الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتجول في الأمصار، ولم يسلم من شره بادئ ذي بدء إلا المدينة، كان نشاطه في مصر، والبصرة والكوفة، وتجول في الأعراب، وكان الكذب والتزوير مطيته للوصول إلى قلوب الناس، والتأثير عليهم بحب آل البيت، ونصرة علي بن أبي طالب الخليفة الراشد رضي الله عنه، وزعم أن عثمان رضي الله عنه لا حق له في الخلافة، فاجتمع له عدد من الناس، أشعل بهم الفتنة، فاتّهم ولاة عثمان على الأمصار بكتب مزورة يرسلها من مصرٍ إلى مصرٍ، استفسد بها الكثيرين من الناس، وتعاونوا على الإثم والعدوان، حتى استمالوا بعض من بعثه عثمان لمعرفة حقيقة الأمر، ونتج عن جهود ابن السوداء المعروف بعبدالله بن سبأ انشقاق فرقتين من المسلمين، فرقة أخذت برأيه في عثمان رضي الله عنه وهم الخوارج، والفرقة الثانية أخذت برأيه في الرجعة والوصية وهم الرافضة.
فتنة الخلاف
لا نشك في أن أتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم على درجات متفاوتة في فهم الإسلام وتطبيقه، منذ عهد الصحابة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ونعلم أن الأفهام تختلف، ويقبل منها في أحيان، لكنها مقيدة بعدم مصادمة الإسلام، ونريد بالإسلام ما قام البرهان عليه من الكتاب العزيز، وصحيح السنة النبوية، وما أجمع عليه علماء الأمة، وقد تعددت الأفهام من أصحاب رسول الله، فالإنفاق في سبيل الله مثلا: فهم منه أبو بكر رضي الله عنه أنه دفع المال كاملا، وفهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نصف المال، وفهم أبو ذر رضي الله عنه أن ما يزيد عن القوت اليومي يجب إنفاقه، هذا اجتهاد من كل منهم رضي الله عنهم، والدافع إليه حب الخير والتنافس في نصرة الإسلام، والمستند في هذا عموم قول الله تعالى:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (1)، فالمسارعة في العبادات البدنية والمالية، وما هو مشترك بينهما كالحج والعمرة مطلوب بعموم هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (2)، وهذا حث على إنفاق ما هو نفيس في طاعة الله، لأن الردي لا ينبغي التقرب به إلى الله مع
(1) الآية (133) من سورة آل عمران.
(2)
الآية (92) من سورة آل عمران.
وجود الطيب النفيس، وقوله تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (1)، كل هذا من أجل التنافس في الخير، وإن اختلفت الآراء في نوع المنافسة والتفاوت فيها، فهذا التفاوت لا يشقي أصحابه، ما داموا يدورون في فلك الإسلام، ولم تفرقهم الأفهام في أصول الدين وقواعده الكلية، كالأئمة الأربعة رحمهم الله، ومن نهج نهجهم، في البناء على الأدلة والبراهين، والاستنباط منها، فلا يبعدهم عن الإسلام ما وقع بينهم من الخلاف في الفروع، هذا ما درجت عليه الأمة في القرون المفضلة، مجتمعة على الإسلام، قامعة لكل من يثير الخلافات الهدامة، والتي يقصد منها إثارة الشبه، ولذلك وصفت هذه القرون بأنها خير القرون، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . قال عمران رضي الله عنه: لا أدري، أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
…
«إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن) (2)، وهذه الخيرية أساسها دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار، وأبناء الأنصار (3)، فإن الخير فيهم وفي عقبهم موجود بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير معدوم في المهاجرين وأبنائهم وأبناء أبنائهم، ولا في غيرهم من الذين أتوا من بعدهم وهم يقولون:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (4)، وعلى هذا تأسست قوة الإسلام، وتماسك بنيانه، وتوحدت أفكار المسلمين.
وعلى هذا الأساس فإن كل خلاف يقع بين المؤمنين لا يعدو البحث عن الحق؛ فإذا ظهر الحق إلتأم الشمل وزال الخلاف، وعلى هذا ما جرى بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم في سقيفة بني ساعدة حسم الأمر لما ظهر الحق، وكذلك خلاف الصحابة رضي الله عنهم في قتال أهل الردة لما ظهر الحق إلتأم الشمل وتوحدت الكلمة، في وصية أبي بكر بالخلافة لعمر لما بان الحق رجع من تخوف من شدة عمر، وعلم أن أبا بكر ما أراد إلا العدل، والخير للأمة؛ فإنه عليم بفضل عمر، ولم تكن شدته
(1) الآية (261) من سورة البقرة ..
(2)
أخرجه البخاري، حديث (2651) ومسلم حديث (2535).
(3)
أنظر: المعجم الكبير للطبراني حديث (49، 72).
(4)
من الآية (10) من سورة الحشر.
إلا في إحقاق الحق، وقمع الباطل، وإذا كان بعض الصحابة شارك في الخلاف على عثمان، فإنه لِما وقع من استغلال من غير الصحابة، قال أبو جعفر القارئ مولى ابن عباس:"كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة، رأسهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر بن عتاب الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والذين قدموا من الكوفة مائتين، رأسهم مالك الأشتر النخعي، والذين قدموا من البصرة مائة رجل رأسهم حكيم بن جبلة العبدي، وكانوا يدا واحدة في الشر، وكان حثالة من الناس قد ضووا إليهم، قد مزجت عهودهم وأماناتهم، مفتونون، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين خذلوا عثمان كرهوا الفتنة، وظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فندموا على ما صنعوا في أمره، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوههم التراب لانصرفوا خاسرين"(1)، على أن الذين كرهو الفتنة ووقفوا على الحياد هم عدد غير قليل؛ قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرات الألوف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين" (2).
قلت: هذه شهادة موثقة بكبار الأئمة، تكتب بماء الذهب لصحتها، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"هذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته (3)، ولكن تقدم أن من حضر للدفاع عن عثمان رضي الله عنه كانوا ستمائة، فلعل الغالب من غير الصحابة، فنلاحظ أن الذين وقفوا مع عثمان رضي الله عنهم وكانوا على استعداد للدفاع عنه؛ لأنهم عرفوا أن من قدم من مصر والكوفة والبصرة ما هم إلا خوارج الفتنة من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة، فهم يريدون قتل عثمان أو تسفك دماء دونه، لذلك عزم عثمان عليهم بعدم القتال دفاعا عنه، جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال له: "إن الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصارا لله مرتين" فقال عثمان: "أما القتل فلا" وقال: "أنا
(1) الطبقات الكبرى 3/ 71.
(2)
الوجيز المفيد في تبيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان 1/ 7.
(3)
الوجيز المفيد في تبيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان 1/ 7.