الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأجر العظيم قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (1)،
وهذه تحققت في جميع الصحابة رضي الله عنهم وأبو بكر رضي الله عنه هو أكمل الناس إيمانا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشهادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:«لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم» (2)، وكفى والله بها شهادة من عدل خبير بأبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعود إلى الحديث السابق فنجد فيه إلماحة قوية تؤكد أن خلافة عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر رضي الله عنه، وتشير إلى ما يكون في عهده من خير للإسلام والمسلمين، فطابق الخُبْرُ الخَبَر في هذا الأمر العظيم المعتبر، فُتحت الأمصار شرقا وغربا، ودوَّى صوت المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح في تلك الأمصار، ومن هنا اشتدت عداوة الحاقدين على عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله، وأتباعه الذين لا زالت نار حقدهم تضطرم إلى اليوم.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشى فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة» (3)، ففيه إشارة إلى ما سيحدث من خلاف وفتن يشعلها أهل الكيد للإسلام، وأن ذلك سيحدث لا محالة، ولا يكون إلا بالإحداث فيما جاء به صلى الله عليه وسلم، وحذر من المحدثات في الدين لأنها أبواب الضلال.
موقف الصحابة من الخلافة الراشدة
لم يشك الصحابة رضي الله عنهم في أن مراتب الخلافة الراشدة، بعد النبوة على الولاء، روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نُخَيِّر بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره (4).
(1) الآية (9) من سورة المائدة ..
(2)
الإبانة الكبرى لابن بطة (3/ 183).
(3)
الترمذي حديث (2891).
(4)
السنة لابن أبي عاصم حديث (1193).
وبالطبع علي رضي الله عنه رابع الخلفاء، وهو القائل رضي الله عنه:"خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وبعد أبي بكر: عمر، ولو شئت أن أسمي لكم الثالث لفعلت"(1)، ولا ريب أن الثالث عثمان، وقد روى محمد بن علي بن أبي طالب: المعروف بابن الحنفية قال: قلت لأبي: "يا أبت، من أفضل هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: سبحان الله يا بني: أبو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: سبحان الله يا بني: عمر. قال: قلت: ثم أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: لست هناك، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين، لي ما لهم، وعليّ ما عليهم"(2).
يفهم من قول علي رضي الله عنه: "لست هناك" أنه رضي الله عنه يعلم موقعه في الخلافة، وأنه ليس بعد عمر رضي الله عنه، ولذلك بايع عمر ولم ينازعه، ولما كان موقعه بعد عثمان بايعه الصحابة فقام لذلك، ولم ينازعه معاوية رضي الله عنه في الخلافة بل في المطالبة بقتل قتلة عثمان رضي الله عنه، وقد كان أمر مراتب الخلافة عندهم من البدهيات، ولذلك كان الحادي يحدو بعثمان وهو يقول:
إن الأمير بعده علي
…
وفي الزبير خلف رضي.
قال كعب: ولكنه صاحب البغلة الشهباء، يعني معاوية، فقيل لمعاوية: إن كعبا يسخر بك ويزعم أنك تلي هذا الأمر، قال: فأتاه فقال: يا أبا إسحاق، وكيف وهاهنا علي والزبير وأصحاب محمد، قال:«أنت صاحبها» (3).
وفي قول معاوية هذا دلالة على أنه يعلم رتبة عليّ رضي الله عنه في الخلافة وأنها بعد عثمان، ويعلم أن الزبير أحق منه بها بعد علي رضي الله عنهم، ولعل كعب الأحبار رحمه الله قال ما قال لمعاوية رضي الله عنه إما لعلم عنده من الكتاب؛ "التوراة" أو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» وهو الأولى عندي، قال سفينة للراوي عنه وهو سعيد بن جمهان:"أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين"(4)، وقال رسول
(1) السنة لابن أبي عاصم حديث (1201).
(2)
السنة لابن أبي عاصم حديث (1207).
(3)
مصنف ابن أبي شيبة حديث (37093).
(4)
الإبانة عن أصول الديانة 1/ 257.
الله صلى الله عليه وسلم: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء» (1)، حيث تنتهي الخلافة الراشدة بقتل علي رضي الله عنه، ولعن الله قاتله عبد الرحمن بن ملجم، وقد تجاوز خبر الخلفاء حدود الخلافة الراشدة، روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون اثنا عشر خليفة» - فذكر أبا بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه، وعثمان رضي الله عنه - فقال له رجل من قومه: إنما جلسنا إليك لتذكرنا، ما لنا وما لهذا؟ فقال: والذي نفسي بيده، لو تركتني لأخبرتكم بما قال فيهم واحدا واحدا (2)، روى جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول:«إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» قال: ثم تكلم بكلام خفي عَليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلهم من قريش» (3).
قلت: بيَّن الحافظ ابن حجر رحمه الله المراد من هذا الحديث بناء على تأييد القاضي عياض رحمه الله بقوله: في بعض طرق الحديث الصحيحة «كلهم يجتمع عليه الناس» وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر رضي الله عنه، ثم عمر رضي الله عنه، ثم عثمان رضي الله عنه، ثم علي رضي الله عنه، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فسمي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية رضي الله عنه عند صلح الحسن رضي الله عنه، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين رضي الله عنه أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك، لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم
(1) أبو داود حديث (4646).
(2)
السنة لابن أبي عاصم حديث (1182).
(3)
مسلم حديث (1821).