الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شهادته (1)، فالإنسان لا يمكنه أن ينجو من خطيئة وزلل، وقوله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} (2)، دليل على اعتبار الأغلب، لأنه تعالى اعتبر الثقل والخفة، وإذا كنا اليوم نقبل من أهل الإسلام، من كان غالب حاله الصلاح، فكيف بمن ناصروا رسول الله، وشهد لهم الكتاب والسنة بجملة في الخير والعمل الصالح، الذي لم يدركه أحد بعدهم، فهم خيار الأمة المحمدية، إنهم أولى بذلك دون ريب، فلا ينازع فيه إلا مبتدع فارق أهل الحق والهدى، فنحن أهل السنة نثبت عدالة الصحابة بشدة، لأنهم الأمناء على ما أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم الكتاب والسنة، سواء نصّ القرآن، أو نصوص السنة، وما نقلوا من تفسير لهما، يقول ابن مسعود رضي الله عنه:"والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه"(3)، ولو قبلنا ما زعم القادحون في الصحابة لهدمنا الإسلام من أصله، ولم يكن هناك إسلام إلا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقط وليس لما بعده حظ منه، لأنه لم ينتشر إلا من طريق أصحابه رضي الله عنهم، نقل السيوطي رحمه الله عن إمام الحرمين رحمه الله، أنه قال: والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم: أنهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصره صلى الله عليه وسلم، ولما استرسلت على سائر الأعصار (4).
كلام الله عز وجل
-:
هو القرآن الكريم، وهو صفة من صفات الله عز وجل، منزل غير مخلوق، أنزله على رسوله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا ريب فيه هدى للمتقين، تلقاه جبريل عليه السلام عن رب العزة والجلال، وتلقاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن جبريل، وتلقاه أصحاب رسول الله رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما قال فيما تقدم من علمه بكتاب
(1) الأم (7/ 56).
(2)
الآيتان (6، 7) من سورة القارعة ..
(3)
أخرجه البخاري.
(4)
تدريب الراوي (2/ 308).
الله الآي منه والسور، وتقدم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:«من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأ من ابن أم عبد» (1)، ولم يكن هذا التنويه العظيم قاصرا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، بل تعداه إلى من تميز من أصحاب رسول الله رضي الله عنهم، قال صلى الله عليه وسلم:«خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبى بن كعب» (2)، ولا نقص في بقية أصحاب رسول الله رضي الله عنهم، ولكن إشادة بمن تميز منهم، بحسن الصوت وقوة الأخذ والأداء، ولذلك كان يحب صلى الله عليه وسلم، أن يسمع تلاوة القرآن من غيره، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَىَّ» قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ! ، قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» قال: فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (3)، قال لي: «أمسك» فإذا عيناه تذرفان"(4)، واستمع صلى الله عليه وسلم لقراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال له:«يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (5)، وفي رواية قال له أبو موسى رضي الله عنه:" لو علمت لحبَّرته لك تحبيرا "(6)، ومنهم أبي بن كعب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» قال أُبَى: آلله سمانى لك؟ ! قال: «الله سماك لي» فجعل أُبَيٌّ يبكى، قال قتادة: فأنبئت أنه قرأ عليه {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} (7)، وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال:"حدثنا من كان يقرؤنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلَّمَنا العلم والعمل"(8)،
(1) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير حديث (8343).
(2)
البخاري حديث (3808) ومسلم حديث (6488).
(3)
الآية (41) من سورة النساء.
(4)
البخاري حديث (4583) ..
(5)
البخاري حديث (5048) ومسلم حديث (1888).
(6)
البيهقي في السنن الكبير (3/ 12).
(7)
سورة البينة.
(8)
أخرجه أحمد المسند حديث (385) ..
هؤلاء وأمثالهم من الجم الغفير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم نقلة القرآن الكريم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنهم نقل العدول الأخيار من التابعين الأبرار، وعنهم أتباع التابعين، وهكذا يتواتر النقل إلى قيام الساعة، بنقل العدل عن مثله، وقد سمع القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة، وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه: على أُبَي بن كعب رضي الله عنه وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن على أُبَي، وقال صلى الله عليه وسلم:«أمرني جبريل أن أعرض عليك القرآن» وليعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما أمر أن يقرأ على أُبَي رضي الله عنه لا من أجل أن يتعلم من أُبَي، بل ليتعلم أُبَي من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يستمع إلى قراءته، فيحذوا أُبي حذو رسول الله صلى الله عليه وسلم في القراءة، قال أُبَي رضي الله عنه:"يقرأ عليَّ فأحذو ألفاظه" وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، على أبي هريرة رضي الله عنه، وقرأ نافع بن أبي نعيم رحمه الله على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج رحمه الله (1).
فالصحابة أخذوا القرآن إما درسا لبعضهم، أو سماعا لتلاواته صلى الله عليه وسلم في الصلاة وغيرها، أو استمع صلى الله عليه وسلم لقراءة بعضهم وأقره عليها، بل أشاد بها كما تقدم سماعه لقراءة ابن مسعود، وقراءة أبي موسى الأشعري، وقراءة أُبَي وغيرهم رضي الله عنهم، وكان من حرص الصحابة على صحة السماع والنقل أن عمر رضي الله عنه وهشام بن حكيم بن حزام رضي الله عنه اختلفا في سورة الفرقان فقرأها هذا على وجه، وهذا على وجه فقال صلى الله عليه وسلم «لكليهما: هكذا أنزلت» (2)، وقال صلى الله عليه وسلم:«أنزل القرآن على سبعة أحرف» فالمراد به على سبع لغات في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ولهذا قال الشعبي: "الحروف واحدة لكن المختلف لغات (3)، القوم، وإنما هو كقولك هلم وأقبل وتعال".
والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أولهم تلقيا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه، وتمسكوا بمذهبه، على ما روي عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعروة بن الزبير رضي الله عنهم،
(1) السبعة في القراءات 1/ 49، 55.
(2)
المنتقى من منهاج الاعتدال 1/ 359.
(3)
جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات 1/ 36.
ومحمد بن المنكدر، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي رحمهم الله (1)، فنتج عن ذلك ما أخذه القراء السبعة رحمهم الله، المجمع على صحة قراءاتهم وأولهم:
1 -
الإمام الذي قام بالقراءة بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التابعين أبو عبدالرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم.
وكان عالما بوجوه القراءات متبعا لآثار الأئمة الماضين ببلده أخذ القراءة عن جماعة من التابعين منهم: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وكان عبد الرحمن قد قرأ على أبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعلى قراءة نافع اجتمع الناس بالمدينة العامة منهم والخاصة.
توفي نافع رحمه الله سنة تسع وستين ومائة، وكانت وصيته لبنيه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (2).
2 -
كان الإمام الذي انتهت إليه القراءة بمكة وأتم به أهلها في عصره، عبد الله بن كثير، مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويقال له: الداري، كان مقدما في عصره، قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ مجاهد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أُبي بن كعب رضي الله عنه، ولم يخالف ابن كثير مجاهدا في شيء من قراءته، وقد أجمع أهل مكة على قراءته.
وعن ابن عيينة أنه توفي سنة عشرين ومائة، رحمه الله.
3 -
وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ لأنه هو الذي بعث به إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قبل أن يجمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف واحد، ثم لم تزل في صحابته من بعده يأخذها الناس عنهم؛ كعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزر بن حبيش، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وعبيدة السلماني، وغيرهم.
(1) السبعة في القراءات 1/ 47، 53، 54، 62، 63.
(2)
من الآية (1) من سورة الأنفال.
4 -
أول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان رضي الله تعالى عنه الناس عليها أبو عبد الرحمن السلمي: واسمه عبد الله بن حبيب؛ فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، مكث يقرئ بها أربعين سنة، رحمه الله، وكان قد قرأ على علي رضي الله تعالى عنه (1).
الإمام أبو بكر عاصم بن أبي النجود:
وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زر بن حبيش.
5 -
الإمام حمزة بن حبيب الزيات:
وكان الإمام حمزة ممن تجرد للقراءة ونصب نفسه لها، وكان ينحو نحو أصحاب عبد الله؛ لأن قراءة عبد الله انتهت بالكوفة إلى الأعمش، قيل: قرأ عليه، وقيل: سمع قراءته، وقرأ على ابن أبي ليلى، وقرأ ابن أبي ليلى على المنهال بن عمرو، وقرأ المنهال على سعيد بن جبير، وقرأ سعيد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب رضي الله عنه، وقرأ أبي بن كعب على النبي صلى الله عليه وسلم.
6 -
الإمام علي بن حمزة الكسائي:
كان علي بن حمزة الكسائي قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات وكانت العربية علمه وصناعته واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة وكان إمام الناس في القراءة في عصره وكان يأخذ الناس عنه ألفاظه بقراءته عليهم.
وأما البصرة فقام بالقراءة بها بعد التابعين جماعة منهم:
7 -
الإمام أبو عمرو بن العلاء:
كان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو إمام أهل عصره في اللغة، وقد رأساً في القراءة، والتابعون أحياء وقرأ على جلة التابعين مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ويحيى بن يعمر وكان لا يقرأ بما لم يتقدمه فيه أحد.
توفي أبو عمرو وهو ابن ست وثماني سنة رحمه الله.
(1) السبعة في القراءات 1/ 64، 66، 67، 69، 70، 78.