت في الكلام فجزم في (الهداية) بأنه من الأول والهندي في (شرح) المغني بأنه من الثاني وجعل الأول ظنا لبعض المشايخ، ولم أر من أظهر لهذا الخلاف ثمرة وينبغي أن تظهر في اشتراط استيعاب النهار فيما يمتد وعدمه فمن اشترطه جعل الكلام مما لا يمتد، ومن لم يشترطه جعله من الممتد وإذا عرف هذا

ص: 342

أنا منك طالق لغو إن نوى

ــ

فما في (البحر) المراد بالامتداد امتداد يمكن أن يستوعب النهار لا مطلق الامتداد لأنهم جعلوا التكلم من غير الممتد ولاشك أنه قد يمتد زمانا لكن لا بحيث يستوعب النهار، وكذا في شرح (الوقاية) مبني على أحد القولين، نعم اختار في (التلويح) أنه مما لا يمتد معللا بأن امتداد الأعراض إنما هو بتجدد الأمثال كالضرب والجلوس والركوب ومما يكون في المرة الثانية مثلها في الأولى من كل وجه فجعل كالعين الممتد بخلاف الكلام فإن المتحقق في المرة الثانية لا يكون مثله في الأولى فلا يتحقق تجدد الأمثال انتهى، وأنت خبير بأن من جعله من الممتد نظر إلى أن المرة الثانية كالأولى أيضا من حيث النطق بالحروف والاختلاف بالوصف لا يبالي به ألا ترى أن الجلوس لو اختلفت كيفيته عد ممتدا فكذا هذا ثم المحققون على أن المراد بالممتد وغير الممتد هو الجواب، وتسامح بعضهم فاعتبر المضاف إليه حيث لم يختلف الجواب بأن كانا ممتدين نحو أمرك بيدك يوم يركب زيد أو غير ممتدين نحو أنت طالق يوم يقدم زيد أما إذا اختلفا نحو أمرك بيدك يوم يقدم زيد فقد اتفقوا على أن المعتبر هو ما يتعلق به الظرف لا ما أضيف إليه حتى لو قدم ليلا لا يكون الأمر بيدها، والمضاف إليه وإن كان مظروفا أيضا إلا أنه لم يقصد بذكر ذلك الظرف بل لتعيين الظرف فيتم المقصود من تعيين زمن وقوع مضمون الجواب، ولاشك أن اعتبار ما قصد الظرف له لاستعلام المراد من الظرف الحقيقي أهو أم المجازي أولى من اعتبار ما يقصد له، وإذا تحققت هذا ظهر لك أن ما قاله صدر الشريعة من أنه ينبغي اعتبار الممتد منهما.

قال الشارح: وهو الأوجه وعليه مسائلهم فيه نظر ظاهر إذ مقتضاه أنه لو قال لها: أنت كذا يوم يركب زيد فركب ليلا أنه لا يقع، وقد علمت أنهم اتفقوا على خلافه.

قال في (البحر): وهذا أعني: كون اليوم لمطلق الوقت فيما لا يمتد مقيد بما إذا كان اليوم منكرا أما إذا كان معروفا باللام التي للعهد الحضوري فإنه يكون لبياض النهار ولذا قال في أيمان (الظهيرية) لو قال: والله لا أكلمك اليوم ولا غدا ولا بعد غد كان له أن يكلمه في الليالي ولو قال: اليوم وغدا وبعد غد فهو كقوله ثلاثة أيام يدخل فيه الليالي انتهى، يعني على أن اليوم لمطلق الوقت لكن لو خرج الفرع الأول على أن الكلام مما يمتد لاستغنى عن هذا التقييد ولو قال لامرأته، (أنا منك طالق) فهو (لغو وإن نوى) به الطلاق لأن محلية الطلاق إنما هي قائمة بها لا به فالإضافة إليه إضافة إلى غير محله فيلغو، وقد قال ابن عباس في امرأة جعل زوجها أمرها بيدها

ص: 343

وتبين في البائن والحرام، أنت طالق واحدة أو لا، أو مع موتي، أو مع موتك لغو، ولو ملكها أو شقصها أو ملكته، أو شقصه بطل العقد،

ــ

فقالت: طلقتك خطا الله نوءها هلا قالت: طلقت نفسي والنوء كوكب تستمطر به العرب وروى خطا الله وصوبه مولانا نج الدين عمر النسفي قال ولا يجوز خطا وصاحب (الفائق) عكسه والخط من الخطيطة وهي أرض لم تمطر/ كذا في (الدراية).

(وتبين بالبائن والحرام) أي: في قوله: أنا منك بائن أو عليك حرام لأن لفظ الإبانة موضوع لإزالة الوصلة والتحريم لإزالة الحل وكل منهما مشترك بينهما فصحت الإضافة ولذا لو لم يقل: منك أو عليك لم يقع بخلاف ما لو قال: أنت بائن أو حرام حيث يقع إذا نوى وما في (خزانة الأكمل) معزيا إلى (العيون) لو قال: أنت بائن أو حرام ولم يقل: مني فهو باطل، قال الزاهدي: إنه سهو والمذكور فيها إنما هو إذا كان الخطاب من جانبها بأن جعل أمرها بيدها فقالت: أنت علي حرام أو أنت مني بائن أو حرام أو أنا عليك بائن أو حرام وقع، ولو قالت: أنت بائن أو حرام ولم تقل مني فهو باطل ولو قال لها: (أنت طالق واحدة أو لا أو) أنت طالق (مع موتي أو مع موتك) فهو (لغو)، أما الأول فهو قول الإمام والثاني آخرا وقال محمد: وهو قول الثاني أولا تطلق رجعية لأنه أدخل الشك في الواحدة فبقي قوله أنت طالق، ولهما أن الوصف متى قرن بذكر العدد كان الوقوع بالعدد بدليل ما أجمعوا عليه من أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت كذا ثلاثا وقعن ولو كان الوقوع بالوصف للغى ذكر الثلاث.

ولو قال: أنت كذا واحدة إن شاء الله أو ماتت قبل ذكر العدد واحدة أو ثلاثا لم يقع شيء، ولم ينقلوا خلافا في أنه لو أراد أن يقول: أنت طالق بائن أو للسنة فمات قبل أن يقول: بائن أو للسنة لا يقع شيء وخلاف محمد هنا لا يلزم منه الخلاف في هذه القاعدة، أعني: أن الوقوع بالعدد أو الصفة كما قد ظن، بل لأنه يصرف الشك إلى العدد فكأنه لم يتلفظ به، وهما صرفاه إلى أصل الإيقاع فلم يقع شيء ومن ثم أجمعوا أنه لو قال: أنت طالق أو لا وغير طالق أو لا شيء أنه لا يقع شيء وأما الثاني فلأنه أضاف الطلاق إلى حالة منافية له وهو موته وموتها لأن موته بناء في الأهلية وموتها ينافي المحلية ولابد في الوقوع من الأهلية وفي الموقع عليها من المحلية، (ولو ملكها) أي: ملك الزوج زوجته بشراء أو هبة أو إرث كلها (أو شقصها) أي: جزءها (أو ملكته) أي: الزوج كذلك (شقصه بطل العقد) أي: انفسخ للمنافاة بين الملكين أما في ملكه إياها فلأن ملك النكاح ضروري، ولا ضرورة مع قيام ملك اليمين كذا في (الهداية) وبين في (العناية) بأن ملك النكاح إثبات الملك

ص: 344

فلو اشتراها، وطلقها لم يقع،

ــ

على الحرة وهو على خلاف القياس وما هو كذلك فهو ضروري فإذا طرأ عليه الحل القوي وهو ملك اليمين ينتفي الحل الضروري لضعفه.

قال في (الحواشي السعدية): ولقائل أن يقول ثبوت ملك اليمين على الآدمي على خلاف القياس أيضا فالكبرى ممنوعة، ولو قال: وهو على خلاف الأصل لحاجة الناس لكان سالما انتهى، وعن هذا قرر في (فتح القدير) وجه كونه ضروريا بأن إثباته على الحرة للحاجة إلى إبقاء النسل فكان ملك النكاح في الأصل مع المنافي وهو حرية المملوكية للضرورة وقد اندفعت بقيام ملك اليمين لثبوت الحل الأقوى به فيرتفع الأضعف وهذا ظاهر في ملك كلها وأما في بعضها فأقيم ملك اليمين مقام الحل لأنه سببه احتياطا وظاهرا أن بطلانه مقتصرا لا مستندا لما قالوه: من أنه لو طلقها اثنتين ثم ملكها لا تحل إلا بعد زوج آخر وفي (المحيط) لو ظاهر من امرأته أو لاعنها وفرق بينهما ثم ارتدت فسبيت لا يحل للزوج وطئها بملك اليمين لأن حكم اللعان والظهار باق فحرم الاستمتاع والاجتماع معها، أطلقه فانصرف إلى حقيقته الكاملة فخرج ما لو اشترى المكاتب زوجته حيث يبقى النكاح بينهما لأن الثابت له حق الملك لا حقيقته وهو لا يمنع بقاء النكاح وإن منع ابتداؤه، حتى امتنع على المولى نكاح جارية مكاتبة، وما لو تزوج أمة ثم حرة على رقبة الأمة فأجازه المولى صارت ملكا للحرة ولا ينفسخ النكاح وإن انتقل منه إلى الحرة لكنه غير مستقر، وأما في ملكها فلاجتماع المالكية والمملوكية.

(فلو اشتراها) أي: ملكها تفريع على أن ملكه يبطل العقد (ثم طلقها لم يقع) لأن الطلاق فرع قيام النكاح، ولا وجود له مع المنافي لا من وجه ولا من كل وجه، ولو قال: فلو طلقها تفريعا على ما لو ملكها أو ملكته لكان أولى، لأنه لا فرق في ظاهر الرواية عن الثلاثة بينهما وعن محمد أنه لو طلقها بعدما ملكته وقع لقيام العدة والمنقول في المنظومة عنه تقييد الوقوع بما إذا أعتقه أما إذا لم تعتقه حتى طلقها لم يقع اتفاقا فيحمل على اختلاف الروايتين وظهر بهذا أن ما في (الكافي) من نسبة هذا إلى محمد صحيح لا أنه سهو/ كما ادعى الشارح بخلاف ما إذا ملكها لأنه لا عدة عليها يعني منه، وظاهره أنه يحل تزويجه إياها وقد قيل: لكن الأصح أنه لا يجوز فعلم بهذا أنها لا تجب العدة عليها في حق من اشتراها، وفي غيره روايتان كذا في (الكافي)، وعن هذا قلنا: لو أعتقها بعدما ملكها ثم طلقها وهي في العدة وقع لزوال المانع، وعلى هذا تفرع ما لو علق طلاقها بشرط أو آلى منها أو قال: أنت كذا للسنة قبل الشراء فوجد الشرط أو جاء وقت السنة أو مضت مدة الإيلاء بعده قبل

ص: 345

أنت طالق ثنتين مع عتق مولاك إياك،

ــ

العتق لم يقع، وإلا وقع اتفاقا، ولو كان المشتري هي وقع أيضا على قياس قول محمد وعلى قياس قول أبي يوسف لا يقع وعليه الفتوى، كذا في (الولوالجية).

وفي (المحيط) تزوج أمة وارثة ثم قال لها: إن مات مولاك فأنت طالق اثنتين فمات المولى وقع الطلاق عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وفيه وكل بشراء زوجته من سيدها فاشتراه قبل الدخول فلا مهر عليه، ولو باعها المولى لرجل ثم اشتراها الزوج منه كان عليه للسيد الأول نصف المهر، والفرق انفساخ النكاح في الأولى وقع من المولى بخلافه الثانية، (أنت طالق اثنتين مع عتق مولاك إياك) فأعتق له الرقبة فلينظر لأنه علق التطليق بالإعتاق غير أنه عبر عنه بالعتق مجازا من استعارة الحكم للعلة والمعلق يوجد بعد الشرط فتطلق وهي حرة، وهذا لأن الشرط ما يكون معه وما على خطر الوجود وللحكم تعلق به والمذكور بهذه الصفة وما في (الهداية) من أنه علقه بالعتق أيضا لأنه لفظ العتق ينتظمهما فمشكل، لأنه لازم وإنما يعمل في المفعول أعني لفظ إياك المتعدي كذا في (كافي المصنف)، وهو مبني على أنه مصدر وجوابه إن أعمل فيه على اعتبار كونه اسم مصدر كأعجبني كلامك زيدا، والعجب مما نقل في جوابه من أنه لما علق التطليق بالإعتاق يلزم منه تعليقه بالعتق الحاصل منه وأين هذا من صحة الإعمال، وفي (العناية) إنما يقال ذلك لتبيين أثره فيما إذا قال أنت طالق مع عتقك في عدم اختلاف الحكم بينه وبين الصورة المذكورة في (الكتاب) وعبارة (الوقاية) مع عتق سيدك لك. قال بعض المتأخرين: إنما قال: لك دون إياك لئلا يتعين المعنى المجازي للعتق وهو الإعتاق فإن المراد تقدير المسألة على وجهين فينتظم المعنيين لعدم الفرق في الجواب.

وأقول: فيه نظر وذلك أن العتق حيث أضيف إلى السيد تعيين أن يكون بمعنى الإعتاق لأنه هو الموجد له، وأما العتق فوصف قائم بالمعتق لا تصح إضافته إلى السيد، نعم مع عتقك يصح أن يكون بمعنى إعتاقك، فيكون مضافا إلى مفعوله وأن يبقى على بابه فيكون مضافا إلى فاعله، ليشمل ما لو اشتراه من تعتق عليه حيث يقع الطلاق ويملك الرجعة، ولو عبروا به لكان أولى، وأورد أن كلمة مع للقرآن فيكون منافيا لمعنى الشرط وأجيب بأنها قد تذكر للتأخير تنزيلا له منزلة القارن لتحقق وقوعه، ومنه {فإن مع العسر يسرا} [الشرح: 5] وصير إليه هنا الموجب هو وجود معنى الشرط لها، وطولب بالفرق بين هذا وبين قوله أنت طالق مع نكاحك فإنه يصح فيه أن يكون بمعنى إن نكحتك مع أن الطلاق لا يقع بنكاحك لها، وأجيب بأن عدم وقوعه للمانع وهو عدم ملكه ذلك أعني التعليق بغير صريح الشرط بخلاف ما

ص: 346

فأعتق له الرجعة، ولو تعلق عتقها وطلقتها بمجيء الغد فجاء لا،

ــ

بعد النكاح فإنه يملك التعليق به وبمعناه، ولقائل أن يقول: الدليل إنما قام على ملك اليمين المضافة إلى الملك فتعلق بما يوجب معناها كيف ما كان اللفظ، والتقييد بلفظ خاص بعد تحقق المعنى تحكم، ولذا قال في (الدراية): هذا الجواب لم يتضح لي فإنه يملك تعليق الطلاق بالنكاح ويمكن تصحيح كلامه على اعتبار معنى الشرط فينبغي أن يحمل عليه كذا في (الفتح).

قال في (البحر): ويمكن أن يجاب بأن الطلاق مع النكاح يتنافيان فلم تصح الحقيقة فيه بخلاف ما نحن فيه لأن الطلاق والعتق لا يتنافيان وأقول: هذا مأخوذ مما في (الشرح) حيث قال في جوابه: أصل الإشكال قلنا: إنما تركنا الحقيقة فيما نحن فيه باعتبار أن الزوج مالك للطلاق تنجيزا أو تعليقا وتصرفه نافذ فلزم من صحته تلعقه به وأما الأجنبي فلا يملك ذلك ولكن يملك اليمين فإن صح التركيب بذكر حروفه كإن تزوجتك فأنت طالق صح ضرورة صحة اليمين مع المنافي فيما لم يلزم العدول فيه عن الحقيقة وفيما لم يؤد إلى التنافي/ والطلاق والعتق لا يتنافيان انتهي ملخصا، وأنت إذا تحققته علمت أن ما أجاب به في (البحر) لا يمس ما نحن فيه، على أنه غير صحيح في نفسه إذ صحته الحقيقة ليس هو المدعى ليترتب نفيها على التنافي، (ولو تعلق عتقها) أي: علق المولى عتق أمته (وطلقتها) يعني علقهما الزوج (بمجيء الغد فجاء) أي: فجاء الغد ووقع العتق والطلاق (لا) أي: لا يملك الزوج الرجعية اتفاقا في رواية أبي سليمان وجعل في رواية أبي حفص هذا عندهما، وقال محمد: يملكهما، وأصله أن العلة مع المعلول يفترقان في الخارج عند الجمهور وقيل: يتعاقبان ومنهم من خص العلة بالشرعية فجعلها تستعقب المعلول لأنها اعتبرت كالأعيان واقية فأمكن فيها اعتبار الأصل وهو تقديم المؤثر على أثره، بخلاف نحو الاستطاعة مع الفعل لأنها عرض لا يبقى فلم يمكن اعتبار تقديمها وإلا بقي الفعل بلا قدرة.

قال في (الفتح): والذي نختاره التعقيب في العلل الشرعية والعقلية حتى أن الانكسار يعقب الكسر في الخارج غير أنه لسرعة أعتابه مع قلة الزمن إلى الغاية إذا كان آنيا لم يقع تمييز التقدم والتأخر فيهما وهو لأن المؤثر لا يقوم به التأثير قبل وجوده، وحالة خروجه من العدم لم يكن ثابتا فلابد أن يكمل به هويته ليقوم به عارضه وإلا لم يكن مؤثرا انتهى، وأفاد المولى سعد الدين أنه لا نزاع في تقدم العلة على المعلول بمعنى احتياجه إليها ويسمى التقديم بالعلية وبالذات، ولا في مقارنة العلة العقلية لمعلولها بالزمان كيلا يلزم التخلف، والخلاف في العلل الشرعية، وإذا

ص: 347

وعدتها ثلاث حيض، أنت طالق هكذا، وأشار بثلاث أصابع فهي ثلاث،

ــ

عرف هذا فمن الأوجه لمحمد وهو معتمده أنهما تعلقا بشرط واحد وجب أن تطلق زمان نزول الحرية فيصادفها وهي حرة لاقترانهما وجودا فلا تحرم بهما حرمة غليظة، ولهما أن زمان ثبوت العتق زمان ثبوت الطلاق ضرورة تعلقهما بشرط واحد ولا خفاء أن العتق في زمان ثبوته ليس بثابت لإطباق العقلاء على أن الشيء في زمان ثبوته ليس بثابت فلا تصادفها التطليقات وهي حرة بخلاف المسألة الأولى، لأن العتق ثمة شرط فيقع الطلاق بعده وبهذا التقرير اندفع ما في (غاية البيان) من أن قول محمد أقرب إلى التحقيق وهو الأصح عندي (وعدتها) في المسألتين (ثلاث حيض) اتفاقا، لأنها حكم الطلاق فيعقبه ولأنه يحتاط فيها.

قال في (المبسوط): ولو كان الزوج مريضا لا ترث منه لأنه حين تكلم بالطلاق لم يقصد الفرار إذ لم يكن لها حق في ماله ولأن العتق والطلاق يقعان معا ثم الطلاق يصادفها وهي رقيقة فلا ترث انتهى، ومقتضى ما مر عن محمد أن ترث، (أنت طالق هكذا وأشار بثلاث أصابع) جمع إصبع مثلث الهمزة والباء والعاشرة أصبوع كعصفور وقد جمعها بن مالك في قوله:

أتثليث يا إصبع مع شكل همزته ..... من غير قيد مع الأصبوع قد كملا

إلا أن المشهور منها كسر الهمز وفتح الباء ولم يقل وأشار بالإبهام والسبابة والوسطى كما قال محمد لأنه أخصر وأفود، لأن الإشارة لا تختص بها ولأن التعبير بالسبابة جاهلي على ما قيل والاسم الشرعي إنما هو المسبحة، وإن أجيب عن هذا بأنه جاء في رواية ابن عباس في صفة طهوره عليه الصلاة والسلام:(وأدخل السبابتين في أذنيه) ولو كان جاهليا لتحامى عنه ابن عباس بناء على أن الحديث روي لا بالمعنى (فهي ثلاث) لأن الإشارة بالأصابع تفيد العلم بالعدد في مجرى العادة إذا اقترنت بالعدد المبهم قال عليه الصلاة والسلام: (الشهر هكذا أو هكذا) الحديث كذا في (الهداية)، واعترض بأن الذي يكنى به عن العدد المبهم هو لفظ كذا أما هكذا إنما يستعمل بها ما يقصد به معا في أجزاء لفظها نحو {أهكذا عرشك} [النمل: 42] فقصد بالهاء التنبيه وبالكاف التشبيه وبذا الإشارة وهذا هو المراد هنا في الحديث فقوله: أنت طالق هكذا تشبيه بعدد المشار إليه وهو العدد المفاد كميته بالأصابع المشار إليه بذا، بخلاف كذا الكناية فإنه لم يقصد بها معاني الأجزاء بل كلمة مركبة للدلالة على عدد مبهم الجنس والمقدار.

ص: 348

أنت طالق بائن، أو البتة، أو أفحش الطلاق، أو طلاق الشيطان، أو البدعة، .....

ــ

وأقول: المراد بالعدد المبهم ما لم يصرح فيه بكميته لا ما كان كناية عنه ولا شك أن كونه تشبيها بعدد المشار إليه بذا في هكذا ليس صريحا في الكمية ويدلك على ذلك عنونة صاحب (الهداية) الفصل بقوله في تشبيه الطلاق وهذا أولى من كونه غلطا لفظا ومعنى كما في (فتح القدير) قيد بهكذا بأنه لو قال: أنت طالق وأشار/ بالثلاث فقط تقع واحدة ولو سألته الطلاق فأشار إليها مريدا بها ثلاث طلقات ولم يقل هكذا لم تطلق كذا في (المحيط)، وفي (المبتغى): أنت طالق مثل هذا وأشار إلى أصابعه الثلاث فهي ثلاثا إن نواها وإلا فهي واحدة أي بائنة كقوله أنت طالق كألف كذا في (المحيط) وأيضا لم يقل: منشورة لأن الإشارة إنما تقع بها ولو نواها بالمضمومة منها أو بالكف صدق ديانة وفي (الدراية) الإشارة بالكف أن تكون الأصابع كلها منشورة، وقيد بالثلاث لأنه لو أشار بواحدة أو اثنتين وقع بما أشار به.

(أنت طالق بائن أو ألبتة) شروع في بيان وقوع البائن بوصف الطلاق بما ينبئ عن الشدة والزيادة، والبتة مصدر بت أمره إذا قطع به وجزم، وإنما وقع البائن فيها بلا نية لأنه وصف الطلاق بما يحتمله ألا ترى أن البينونة قبل الدخول وبعده عند ذكر المال وبعده العدة تحصل به، وأورد أنه لو احتملها لصحت إرادتها بطالق مع أنه لا يصح وأجيب بأن عمل النية في الملفوظ لا في غيره، ولفظ بائن ما صار ملفوظا بالنية ورد بأنه ليس معنى عمل النية في الملفوظ إلا توجيهه إلى بعض محتملاته فإذا فرض اللفظ ذلك صح عمل النية فيه وقد فرض بطالق ذلك، على أن هذا قد يعطي بظاهره افتقار وقوع البائن فيما نحن فيه إلى النية، ولو نوى بطالق واحدة وببائن أو البتة أخرى فهو على ما نوى، قيد بقوله: بائن لأنه لو قال: ثم بائن وقال: لم أعن بذلك شيئا فهي رجعية ولو بائنا فهو بائن كذا في (الذخيرة).

(و) أنت طالق (أفحش الطلاق) وأرد به كل وصف على أفعل مرادا به أصله كأخبثه وأسوأه وأشره وأخشنه وأطوله وأعظمه وأكبره بالموحدة لأن الطلاق إنما يوصف بهذا الوصف باعتبار أثره وهو البينونة في الحال لا باعتبار ذاته لأنه غير محسوس، وما هو كذلك فإنما يعرف بأثره، فصار كأنه قال أنت بائن قيد بأفحش الطلاق، لأنه لو قال أجمل الطلاق أو أكمله أو أعدله أو أحسنه وقعت رجعية إلا أن ينوي ثلاثا، (و) أنت طالق (طلاق الشيطان أو) طلاق (البدعة) لأن الرجعي هو السنة فيكون البدعة وطلاق الشيطان بائنا كذا في (الهداية)، وفيه تساهل بل السني أعم لأنه لو طلقها في الحيض كان رجعيا ولو سنيا.

قال في (البدائع): لو قال: أنت طالق طلاق البدعة والشيطان ولا نية له فإن

ص: 349

أو كالجبل، أو أشد الطلاق، أو كألف، أو ملء البيت، .....

ــ

كان في طهر جامعها فيه وهي في حالة الحيض وقع من ساعته وإن لم يكن لا يقع الحال ما لم تحض أو يجامعها في ذلك الطهر، ومقتضى كلام المصنف وقوع بائنة للحال وإن لم تتصف بهذا الوصف، وهذا لأن البدعي لم ينحصر فيما ذكره، إذ البائن بدعي كما مر.

(و) أنت طالق (كالجبل) أي: مثله في الثقل والعظم وقال الثاني: يقع رجعيا لجواز أن يكون التشبيه فيما ذكرنا فيثبت أشده في وصفه للفظ وتتوقف الواحدة على النية، ولا خلاف في وقوع البائنة فيما لو قال: كعظم الجبل (أو) أنت طالق (أشد الطلاق) لأنه وصفه بالشدة لما مؤ من أن أفعل يراد به أصل الوصف أي: الشديد وهذا إنما يكون بالبائن، لأنه لا يحتمل النقض والرجعي يحتمله (أو) أنت طالق (كألف) أي: مثلها في القوة كما يقال: زيد كألف رجل أي: بأسه وقوته كقوتهم، ويحتمل أن يراد في العدد أي: كعدد ألف أو قدر عددها وفيه يقع الثلاث اتفاقا فأيهما نوى صحت نيته وعند عدمها يثبت الأقل إذ التشبيه في القوة أشهر، وبه اندفع قول محمد من وقوع الثلاث بلا نية وفي (الظهيرية) أنت طالق كالنجوم فهي واحدة بائنة بناء على أن التشبيه في ضيائها لا في عددها وفي (البزازية) أنت حرام ألف مرة تقع واحدة ولو شبيهة بما لا عدد له كعدد الشمس أو التراب وقعت واحدة بائنة في قياس قول الإمام قاله الحدادي: ولو قال كعدد الرمل فهي ثلاث إجماعا أقول: إنما كان التراب غير معدود لأنه اسم جنس إفرادي بخلاف الرمل فإنه اسم جنس جمع لا يصدق على أقل من ثلاثة.

قال في (الصحاح): الرمل واحد الرمال والرملة أخص منه انتهى. وبعدد معلوم البقى كعدد شعر بطن كفي أو مجهول النفي والإثبات كعدد شعر إبليس فكذلك أو بما من شأنه الثبوت لكنه كان زائلا وقت الحلف بعارض عدد شعر ساقي أو ساقك وقد تنور لم يقع لعدم الشرط، كذا في (الفتح) وفي (الظهيرية): أنت طالق عدد ما في هذا الحوض من السمك وليس فيه سمك تقع واحدة، ولو قال: عدد ما في هذه القصعة من الثريد إن قال هذا بعد صب المرقة فهي واحدة، وعلل في (المحيط) مسألة السمك وشعر إبليس بأنه إذا لم يكن على جسده شعر ولا في الحوض سمك [211/ ب] لم يعتبر ذكر عدد السمك بل يصير لغوا وصار كأنه قال أنت طالق/ وهكذا علل في شعر بطن كفي وبه يعلم الفرق بين هذه (أو) أنت طالق (ملء البيت) من حيث العظم في نفسه أو في كثرته فأيهما نوى صحت نيته وعند عدمها يثبت الأدنى كما مر.

ص: 350

أو تطليقة شديدة، أو طويلة، أو عريضة فهي واحدة بائنة إن لم ينو ثلاثا.

ــ

(و) أنت طالق (تطليقة شديدة أو طويلة أو عريضة) لأن ما لا يمكن تداركه يشتد عليه وهو البائن، وقيد بذكر التطليقة لأنه لو قال: أنت طالق قوية أو شديدة أو طويلة أو عريضة كان رجعيا، لأنه لا يصلح صفة للطلاق بل للمرأة قال الإسبيجابي وقد قال: لم لا يجوز أن يكون الموصوف محذوفا دل عليه لفظ طالق للطلاق ويمكن أن يجاب بأن هذا احتمال ويحتمل أن يكون لفظ قوية حالا من الضمير في طالق فلا تثبت البينونة بالشك أو بطويلة لأنه لو قال: طول كذا أو عرض كذا لم تصح نية الثلاث وإن كانت بائنة أيضا (فهي) في كل هذه المسائل (واحدة بائنة)، والأصل أنه إن وصف الطلاق بما لا يوصف به نحو طلاق لا يقع عليك أو علي أني بالخيار يلغو الوصف ويقع رجعيا، وإن لم يوصف به فإما أن لا ينبئ عن زيادة في أثره كأحسن الطلاق وأجمله وأعدله وأتمه وأفضله يقع رجعيا أيضا أو ينبئ كأشده وأطوله يقع بائنا، أو شبهه بأي شيء كان المشبه به ذكر العظم أو لا كرأس إبرة وسمسمة وحبة خردل وقع بائنا عند الإمام لأن التشبيه يقتضي زيادة وصف، واشترط الثاني ذكر العظم ومحمد قيل: مع الإمام وقيل: معه واشترط زفر كونه عظيما عند الناس، وأثر الخلاف يظهر في قوله مثل سمسمة أو عظمها وفي (الشرح) كالثلج بائن عند الإمام لكن للزيادة وعندهما إن أراد بياضه فرجعي وإن أراد به برده فبائن انتهى، ولهذا التفصيل جزم البزازي على أنه بيان المذهب.

قال في (الفتح): وهذا يقتضي أن أبا يوسف لا يقصر البينونة في التشبيه على ذلك العظم بل يقع بدونه عند قصر الزيادة وكذا يبعد كل البعد أن يقع بائن عند أبي حنيفة لو قال: أنت طالق كأعدل الطلاق وكأنسبه وحسنه قال في (الحواشي السعدية): وأنت خبير باحتياج صحة التفريغ بقوله وكذا إلى آخره إلى توجهه وأقول: يمكن أن يوجه بالمعنى مثل ما اقتضى ما ذكر عن الثاني اقتضى أن التشبيه مطلقا يوجب البينونة عند الإمام لأنه جعله مقابلا للتفصيل وقدم أن كلمتهم عليه متفقة لكن يبعد كل البعد في قوله: أنت طالق أعدل الطلاق إلى آخره (إن لم ينو) بهذه الألفاظ (ثلاثا) فإن نواها وقعت لتنوع البينونة إلى خفيفة وغليظة فأيهما نوى صحت نيته لكن قال العتابي: الصحيح أنها لا تصح في تطليقة شديدة أو طويلة أو عريضة لأن النية إنما تعمل في المحتمل وتطليقة بتاء الوحدة لا تحتمل الثلاث ونسبه إلى السرخسي رحمه الله.

ص: 351